النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
أَبْوَابَ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ، وَالأَ عْمَشُ، عَنْ ذَرٍّ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ذَرِّ (١).
لقد تضمنت[١] شرائع الإسلام بأسرها دعوات صريحة أو ضمنية، فكأن الأمر
بالدعاء هو الأمر بإتيانها بحسب الحقيقة، ولا شك أن الإباء عن الدعاء على هذا
التقدير إنما هو إباء عن شعائر الشرع، فلا محالة يكون سبباً للعقاب، ولكنا معاشر
العوام الذين عمتهم الغفلة وأحاطت بهم القسوة حتى لا يكاد أحدنا يؤدي الأحكام
حسب ما أمر به، لسنا نتمكن من الاكتفاء بالدعوات الضمنية التي أشير إليها في
الآية، بل لا بد من إتيان الدعاء مستقلًا على حدة، فيعزر تارك[٢] الدعوات بعد
الصلوات ولا يعذر علی تر کها.
[١] ولأجل هذا المعنى فسر عامة المفسرين الدعاء بالعبادة، وكذا شراح الحديث جلهم، قال
الشيخ في ((البذل))(٢): فإن قلت: قوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ﴾ بصيغة الأمر الذي هو للوجوب،
وقوله تعالى: ﴿سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] إطلاق الوعيد يدل على فرضية الدعاء
ووجوبه، وأجمعت الأمة على عدم الوجوب، قلت: إن الدعاء مفهومه يشمل جميع العبادات
من الفرائض والنوافل، فبعض أفرادها فرض، وبعضها نفل، فلا إشكال فيه، أو يقال: إن الأمر
للاستحباب، والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقاً بل على تركها استكباراً، انتهى.
وبسط القاري في وجوه الحديث وحكى عن الطيبي (٣): يمكن أن تحمل العبادة على
المعنى اللغوي، وهو غاية التذلل والافتقار والاستكانة، وما شرعت العبادة إلا للخضوع
البارئ وإظهار الافتقار إليه، وقال أيضاً: قال الشارح: العبادة ليست غير الدعاء، انتهى.
[٢] يشكل عليه ما تقدم من الإجماع على عدم الوجوب، وفي هامش أبي داود عن ((اللمعات)) (٤) =
(١) زاد في بعض النسخ: ((هو ذر بن عبد الله الهمداني، ثقة، والد عمر بن ذر)).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٠١/٦).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١٧٠٨/٥) و((مرقاة المفاتيح)) (١١٩/٥).
(٤) ((لمعات التنقيح)) (١٣/٥).

٥٦٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣ - بَابُ مِنْهُ
٣٣٧٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الله
يَغْضَبْ عَلَيْهِ)).
وَقَدْ رَوَى وَكِيعُ، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ هَذَا الحَدِيثَ، وَلَا
نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ (١).
[٣ - باب منه]
قوله: (إنه من لم يسأل الله يغضب عليه) قد يحمل على ما ذكرناه من أنه
في قوله: ((الدعاء هو العبادة)»: الحصر للمبالغة، وقراءة الآية تعليل بأنه مأمور فيكون عبادة
=
أقله أن يكون مستحبًّا، وآخر الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ الآية [غافر: ٦٠]،
والمراد بعبادتي هو الدعاء، ولحوق الوعيد ينظر إلى الوجوب، لكن التحقيق أن الدعاء
ليس بواجب، والوعيد إنما هو على الاستكبار، فافهم، انتهى.
وفي ((شرح شرعة الإسلام))(٢) ليعقوب بن سيد علي زادة الحنفي المتوفى ٩٣١هـ: ((ويغتنم
الدعاء بعد المكتوبة)) وقبل السنة، على ما روي عن البقالي من أنه قال: الأفضل أن يشتغل
بالدعاء ثم بالسنة، وبعد السنن والأوراد على ما روي عن غيره، وهو المشهور المعمول
به في زماننا كما لا يخفى، ((فإنه مستجاب)) بالحديث، وقد قال النبي ◌ُّل في حديث رواه
ابن عباس: ((من لم يفعل ذلك فهو خداج»، أي: من لم يدع بعد الصلاة رافعاً یدیه إلى ربه،
مستقبلاً ببطونها إلى وجهه، ولم يطلب حاجاته قائلاً: يا رب يا رب، فما فعله من الصلاة =
[٣٣٧٣] جه: ٣٨٢٧، حم: ٢ / ٤٤٢، تحفة: ١٥٤٤١.
(١) زاد في نسخة: ((وأبو المليح اسمه صبيح، سمعت محمدًا يقوله، وقال: يقال له: الفارسي)).
(٢) (ص: ١٢٨).

٥٦٣
أبْوَابُ الدّعَوَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ أَبِي الْمَلِيجِ، عَنْ
أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّوَّ نَحْوَهُ(١).
يحصل بإتيان الشرائع، فلا يتوهم أن إبراهيم عليه السلام كيف ترك [١] الدعاء حين
ألقي في النار، حيث قال: علمه بحالي حسبي من سؤالي، وقد يجاب عنه أيضاً بأن
= ناقصة عند الحق سبحانه، كذا حقق في ((التنوير))، وروي أنه كان للحسن البصري جار
يحتطب على ظهره، فكان إذا سلم الإمام خرج من المسجد سريعاً، فقال له الحسن يوماً:
يا هذا لم لم تجلس ساعة، إن لم تكن لك حاجة في الآخرة أفلا حاجة لك في الدنيا؟ قف
بعد الصلاة وادع الله واسأله حمولة تحمل على ظهرها، ذكره في ((الخالصة))، انتهى.
قلت: ولعل المراد من حديث ابن عباس ماروي عن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله وَ ل:
((الصلاة مثنى مثنى))، الحديث. تقدم عند المصنف في باب التخشع في الصلاة، وبسط في
((إعلاء السنن)) في تصحيحه، وأجاب عما أورد عليه، وبسط في الروايات الدالة على رفع
اليدين بعد الصلاة المعهود في الديار، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
[١] كما جزم بذلك عامة المفسرين في تفسير سورة الأنبياء، قال البيضاوي(٢): روي أنهم =
(١) زاد في بعض النسخ:
بَابُ
٣٣٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ
السَّعْدِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ الله ◌ِّهِ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَكَبَّرَ النَّاسُ تَكْبِيرَةً، وَرَفَعُوا
بِهَا أَصْوَاتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَصَمَّ وَلَا غَائِبٍ، هُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ
رُؤُوسِ رِحَالِكُمْ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيٍْ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلِّ، وَأَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ
اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عِيسَى. هذا الحديث سيأتي بإسناده ومتنه في (٣٤٦١).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٥٥).

٥٦٤
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
٤ - بَابِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ
٣٣٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،
عَنْ عَمْرِو بْنٍ قَيٍْ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
شَرَائِعَ الإِسْلَامِ (١) قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنٍ بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: ((لاَ يَزَالُ
لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله)).
ترك السؤال إنما كان بلسانه لا بقلبه، فإنه لم يكن له هم إذ ذاك إلا ذكره تبارك
وتعالى، والذكر والثناء والشكر له سبحانه من العبد كله دعاء وسؤال لما له من فاقة
ذاتية إليه.
[٤ - باب ما جاء في فضل الذكر]
قوله: (لسانك رطباً) إلخ، بإقامة الدال مقام المدلول، فإن المقصود إنما هو
تذكر القلب، إلا أن الذكر اللساني سبب له ومنبئ عنه فيثاب عليه أيضاً، وأما إذا
اجتمعا فهو أولى وأحری.
= بنوا حظيرة بكوثى، وجمعوا فيها ناراً عظيمة، ثم وضعوه في المنجنيق مغلولاً فرموا به
فيها، فقال له جبرئيل: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: فسل ربك، قال: حسبي
من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله ببركة قوله الحظيرة روضة، انتهى. قلت: وأجاد شيخ
مشايخنا في ((التفسير العزيزي)) في سورة المزمل الكلام على أنواع التوكل، ومن جملتها
قول إبراهيم عليه السلام هذا، فارجع إليه.
[٣٣٧٥] تقدم تخريجه في ٢٣٢٩.
(١) أي: ما شرع الله من الفرائض والسنن، ولم يرد أنه يترك ذلك رأسًا، بل طلب ما يتشبث به
بعد الفرائض عن سائر ما لم يفترض عليه. كذا في ((شرح الطيبي)» (١٧٣٩/٥).

٥٦٥
أبْوَابُ الدّعَوَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ(١).
٥ - بَابٌ مِنْهُ
٣٣٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاچٍ، عَنْ أَبِي الهَيْئَمِ، عَنْ
أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ سُئِلَ أَيُّ العِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ الله
يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرِينَ (٢) الله كَثِيرًا)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمِنَ الغَازِي
فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: (لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ
وَيَخْتَضِبَ دَمًّا لَكَانَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً)).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ دَرَّاچٍ.
[٥ - باب منه]
قوله: (لكان الذاكرين الله كثيراً أفضل) إلخ، لما أن حسن الذكر ذاتي من غير
توسط أجنبي، بخلاف الجهاد فإنما حسن لأجل غيره(١)، ولأن الذكر هو المقصود
الأصلي المطلوب لذاته، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ﴾ الآية [الذاريات: ٥٦]، فالجهاد
ليس إلا لتحصيله، فإما أن يسلم الكفار فيذكروه، أو يقتلوا فيتفرغ المؤمنون لذكره
سبحانه، وأما ما ورد من الفضائل في الجهاد فإن ذلك لفضيلة جزئیة فیه، وقد يربو
المفضول علی ما هو أفضل منه إذا احتیج إلیه،
[١] قال ابن عابدين(٣): ولا تردد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من =
[٣٣٧٦] ع: ١٤٠١، هب: ٥٨٣، حم: ٧٥/٣، تحفة: ٤٠٥٤.
(١) زاد في نسخة: «من هذا الوجه)).
(٢) في نسخة: ((الذاكرون)) في الموضعين.
(٣) ((رد المحتار)) (١٢٠/٤).

٥٦٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
فقد كانت في الجهاد(١) فضيلة للافتقار إليه إذاً، وكذلك في كل زمان يفتقر إليه
وإلى غيره، وأما إذا قطعت النظر عن الأمور الخارجية ونظرت إلى الشيء نفسه
فالفضل للذكر على كل ما سواء[٢].
= الجهاد؛ لأنها فرض عين وتتكرر، ولأن الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة فكان حسناً
لغيره، والصلاة حسنة لعينها وهي المقصودة منه، وتمام تحقيق ذلك مع ما ورد في فضل
الجهاد المذکور في «الفتح»(١)، انتھی.
[١] وعلى هذا فلا يخالف حديث الباب ما ورد من قوله بمعدل: ((رباط يوم في سبيل الله خير من
ألف يوم فيما سواه من المنازل))، وأيضاً: ((رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه))،
وأيضاً: ((مقام أحدكم في سبيل الله ساعة أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً))، وغير ذلك
من الروايات الكثيرة الشهيرة في الباب، وإلى ذلك ذهب جمع من المشايخ وشراح الحديث
في الجمع بين مختلف ما روي في أفضل الأعمال، وحكى العيني(٢) عن القفال الكبير
الشاشي أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روي أنه مح له قال: ((حجة لمن
لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة))(٣)، وحكى عن
القاضي عياض أنه قال (٤): أعلم كل قوم بما لهم إليه حاجة، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة،
أو ترك ما تقدم علم السائل إليه وأعلمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام، ولا بَلَغَه علمه، إلى
أن قال: وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين،
ثم قال: والحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، انتهى.
[٢] وقد بسط الغزالي في ((الإحياء))(٥) في آخر الباب الأول من كتاب الأذكار تفصيل ذلك، =
(١) انظر: ((فتح القدير)) (٤٣٥/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٨٩/١).
(٣) أخرجه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٦٥١).
(٤) انظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) (١ / ٣٤٧).
(٥) ((إحياء علوم الدين)) (١/ ٣٠١).

٥٦٧
أبْوَابُ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
٦ - بَابُ مِنْهُ
٣٣٧٧ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ
أَبِيِ الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَلَا أُنَبُّكُمْ بِخَيْرٍ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ
مَلِيكِكُمْ(١)، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ،
وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟»
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((ذِكْرُ الله))، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ الله
مِنْ ذِكْرِ الله.
وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدٍ، مِثْلَ هَذَا بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ.
٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي القَوْمِ يَجْلِسُونَ فَيَذْكُرُونَ اللّهِ مَا لَهُمْ مِنَ الفَضْلِ
٣٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ،نَاسُفْیَانُ،
[٧ - باب ما جاء في القوم يَجْلِسُونَ فَيَذْكُرُونَ الله مَا لَهُمْ مِنَ الفَضْلِ]
= إذ قال: إن قلت: ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار أفضل
وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها؟ فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة
والقدر الذي يسمح بذكره في المعاملة، ثم بسطه بما لا يتحمله هذا المختصر، فارجع إليه.
[٣٣٧٧] جه: ٣٧٩٠، حم: ١٩٥/٥، تحفة: ١٠٩٥.
[٣٣٧٨]م: ٢٧٠٠، جه: ٣٧٩١، حم: ٣٣/٣، تحفة: ٣٩٦٤.
(١) في هامش الأصل: المليك بمعنى المالك للمبالغة، وفي ((القاموس)) (ص: ٩٥٤): الملك
ککتف، وأمیر، وصاحب: ذو الْمُلكِ، انتهى.

٥٦٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَغَرِّأَبِي مُسْلِمٍ، أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي سَعِيدٍ
الخُدْرِيِّ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله
إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ،(١)
وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ))(٢).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَطَّارُ، نَا
أَبُو نَعَامَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ (٣)، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ،
إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهِ، قَالَ: الله مَا
أَجْلَسَكُمْ إِلَّ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَالله (٤) مَا أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَاكَ،
قوله: (آلله ما أجلسڪم) إلخ، أما استحلاف معاوية فكان يتحرى بها أداء
السنة(١]، وأما استحلاف النبي ◌َّ- فكان للتقرير لشدة السرور.
[١] كما أشار إليه هو بنفسه، قال القاري(٥): أي: ما أستحلفكم تهمة لكم بالكذب، لكني أردت
المتابعة والمشابهة فيما وقع له مّ مع الصحابة، انتهى.
[٣٣٧٩] م: ٢٧٠١، ن: ٥٤٢٦، حم: ٤ / ٩٢، تحفة: ١١٤١٦.
(١) السكينة: هي ما يحصل به السكون والوقار، وصفاء القلب بنور القرآن، وذهاب الظلمة
النفسانية، ونزول ضياء الرحمانية. (شرح الطيبي)) (٦٦٥/٢).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَغَرَّ أَبًا مُسْلِمٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ﴿ فَذَكَرَ مِثْلَهُ)).
(٣) زاد في نسخة: ((النهدي)).
(٤) في نسخة: ((آلله)).
(٥) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦١/٥).

٥٦٩
أَبْوَابُ الدّعَوَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدُّ بِمَنْزِلَتِي مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ أَقَلَّ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ
أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُمْ؟)) قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله، وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانًا
لِلإِسْلَامِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَقَالَ: ((آلله مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّ ذَاكَ؟)) قَالُوا: آلله مَا
أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ لِتُهْمَةٍ لَكُمْ، إِنَّهُ أَتَانِي جِبْرَئِيلُ
وَأَخْبَرَنِي(١) أَنَّ اللّه يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ
اسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ عِيسَى(٢)، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلَّ.
٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَوْمِ يَجْلِسُونَ وَلَا يَذْكُرُونَ الله
٣٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ،نَاسُفْیَانُ،
قوله: (وما كان أحد بمنزلتي) إلخ، يعني أنه لما لم یکن یروي لهم روايات
كثيرة كان مظنة أنه ليس له رواية وإلا لأظهرها، فأثبت له اختصاصاً بالنبي مثل لكون
أخته في بيته، وترك الرواية كان احتياطاً منه في باب الحديث، وإنما فعل ذلك أي:
أثبت اختصاصه واعتذر عن قلة الرواية لينفي عن نفسه ريبة الكذب [١].
[١] وقريب منه ما قال القاري(٣) من أنه قدم بيان قربه منه عليه الصلاة والسلام، وقلة نقله من
أحاديثه الکرام دفعاً لتهمة الكذب عن نفسه فیما ینقله، انتهى.
[٣٣٨٠] د: ٤٨٥٦، ٥٠٥٩، حم: ٢ / ٤٤٦، تحفة: ١٣٥٠٦.
(١) في نسخة: ((فأخبرني)).
(٢) قال المزي في ((تحفة الأشراف)) (٨/ ٤٤٠): كذا قال، وهو وهم، إنما هو عبد ربه كما
تقدم، وأما عمرو بن عيسى فهو أبو نعامة العدوي وهو شيخ آخر.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦١/٥).

الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٥٧٠
عَنْ صَالِحِ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ لَ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمُ
مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ، وَلَمْ يُصَلَّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ
شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ (١).
٩ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ مُسْتَجَابَةٌ
٣٣٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا ابْنُ لَهِيعَةً، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّ آتَاهُ اللهُ مَا سَأَلَ،
أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ)).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
٣٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا عُبَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، نَاسَعِيدُ بْنُ عَطِيَّةً
[٩ - باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة]
قوله: (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) وأما إذاً(١) فيحسبه أنه لم يعذب ولم
تدهمه مصيبة.
[١] يعني إذا دعا بإثم أو قطيعة رحم فيكفي له أن لا يبتلى بمصيبة لهذه المعصية.
[٣٣٨١] حم: ٣٦٠/٣، تحفة: ٢٧٨١.
[٣٣٨٢] ع: ٦٣٩٦، تحفة: ١٣٤٩٧.
(١) زاد في نسخة: ((وَمَعْنَى قَوْلِهِ: تِرَةَ: يَعْنِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالعَرَبِيَّةِ:
التّرَةُ هُوَ الثَّْرُ)».

٥٧١
أَبْوَابُ الدّعَوَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
اللَّيْئِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ: «مَنْ
سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ))(١).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ.
٣٣٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، نَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ابْنِ كَثِيرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّ الله،
وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لله)(٢).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنَّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا
الحَدِيثَ.
٣٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَا: نَايَحْبَى
ابْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ البَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
[٣٣٨٣] جه: ٣٨٠٠، تحفة: ٢٢٨٦.
[٣٣٨٤] م: ٣٧٣، د: ١٨، جه: ٣٠٢، حم: ٦ / ٧٠، تحفة: ١٦٣٦١.
(١) أي: في حالة السعة والصحة والفراغ والعافية، انتهى من ((المرقاة)) (١٥٣١/٤).
(٢) قال القاري (٤ /١٥٩٨): لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله، وأن يطلب منه حاجته، والحمد لله
يشملهما، فإن من حمد الله يحمده على نعمته، والحمد على النعمة طلب المزيد وهو رأس
الشكر، قال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، ويمكن أن يكون قوله:
الحمد لله من باب التلميح والإشارة إلى قوله تعالى: ﴿آهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الفاتحة: ٦]،
وأيّ دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك.

٥٧٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِّلَهِ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أُحْيَانِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْبَى بْنِ زَكَرِيًّا بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ، وَالبَهِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله.
١٠ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الدَّاعِيَ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ
٣٣٨٥ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِّ (١) الكُوفِيُّ، نَا أَبُو قَطَنِ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأْ بِنَفْسِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ صَحِيحٌ، وَأَبُو قَطَنِ اسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ الهَيْثَمِ.
١٠ - باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه
قوله: (بدأ بنفسه) لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، ولأنه
لو أوتي له [١] ما سأل فهو يكون قد أحرز نصيباً منه.
[١] يعني أن الدعاء للغير من الأدعية المستجابة، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس رفعه:
((خمس دعوات مستجابات))، وذكر فيها دعوة الأخ لأخيه، كما حكاه الحافظ (٢)، فالمعنى
أن الغير لو استجيب في حقه دعاء هذا الداعي، فيكون هو أيضاً محرزاً لذلك لتشريكه
نفسه في الدعاء، فإن الله عزّ اسمه أكرم من أن يقبل بعضاً ويترك بعضاً، وهذا أوجه مما قاله =
[٣٣٨٥] د: ٣٩٨٤، ن في الكبرى: ١١٣١٠، حم: ١٢١/٥، تحفة: ٤١٠.
(١) كذا في الأصل وأصولنا الخطية، وقال المزي في ((تهذيب الكمال)» (٣٦٢/٢٩): هكذا وقع
في بعض النسخ المتأخرة من الترمذي، وذلك وهم، ووقع في عدة من الأصول الصحاح
العتيقة: نصر بن عبد الرحمن، وهو الصواب، وهو الوشاء المقدم ذكره، (٢٩/ ٣٥٠).
(٢) ((فتح الباري)) (١١/ ١٣٧).

٥٧٣
أَبْوَابُ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الأَيْدِي عِنْدَ الدُّعَاءِ
٣٣٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ،
وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: نَا حَمَّادُ بْنُ عِيسَى الجُهَنِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ
الجُمَحِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، لَمْ يَحُظَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ(١).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ: لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ.
= القاري(٢): فيه إيماء إلى أنه إذا قبل دعاؤه لنفسه فلا يرد دعاؤه لغيره، انتهى.
وذلك لأن إجابة الدعاء في حق الغير أرجى من الإجابة لنفسه كما يدل عليه الحديث
المذكور وما في معناه، ويشكل على الحديث ما في ((المشكاة))(٣) برواية مسلم عن
أبي الدرداء مرفوعاً: ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك
موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل))، ويمكن الجواب
عنه أن دعوته لنفسه إذا انضمت بدعاء الملك تكون أرجى للقبول، ثم بداية نفسه في الدعاء
للغير ليس بضروري كما أشار إليه البخاري في ((صحيحه)) إذ ترجم بقوله: ((باب قول الله
تبارك وتعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ومن خصّ أخاه بالدعاء دون نفسه)) ثم ذكر
الروايات المؤيدة لذلك.
[٣٣٨٦] ك: ١٩٦٧، طس: ٧٠٥٣، تحفة: ١٠٥٣١.
(١) قال ابن الملك في ((شرح مصابيح السنة)) (٧٨/٣): وذلك على سبيل التفاؤل، فكأن كفيه
قد ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية، انتهى.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٣٣/٥).
(٣) ((مشكاة المصابيح)) (٢٢٢٨).

٥٧٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى تَفَرَّدَ(١) بِهِ
وَهُوَ قَلِيلُ الحَدِيثِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ النَّاسُ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الجُمَحِيُّ
هُوَ ثِقَةُ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ.
١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَعْجِلُ فِي دُعَائِهِ
٣٣٨٧ - حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ، نَا مَالِكُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((يُسْتَجَابُ
لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو عُبَيْدِ اسْمُهُ: سَعْدُ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَزْهَرَ، وَيُقَالُ: مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَفِي البَابِ عَنْ أُنَسِ.
١٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى
٣٣٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا أَبُو دَاوُدَ وَ(٢) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ،
[١٢ - باب ما جاء فيمن يستعجل في دعائه]
قوله: (ما لم يعجل) لأنه يكون سبباً للقنوط والترك.
[١٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى]
[٣٣٨٧] خ: ٦٣٤٠، ٢٧٣٥، د: ١٤٨٤، جه: ٣٨٥٣، حم: ٢٩٦/٢، تحفة: ١٢٩٢٩.
[٣٣٨٨] د: ٥٠٨٨، ٥٠٨٩، جه: ٣٨٦٩، حم: ١ / ٦٢، تحفة: ٩٧٧٨.
(١) في نسخة: ((وَقَدْ تَفَرَّدَ)».
(٢) سقطت الواو في نسخة.

٥٧٥
أبْوَابُ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ
عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َةِ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ
يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءُ فِي الأَرْضِ وَلَا
فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرُّهُ(١) شَيْءٌ). وَكَانَ أَبَانُ
قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالَجِ (٢)، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ؟ أَمَا
إِنَّ الحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ، وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ الله عَلَيَّ قَدَرَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
٣٣٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ، نَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ
سَعِيدٍ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: «مَنْ
قَالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللهِ رَبَّ، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا
عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ))(٣).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٣٣٩٠ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَا جَرِيرُ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله،
[٣٣٨٩] تحفة: ٢١٢٢.
[٣٣٩٠]م: ٢٧٢٣، د: ٥٠٧١، حم: ١ / ٤٤٠، تحفة: ٩٣٨٦.
(١) في نسخة: ((لم يضره)).
(٢) هو بفتح اللام: استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح.
((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٦٥٩).
(٣) أي: يعطيه ثوابًا جزيلاً حتى يرضى، ((لمعات التنقيح)) (٢٠٠/٥).

٥٧٦
الكوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: كَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَمْسَى قَالَ: ((أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للّه، وَالحَمْدُ للهِ، لَا إِلَهَ
إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ))، أُرَاهُ قَالَ: ((لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، وَأَعُوذُ بِكَ
مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ القَبْرِ))، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ
الْمُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ لله)».
قوله: (أراه قال) أي: غالب ظني أنه قال: له الملك وله الحمد وهو على
كل شيء قدير، وأما بعد ذلك(١) فليس داخلاً تحت الظن، وإنما هو مثل الأول في
الیقین به.
قوله: (وسوء الكبر) بفتح الباء من كبر السن، وقيل: بسكونه هو التكبر، ولا
يناسب الكسل (٢)، والإضافة على هذا بيانية.
[١] لما أن روايات ابن مسعود مختلفة في ذكر هذه الكلمة فقط بخلاف الكلام الآتي، فإنه
موجود في جميعها كما يدل عليه جميع طرق هذا الحديث المخرجة في مسلم وأبي داود
و((عمل اليوم والليلة)) لابن السني وغيرها.
[٢] قال القاري(١): الكبر بفتح الباء هو الأصح رواية ودراية، أي: مما يورثه الكبر من ذهاب
العقل، واختلاط الرأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال، وروي بسكون الموحدة، والمراد به
البطر، قال الطيبي: والدراية تساعد الرواية الأولى، لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف
كالجمع بين الضب والنون، ونازعه ابن حجر بأن الأول أشهر رواية، وأما دراية فالثاني
يفيد التأسيس بخلاف الأول فإنه إنما يفيد ضرباً من التأكيد، وتعقبه القاري بأن الكلام =
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٠/٥).

٥٧٧
أَبْوَابُ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ ابْنٍ
مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
٣٣٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا سُهَيْلُ بْنُ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ
يَقُولُ: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ
نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا،
وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ))(١).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
١٤ - بَابٌ مِنْهُ
٣٣٩٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَنْبَأْنَا شُعْبَةُ، عَنْ
يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَوبْنَ عَاصِمِ النَّقَفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ،
١٤ - بَاب مِنْهُ
= في المناسبة والملائمة بين المتعاطفين المعتبرة عند علماء المعاني، ويدل عليه لفظ سوء
المناسب للكبر بفتح الباء، فإن الكبر بسكون الباء يذم مطلقاً، انتهى. وهذا هو مراد الشيخ
بقوله: فالإضافة على هذا بيانية.
[٣٣٩١] ٥: ٥٠٦٨، جه: ٣٨٦٨، حم: ٣٥٤/٢، تحفة: ١٢٦٨٨.
[٣٣٩٢] د: ٥٠٦٧، ن في الكبرى: ٧٦٩١، حم: ٩/١، تحفة: ١٤٢٧٤.
(١) يقال: نشر الميت ينشر نشوراً، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله: أي أحياه. ((النهاية))
(٥٤/٥).

٥٧٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ
وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ
وَشِرْكِهِ، قَالَ: قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
١٥ - بَابُ مِنْهُ
٣٣٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ،
عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َل
قَالَ لَهُ: (أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى سَيِّدِ (١) الإِسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ،
خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ
مَا صَنَعْتُ، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَعْتَرِفُ بِذُنُوبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ
قوله: (وشركه) بالكسر، أي: يصيبني من ضرر شركه[١]، أو أن أتلطخ بدنسه.
[١] كما يومئ إليه قوله مَ له وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث))، وفي
الحاشية عن ((المجمع))(٢): قوله: شركه بكسر الشين وسكون الراء، والإضافة إلى فاعله،
أي: يوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتحتين جمع الشركة، أي: من حبائله ومصايده،
انتهى بتغير، وفي هامش الحصن عن ((المرقاة))(٣): الأول هو الأشهر في الرواية وأظهر في
الدراية، انتھی.
[٣٣٩٣] خ: ٦٣٠٦، ن: ٥٥٢٢، حم: ٤ /١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، تحفة: ٤٨٢٥.
(١) قال الطيبي (١٨٤٤/٦): السيد هنا مستعار من الرئيس المقدم، الذي يصمد إليه في
الحوائج، ويرجع إليه في الأمور بهذا الدعاء، الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها.
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٢١٣/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠١/٥).

أَبْوَابُ الدّعَوَات عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
٥٧٩
لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، لَا يَقُولُهَا أَحَدُكُمْ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرُ
قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَلَا يَقُولُهَا حِينَ يُصْبِحُ فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرُ
قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ أَبْزَى، وَبُرَيْدَةً.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ
هُوَابْنُ أَبِي حَازِمِ الزَّاهِدُ.
١٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ
٣٣٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
الهَمْدَانِيِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ لَهُ: ((أَلَا أَعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ
تَقُولُهَا إِذَا أُوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِظْرَةِ، وَإِنْ
أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ وَقَدْ أَصَبْتَ خَيْرًا، تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ،
وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ
ظَهْرِي إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي
أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ))، قَالَ البَرَاءُ: فَقُلْتُ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ،
[١٦ - باب ما جاء فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ]
قوله: (فقلت: وبرسولك الذي أرسلت) إلخ، إنما بدل البراء لفظ الرسول
موضع النبي لزيادة في الرسالة نسبة النبوة، وإنماردّ عليه [١] ذلك لأن الصيغة التي
[١] وقال الحافظ(١): أولى ما قيل في حكمة الرد أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص =
[٣٣٩٤] خ: ٦٣١٣، م: ٢٧١٠، جه: ٣٨٧٦، حم: ٤ /٢٨٥، تحفة: ١٨٥٨.
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ١١٢).

٥٨٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: فَطَعَنَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: ((وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الْبَرَاءِ.
صَعَلَى اللّه
وَرَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةً، عَنِ البَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ:
وسلم
نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ وَأَنْتَ عَلَى وُضُوءٍ)).
دعا بها النبي ◌ُّ أقرب إلى الإجابة، وإن كان الدعاء جائزاً مستجاباً بما شاء، وأما ما
يقال من أن النبي ◌َّلَه إنما رد عليه لأن الرسالة قد كانت ذكرت في قوله: أرسلت، فأراد
أن يحرز فضيلة النبوة أيضاً، فإن في معناها رفعة(١)، فيخدشه أن الواقع في الدعوات
المأثورة عن النبي يملّ أيضاً هو رسولك[٢] الذي أرسلت في غير هذا الدعاء.
قوله: (وأنت على وضوء) ولا ينبغي أن يترك الدعاء أصلاً لفوت الوضوء.
= وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، انتهى. كذا في ((البذل))(١).
[١] قال الراغب(٢): النبي بغير همز، قال النحويون: أصله الهمز فترك همزه، وقال بعض
العلماء: هو من النبوة أي: الرفعة، وسمي نبيًّا لرفعة محله عن سائر الناس المدلول عليه
بقوله: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَّا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، فالنبي بغير الهمز أبلغ من النبيء بالهمز، لأنه ليس
كل مُنَبٍَّ رفيع القدر، ولذا قال عليه السلام لمن قال: يا نبيء الله: ((لست بنبيء الله ولكن
نبي الله))(٣)، والنبوة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نبا بفلان مكانُهُ، انتهى.
[٢] فقد حكى الحافظ عن الترمذي من حديث رافع: وبرسولك الذي أرسلت، وقد قال تعالى : =
(١) ((بذل المجهود)) (١٣ /٤٤٢).
(٢) ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: ٧٩٠).
(٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه
الذهبي وقال: بل منكر لم يصح. انظر: ((المستدرك)) (٢٥١/٢).