النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِعَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ
السَّحْمَاءِ))، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الله
لَكَانَ لَنَا وَلَهَا شَأْنٌ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَهَكَذَا رَوَى عَبَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ هَذَا الحَدِيثَ
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّلَهِ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً،
وَلَمْ يَذْكُرْ فِیهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
٣١٨٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو أَسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ،
الثانية، فإن فيها اعترافاً بالزنا، فلما لم يكن الكلام نصًّا في الإقرار لم يحمل عليه.
قوله: (لولا ما مضى) إلخ، أي: لولا[١] أن الله حكم في مثل هذه القصة
بالملاعنة فحسب لعزرت المرأة.
[١] وقريب منه ما قاله القاري: إن قوله: ((من كتاب الله)) بيان لما، أي: لولا ما سبق من حكمه
بدرء الحد عن المرأة بلعانها، لكان لي ولها شأن في إقامة الحد عليها، أو المعنى لولا أن
القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التعزير لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين،
قال الطيبي(١): وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويل وتفخيم لما كان يريد أن يفعل بها لتضاعف
ذنبها، وفي الحديث دليل على أن الحاكم لا يلتفت إلى المظنة والأمارات، وإنما يحكم
بظاهر ما تقتضيه الحجج والأيمان، وأن لعان الرجل مقدم على لعان المرأة لأنه مثبت وهذا
دارئ، والدرء إنما يحتاج إليه بعد الإثبات، انتهى.
[٣١٨٠]خ: ٢٦٦١، م: ٢٧٧٠، د: ٤٧٣٥، ن في الكبرى: ٨٨٨٢، حم: ٥٩/٦، تحفة: ١٦٧٩٨.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٢٣٥٧).

٣٢٢
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَامَ رَسُولُ الله ◌َ لَهُ فِيَّ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ
قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسِ أَبَنُوا أَهْلِي، وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي
مِنْ سُوءٍ قَظُ، وَأَبَنُوا بِمَنْ؟ وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَظٌ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي
قوله: (وما علمت به) نفي والفعل متكلم (١].
قوله: (وأبنوا بمن)[٢] استفهامية، ولا يمتنع حمله على الموصولية.
[١] قال الحافظ(١): ظاهر هذا الحديث يشعر بأن السؤال والخطبة وقعا قبل أن تعلم عائشة
بالأمر فإن أول هذا الحديث: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله وَالخل
خطيباً فذكر قصة الخطبة، ولفظ حديث البخاري في التفسير: لا يرقألي دمع ولا أكتحل بنوم
حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله قال علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، الحديث.
ظاهره أن السؤال وقع بعد ما علمت بالقصة؛ لأنها عقبت بكاءها تلك الليلة بهذا، ثم عقبت
بالخطبة، ويمكن الجمع بأن الفاء في قوله: فدعا علي بن أبي طالب، عاطفة على شيء
محذوف تقديره: و کان رسول الله ی﴾ قبل ذلك سمع ما قيل فدعا عليًّا، انتهى بتغير.
[٢] قال الحافظ(٢): وهو بفتح الموحدة الخفيفة والنون المضمومة، وحكى عياض أن في رواية
[الأصيلي] بتشديد الموحدة وهي لغة، ومعناه: عابوا أهلي واتهموا أهلي، وهو المعتمد؛
لأن الأبن بفتحتين التهمة، وقال ابن الجوزي: المراد رموا أهلي بالقبيح، وحكى عياض
أن في رواية بتقديم النون الثقيلة على الموحدة، قال: وهو تصحيف؛ لأن التأنيب هو اللوم
الشديد ولا معنى له هاهنا، وقال النووي: قد يوجه بأن المراد لاموهم أشدّ اللوم فيما زعموا
أنهم صنعوه وهم لم يصنعوا شيئاً من ذلك، لكنه بعيد من صورة الحال، والأول هو المعتمد،
قال النووي: التخفيف أشهر، انتهى ما في ((الفتح)).
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٧٠/٨).

٣٢٣
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
قَظٌ إِلَّ وَأَنَا حَاضِرًّ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ
فَقَالَ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلُّ مِنَ الْخَزْرَجِ
وَكَانَتْ أُمُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَالله أَنْ لَوْ كَانُوا
مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ
وَالخَزْرَجِ شَرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ خَرَجْتُ
لِبَعْضِ حَاجَتِي، وَمَعِي أُمُّ مِسْطَجٍ فَعَثَّرَتْ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحُ، فَقُلْتُ لَهَا:
قوله: (إلا وأنا حاضر) فلو أنه كان يدخل بغير مشهده مَّه أو يقيم في المدينة
حين يغيب النبي ◌َّ لكان للمظنة إمكان وأما إذا فلا.
قوله: (وقام رجل من الخزرج) وهو سعد بن عبادة، وإنما حمله[١] على ذلك
ما ظن أن سعد بن معاذ إنما قال ذلك لكونه من الأوس، وكان ابن أبي من الخزرج،
وكذلك حسان بن ثابت كان ابن أخت الخزرج، فظن سعد بن عبادة أن سعد بن معاذ
يقول ذلك لما في الأوس والخزرج من المعاداة القديمة، ولم يلتفت أنه إنما يقول
لأجل النبي قائه.
[١] وبذلك جزم الحافظ في ((الفتح))(١) إذ قال: وقد بينت الروايات الأخرى السبب الحامل
لسعد بن عبادة على ما قال، ففي رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة
إلا أنك علمت أنهم من الخزرج، وفي رواية ابن حاطب: فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ!
والله ما بك نصرة رسول الله بج ثة، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل
لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: الله أعلم ما أردت، إلى آخر ما ذكره الحافظ، ولا يذهب
عليك ما ذكر عياض أن في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكالاً لم يتكلم الناس عليه،
ونبهنا عليه بعض شيوخنا أن الإفك كان في المريسيع سنة ست، وسعد بن معاذ مات من =
(١) ((فتح الباري)) (٤٧٣/٨).

٣٢٤
الْكَوَكَبُ الدُّرِي
أَيْ أُمُّا تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحُ، فَقُلْتُ
لَهَا: أَيْ أُمُّا تَسُبِّينَ(١) ابْنَكِ؟ فَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِئَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحُ
قوله: (تعس مسطح) وكانت عادتهم الدعاء على العدو إذا أصابت نكبة،
وكانت أم مسطح (١) ساخطة عليه لما ارتكب الذي ارتكب، وفي الحديث دلالة
على الأمر للكبار إذا خالفوا الشريعة في أمر، فإن عائشة رضي الله عنها كانت صغيرة
جدًّا منها، ومع ذلك فقد نهتها عن سب الصحابي، وأيضاً ففيه دلالة على أن الأمر
في الأول يكون بلطف وفي الثاني فوق ذلك، ويجوز في الثالثة النهر (٢) والغضب في
الكلام، وإن لم ينته المأمور، فللآمر ضربه في الرابعة إن قدر عليه.
= الرمية التي رميها بالخندق، فدعا الله فأبقاه حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر جرحه فمات
منها، وكان ذلك سنة أربع، فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والأشبه أنه غيره، ولذا
لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل المراجعة بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة،
وقال لي بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجوداً في المريسيع بناء على الاختلاف في
تاريخ غزوة المريسيع، ثم بسط الحافظ في الجواب مبناه اختلافهم في التواريخ، وحكى عن
البيهقي أنه يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة بل تأخر
زماناً ثم انفجر بعد ذلك، وتكون المراجعة في قصة الإفك في أثناء ذلك.
[١] بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات، قيل: اسمها سلمى ابنة أبي رهم
- بضم الراء وسكون الهاء- ابن المطلب بن عبد مناف، وأمها رائطة بنت صخر بن عامر خالة
أبي بكر الصديق، كما في رواية البخاري مع زيادة عن ((الفتح)) (٢).
[٢] قال الحافظ(٣): في رواية هشام أنها عثرت ثلاث مرات، وأنها انتهرتها في الثالثة، وعند =
(١) في نسخة: ((أتسبين)).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٦/٨).

٣٢٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
فَانْتَهَرْتُهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ أُمُّ! تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَقَالَتْ: وَالله مَا أَسُبُّهُ إِلَّ فِيكِ،
فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ فَقَالَتْ(١): فَبَقَرَتْ لِي الحَدِيثَ، قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟
قوله: (كأن الذي خرجت له) إلخ، إن كان هذا بعد عودها[١] عن قضاء
حاجتها، فالمعنى أني ولهت حتى لم أدر لم خرجت، وما أتاني عن بيتي حتى صرت
مبهوتة(٢)، وإن كان قبل أن تقضي حاجتها فالمعنى لم يبق لي شيء من الذي كنت
= الطبراني: فقلت: أتسبين ابنك وهو من المهاجرين الأولين؟ قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن
يكون قول أم مسطح هذا عمداً لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة، ويحتمل
أن يكون اتفاقاً أجراه الله على لسانها لتستيقظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها، و((بقرت))
بموحدة وقاف خفيفة أي: أعلمتنيه، و((نقرت)) بنون وقاف ثقيلة أي: شرحته، انتهى.
[١] وكلا الاحتمالين مؤيد بالروايات، فلفظ البخاري(٢) في التفسير: فأقبلت أنا وأم مسطح قبل
بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح، الحديث. قال الحافظ (٣): ظاهره أنها عثرت
بعد أن قضت عائشة حاجتها، ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام أنها عثرت
قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له، لا تجد
منه لا قليلاً ولا كثيراً، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق: قالت: فوالله ما قدرت أن أقضي
حاجتي، وفي رواية أبي أويس: فذهب عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عودي على
بدئي، وفي حديث ابن عمر: فأخذتني الحمى وتقلص ما كان مني، ويجمع بينهما بأن معنى
قولها: قد فرغنا من شأننا أي: من شأن المسير لا قضاء الحاجة.
[٢] وعند الطبراني بإسناد صحيح عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليباً،
فأطرح نفسي فيه، وأخرجه أبو عوانة أيضاً، كذا في (الفتح)) (٤).
(١) في نسخة: ((قالت)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤١٤١).
(٣) ((فتح الباري)) (٨/ ٤٦٦).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٦٦/٨).

٣٢٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَتْ: نَعَمْ، وَالله لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِى كَأَنَّ(١) الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَمْ أَخْرُجْ، لَا
أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلاً وَلَا كَثِيرًا، وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِهِ: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ
أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الغُلَامَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ وَأَبُو
بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرْتُهَا،
وَذَكَرْتُ لَهَا الحَدِيثَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ خَفِّفِي
عَلَيْكِ الشَّأَنَ، فَإِنَّهُ وَالله لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ
إِلَّ حَسَدْنَهَا وَقِيلَ فِيهَا، فَإِذَا هِيَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّيٍ، فَقَالَتْ: قُلْتُ:
خرجت له أي: صرت لا أجد لي ثقلاً ولا ضرورة إلى قضاء الحاجة، وهذا في العادة كثير.
قوله: (ووعكت) وكانت رضي الله عنها مرضت قبل هذا، فبرئت من مرضها
إلا أنها كانت ناقهة بعد،[١] فلما سمعت ذلك حمّت لشدة الهم.
قوله: (فإذا هي لم يبلغ) إلخ، أي: لما أخذت أمي تخفف(٢) عني وتسليني
[١] ولفظ البخاري(٢) في التفسير: ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت مع أم
مسطح، الحديث. قال الحافظ(٣): بفتح القاف وقد تكسر، والأول أشهر، والناقه بكسر القاف:
الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته، وقيل: إن الذي بکسر القاف بمعنی فهمت، لكنه هنا
لا يتوجه لأنها ما فهمت ذلك إلا فيما بعد، وقد أطلق الجوهري وغيره أنه بفتح الكاف و کسرها
لغتان في: برأ من المرض، وهو قریب العھد لم یرجع إلیہ کمال صحته، انتھی.
[٢] قال الحافظ (٤): فيه من فطنة أمها، وحسن تأتيها في تربيتها ما لا مزيد عليه، فإنها علمت أن =
(١) في نسخة: ((وكأن)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٧٥٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٨).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٦٧/٨).

٣٢٧
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَاسْتَعْبَرْتُ
وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُوبَكْرٍ صَوْنِي وَهُوَ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ، فَقَالَ لأُمِّي:
مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: أَقَسَمْتُ
عَلَيْكِ يَا بُنَيَّةُ إِلَّ رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِوَ لَهَ بَيْتِي(١)
علمت أن الحديث لم يدهمها كما دهمني ولم تغتم منه كاغتمامي.
قوله: (واستعبرت) أي: جرت دموعي [١] حتى ارتفع بكائي فسمعه أبي.
قوله: (إلا رجعت إلى بيتك) استثناء من نفي مقدر، أي: لا تفعلي شيئاً دون
= ذلك يعظم عليها، فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك، لأن المرء يتأسى بغيره
فيما يقع له، وأدمجت في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة،
وذلك مما يعجب المرأة أن توصف به مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت
جحش، وأن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها زينب بنت جحش، وعرف من
هذا أن الاستثناء في قولها: إلا أكثرن عليها متصل، لأنها لم تقصد قصتها بعينها بل ذكرت
شأن الضرائر، وأما ضرائرها هي فإنهن وإن كن لم يصدر منهن في حقها شيء مما يصدر من
الضرائر، لكن لم يعدم ذلك ممن هو منهن بسبيل كما وقع من حمنة، لأن ورع أختها منعها
من القول في عائشة كما منع بقية أمهات المؤمنين، وإنما اختصت زينب بالذكر لأنها التي
كانت تضاهي عائشة في المنزلة، انتهى.
[١] قال الحافظ (٢): وفي رواية هشام: فاستعبرت فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت
يقرأ، فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت
عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك، وفي رواية معمر عند الطبراني: فقالت أمي: لم تكن
علمت ما قيل لها، فأكبّت تبكي ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية.
(١) في نسخة: ((إلى بيتي)).
(٢) ((فتح الباري)) (٨/ ٤٦٧).

٣٢٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي، فَقَالَتْ: لَا وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ
٥
حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَتَهَا - أَوْ عَجِينَتَهَا ، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ،
فَقَالَ: أَصْدِقِي رَسُولَ اللهِ،وَ لَّهِ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله،
الرجوع، وذلك لئلا تثبت عليها الريبة في غيبتها عن بيت زوجها، فيقول كل قائل
واش ما شاء، وأما إذا كانت بحضرة من زوجها لا يكون له إلى إساءة الظن بها سبيل،
وأيضاً فإن أبا بكر رضي الله عنه خاف أن يلحق إليه بذلك شيء من جهة النبي
صَاللّهِ[ ١]
وستار
من الكراهة والسخط، إذ یعلم بذلك حمايته لها.
قوله: (أسقطوا لها به) أي: أغلظوا[٢] لها في الكلام وأسمعوها سقطه بالذي
قالته من تبرئتي.
قوله: (ما يعلم الصائغ) إلخ، أي: البراءة والخلوص عن العيب.
[١] ولذا لما قالت له عائشة: أجب رسول الله ◌َ لّ فيما قال، قال: ما أدري ما أقول، قال الحافظ(١):
إنما أجابها أبو بكر بقوله: لا أدري، لأنه كان كثير الاتباع لرسول الله مَ ثله، فأجاب بما يطابق
السؤال، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها:
لا أدري، وفي رواية أبي أويس: فقلت لأبي: أجب، فقال: لا أفعل، هو رسول الله والوحي
یأتیه، انتهى.
[٢] قال الحافظ(٢): يقال: أسقط الرجل في القول: إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله: ((به))
للحديث أو للرجل الذي اتهموها به، وحكى عياض أن في رواية لمسلم: ((حتى أسقطوا
لهاتها)» بمثناة مفتوحة وزيادة ألف بعد الهاء، قال: وهو تصحيف لأنهم لو أسقطوا لهاتها لم
تستطع الكلام، والواقع أنها تكلمت، وفي رواية عند الطبراني: فقال: لست عن هذا أسألك،=
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٩/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٦٩/٨).

٣٢٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِعُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، فَبَلَغَ الأَمْرُ
ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالله مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أَنْثَى
قوله: (ذلك الرجل الذي قيل له) أي: صفوان.
قوله: (ما كشفت كنف أنثى) أي: في الحرام[١] لا في الجاهلية ولا في
الإسلام.
= قالت: فعمه؟ فلما فطنت قالت: سبحان الله، وهذا يدل على أن المراد بقوله: حتى أسقطوا
لها به حتى صرحوا لها بالأمر، فلذا تعجبت، وقال ابن الجوزي: أسقطوا لها به أي: صرحوا
لها بالأمر، وقيل: جاؤوا في خطابها بسقط من القول، وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون من
قولهم: سقط إلي الخبر: إذا علمته، فمعناه ذكروا لها الحديث وشرحوه، انتهى.
ولا يذهب عليك أن ما في الروايات من تسمية هذه الجارية المسؤولة ببريرة حكموا عليه
بالوهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة وهذه قبلها بمدة، وأجيب بأنه يحتمل أن تكون بريرة
تخدم عائشة وهي في رق مواليها، أو أن اسم هذه الجارية وافق باسم بريرة التي وقع لها
التخيير، وجزم البدر الزركشي أن تسمية الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة، وأنها جارية
أخرى، وأخذه من ابن القيم، فإنه قال: تسميتها ببريرة وهم من بعض الرواة، فإن عائشة إنما
اشترت بريرة بعد الفتح.
قال الحافظ(١): وأجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة وهي في رق مواليها قبل وقوع
قصتها فى المكاتبة، وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ، انتهى.
[١] وإليه مال القرطبي إذ جمع بينه وبين حديث أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وغيرهما أن
امرأة صفوان بن المعطل جاءت إلى رسول الله وم له فقالت: يا رسول الله إن زوجي يضربني
إذا صليت، الحديث، وفيه أما قولها: يفطرني إذا صمت فأنا رجل شاب لا أصبر، فقال
القرطبي: إن مراده بقوله: ما كشفت كنف أنثى قط أي: بزنا، انتهى.
=
(١) ((فتح الباري)) (١٨٨/٥).

٣٣٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَظٌّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي
فَلَمْ يَزَالًا عِنْدِي حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِبَ لهِ وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ
وَقَدِ اكْتَنَفَ(١) أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِيٍ، فَتَشَهَّدَ النَّبِيُّ لَ﴿ وَحَمِدَ الله(٢)
وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا
أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللهِ، فَإِنَّ الله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ
امْرَأَةُ مِنَ الأَنْصَارِ وَهِيَ جَالِسَةٌ بِالبَابِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ
قوله: (قارفت سوءاً) هو ما دون الجماع، وأراد بالظلم نفسه نعوذ بالله من
نسبتهما إلیھا.
قوله: (وهي جالسة بالباب) لمكان النبي ◌ّ وأبي بكر في البيت، وكانت
أتت لتسلي عائشة وتهون شيئاً مما تلاقيها.
= وقال البزار لحديث أبي سعيد: هذا الحديث كلامه منکر، وليس للحديث عندي أصل،
وتعقب الحافظ كلامه وجزم بأن للحديث أصلاً ورجاله رجال الصحيح، وتعقب أيضاً كلام
القرطبي بما في رواية سعيد بن أبي هلال عن هشام فيها: لما بلغه الحديث قال: والله ما
أصبت امرأة حلالاً ولا حراماً، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: وكان لا يقرب النساء.
قال الحافظ(٣): فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد
ذلك، فهذا الجمع لا اعتراض عليه إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصوراً لكنه لم يثبت،
فلا يعارض الحديث الصحيح، ولا يذهب عليك ما قال الحافظ في التفسير أن الحجاب كان
قبل الإفك، وأمليت في الوضوء أن قصة الإفك وقعت قبل الحجاب، وهو سهو، والصواب
بعد نزول الحجاب، فلیصلح هناك، انتھی.
(١) في نسخة: ((اكتنفني)).
(٢) في نسخة: ((فحمد الله)).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٢/٨).

٣٣١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
أَنْ تَذْكُرَ شَيْئً، وَوَعَظَ (١) رَسُولُ الله ◌َ﴿ِ، فَالتَفَتُّ إِلَى أَبِي فَقُلْتُ: أَجِبْهُ، قَالَ:
فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالتَّفَثُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، قَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟ قَالَتْ: فَلَمَّا
لَمْ يُجِيبَا تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ الله وَأَثْنَيْثُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا وَالله
لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ - وَاللهِ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةُ - مَا ذَاكَ بِنَافِعِي(٢)
عِنْدَكُمْ لِي، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ، وَأُشْرِبَتْ قُلُوبُكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُ: إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ
- وَالله يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ ـ لَتَقُولُنَّ: إِنَّهَا قَدْ بَاءَتْ بِهَا(٣) عَلَى نَفْسِهَا، وَالله
إِنِّي(٤) مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، - قَالَتْ: وَالتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ
عَلَيْهِ - إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[يوسف: ١٨]. قَالَتْ: وَأَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ،وَ لَّهِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ
وَإِنِّي لأَتَبَيِّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: (أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ،
قَدْ أَنْزَلَ اللهِ بَرَاءَتَكِ))، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ:
قوله: (إلا أبا يوسف) لأنه كان مثلي في الحيرة والتردد فيما يقول، إن يصدقهم
فليس له علامة ودليل، وإن يكذبهم فإنهم ليسوا بمسلمين [١] كذبهم، فلم يكن له بد
مثلي من أن يقول: فصبر جميل، إلخ.
قوله: (فكنت أشد ما كنت غضباً) لأنها كانت من أول الأمر مجتهدة في
[١] من التسليم، أي: لا يسلم أولاد يعقوب كذبهم ولا يقبلونه.
(١) في نسخة: ((فوعظ)).
(٢) في نسخة: ((بنافع)).
(٣) في نسخة: ((به)).
(٤) في نسخة: ((وإني والله)).

٣٣٢
الكوكبُ الدُِّي
قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: لَا وَالله لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُهُ وَلَا أَحْمَدُ كُمَا، وَلَكِنْ
أَحْمَدُ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْ تُمُوهُ.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا الله بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ
إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحُ
وَحَسَّانُ ابْنُ ثَابِتٍ وَالمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ، وَكَانَ يَسْتَوْشِهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ
الَّذِي تَوَلَى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا
بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ الله(١) هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوْلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يَعْنِي
أَبَا بَكْرِ، ﴿أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي
مِسْطَحًا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، قَالَ
أبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ صَحِيحُ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَمَعْمَرُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ
تبرئتها، وأما إذا برئت عاتبتهم [١] على فعلهم.
[١] ففي رواية البخاري(٢): فكان أول كلمة تكلم بها: ((يا عائشة أما الله عزّ وجل فقد برأك))،
فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عزّ وجلّ، قال
الحافظ(٣): وفي رواية صالح: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده
ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، وفي رواية الطبري من هذا الوجه: أحمد الله لا إياكما،
وفي رواية ابن جريج: فقلت: بحمد الله وذمكما.
=
(١) زاد في نسخة: ((تعالى)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٦٦١).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٧٧/٨).

٣٣٣
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ اللَّيْئِيِّ، وَعُبَيْدِ الله بْنِ
عَبْدِ الله، عَنْ عَائِشَةَ، هَذَا الحَدِيثَ أَطْوَلَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَتَّمَّ.
٣١٨١ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ
رَسُولُ اللهِ ﴿ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ، أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ
وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ.
قوله: (أمر برجلين وامرأة) حسان ومسطح وحمنة رضي الله عنهم، وأما المنافق
عبد الله بن أبي فلا يذكر (١) هل حد أم لا؟ وعلى الثاني فالظاهر أنه نشر الحديث لخبثه
= وفي رواية ابن حاطب: والله لا نحمدك ولا نحمد أصحابك، وفي رواية مقسم والأسود وكذا في
حديث ابن عباس: ولا نحمدك ولا نحمد أصحابك، وزاد في رواية الأسود عن عائشة: وأخذ
رسول الله ګ﴾ بیدي فانتزعت یدي منها، فنهرني أبو بكر، وعذرها في إطلاق ذلك ما خامرها
من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحققهم حسن طريقتها.
قال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالاً كما يدل الحبيب على حبيبه، ويحتمل أن تكون مع
ذلك تمسكت بظاهر قوله مَ ث لها: احمدي الله، ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد
فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب، انتهى.
[١] أي: في الروايات المشهورة، وإليه مال ابن القيم وابن بطال وغيرهما، قال الحافظ(١): وعند
أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق بسنده عن عائشة: أن النبي والر أقام حد القذف على
الذين تكلموا بالإفك، لكن لم يذكر فيهم عبد الله بن أبي، وكذا في حديث أبي هريرة عند البزار،
وبنى على ذلك صاحب ((الهدي)) فأبدى الحكمة في ترك الحد على عبد الله بن أبي، وفاته أنه ورد أنه
ذکر أيضاً فیمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية الحاكم في («الإکلیل))، وفيه رد على الماوردي =
[٣١٨١] د: ٤٤٧٤، جه: ٢٥٦٧، حم: ٣٥/٦، تحفة: ١٧٨٩٨.
(١) ((فتح الباري)) (٤٧٩/٨).

٣٣٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.
بحيث لا يكون نسبته إليه واضحاً فسلم، وقيل: لم يحد لخوف الفتنة.
= حيث صحح أنه لم يحدهم مستنداً إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار، ثم قال: وقيل: إنه حدهم،
وما ضعفه هو الصحيح المعتمد، وقال أيضاً: في الحديث تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به
الفتنة، نبّه على ذلك ابن بطال مستنداً إلى أن عبد الله بن أبي كان من قذف عائشة، ولم يقع في الحديث
أنه ممن حد، وتعقبه عياض بأنه لم يثبت أنه قذف، بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه.
قال الحافظ (١): وقد ورد أنه قذف صريحاً، ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي
حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في ((الإكليل)) بلفظ: فرماها عبد الله بن
أبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضاً أنه ممن جلد الحد،
وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما
مرسلاً، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال
عياض، فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحاً ثم لم يحد، انتهى.
وقال الشيخ ابن القيم(٢): ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله بم لل بمن صرّح بالإفك،
فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل:
لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلاً لذلك، وقد وعده الله بالعذاب
العظيم في الآخرة، فیکفیه ذلك عن الحد.
وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه، وقيل: الحد
لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة، وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به علیه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين
أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين، وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفى
إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تطالب به ابن أبي.
وقيل: ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه
بما يوجب قتله مراراً، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعاً =
(١) ((فتح الباري)) (٤٨١/٨).
(٢) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) (٣/ ٢٣٥-٢٣٦).

٣٣٥
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٢٦ - وَمِنْ سُورَةِ الفُرْقَانِ
بِـِلهُالرَّحْمِ الرَّحْيَمِ
٣١٨٢ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ،
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله،
أَيُّ الذَّتْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ للّه نِدَّا(١) وَهُوَ خَلَقَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟
قَالَ: (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ
تَزْنِيَ بِحَلِیلَةِ جَارِكَ».
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُ.
٢٦ - ومن سورة الفرقان
قوله: (أن تقتل ولدك) عني [١] به الموؤدة.
فيهم رئيساً عليهم، فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها، فجلد مسطح
=
ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيراً لهم
وتكفيراً، وترك عبد الله ابن أبي، إذاً فليس هو من أهل ذاك.
[١] قال عزّ اسمه: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَاحَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، قال
الخازن (٢): قوله: ((من إملاق)) يعني من خوف الفقر، والإملاق: الإقتار، والمراد بالقتل: وأد
البنات وهن أحياء، يعني لا تئدوا بناتكم خوف العيلة والفقر فإني رازقكم وإياهم، انتهى. ثم
لا يذهب عليك أن الحديث جعلوه مثالاً لمدرج الإسناد، كما بسطه الحافظ في ((الفتح)»،
والسيوطي في ((التدريب))(٣)، تركنا تفصيله للاختصار.
[٣١٨٢] خ: ٤٤٧٧، م: ٨٦، د: ٢٣١٠، ن: ٤٠١٥، حم: ٤٣٤/١، تحفة: ٩٤٨٠.
(١) الند بالكسر: المثل والنظير، جمعه: أنداد، ((تاج العروس)) (٢١٦/٩).
(٢) ((تفسير الخازن)) (٢/ ١٧١).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١١٦/١٢) و((تدريب الراوي)) (١/ ٣٢١).

٣٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ بِمِثْلِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣١٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَاسَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَبُوزَيْدٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ
وَاصِلِ الأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَ أَّ
الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ
أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ أَوْ مِنْ طَعَامِكَ، وَأَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ)). قَالَ: وَثَلَا هَذِهِ الْآيَةَ
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ
وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ اُلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدٌ فِيهِ،
مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩].
حَدِيثُ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ، أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ
وَاصِلٍ، لأَنَّهُ زَادَ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلاً.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاصِلٍ،
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّوَّ نَحْوَهُ.
هَكَذَا(١) رَوَى شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ
فِيهِ عَمْرَو بْنَ شُرَحْبِیلَ.
[٣١٨٣] خ: ٦٠٠١، ن: ٤٠١٣، حم: ١/ ٣٨٠، تحفة: ٩٣١١.
(١) في نسخة: ((وهكذا)).

٣٣٧
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
٢٧ - سُورَةُ الشُّعَرَاءِ(١)
٣١٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ العِجْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الظُّفَاوِيُّ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا
نَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ رَسُولُ الله
(يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُظَلِبِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَلِبِ إِنِّي
لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ)).
٢٧ - سورة الشعراء
قوله: (سلوني من مالي) والإيراد بأنه مَّي لم يكن له مال سيما بمكة توهم،
أفلم يكن له ◌َّل ما فيه أكله وشربه، والتركة التي أصابها من أبيه، وما اشتهر [١] من ((أنا
لا نرث ولا نورث»، فالكلمة الأولى منها لم تثبت.
[١] قلت: تقدم في الجزء الرابع في ((باب تركة النبي ◌َّ) أنه لم يكن مورثاً، وتقدم في ((كتاب
الفرائض)) الخلاف أنه # هل يكون وارثاً أم لا؟ ومختار الشيخ الأول، وبه جزم فيما قرره
على أبي داود، كما حكاه شيخنا في ((البذل))(١)، إذ قال تحت حديث عائشة: إن مولى للنبي
مات، الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: إنما كانت ذلك منة
منه؛ لكونه مَلّ وارثه للعتاقة، وما روي من قوله: ((لا نرث ولا نورث))، فزيادة لا نرث غلط
من بعض الرواة، والصحيح الاكتفاء بقوله: ((لا نورث))، لأنه ◌َّل ورث من أبيه، انتهى. وفي
(السيرة الحلبية)): وترك عبد الله خمسة أجمال وقطعة من غنم، فورث ذلك رسول الله وَل﴾ من
أبيه، انتهى. أي: فهو يَّ يرث ولا يورث، ودعوى بعضهم أنه لم يرث بناته اللاتي متن في
حیاته، فعلی تقدیر صحته جاز أن يكون مل﴾ ترك أخذ ميراثه تعففاً، انتهى.
[٣١٨٤] تقدم تخريجه في: ٢٣١٠.
(١) ((بذل المجهود)) (١٠/ ٧٣).

٣٣٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَهَكَذَا رَوَى وَكِيعُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الظُّفَاوِيِّ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مُرْسَلاً،
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسِ.
٣١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أُخْبَرَنِي زَكَرِيًّا بْنُ عَدِيٌّ، نَا
عُبَيْدُ الله ابْنُ عَمْرٍو الرَّقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَمَعَ
رَسُولُ الله ◌َ﴿ قُرَيْئًا فَخَصَّ وَعَمَّ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ
مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ
مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا،
يَا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا
نَفْعًا، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُظَلِبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ
لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا
أَمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، إِنَّ لَكِ رَحِمًا وَسَأَبُلَّهَا بِبَلَالِهَا)).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ(١) مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ عِبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
قوله: (وسأبلها) إلخ، والعرب كانت تعبر عن الوصل والاتصال بالبلة، وعن
القطيعة والشقاق باليبس والجفاف، وأصله في الرحم فإنها جلدة، والجلدة إذا
[٣١٨٥] خ: ٢٧٥٣، م: ٢٠٤، ن: ٣٦٤٥، حم: ٣٣٣/٢، تحفة: ١٤٦٢٣.
(١) في نسخة: ((حسن غريب)).

٣٣٩
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّوَلَّهِ بِمَعْنَاهُ.
٣١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِيِ زِيَادٍ، نَا أَبُوزَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ قَسَامَةً
ابْنِ زُهَيْرٍ قَالَ: ثَنِي الأَشْعَرِيُّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
[الشعراء: ٢١٤] وَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَ هِ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فَرَفَعَ مِنْ صَوْتِهِ فَقَالَ: ((يَا
بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ یَا صَبَاحَاءُ)).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ (١)، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَوْفٍ، عَنْ
فَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنِ النَّبِّلَهُ مُرْسَلاً وَهُوَ أَصَحُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
يبست تقطعت بخلافها رطبة مبلولة، فمعنى ((سأبلها ببلالها)) هو الصلة، وإنكار[١]
الإغناء من الله من غير إذنه أو على خلاف أمره وإرادته.
قوله: (أصبعيه في أذنيه) وذلك لأن العصبة المفروشة (٢) هاهنا إذا دلكت أو
کبست لا تأخذ النادي الصائت بحة.
قوله: (يا صباحاه) وأصله كان في الإنذار إذا صبح العدو قوماً وكانت إغارتهم
في الصبح لأنه وقت نوم وغفلة مع ما يعين عليه من ظلمة الليل، ثم استعمل في كل
إنذار وتخويف.
[١] دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث من إنكار الشفاعة للمؤمنين لما ذكر فى الحديث من نداء
فاطمة وغيرها من المؤمنين، وأجاب عنه الشراح بأن هذا كان قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه
يشفع فيمن أراد وتقبل شفاعته، حتى يدخل قوماً الجنة بغير حساب، أو كان المقام مقام
التخويف والتحذير، أو أراد المبالغة في الحض على العمل، ويكون على ما أفاده الشيخ
في قوله: ((لا أغني شيئاً)) إضمار: إلا إن أذن الله لي بالشفاعة.
[٢] أي: في الأذن، والحاصل أن أعصاب الأذن إذا غمزت وشدت بشيء لا تصل إليها خشونة =
[٣١٨٦] حب: ٦٥٥١، تحفة: ٩٠٢٦.
(١) زاد في نسخة: ((مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى)).

٣٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٨ - (١) سُورَةُ النَّمْلِ
٣١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ،
عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أوْسِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله
قَالَ: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ، وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ
وَتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتَمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الخُوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا(٢):
يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا: يَا كَافِرُ، وَيَقُولُ هَذَا(٣): يَا كَافِرُ، وَهَذَا: يَا مُؤْمِنُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ
مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ فِي دَابَّةِ الأرْضِ.
و
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي أَمَامَةً(٤).
٢٨ - سورة النمل
قوله: (فتجلو وجه المؤمن) بأن يخط خطًا بالعصا على ناصيته وجبهته
فیستنیر وجهه[١].
= صوت النادي، فيكون سبباً لزيادة رفع صوته.
[١] كما ورد هذا المعنى في روايات كثيرة بسطها السيوطي في ((الدر))(٥)، منها ما في رواية عبد بن
حمید عن عبد الله بن عمرو بلفظ: أما المؤمن فتكون نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتی یبیض =
[٣١٨٧] جه: ٤٠٦٦، حم: ٢٩٥/٢، تحفة: ١٥٢٦٣.
(١) في نسخة: ((ومن سورة النمل، بسم الله الرحمن الرحيم)).
(٢) في نسخة: ((هاها)) في الموضعين.
(٣) في نسخة: ((ها)) في الموضعين.
(٤) زاد في نسخة: ((وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ)).
(٥) ((الدر المنثور)) (٣٧٩/٦).