النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٣٠٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: تَمَارَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ
الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَالَ
الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ وَلَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِقَّ: ((هُوَ مَسْجِدِي هَذَا)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، رَوَاهُ أُنَيْسُ بْنُ أَبِي
يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
٣١٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، نَا يُونُسُ بْنُ الحَارِثِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةً، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّبَ لِّ، قَالَ: «نَزَلَتْ
ج
هَذِهِ الْآيَةُ فِى أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَظَهَرُ واْوَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ
قوله: (هو مسجدي) ولقد بينا من قبل [١] أنهما كانا قد اتفقا على كون المراد
به مسجد قباء، ثم اختلفا في أنه هل هو خاصة أم المسجد النبوي أيضاً، فأثبته
أحدهما ونفاه الآخر، فبين النبي ◌َّ شموله لهما، وعلى هذا لا يلزم منافاة بين الآية
والرواية.
[١] فقد تقدم في أبواب الصلاة ((باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى))، وذكر فيه
المصنف حدیث أنیس بن أبي يحيى.
[٣٠٩٩] م: ٣٨٩٨، ن: ٦٩٧، حم: ٨/٣، تحفة: ٤١١٨.
[٣١٠٠] د: ٤٤، جه: ٣٥٧، تحفة: ١٢٣٠٩.
٢٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
[التوبة: ١٠٨]، قَالَ: ((كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ)) (١).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ.
٣١٠١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنْ أبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانٍ،
فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانٍ؟ فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ
لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وَلَّهِ فَنَزَلَتْ: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُبِيهِ.
قوله: (فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) إلخ، والآية دالة على أن إيفاء
ما وعد(١) وهو حرام لا يجوز فضلاً عن أن يجب.
[١] والمراد منه قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ رَبِّ﴾ الآية [مريم: ٤٧]، ومؤدى الآية كما جزم به أهل
التفسير أنه يجوز لهم الاستغفار لأحبائهم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان، فلما تبين أنهم
أصحاب الجحيم، بأن ماتوا على الكفر، فلا يجوز.
[٣١٠١] ن: ٢٠٣٦، حم: ٩٩/١، تحفة: ١٠١٨١.
(١) في ((تفسير النسفي)) (١/ ٧١٠): قال النبي وَثّر: ((يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى
عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟))، قالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط
الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي عليه السلام ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ﴾،
قيل: هو عام في التطهر عن النجاسات كلها، وقيل: هو التطهر من الذنوب بالتوبة، انتهى.
٢٠٣
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
٣١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَامَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِّلَهُ فِي
غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ إِلَّ بَدْرًا، وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ ◌َلَأَحَدَّا تَخَلَّفَ
عَنْ بَدْرٍ، إِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ العِيرَ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشُّ مُغِيثِينَ(١) لِعِيرِهِمْ، فَالتَّقَوْا عَنْ
غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى، وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللهِ صَ لِ فِي
النَّاسِ لَبَدْرُ، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا، مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ العَقَبَةِ حَيْثُ
تَوَاتَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّْ بَعْدُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَّهِ حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ
تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَآذَنَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ
بِطُولِهِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّوَلَّهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ
الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ القَمَرِ، وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالأَمْرِ اسْتَنَارَ، فَجِثْتُ
قوله: (كما قال الله تعالى) ﴿وَلَوْ [١] تَوَاعَدَتُّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِ اَلْمِيعَدِ﴾
[الأنفال: ٤٢].
قوله: (فذكر الحديث بطوله) وهو مذكور في ((الكشاف))، ولعله مفصل في
[١] قال الخازن(٢): ولو تواعدتم أنتم والمشركون لاختلفتم في المعياد، وذلك لأن المسلمين
خرجوا ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها من المسلمين، فالتقوا على غير ميعاد،
والمعنى لو تواعدتم أنتم والكفار على القتال لاختلفتم أنتم وهم، لقلتكم وكثرة عدوكم،
انتھی.
[٣١٠٢] خ: ٤٤١٨، د: ٢٦٠٥، ن: ٣٤٢٨، جه: ١٣٩٣، حم: ٤٥٥/٣، تحفة: ١١١٥٣.
(١) في نسخة: ((مغوثین)).
(٢) ((تفسير الخازن)) (٣١٥/٢).
٢٠٤
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((أَبْشِرْيَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ
وَلَدَتْكَ أُمُكَ))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، أَمِنْ عِنْدِ الله أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ فَقَالَ: «بَلْ مِنْ
عِنْدِ الله))، ثُمَّ تَلَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَاَلْمُهَجِينَ
الصحيحين أيضاً[١].
قوله: (بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك) ولا يتوهم أنه كيف[٢] فضل
يوم قبلت توبته على يوم أسلم؛ لأن الردّة أشد من الكفر الأصلي، وليس [٣] سخط الله
بأهون منها، أو يقال: الفضل جزئي.
قوله: (أمن عند الله أو من عندك) أي: هل بمحض لطفه تعالى أم
بشفاعتك؟.
[١] قلت: أخرجه البخاري(١) في مواضع من كتابه، منها في غزوة تبوك بترجمة مستقلة، وهي
((حديث كعب بن مالك))، وكذا أخرجه مسلم في كتاب التوبة في ((باب حديث توبة كعب بن
مالك)».
[٢] قال الحافظ(٢): استشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرّ عليه بعد أن ولدته أمه، وهو
خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديراً وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن في الجواب أن
یوم توبته مکمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته ویوم توبته مکمل لها، فهو خير
جميع أیامه وإن کان یوم إسلامه خیرها، فیوم توبته المضاف إلى إسلامه خیر من يوم إسلامه
المجرد عنها، انتھی.
[٣] لا يقال: إن ذلك كبيرة، فكيف يساوي الكفر؟ لأن مزية الكفر على الكبيرة باعتبار أن الكفر
لا يغفر، والكبيرة تغفر، فإذا کانت کبیرة بحيث لا تغفر فأي فرق بينهما.
(١) (كتاب المغازي: ٦٤)، ((مسلم)) (كتاب التوبة: ٤٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢٢/٨).
٢٠٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
وَاُلْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقِ
مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١١٧]، قَالَ: وَفِينَا أُنْزِلَتْ
أَيْضًا: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله،
إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدَّثَ إِلَّ صِدْقًا، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً
إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكَ)، فَقُلْتُ(١): فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، قَالَ: فَمَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ
نِعْمَةً بَعْدَ الإِسْلَامِ أعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ لَّهِ حِينَ صَدَقْتُهُ
أَنَا وَصَاحِبَايَ، وَلَّا نَكُونُ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا، وَإِنِّى لأُرْجُو أَنْ لَا
يَكُونَ الله أَبْلَى أَحَدًّا فِي الصِّدْقِ مِثْلَ الَّذِي أَبْلَانِ، مَا تَعَمَّدْتُ لِكَذِبَةٍ بَعْدُ،
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيَ.
قوله: (وأن أنخلع من مالي) إلخ، وكان استشارةً لا إيقافاً، وإلا لما صح
الاستثناء منه، كما استثنى بعد ذلك بعضه، وفي الحديث دلالة على أن لفظ المال
يعم غير الدراهم والدنانير أيضاً والعقار ونحوه، وقال الإمام([١]: المال ما فيه زكاة،
ولا يصح الاستدلال بما في الرواية، فإن عرفهم متفاوت عرفهم.
[١] وتوضيح ذلك ما في ((الهداية))(٢): من قال: مالي في المساكين صدقة، فهو على ما فيه
الزكاة، وإن أوصى بثلث ماله، فهو على ثلث كل شيء، والقياس أن يلزمه التصدق في
الأولى بالكل، وبه قال زفر، قال ابن الهمام (٣): وبه قال البتي والنخعي والشافعي، وقال
مالك وأحمد: يتصدق بثلث ماله، لقوله ◌ِ ليه لأبي لبابة حين قال: من توبتي أن أنخلع من =
(١) في نسخة: ((قلت)).
(٢) ((الهداية)) (٣/ ١١٣).
(٣) ((شرح فتح القدير)) (٣٥١/٧).
٢٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الحَدِيثُ بِخِلَافِ هَذَا الْإِسْنَادِ فَقَدْ قِيلَ: عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ کَعْبٍ، وَقَدْ قِيلَ
غَيْرُ هَذَا. وَرَوَى يُونُسُ بْنُ يَزِيْدَ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
٣١٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا إِبْرَاهِیمُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قَالَ: بَعَثَ
إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ فَقَالَ:
إِنَّ عُمَرَ قَدْ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ يَوْمَ اليَمَامَةِ، وَإِنِّي
لِأَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنُ كَثِيرُ، وَإِنِّي
أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ
رَسُولُ الله ◌َ﴿؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى
= مالي: يجزيك الثلث، ثم بسط الكلام في الدلائل، وأجاب عن حديث أبي لبابة بأنه ليس فيه
تصریح بأنه نذر ذلك، فهو على أنه نوی ذلك وقصده.
قلت: ولا يرد الحديث على الحنفية كما أفاده الشيخ لأن قول الحنفية هذا في النذر وهذه
كانت استشارة، وأيضاً قد يتفاوت العرف مع أن الحنفية أيضاً قالوا بالإطلاق العام، كما
صرح به أهل الفروع في (باب زكاة الأموال))، ففي ((البحر)) (١): أن المال كما روي عن محمد
كل ما يتملكه الناس من نقد وعرض وحيوان وغير ذلك، إلا أن في عرفنا يتبادر من اسم
المال النقد والعروض، انتھی.
[٣١٠٣]خ: ٤٩٨٦، حم: ١/ ١٠، تحفة: ٣٧٢٩.
(١) ((البحر الرائق)) (٢٤٢/٢).
٢٠٧
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
شَرَحَ اللهِ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَعَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ(١) فِيهِ الَّذِي رَأَى، قَالَ زَيْدُ:
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ شَابُّ عَاقِلُ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِلَه
الوَحْيَ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ، قَالَ: فَوَالله لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ
أَتْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِوَ لِ؟ فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَتَّى
شَرَحَ اللهِ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَهُمَا: صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ
القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرَّقَاعِ وَالعُسُبِ وَاللَّخَافِ(٢)، - يَعْنِي الْحِجَارَةَ - وَصُدُورٍ
الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ** فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. [التوبة: ١٢٨-١٢٩].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (فوجدت آخر سورة براءة) إلخ وكان قد التزم[١] في كتابته أن يسمع
[١] وبسط هذا المعنى الحافظ في ((الفتح))(٣)، وأخرج عن ابن أبي داود في ((المصاحف)) من
طريق يحيى بن عبد الرحمن قال: قام عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله مَل شيئاً من =
(١) في نسخة: ((أريت)).
(٢) ((الرقاع)) جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغذ. و((العسب)) بضمتين جمع عسيب
بالمهملة، وهو جريدة النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فشَطْبَةٌ،
وقال السيوطي: كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. و ((اللخاف)) بالكسر
جمع لخفة بالفتح: حجارة بيض رقاق، انتهى من ((اللمعات)) (٦١١/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٤/٩).
٢٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
الآية عن جماعة، ثم يأخذ المكتوب عن اثنين، إلا أنه لم يجد هذه الآية مكتوبة إلا
مع خزيمة (١) وإن كان سمع عن الجماعة(٢) وكان يحفظها بنفسه أيضاً، ثم إن خزيمة
= القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون في الصحف والألواح، قال: وكان لا يقبل من أحد شيئاً،
حتی یشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيداً لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوباً حتی یشهد به
من تلقاه سماعاً مع كون زيد كان يحفظه، وكان يفعل مبالغة في الاحتياط، وكان غرضهم
أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ◌ِّثّ لا من مجرد الحفظ، انتهى مختصراً.
[١] كما في حديث الباب، واختلفت الروايات في أن آخر التوبة وجد مع خزيمة أو أبي خزيمة،
وبكلا الطريقين أخرجها البخاري في تفسير التوبة، وذكر لكل منهما المتابعة، وكذا اختلف في
آية سورة الأحزاب، هل وجدت مع خزيمة أو أبي خزيمة، بسطه الحافظ في الجهاد والتفسير
وفضائل القرآن، ورجح أن آخر سورة التوبة وجد مع أبي خزيمة بالكنية، وهو غير الذي وجد
معه آية سورة الأحزاب، وهو خزيمة بن ثابت بغير الكنية، وهو الذي جعل رسول الله معاليه
شهادته كالشهادتين، وعلم من ذلك أن كلام الشيخ مبني على رواية الترمذي، وهو مخالف
لمختار الحافظ.
[٢] كما تدل عليه جل الروايات الواردة في ذلك، ففي ((الدر)) (١) برواية جماعة من المخرجين
عن أبي بن كعب: أن آخر ما نزل من القرآن ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾
الآية [التوبة: ١٢٨]، وعنه أيضاً: أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان
رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ﴿ثُمَّ
أَنْصَرَ فُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]، فظنوا أن هذا آخر ما نزل
من القرآن، فقال أبي بن كعب: إن النبي { ي قد أقرأني بعد هذا آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ الحديث، وفي رواية: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين، =
(١) ((الدر المنثور)) (٣٣١/٤).
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
٢٠٩
ابن ثابت لما أقیمت شهادته مقام اثنین أقام کتابته مقام اثنین لذلك، ثم وقع مثل هذا
الانفراد حين كتبت المصاحف في خلافة [١] عثمان رضي الله عنه، وكان في آية ﴿مِّنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]، وكان قد التزم في كتابته الثانية أيضاً مثل التزامه
في الأولى مع زائدة، وهي العرض والمقابلة مع المصحف الذي كتب أولاً، فاتفق
أنه لم يجد كريمة ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية مكتوبة مع اثنين، وإن كان في المصحف
وعلى ألسنة القوم.
= فقال عمر: من معك؟ فقال: لا أدري والله، إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله مَل﴾ ووعيتها
وحفظتها، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله بِثّة، الحديث. وفي أخرى: جاء
خزيمة بهاتين الآيتين، وقال عثمان: أنا أشهد أنهما من عند الله.
فهذه الروايات وغيرها صريحة في أنهم سمعوا من الجماعة، وعدم الوجدان كان في الكتابة
أو في الشهادة على الكتابة، هذا وقد بسط الحافظ(١) في أسماء حفاظ القرآن في ((باب القراء
من أصحاب النبي (مَلّ)).
[١] قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية
أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد فجمعه
في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي { ل﴾، وجمع عثمان كان لما كثر
الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤوه بلغاتهم على الاتساع، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة
بعض، فنسخ تلك الصحف مرتباً لسوره في مصحف واحد، واقتصر من سائر اللغات على
لغة قريش، كذا في ((الفتح))(٢).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٩/ ٤٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢١/٩).
٢١٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٣١٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ، وَكَانَ
يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَ بِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ، فَرَأَى حُذَيْفَةُ
اخْتِلَافَهُمْ فِي القُرْآنِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ
الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ
إِلَى حَقْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ،
فَأَرْسَلَتْ حَقْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِالصُّحُفِ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ وَسَعِيدٍ بْنِ العَاصِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ الله بْنِ
الزُّبَيْرِ: أَنِ انْسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ.
وَقَالَ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: مَا اخْتَلَقْتُمْ(١) أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ
قوله: (وكان) أي: عثمان[١] (يغازي) أي: يجهز (أهل الشام) وأهل العراق
ليفتحوا أرمينية وأذربيجان.
[١] وبذلك جزم العيني(٢) إذ فسر الحديث بقوله: أي: كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق
لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وبسط الحافظ في ضبطهما أشد البسط، ثم قال: وكانت
هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السنة الثانية أو الثالثة من خلافة عثمان، ثم ذكر
الروايات المختلفة في ذلك وقال في آخره: فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل
سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فیه، وغفل بعض
من أدركناه فزعم أن ذلك کان في حدود ثلاثین.
[٣١٠٤] خ: ٤٩٨٧، حم: ١٨٨/٥، تحفة: ٩٧٨٣.
(١) زاد في نسخة: ((فیه)).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٣/ ٥٣٥).
٢١١
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، حَتَّى نَسَخُوا الصُّحُفَ فِىِ الْمَصَاحِفِ،
بَعَثَ عُثْمَانُ إِلَى كُلِّ أَفْقِ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنْ
سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِوَلَّ يَقْرَؤُهَا: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فَالْتَمَسْتُهَا
فَوَجَدْتُهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ - أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ - فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ، فَقَالَ القُرَشِيُّونَ:
التَّابُوتُ، وَقَالَ زَيْدُ: التَّابُوهُ، فَرُفِعَ اخْتِلَافُهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: اكْتُبُوهُ التَّابُوتَ
فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ
مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ
عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتَوَلَّهَا رَجُلُ، وَالله لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبٍ
قوله: (أعزل عن) إلخ، وكان في فهمه(١) رضي الله عنه أنه لو تولى ترتيبه لرتبه
[١] قال الحافظ(١): وقد شق على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه
الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري، وأخرج ابن أبي داود عنه أنه قال: لقد
أخذت من في رسول الله وَل سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان، والعذر
لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن
يرسل إليه ويحضر، وأيضاً فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد =
(١) ((فتح الباري)) (١٩/٩).
٢١٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ العِرَاقِ
اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ
بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، فَالْقَوُا الله بِالمَصَاحِفِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ:
أحسن ترتيب، إلا أنهم لم يدخلوه فيهم؛ لأنه كان لا يترك ما أدى إليه فهمه، فخافوا
أن يخالف الشوری فیفوت ما هم بصدده، ثم إن عثمان رضي الله عنه أخذ سائر
المصاحف وغسلها[١]، ومن هاهنا يعلم أن المباحات كثيراً ما تحرم(٢) لمخافة الفتن
والمفاسد، ثم إن ابن مسعود رضي الله عنه منع مصاحفه أن يؤتيها عثمان رضي الله
= أبي بكر وأن يجعلها مصحفاً واحداً، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت
کما تقدم لكونه کان کاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولیة لیست لغیره، انتهى.
وقال أيضاً: كأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان من الاقتصار على قراءة واحدة وإلغاء
ما عدا ذلك، أو كان لا ينكر الاقتصار لما في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون
قراءته هي التي يعول عليها لما له من المزية في ذلك مما ليس لغيره، انتهى.
[١] واختلفت الروايات في ذلك كما بسطها الحافظ(١) تحت رواية البخاري: ((وأمر بما سواه
من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق)) فقال: يحرق بالمهملة وبالمعجمة، وفي
رواية أن تمحى أو تحرق، والمحو أعم من أن يكون بالغسل أو التحريق، وجزم عياض بأنهم
غسلوها بالماء ثم أحرقوها مبالغة في إذهابها، انتهى.
[٢] فإن القراءة بحروف مختلفة كانت مباحة، ثم أجمعت الصحابة على قراءة ما جمعها زيد،
قال الخطابي: الأشبه ما قيل: إن القرآن أنزل رخصاً للقارئ بأن يقرأ بسبعة أحرف، وهذا قبل =
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٠/٩).
٢١٣
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِةٍ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالُ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابٍ
رَسُولِ الله(١) ◌َله.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ
حَدِيثِهِ.
عنه، فأمر غلمانه[١] أن ينزعوها منه، فوقعوا به رضي الله عنه حتى أصابته جراحات
وصدمات، فمات رضي الله عنه في ذلك، وتأسف عثمان رضي الله عنه على ما
أمرهم به، وسخط عليهم فيما فعلوا به، وكان ذلك في الكتاب مسطوراً، ولا مانع
لما قد صار مقدوراً.
= إجماع الصحابة، وأما الآن فلا يسعهم أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعوا عليه، انتهى. كذا في
((الأوجز))(٢).
[١] وهذا مما نقم على أمير المؤمنين عثمان كما بسط الإيراد والجواب عنه في ((تحفة الاثني
عشرية))، فارجع إليه لو شئت التفصيل، ومال صاحب ((الخميس)) (٣) إلى أن ما رووه مما
جرى على عبد الله بن مسعود من عثمان وأمره غلامه بضربه كله بهتان لا يصح منه شيء،
وعلى تقدير الصحة يكون ذلك من الغلام قد فعله من عند نفسه غضباً لمولاه، إلى آخر ما
بسطه، ولا إشكال فيه عندي على صحة ذلك فإن كليهما كانا معذورين، أما عثمان فلدفع
شرة الاختلاف، وأما ابن مسعود فروي عنه أنه قال: من استطاع ذلك يعني يترك ما سمعه من
في رسول الله څ﴾.
(١) في بعض النسخ: ((النَِّيِّ)).
(٢) ((أوجز المسالك)) (٢٤٦/٤).
(٣) انظر: ((تاريخ الخميس)) (٢٧٠/٢).
٢١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
١١ - وَمِنْ سُورَةٍ يُونُسَ
شِـ
F
٣١٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا حَمَّادُ
ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ،
عَنِ النَّبِيِّلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ:
إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا وَيُرِيدُ(١) أَنْ
يُنْجِزَكُمُوهُ، قَالُوا: أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُنْجِينَا(٢) مِنَ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الجَنَّةَ؟ قَالَ:
١١ - ومن سورة يونس
قوله: (ينجينا من النار) غلط من الكتاب، والصحيح حذف الياء (١) بإعمال لم.
[١] وهو كذلك في النسخة المصرية بحذف الياء، لكن فيها كلتا الصيغتين بتاء الخطاب، وكذلك
في ((المشكاة)) برواية مسلم(٣) ولفظها: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئاً
أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟))، قال القاري (٤).
بتشديد الجيم ويخفف، أي: ألم تخلصنا من النار، انتهى.
قلت: لكن الصواب في رواية الترمذي بصيغة الغائب، لأن الخطاب فيها بواسطة المنادي
بخلاف رواية مسلم.
[٣١٠٥] تقدم تخريجه في ٢٥٥٢.
(١) في أصولنا الخطية: «یرید» بحذف الواو.
(٢) كذا في الأصل هنا، وقد تقدم هذا الحديث في باب رؤية الرب تبارك وتعالى من أبواب
صفة الجنة (برقم: ٢٥٥٢)، ووقع هناك ((ينجنا)» بحذف التحتانية، وهو الظاهر.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٨١).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠/ ٣٢٢).
٢١٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
فَيُكْشَفُ الحِجَابُ قَالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمُ (١) شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ.
حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ
مَرْفُوعًا، وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ
٣١٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَاسُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَطَاءِ
ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قَالَ: مَا سَأَلَنِى عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ مَةِ، فَقَالَ: «مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدُ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ، هِيَ
الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ».
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَيِي
صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،
فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ،
عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِّلَ﴿ِ نَحْوَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ
ابْنِ یَسَارٍ.
وَفِي البَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
[٣١٠٦] تقدم تخريجه في ٢٢٧٣.
(١) في بعض النسخ: ((مَا أَعْطَاهُمُ الله)).
٢١٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ:
(لَمَّا أَغْرَقَ اللّه فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بنُواْ إِسْرَِّيلَ ﴾
[يونس: ٩]، فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالٍ (١) البَحْرِ وَأَدُسُّهُ
فِي فِيهِ مَخَافَةً أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
قوله: (مخافة أن تدركه الرحمة) إلخ ١٦].
[١] بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد تحرير البحثين الطويلين المعروفين في هذا
الحديث، فلم يتفق له، أجمل الكلام على أحدهما الرازي، وعلى الثاني صاحب ((الخازن))،
وها أنا ألخّص لك كلامهما تكميلاً للفائدة، أما الأول فقد قال الرازي(١): هاهنا سؤالان:
الأول: أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ، فكيف حكى الله عنه أنه
ذكر ذلك؟ والجواب من وجهين: الأول أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام
اللسان، فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس لا باللسان، الثاني أن يكون المراد بالغرق مقدماته.
السؤال الثاني: أنه آمن ثلاث مرات: أولها: قوله: آمنت، والثاني: لا إله إلا الله، والثالث: أنا
من المسلمين، فما السبب بعدم القبول؟ والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد، حتى
يقال: إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل، وأجاب عنه العلماء بوجوه:
الأول أنه إنما آمن عند نزول العذاب، ولا يقبل الإيمان في هذا الوقت، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ
يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
الثاني: أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع البلاء، فما كان مقصوده بهذه الكلمة
الإقرار بالربوبية، قلت: وكان دأبهم كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى =
(١) ((التفسير الكبير)) (٢٩٥/١٧).
٢١٧
أَبْوَابْ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٣١٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، نَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ،
نَاشُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيٍْ،
- أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَاعَهِدَ عِندَكْ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾
الآية [الأعراف: ١٣٤]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الفُرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلََّ إِنََّهُ فَمَّا مَجَنَّكُمْإِلَى الْبَرِ أَعْرَضْتُمْ﴾
الآية [الإسراء: ٦٧]، ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَالظّلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ الآية [لقمان: ٣٢].
الثالث: أن الإقرار كان بمحض التقليد، ألا ترى أنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ ﴾
[يونس: ٩٠]، وهو كان من الدهرية، كما حققنا في سورة طه، وكان من المنكرين لوجود الصانع،
ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجج القطعية، والتقليد المحض لا يفيده.
الرابع: ما في بعض الكتب أن بعض أقوام بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة
العجل، فلما قال: ﴿إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ﴾ انصرف ذلك إلى العجل.
الخامس: أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم، ولذا اشتغلوا بعبادة العجل
لظنهم أنه تعالى حلّ في جسده، فلما كان كذلك وقال هو: ﴿إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ﴾
فكأنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية.
السادس: الإيمان إنما يتم بالإقرار بالنبوة، وهاهنا لم يقر بنبوة موسى عليه السلام.
السابع ما في ((الكشاف)) أن جبرئيل أتى فرعون بفتيا فيها: ما قول الأمير في عبد نشأ في مال
مولاه ونعمته، فكفر نعمته وجحد حقه، وادعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيها: يقول أبو
العباس الوليد بن بن مصعب: جزاء العبد الخارج علی سیده، الکافر بنعمته أن یغرق، ثم إن
فرعون لما أغرق رفع جبرئیل علیه السلام علیه فتیاه، انتهى.
قلت: والأوجه عندي في الأجوبة الثلاثة الأولى بالترتيب والسادس.
وأما البحث الثاني فهو ما أورد الرازي على حديث الباب، وقال: لا يصح ما نسب إلى
جبرئيل، وتكلم الخازن أولاً على طرق الحديث وأثبت واحداً منها على شرط البخاري، =
[٣١٠٨] حم: ١/ ٢٤٠، ٣٤٠، تحفة: ٥٥٦١.
٢١٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، ذَكَرَ أَحَدُهُمَا، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ جِبْرَئِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ
فِي فِي فِرْعَوْنَ الطِّينَ خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهِ، فَيَرْحَمَهُ اللهِ، أَوْ خَشْيَةَ
أَنْ يَرْحَمَهُ الله.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبُ صَحِيحٌ.
= والثاني على شرط مسلم، ثم ذكر إشكال الرازي بأنه في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف
ثابت أولاً، فإن كان ثابتاً لا يجوز لجبرئيل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن
يعينه عليها وعلى كل طاعة، وإن كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت، فلا يبقى
لهذا الذي نسب إلى جبرئيل فائدة، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر،
والرضا بالكفر كفر، وأيضاً فکیف یلیق بجلال الله أن یأمر جبرئيل بأن یمنعه من الإيمان، ولو
قيل: إن جبرئيل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا يبطله قول جبرئيل: ﴿ وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا
بِأَمْرِرَبِّكَ ﴾ الآية [مريم: ٦٤]، فهذا وجه الإشكال الذي أورده الرازي بكلام أكثر من هذا،
والجواب أن الحديث قد ثبت عن النبي ◌ِّليّة، فلا اعتراض لأحد.
وأما قوله: التكليف هل كان ثابتاً أم لا؟ فإن كان ثابتاً لم يجز لجبرئيل أن يمنعه، فإن هذا القول
لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله، وأن الله يضل من يشاء ويهدي
من يشاء، وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون: إن الله يحول بين الكافر والإيمان
لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ولقوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفُ
بَلْ طَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ
يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فيكون فعله بفرعون جزاء على تركه الإيمان أول مرة،
فدس الطين من جنس الطبع والختم على القلب، هذا قول المثبتين للقدر، ومن المنكرين
لخلق الأفعال من اعترف أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره.
وأما قوله: لم يجز لجبرئيل أن يمنعه، بل يجب عليه أن يعينه، هذا إذا كان تكليفه کتكليفنا،
وأما إذا كان جبرئيل يفعل ما أمر، والله سبحانه هو الآمر بذلك، فكيف لا يجوز له، وأما =
٢١٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
١٢ - وَمِنْ سُورَةِ هُودٍ
٣١٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: «كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ
١٢ - ومن سورة هود
قوله: (في عماء) فقيل(١): معناه السحاب، وقيل: بل هو العالي عن أن تدركه
العقول وتصل إليه الأفهام، وأيًّا ما كان ففيه إشارة إلى عدم السؤال عنه لكونه غير معقول
الكيفية، أما على الأول فلأنه كان سأل عن مقامه تبارك وتعالى قبل كل شيء من مخلوقه،
= قوله: إن كان التكليف زائلاً فلا فائدة، فالجواب أن للناس في تعليل أفعال الله تعالى قولين:
أحدهما لا تعلل، فلا يرد هذا السؤال، والثاني أن لها غايات بحسب المصالح، فالجواب
أن جبرئيل لما علم أن إيمانه لا ينفع لتحقق معاينة الموت دس التراب تحقيقاً لهذا المنع،
والفائدة فيه تعجيل ما قد قضي عليه وسدّ الباب عنه سدًّاً محكماً، إلى آخر ما بسطه.
[١] قال في ((المجمع))(١): العماء بالفتح والمد: السحاب، وروي عمی بالقصر بمعنى ليس معه شيء،
وقيل: هو كل أمر لا تدركه عقولنا، انتهى. وفي الحاشية: عن أبي عبيدة: لا ندري كيف كان
ذلك العماء، وعن الأزهري: نحن نؤمن به، ولا نكيفه بصفة، انتهى. وأجمل شيخ مشايخنا الشاه
ولي الله الدهلوي الكلام على معناه في ((الدر الثمين)) وبسطه في ((فيوض الحرمين))، والحديث
يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ ﴾ الآية [هود: ٧].
[٣١٠٩] جه: ١٨٢، حم: ٤ / ١١، تحفة: ١١١٧٦.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٦٨٧).
٢٢٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
فإن إضافة الخلق إلى الضمير أفادت الجنسية، فلزم الاستغراق، فكان منشأ سؤاله أن
الرحمن استوى على العرش فأين كان قبل أن يخلقه؟ فأجيب بأنه كان في شبه غمامة
بيضاء، ثم بقي بعد ذلك أنه هل كانت هذه الغمامة حادثة أو قديمة؟ لا سبيل إلى الأول؛
لما أنه لو كان كذلك لم يصب الجواب غرض السائل؛ لأنه كان يسأل كونه قبل خلقه
أجمع، فوجب القول بالقدم، فانتهوا عن السؤال لما قد فهموا أن الأمر ليس بمقدور أن
تدركه الأفهام، وأما على الثاني فالأمر ظاهر لأن العمى هو العدم المحض، فلا يتعلقه
العلم والإحاطة، ولا يتوهم أن ظرفية العدم له تبارك وتعالى مما لا يعقل، لأنه ليس
ظرفاً له، فإن وجوده حق لا يرتاب فيه ولم يسأل عنه، بل السؤال عما كان إذاً من المكان
والمقام، فقال: لم يكن ثم شيء، ولفظة ما في قوله: ((ما فوقه هواء وما تحته هواء)) إن
كانت نافية [١] فالهواء هي إحدى البسائط، فالمراد نفي قياسه الغائب على الشاهد، لأنه
كان يرى أن كل شيء خال ففيه تمكن واستقرار لشيء، ولا أقل من أن يقر فيه هواء،
فلعل ثم هواء إذ لم يكن هناك شيء آخر فنفاه، وإن كانت موصولة فهي الجو أي: ما بين
الأرض والسماء، أي: كان فوقه خلاء وتحته خلاء ولم يكن شيء موجوداً غيره سبحانه.
[١] وبذلك جزم القاري(١) إذ قال: ما نافية فيهما، وفيه إشارة إلى ما في رواية البخاري من طريق
عمران: كان الله ولم يكن معه شيء، قال القاضي: المراد بالعماء ما لا تدركه الأوهام، عبر
عن عدم المكان بما لا يدرك ولا يتوهم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به بالهواء، فإنه يطلق
ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ليكون أقرب إلى فهم السامع، ويدل عليه أن
السؤال كان عما كان قبل أن يخلق خلقه، فلو كان العماء أمراً موجوداً لكان مخلوقاً، إذما من
شيء سواء إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه، فلم يكن الجواب طبق السؤال، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٠٥/١٠).