النص المفهرس

صفحات 401-420

أبْوَابْ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
٤٠١
تحصيلها مكرمة ورحمة، ثم إن قبولها مع ما فيها من النقص وشوائب الرياء وتقصير
في الإتيان على حسبها عطوفة وشفقة، ففي كل ذلك وإن كانت الطاعات سبباً ظاهريًّا
إلا أن الأمر حقيقة إلى المنة والفضل.
= إلا أن يتغمدني الله برحمته))، الحديث. وبرواية عائشة مرفوعاً بلفظ: ((لن يدخل أحدكم
عمله الجنة))، وفي رواية عنها بلفظ: ((فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله))، قالوا: ولا أنت يا
رسول الله؟ الحدیث.
قال ابن بطال(١) في الجمع بين الحديث والآية ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة
تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل
الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على الجواب قوله تعالى: ﴿آدْخُلُواْ الْجَنَّةَ
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فصرح بأن دخول الجنة أيضاً بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ
مجمل بيّنه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون.
وقال ابن الجوزي: له أربعة أجوبة: الأول: أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله
ما حصل الإيمان ولا الطاعة، الثاني: أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه، فمهما
أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث: أن دخول الجنة بالرحمة واقتسام الدرجات
بالأعمال، الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد، فالإنعام الذي لا
ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال، وقال الكرماني: الباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليست للسببية، بل للإلصاق أو المصاحبة أو للمقابلة، نحو أعطيت الشاة
بدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين في ((المغني))، وسبقه إلى ذلك الشيخ ابن
القيم، إلى آخر ما بسطه الحافظ في ((الفتح))(٢).
(١) ((شرح ابن بطال)) (١٠ /١٨٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩٦/١١).

٤٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ.
٣٢٤٥ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرِي مَا
سَعَةُ جَهَنَّمَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَجَلْ، وَالله مَا تَدْرِي، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ
رَسُولَ اللهِوَ لَّهِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَاْلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ
مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَتْ: قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: (عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ)). وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ غَرِيبُ (١) مِنْ هَذَا الوَجْهِ(٢).
قوله: (فأين الناس يومئذ) ليس بمربوط بما سبق من كون الأرض (١) قبضته
[١] ولعل ذلك لما أن السماوات والأرض كلها إذا صارت مقبوضة ومطوية بيمينه عز اسمه، =
[٣٢٤٥] ن في الكبرى: ١١٤٥٣، حم: ١١٦/٦، تحفة: ١٦٢٢٨.
(١) في نسخة: ((حسن صحيح غريب)).
(٢) زاد في نسخة بعد هذا:
٣٢٤٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
مَسْرُوِقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ یَا
عَائِشَةُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وكتب في هامش (م): هذا الحديث لا يوجد في بعض النسخ، وقد ذكر في ((الأطراف))
(١٧٦١٧) هذا السند، وذكر هذا الحديث الترمذي في سورة إبراهيم عند قوله: ﴿ يَوْمَ
تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، قالت: يا رسول الله، فأين يكون الناس؟ قال: ((على
الصراط». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعزاه لمسلم والترمذي وابن ماجه. ((شيخنا)).

٤٠٣
أَبْوَابْ تَفْسِيْ القُرْآن
والسماوات مطويات بيمينه، بل هو مرتبط بما لم يذكره (١) الراوي هاهنا، أي: جرى
بين يديه بَ لذكر حتى أن سألته، ولعلها سألت حسب ما سألت فيما سبق(٢) عند قوله مَله.
قولاً يتعلق بتبدیل الأرض.
= فأي مانع من أن يكون الناس أيضاً هنالك، فلا وجه لإشكال عائشة، لكن الروايات بأسرها
مقتصرة على هذا المعنى، فتأمل. والقصة التي أشار إليها الترمذي لعلها هي التي ذكرها
الحاكم من سعة جهنم.
[١] ورأيت في بعض تقارير القطب الكنگوهي أن منشأ سؤالها ما ورد في بعض الروايات أن
تكون الأرض خبزة واحدة نزلاً لأهل الجنة، فلعلها ظنت أنها تخبز قبل دخولهم الجنة إذ
يأكلونها في أول دخولهم، فسألت أينما يكون الناس إذ تخبز.
[٢] إشارة إلى ما سبق في تفسير سورة إبراهيم عن مسروق، قال: تلت عائشة هذه الآية: ﴿ يَوْمَ
تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، قالت: يا رسول الله فأين يكون الناس؟ قال: ((على
الصراط»، ثم اختلفوا في التبديل هل هو باعتبار الذات أو الصفات؟ وعليه بني الاختلاف
في أرض المحشر هل هي أرض الدنيا بتبديل بعض الصفات من بسط الجبال وغيرها، أو
هي أرض غيرها بتبديل الذات؟ بسطه الحافظ في ((الفتح) (١).
وقال الشيخ في ((إنجاح الحاجة)) على هامش حديث عائشة: الظاهر من التبديل هاهنا تغير
الذات كما يدل عليه السؤال والجواب، انتهى. ثم قال الحافظ: الحديث أخرجه مسلم عن
عائشة أنها سألت أين يكون الناس حينئذ؟ قال: ((على الصراط»، وفي رواية الترمذي: ((على
جسر جهنم))، ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة، قال: ((على متن جهنم))، وأخرج
مسلم أيضاً عن ثوبان مرفوعاً: ((يكونون في الظلمة دون الجسر))، وجمع البيهقي بأن المراد =
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ٣٧٦).

٤٠٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٤١ - سُورَةُ الْمُؤْمِنِ
٣٢٤٧ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ(١)، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَاسُفْيَانُ، عَنْ
مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعِ الحَضْرَمِيِّ، عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِ يَقُولُ: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ))، ثُمَّ قَالَ(٢): ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٤٢ - سُورَةُ السَّجْدَةِ(٣)
٣٢٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،عَنْ
٤٢ - سورة السجدة
= بالجسر الصراط، وأن قوله: على الصراط مجاز لكونهم يجاوزونه، لأن في حديث ثوبان
زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها، وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا
إلى أرض الموقف، انتهى.
[٣٢٤٧] تقدم تخريجه في ٢٩٦٩.
[٣٢٤٨] خ: ٤٨١٦، م: ٧٧١٦، ن في الکبری: ١١٤٦٨، حم: ٤٤٣/١، تحفة: ٩٣٣٥.
(١) في نسخة: ((محمد بن بشار)).
(٢) في نسخة: ((ثم قرأ».
(٣) في نسخة: ((سورة حم السجدة)).

٤٠٥
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ الْقُرْآن
أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اخْتَصَمَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فُرَشِيَّانِ وَنَقَفِيُّ،
أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ، قَلِيلُ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ (١)، فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
أَثْرَوْنَ(٢) الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا،
وَقَالَ آخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ وَلَّ أَبْصَرُّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (وما كنتم تستترون) الآية، أي: لم يكن استتاركم [١] لخوف شهادة
الأعضاء عليكم؛ لأنكم لم تستيقنوا بشهادتها، بل ولا بالبعث، بل الذي أغراكم
على استتار المعاصي ظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، فإنهم كانوا كالمتفقين
[١] هكذا فسر الآية صاحب ((المدارك))(٣) إذ قال: أي: إنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب
عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم، لأنكم
كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم إنما
سترتم لظنكم أن الله لا یعلم کثیراً مما كنتم تعملون، انتهى. وبنحوه فسّر الرازي في ((الكبير)) .=
(١) الأكثر بإضافة بطون لشحم وإضافة قلوب لفقه، وتنوين كثيرة وقليلة، وروي: كثير قليل،
وقيل: بإضافة شحم لكثير رفع بطونهم مبتدأ، أي: بطونهم كثيرة الشحم، وهو محتمل،
((مجمع بحار الأنوار)» (٥/ ٦٠١).
(٢) بالضم أي: تظنون، ووجه الملازمة فيما قال: إن كان يسمع إلخ، أن نسبة جميع المسموعات
إلى الله تعالى على السواء، وأبطل القياس الفاسد في تشبيهه بالخلق في سماع الجهر دون السر،
وأثبت القياس الصحيح حيث شبه السر بالجهر بسلة أن الكل إليه سواء، وإنما جعل قائله من
جملة قليلي الفهم؛ لأنه لم يقطع به وشك فيه، انتهى. ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٨٩/١).
(٣) ((مدارك التنزيل)) (٢٣٣/٣).

٤٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٢٤٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ،
فَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، كَثِيرٌ شُحُومُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلُ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، قُرَشِيٍّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ
أَوْ ثَقَفِيُّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَثْرَوْنَ أَنَّ
الله يَسْمَعُ كَلَامَنَا هَذَا؟ فَقَالَ الآخَرُ: إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ، وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ
أَصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقَالَ الآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَقَالَ عَبْدُ الله:
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَلَّهِ، فَأَنْزَلَ الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ
وَلَا أَبْصَرُّكُمْ وَلَاَ جُلُودُكُمْ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [فصلت: ٢٣].
على أنه لا يعلم أفعالهم المستترة، لأن أحدهم نفاه صريحاً، والثاني وزع [١] فكان
= وقال البيضاوي(١): أي: كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة،
وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عنها، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن
یتحقق أن لا یمرّ علیه حال إلا وعلیە رقیب، انتھی.
[١] من التوزيع، وهو التقسيم والتفريق كما في ((القاموس))(٢)، والمعنى: أن الثاني فصل بأنه
إن يسمع الجهر يسمع الإخفاء أيضاً وإلا لا، ولفظ البخاري(٣) بسنده إلى أبي مسعود: كان
رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بیت،
فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم:
لأن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت الآية، وذكر الحافظ الاختلاف في أسمائهم.
[٣٢٤٩] ع: ٥٢٠٤، حم: ٣٨١/١، تحفة: ٩٣٩٧.
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٢/ ٣٥٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١١).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٨١٦).

٤٠٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
[*]َحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ
عُمَارَةَ ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّه نَحْوَهُ(١).
٣٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو حَقْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلَّاسُ، نَا أَبُو قُتَيْبَةً
سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمِ القُطَعِيُّ، نَا ثَابِتُ البُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَ لهَ قَرَّأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾
[فصلت: ٣٠]، قَالَ: قَدْ قَالَ النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ
مِمَّنِ اسْتَقَامَ.
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: رَوَى عَقَّانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ حَدِيثًا(٢).
كالنافي، والثالث أورده على الشك فكأنه وافق من نفي علمه سبحانه وتعالى عما
يصفون.
[*] م: ٢٧٧٥، حم: ١ /٤٠٨.
[٣٢٥٠] ن فى الكبرى: ١١٤٧، تحفة: ٤٣٣.
(١) زاد في نسخة: ((قال أبو عيسى: سمعت أبا مزاحم يقول: قال علي بن المديني: لا أعرف
ذكر وهب بن ربيعة إلا في هذا الحديث)).
(٢) زاد في نسخة: ((ويروى في هذه الآية عن النبي ◌َّه وأبي بكر وعمر معنى ﴿أُسْتَقَمُواْ﴾)».
وزاد بعده أيضًا: ((وسهيل بن أبي حزم هو سهيل بن عبد الله القطعي، وهو أخو حزم القطعي،
وقد تكلم فيه من قبل حفظه)).

٤٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٤٣ - سُورَةُ الشُّورَى(١)
٣٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاؤُوسًا قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ،
﴿قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلََّّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
قُرْنَى آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَّهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَعَلِمْتَ(٢) أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَه لَمْ يَكُنْ
بَطْنُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: «إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
مِنَ القَرَابَةِ».
٤٣ - سورة الشورى
قوله: (قربى آل محمد) إنما أنكر ذلك ابن عباس؛ لأن فيه إثباتا١ً] لما
المقصود نفيه وهو سؤال الأجر، لأنه إذا سألهم أن يودوا أهل قرابته كان كالمستعيض
[١] ويوضح ذلك ما في ((الجمل)) (٣) إذ قال: في الآية ثلاثة أقوال: منها ما روى الكلبي عن ابن
عباس أن النبي ◌ّ لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقالت
الأنصار: إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من
أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها فردّها عليهم، ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية
[الشورى: ٢٣]، أي: إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير
وعمرو بن شعیب، انتھی.
=
[٣٢٥١] خ: ٣٤٩٧، ن في الكبرى: ١١٤٧٤، حم: ٢٢٩/١، تحفة: ٥٧٣١.
(١) في نسخة: ((سورة حم عسق)).
(٢) في نسخة: ((أعجلت)).
(٣) ((الفتوحات الإلهية)) (٤/ ٦١).

٤٠٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
على رسالته، غايته أنه لم يأخذ بنفسه، وأمر أن يعطوا أهل قرابته وآله، وليس الأمر
كذلك بل المقصود أن تراعوا مالكم بي من القرابة، فلا تؤذونني كما لا تؤذون
إخوانكم الأخر، فكان المراد هو ذلك أن تصلوا رحمكم بي بنصرتي وترك المعاداة
بي، لا ما فهمه سعيد بن جبير من أن المطلوب صلة آل محمد.
= والحديث أخرجه البخاري من طريق طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ◌ّثة، فقال ابن عباس: عجلت،
إن النبي ملّ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم
من القرابة، قال الحافظ (١): وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن
عباس مرفوعاً، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى إلا
أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم
فكأنه قال: احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة، انتهى. ثم قال الحافظ: والحاصل أن
سعيد بن جبير ومن وافقه [كعلي بن الحسين والسدي وعمرو بن شعيب فيما أخرجه الطبري
عنهم] حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي بَيّ، وابن عباس حملها
على أن يواددوا النبي ◌ِّيّ من أجل القرابة التي بينهم وبينه، فعلى الأول الخطاب عام لجميع
المكلفين، وعلى الثاني الخطاب خاص بقریش، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن ما في النسخ الهندية من قوله: ((قال ابن عباس: أعلمت))، تحريف من
الناسخ، والصواب ما في المصرية من قوله: ((أعجلت))، ويؤيده ما تقدم من لفظ البخاري
((عجلت))، وهكذا بلفظ عجلت ذكره السيوطي في ((الدر)) برواية الشيخين والترمذي
وغيرهم، وهكذا في ((جمع الفوائد)) برواية البخاري والترمذي.
(١) ((فتح الباري)) (٥٦٤/٨).

٤١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ
الوَازِعِ قَالَ: ثَنِي شَيْخُ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ: قَدِمْتُ الكُوفَةَ فَأُخْبِرْتُ عَنْ بِلَالِ بْنِ
أَبِي بُرْدَةً، فَقُلْتُ: إِنَّ فِيهِ لَمُعْتَبَرًّا فَتَيْتُهُ وَهُوَ مَحْبُوسُ فِي دَارِهِ الَّتِي قَدْ كَانَ
بَنَى، قَالَ: وَإِذَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ العَذَابِ وَالضَّرْبِ، وَإِذَا هُوَ فِي
قُشَاشِ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لله يَا بِلَالُ، لَقَدْ رَأَيْتُكَ وَأَنْتَ تَمُرُّ بِنَا تُمْسِكُ (١) بِأَنْفِكَ
مِنْ غَيْرٍ غُبَارٍ، وَأَنْتَ فِي حَالِكَ هَذِهِ اليَوْمَ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي
مُرَّةَ بْنِ عَبَّادٍ، فَقَالَ: أَا أَحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللهِ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ؟ قُلْتُ: هَاتِ،
قوله: (عن بلال بن أبي بردة) وكان غاية في الترفه والتنعم حبسه الأمير فشدد
عليه[١].
قوله: (الحمد لله) إلخ، إنما قال(٢) ذلك نظراً إلى عاقبة أمره ومثوبته في
آخرته، لا شماتة بما دهمه من البلاء، بل شكراً لما أَوْلَاه الله من كفارات الذنوب.
[١] كان بلال صديق خالد بن عبد الله القسري، فولاه قضاء البصرة ١٠٩ هـ لما ولي خالد إمرتها من
قبل هشام بن عبد الملك، فلم يزل قاضياً حتى قتله يوسف بن عمر الثقفي لما ولي الإمرة بعد
خالد، وعذب خالداً وعماله ومنهم بلال، وذلك سنة عشرین ومائة، ويقال: إنه مات في حبس
يوسف وقتله دهاؤه، قال للسجان: أعلم يوسف أني قد مت ولك مني ما يغنيك، فأعلمه، فقال
يوسف: أرنيه ميتاً، فجاء السجان فألقى عليه شيئاً غمه حتى مات، ثم أراه يوسف، قال المبرد:
أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، هكذا في (تهذيب)) الحافظ و(الفتح)) (٢).
[٢] هذا هو الظن بالمسلم أن لا يظهر الشماتة بأخيه المسلم.
[٣٢٥٢] تحفة: ٩٠٧٩.
(١) في نسخة: ((وَتُمْسِكُ))، وفي أخرى: ((وَأَن تُمْسِكَ)).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (١ /٥٠١)، و((فتح الباري)) (١٣/ ١٤٢).

٤١١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
قَالَ: ثَنِي أَبِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ الله عَ لَ قَالَ:(لَا تُصِيبُ
عَبْدًا نَكْبَةُ فَمَا فَوْقَهَا، أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو الله عَنْهُ أَكْثَرُ))، قَالَ:
وَقَرَأَ: ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾
[الشورى: ٣٠].
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٤٤ - سُورَةُ الزُّخْرُفِ
٣٢٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، وَيَعْلَى
ابْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَليهِ: (مَا ضَلَّ قَوْمُ بَعْدَ هُدَّى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ))، ثُمَّ
تَلَا رَسُولُ اللهِ وَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلا بَلّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴾
[الزخرف: ٥٨].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ حَجَّاچِ بْنِ دِینَارٍ،
وَحَجَّاجُ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحَدِيثِ، وَأَبُو غَالِبٍ اسْمُهُ: حَزَوَّرُ.
٤٤ - سورة الزخرف
قوله: (ما ضربوه لك) الآية، فكان عاقبتهم الهلاك والدمار بأيدي المسلمين
یوم بدر وغيره.
[٣٢٥٣] جه: ٤٨، حم: ٥/ ٢٥٢، تحفة: ٤٩٣٦.

٤١٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٤٥ - سُورَةُ الدُّخَانِ
٣٢٥٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الجُدِّيُّ،
نَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، سَمِعَا أَبَا الضُّحَى، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
جَاءَ رَجُلُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ قَاصَّا يَقُصُ يَقُولُ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ
الدُّخَانُ، فَيَأْخُذُ بِمَسَامِعِ الكُفَّارِ، وَبَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، قَالَ: فَغَضِبَ
- وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ - ثُمَّ قَالَ: إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمَّا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ بِهِ - قَالَ
مَنْصُورٌ: فَلْيُخْبِرْ بِهِ ، وَإِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: الله أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ عِلْمِ
الرَّجُلِ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: الله أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ:
٤٥ - سورة الدخان
قوله: (إنه يخرج من الأرض الدخان) إلخ، قد ورد ذلك في الروايات،[١]
وعدّ من أشراط الساعة، واختلف في تفسير الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾
[١] يعني كون الدخان من أشراط الساعة ورد في روايات كثيرة ذكرها الحافظ في ((الفتح))،
والسيوطي في ((الدر)) في تفسير هذه السورة، منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة
رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة))،
الحديث. قال الحافظ(١) بعد ما ذكر الروايات وتكلم على بعض طرقه: تظافر هذه الأحاديث
يدل على أن لذلك أصلاً، ولو ثبت طريق حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في
الحديث.
[٣٢٥٤] خ: ١٠٠٧، م: ٢٧٩٨، ن في «الكبرى»: ١١٤٨١، حم: ١/ ٣٨٠، تحفة: ٩٥٧٤.
(١) (فتح الباري)) (٨/ ٥٧٣).

٤١٣
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
[الدخان: ١٠]، وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح [١] الذي لا يحول حماه ريب،
ويكون مطابقاً للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود، وإن
[١] أي: الصحيح في تفسير الآية، وإلا فكون الدخان من أشراط الساعة مروي في عدة روايات
كما تقدم، وعلى هذا القول اكتفى المحلي في ((الجلالين))(١) إذ قال بعد قوله تعالى:
﴿يِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾: فأجدبت الأرض، واشتدّ بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان،
قال صاحب ((الجمل))(٢): هذا هو المراد بالدخان هاهنا، وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها
المفسرون، أحدها: أن الدخان هو ما أصاب قريشاً من الجوع بدعاء النبي بِ ثّ حتى كان
الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، واختيار
الفراء والزجاج، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا، والقول
الثاني: ونقل عن علي وابن عباس أيضاً، وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن علي والحسن أنه
دخان يظهر في العالم في آخر الزمان، يكون علامة على قرب الساعة، يملأ ما بين المشرق
والمغرب وما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يوماً وليلة، والقول الثالث: أنه الغبار
الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام جنود الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله
عبد الرحمن الأعرج.
واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم قولهم: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾، ثم عللوا ذلك
فقالوا: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل
أن الأمر لما اشتدّ على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان، فناشده الله والرحم، وواعده إن دعا
لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم.
(١) ((تفسير الجلالين)) (ص: ٦٥٧).
(٢) ((الفتوحات الإلهية)) (١٠٢/٤).

٤١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
كان(١) يصح حمل الآية على ما ذكره القاص أيضاً، فإنه يبقى أربعين يوماً ثم يكشف
بعد ذلك، والقول الثالث[٢] الذي قيل إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على
التقدير، أي: لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما رد ابن مسعود على القاص قوله
ذلك ظنًّا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي مَثّ، فظاهر
أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل، وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن
قصد ابن مسعود(٣) رد الرواية التي ذكرها القاص فإنها مسلمة، بل المقصود الرد على
كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه.
[١] بسط الرازي في ((الكبير))(١) في انطباق الآية على هذا القول، وأجاب عما تقدم من الاستدلال
في كلام الجمل، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
[٢] وهذا غير القول الثالث المذكور في كلام الجمل، ولم يذكره عامة المفسرين، بل اكتفوا على
القولين فقط، إلا ما ذكره صاحب ((البحر المحيط))، قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن
عباس وزيد بن علي والحسن: هو دخان يجيء يوم القيامة.
وفي حديث حذيفة: أول الآيات خروج الدجال، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم،
الحديث، فإن كان هو الذي رأته قريش فالناس - أي: في قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ -
خاص بالكفار من أهل مكة، وقد مضى كما قال ابن مسعود، وإن كان من أشراط الساعة أو
يوم القيامة فالناس عام فیمن أدركه وقت الأشراط وعام بالناس يوم القيامة، انتهى.
[٣] قلت: لكن الظاهر من الروايات التي رويت عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة أن كون الدخان من
الأشراط مسلم عنده وهو مراد الآية، لكن مصداقه هو القحط، ويوضح ذلك ما في ((الدر))(٢) =
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧/ ٦٥٦).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٠٦/٧).

٤١٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ وَمَا أَنْ مِن ◌ُّْكَّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَمَّا رَأَى
قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ كَسَيْعِ يُوسُفَ))، فَأَخَذَتْهُمْ
قوله: (من المتكلفين) بإظهار ما ليس عندي[١] من العلم.
قوله: (اللَّهُمَّ أعني عليهم) ولم يكن قصد بذلك إلا هدايتهم، فإن النعمة
والثراء مما يمنع القياد(٢) وقبول الحق، فكان حقيقته الدعاء(٣) لهم، وإن كان ظاهره
أنه دعاء علیهم.
= برواية ابن مردويه من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: آية الدخان قد مضت، ومن طريق
عتبة عنه قال: الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمصة وجوع شديد، الحديث. ومن
طريق محمد بن سيرين قال: قال ابن مسعود: كل ما وعدنا الله ورسوله فقد رأيناه غير أربع:
طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، فأما الدخان فمضى، وكان
سني كسني يوسف، وأما القمر فقد انشقّ على عهد رسول الله مَثله، وأما البطشة الكبرى فيوم
بدر، وغير ذلك من الروايات.
[١] قال الحافظ(١): قوله: إن من العلم إلخ، أي: إن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم،
وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدري نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من
التكلف، انتھی.
[٢] ككتاب: حبل يقاد به، كذا في (القاموس))(٢)، والظاهر الانقياد.
[٣] وهذا أوجه مما ذهب إليه الشراح من الاستدلال بذلك على جواز دعاء الهلاك على الظالم،
فإن الدعاء بالشدة والقحط غير الدعاء بالهلاك، ثم لما كانت قريش بالغت في الانتهاك
لحرمة الدين وإيذاء المسلمين بخلاف دوس لم يبلغوا هذا المبلغ قال لهم النبي مثل: ((اللهم
اهد دوساً وأت بهم».
(١) ((فتح الباري)) (٥١٢/٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٧).

٤١٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
سَنَّةٌ، فَأَحْصَتْ(١) كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: العِظَامَ،
قَالَ: وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، قَالَ: فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: إِنَّ
قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللّه لَهُمْ، قَالَ: فَهَذَا لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
قُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠- ١١]، قَالَ مَنْصُورُ: هَذَا لِقَوْلِهِ:
رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟
قوله: (العظام) أي: ذكر العظام(١) موضع الميتة.
قوله: (فهذا لقوله) إلخ، وقال آخر: لقوله إلخ، يعني إنما اختلفا بعد ذلك في
ذكر ما قاله ابن مسعود بعد ذكر القصة، فذكر أحد الراويين جزءًا من الآية، والآخر
جزءًا آخر منها، وإن كان مرادهما واحداً، هو الإشارة إلى تمام الآية بقراءة بعض منها.
قوله: (فهل يكشف عذاب الآخرة؟) هذه(٢] قرينة على ما ذكره ابن مسعود
في تفسير الآية، والمنظور فيها قول الله عزّ وجل: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمُ عَبِدُونَ﴾
[١] كما يدل عليه حديث البخاري(٢) في التفسير برواية غندر عن شعبة عن الأعمش ومنصور
بلفظ: فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود، فقال أحدهم: حتى
أكلوا الجلود والميتة، الحديث، وقد اختلفت رواياتهما في ذكر مفعول ((أكلوا))، ففي بعضها اكتفى
على ذكر الميتة فقط، وفي أخرى ذكر غيرها أيضاً، ومقصود الكل واحد وهو بيان شدة القحط.
[٢] يعني أن القرينة على أن المراد بالدخان ما أصابهم في القحط، لا ما ينتظر قرب القيامة أن
انطباق قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ﴾ على الأول أظهر، ومعنى قوله ((المنظور فيها)) أن
المقصود من ذكر هذه القصة هي الآية المذكورة لا مجرد دعائه وم له بالقحط، لأن مجرد
الدعاء لا يدل على صحة ما قاله ابن مسعود بخلاف زوال القحط.
(١) في نسخة: ((فحصت)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٨٢٤).

٤١٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرآن
قَالَ: مَضَى البَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَالدُّخَانُ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: الْقَمَرُ، وَقَالَ الآخَرُ: الرُّومُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: اللَّزَامُ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٢٥٥ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا وَكِيعُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا
وَلَهُ بَابَانٍ، بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَمُوسَى بْنُ
عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
[الدخان: ١٥] لا مجرد الدعاء التي ذكرها بقوله، [١] وقد سمعت[٢] عذرهم.
قوله: (البطشة واللزام) هذ غير متعرض به في الآية أوردها استطراداً وتبعاً
تتميماً للفائدة، لعل حاملاً يقص لغير ذلك ويحملهما على غير محملهما.
قوله: (قال أحدهما: القمر، وقال الآخر: الروم) يعني إن [٣] الأعمش ومنصوراً
اتفقا على ذكر ثلاثة أشياء: البطشة، والدخان، واللزام، ثم اختلفا في الرابع، ذكر
أحدهما بعد الثلاثة القمر، والآخر الروم.
[١] والمقولة محذوفة لظهورها.
[٢] يعني من حمل الآية على الدخان قرب القيامة قد عرفت جوابه عن استدلال ابن مسعود، وهو أن
هذا الدخان أيضاً يبقى أربعين يوماً ثم يكشف عنهم، فينطبق عليه أيضاً ﴿إِنَّ كَاشِفُواْ الْعَذَابِ﴾.
[٣] وهكذا ذكر البخاري في رواية غندر المذكورة بلفظ: فقد مضى الدخان والبطشة واللزام، =
[٣٢٥٥] ع: ٤١٣٣، طس: ٦٤٥٩، تحفة: ١٦٧٥.

٤١٨
الكوكبُ الدُّرِّي
٤٦ - سُورَةُ الأَحْقَافِ
٣٢٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ، نَا أَبُو مُحَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ
ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا أُرِيدَ عُثْمَانُ جَاءَ عَبْدُ الله
ابْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ فِي نُصْرَتِكَ، قَالَ: اخْرُجْ
إِلَى النَّاسِ فَاطْرُدْهُمْ عَنِّي، فَإِنَّكَ خَارِجُ خَيْرٌ لِي مِنْكَ دَاخِلُ، فَخَرَجَ عَبْدُ الله
ابْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الجَاهِلِيَّةِ فُلَانٌ
فَسَمَّانِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَبْدَ اللهِ، وَنَزَلَتْ فِيَّ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ، نَزَلَتْ
فِيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأُسْتَكْبْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى اُلْقَوْمَ
٤٦ - سورة الأحقاف
قوله: (فسماني رسول الله مَ ليّ) أراد بذلك بيان فضله والاعتماد على صدقه
ليسمعوا مقاله وينقادوا له فيما يأمرهم به [١].
= وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم، وفي رواية له: والبطشة الكبرى يوم بدر، وقال
العيني(١): اللزام اختلف فيه، فذكر ابن أبي حاتم في تفسيره أنه القتل الذي أصابهم ببدر،
روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد وغيرهم، قال القرطبي: فعلى هذا تكون
البطشة واللزام واحداً، وعن الحسن اللزام يوم القيامة وعند الموت، وقيل: يكون ذنبكم
عذاباً لازماً، وفي ((المحكم)): اللزام الحساب، انتهى.
[١] يعني من المنع عن قتل عثمان، وكان اسمه الحصين، فسماه النبي ◌َّ- عبد الله، هكذا في
كتب الصحابة.
[٣٢٥٦] جه: ٣٧٣٤، حم: ٤٥١/٥، تحفة: ٥٣٤٤.
(١) ((عمدة القاري)) (١٦٦/١٩).

٤١٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وَنَزَلَتْ فِيَّ ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ
عِندَهُعِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣]، إِنَّ لله سَيْفًا مَغْمُودًا(١) عَنْكُمْ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ
قَدْ جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُمْ، فَالله الله فِي هَذَا
الرَّجُلِ أَنْ تَقْتُلُوهُ، فَوَالله إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَظْرُدُنَّ جِيرَانَكُمُ الْمَلَائِكَةَ، وَلَتَسُلُّنَّ
سَيْفَ الله الْمَغْمُودَ عَنْكُمْ، فَلَا يُغْمَدُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالُوا: اقْتُلُوا
اليَهُودِيَّ وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ(٢).
وَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ مُحَمَّدٍ
ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ سَلامِ.
٣٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ
ابْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَهَ إِذَا
رَأَى مَخِيلَةً(٣) أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((وَمَا
أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ
مُخْطِّرُنَا﴾)) [الأحقاف: ٢٤].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
[٣٢٥٧] خ: ٣٢٠٦، م: ٨٩٩، د: ٥٠٩٨، جه: ٣٨٩١، حم: ٢٤٠/٦، تحفة: ١٧٣٨٦.
(١) أي: مستورًا في غمده وهو غلافه.
(٢) في نسخة: ((حسن غريب)).
(٣) المخيلة: السحابة التي يظن أن فيها مطراً، وتخيلت السماء: إذا تغيمت. ((جامع الأصول))
(٤ / ١٢).

٤٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٢٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ ◌َِّ لَيْلَةَ الجِنِّ
مِنْكُمْ أَحَدُّ؟ قَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدُ وَلَكِنِ افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ،
فَقُلْنَا اغْتِيلَ (١)، اسْتُطِيرَ(٢) مَا فُعِلَ بِهِ؟ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمُ، حَتَّى إِذَا
أَصْبَحْنَا -أَوْ: كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ-
قوله: (قال: ما صحبه منا أحد) والواقعة [١] كانت متعددة، فنفي الحضور في
إحداها لا يستلزم نفي الأخرى، وإنما نفي الواقعة [٢] التي جرى ذكرها ثم ولم يكن
حضرها أحد، وإنما حضر ابن مسعود الثانية، أو يقال: ما صحبه منا أحد أي: في
الموضع الذي علمهم فيه، وإن كان ابن مسعود صحب النبي ◌ُّ في بعض الطريق.
ومعنى قوله: (افتقدناه) أي:[٣] افتقده سائر أصحابه، وإن لم يكن فيهم ابن
مسعود، أو كان افتقده حين أجلسه في خطه ومضى لسبيله.
[١] تقدم البسط في ذلك في هامش الجزء الأول ((باب الوضوء بالنبيذ))، وتقدم أن الواقعة كانت
ست مرات حضر ابن مسعود ثلاثاً منها.
[٢] بحذف المضاف، أي: نفي حضور ابن مسعود في هذه الواقعة.
[٣] هذان الجوابان على ثبوت أن ابن مسعود كان في هذه الوقعة أيضاً، وتقدم أنه لم يكن في هذه
القصة، فلا حاجة إلى الجواب.
[٣٢٥٨] م: ٤٥٠، د: ٣٩، حم: ١/ ٤٣٦، تحفة: ٩٤٦٣.
(١) الاغتيال: هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد. ((النهاية)) (٤٠٣/٣).
(٢) استطير: أي ذهب به بسرعة كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد. والاستطارة والتطاير: التفرق
والذهاب. ((النهاية)) (١٥٢/٣).