النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا (١) فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ
اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ، قَالَ:
وَكَانَ بَنُو ◌ُبَيْرِقٍ قَالُوا - وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ -: وَالله مَا نُرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا
لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلُّ مِنَّا لَهُ صَلَاحُ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدُ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ
وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ! فَوَالله لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّئُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ،
قوله: (فتحسسنا) التحسس بالحاء المهملة هو التفتيش على ظهور، وبالجيم
هو التنقيش [١] سرًّا، وكان ثمة هو الأول فهو بالحاء.
قوله: (وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نرى) إلخ،
هذه مقولة بني أبيرق، واعترض بين القول ومقولته جملة حالية هي: ونحن نسأل في
الدار.
قوله: (رجل منا له صلاح) مقولة قتادة بن النعمان يزكيه بها[٢].
[١] قال المجد(٢): النقش: تلوين الشيء بلونين أو ألوان كالتنقيش، واستقصاؤك الكشف عن
الشيء، انتھی.
[٢] أي: يزكي لبيداً بذلك، يعني رموا بالسرقة لبيداً، وهو رجل من قومنا من أهل صلاح وإسلام،
ولفظ السيوطي في ((الدر))(٣) برواية ابن سعد: فأتى قتادة بن النعمان النبي ◌َّ فأخبره بذلك،
فدعا بشيراً فسأله فأنكر، ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلاً من أهل الدار ذا حسب ونسب،
فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد، الحديث.
(١) في نسخة: ((فتجسسنا)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٦٢).
(٣) ((الدر المنثور)) (٢/ ٦٧١).

١٢٢
الكَوَكَبُ الدُّرِي
قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِى الدَّارِ حَتَّى لَمْ ذَشُكَّ
أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يَا ابْنَ أَخٍ(١)، لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللهِ وَ لَ فَذَكَرْتَ
ذَلِكَ لَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَه فَقُلْتُ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ،
عَمَدُوا إِلَى عَمِّ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَّبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ،
فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((سَآهُرُ
فِي ذَلِكَ)، فَلَمَّا سَمِعَ بَنُوْ أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ
فِي ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ(٢) فِي ذَلِكَ نَاسُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَتَادَةَ
ابْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدًا (٣) إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلاَمٍ وَصَلَاَجِ، يَرْمُونَهُمْ
بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ فَكَلَّمْتُهُ،
فَقَالَ: «عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامُ وَصَلَاحُ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ
عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَبَيِّنَةٍ))(٤)، قَالَ: فَرَجَعْتُ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضٍ
مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّ رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ
أَجِ(٥) مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌َيِّ، فَقَالَ: الله الْمُسْتَعَانُ،
قوله: (قالوا: إليك عنا) أي: قال بنو أبيرق: أنت لست فيما هنالك، ومن
یسمیك ونحن لا نظن بك ذلك، فکیف أن نقوله.
(١) في نسخة: ((يا ابن أخي)).
(٢) في نسخة: ((فاجتمع)).
(٣) في نسخة: ((عمدوا)).
(٤) في نسخة: ((ولا بينة)).
(٥) في نسخة: ((يا ابن أخي)).

١٢٣
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
فَلَمْ يَلْبَتْ(١) أَنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ
أَرَئِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَبِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] بَنِي أَبَيْرِقٍ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهُ ﴾
مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ
أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦-١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا الله
لَغَفَرَ لَهُمْ، ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمَا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِثْمًا
مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١١- ١١٢] قَوْلَهُمْ لِلَبِيدِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اْللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، إِلَى قَوْلِهِ:
﴿فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣-١١٤]، فَلَمَّا نَزَلَ القُرْآنُ أَتِيَ رَسُولُ الله
بِالسِّلَاجِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَتَيْتُ عَمِّى بِالسِّلَاجِ، وَكَانَ شَيْخًا
قَدْ عَشَا- أَوْ عَسَاء الشَّكُ مِنْ أَبِي عِيسَى - فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ أُرَى إِسْلَامُهُ
مَدْخُولاً(٢)، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاَجِ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، هِيَ(٣) فِي سَبِيلِ الله،
فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرُ بِالمُشْرِكِينَ،
فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ(٤) فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ
قوله: (فلما نزل القرآن أتي) على زنة المجهول.
قوله: (وكنت أری إسلامه مدخولاً) الفعل مجهول، والمدخول أراد به ما
دخل فيه الضعف والنفاق، وكان ظنه ذلك لقلة حضوره عند النبي بٍَّ، وكان عدم
(١) في نسخة: «فلم نلبث)».
(٢) ((مدخولًا)) الدَّخل: العيب والغش، يعني: أن إيمانه متزلزل فيه نفاق. ((جامع الأصول))
(١٠٩/٢).
(٣) في نسخة: ((هو)).
(٤) ((ابن سمية)) في نسخة: ((ابن سهيل))، وفي كتب التراجم والأنساب: ((ابن شهيد)).

١٢٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمٌ
وَسَآءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن
ج
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالأَ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٥-١١٦].
فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرٍ، ..
حضوره لكبر سنه[١] ولضعف بصره، إلا أنه لما تصدق بالسلاح في سبيل الله شكراً
لما أولاه الله من البراءة عن العيب والكذب، وذهب عنه سخط النبي بَّةِ، فعلم قوة
إسلامه.
قوله: (على سلافة) وكانت (٢) مشركة، وإنما لم يقطع لأن السارق إنما كان
هو بشير وقد ذهب، وأما سائر أهل بيتهم فكانوا لم يسرقوا.
[١] كما يدل عليه لفظ عشى أو عسى، وهو بالشك في النسخ التي بأيدينا من الترمذي، وكذا في
((جمع الفوائد))، و((تيسير الوصول)»، وفي آخره عسى بالمهملة كبر وأسن، وبالمعجمة قل
بصره وضعف، انتهى.
[٢] كما يدل عليه سياق الحديث بلفظ: لحق بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، وفي
((الدر)) (١) برواية ابن سعد: فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه، هرب إلى مكة مرتدًا
كافراً، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد، فجعل يقع في النبي بَلَّ، فنزل القرآن
فيه، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع، وكان ذلك في شهر ربيع (٢) سنة أربع من الهجرة،
انتھی.
=
(١) ((الدر المنثور)) (٢/ ٦٧٢).
(٢) كذا في الأصل.

١٢٥
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي الأَبْطَجِ، ثُمَّ
قَالَتْ: أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ؟ مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ.
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ
الحَرَّانِيِّ.
وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَتَادَةً مُرْسَلاً، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
جَدِّهِ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ هُوَ: أَخُو أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ لُأُمِّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ: سَعْدُ
ابْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ.
قوله: (فأخذت رحله) أي: لما وصلتها أشعار[١] حسان أخرجته من بيتها.
= وفي ((أسد الغابة))(١): بشير بضم الباء وفتح الشين المعجمة، كان شاعراً منافقاً يهجو
أصحاب رسول الله ◌ِ ﴾ فسرق من رفاعة بن زيد درعه، ثم ارتد في شهر ربيع الأول سنة أربع
من الهجرة، انتھی.
[١] وهي في ديوانه أولها:
بذي کرمٍ منَ الرجالِ أوادعهْ
وما سارقُ الدرعينِ إن كنتَ ذاكراً
ينازعها جلدَ استها، وتنازعهْ
فقدْ أنزلتهُ بنتُ سعدٍ، فأصبحتْ
وفينا نبيٌّ عندهُ الوحيُّ واضعة
ظننتمْ بأنْ يخفى الذي قدصنَعُمُ
إلى آخر ما بسطها، والحديث أخرجه الطبري في ((تفسيره)) بزيادة بعض ألفاظ فيها زيادة
توضيح، وأخرجه أيضاً صاحب (الدر)) و((التيسير)) و((جمع الفوائد)) مفصلاً باختلاف بعض
الألفاظ.
(١) ((أسد الغابة)) (١ / ٣٨١).

١٢٦
الكوكبُ الدُّرِّي
٣٠٣٧ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ أَسْلَمَ البَغْدَادِيُّ، نَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ
إِسْرَائِيلَ، عَنْ تُوَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
قَالَ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَبِهِ،
وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨].
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
وَأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَتُوَيْرٌ يُكْنَى أَبَا جَهْمٍ، وَهُوَ رَجُلُ
كُوِفِيٌّ، وَقَدْ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ مَهْدِيٌّ كَانَ يَغْمِزُهُ قَلِيلاً.
٣٠٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي زِيَادِ الْمَعْنَى وَاحِدٌ،
قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةً،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ [النساء: ١٢٣] شَقَّ
ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَفِي
كُلِّ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ كَفَّارَةُ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا وَالنَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبُ.
وَابْنُ مُحَيْصِنِ اسْمُه: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصٍِ.
قوله: (قاربوا وسددوا) أي: افعلوا فعل القربة، وأصلحوا أعمالكم حسب
وسعكم، والتسديد: التسوية وإصلاح العمل، ثم إن صدرت جنايات ففي النكبات
والکربات كفارات.
[٣٠٣٧] تحفة: ١٠١١.
[٣٠٣٨] م: ٢٥٧٤، ن: في ((الكبرى)»: ١١٠٥٧، تحفة: ١٤٥٩٨.

١٢٧
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٣٠٣٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِّ وَ لَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ
هَذِهِ الآيَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
[النساء: ١٢٣]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا أُقْرِتُكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ»
قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: فَأَقْرَّأَنِيهَا، فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ فِي ظَهْرِي
اقتِصَامًا(١) فَتَمَظَّأْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ: ((مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟)) قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟! وَإِنَّا لَمَجْزِيُّونَ بِمَا عَمِلْنَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ: «أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي
الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا الله وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الآخَرُونَ فَيَجْتَمِعُ(٢) ذَلِكَ لَهُمْ
حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
قوله: (اقتصاماً) انكساراً. (فتمطأت لها) لهول ما تضمنته الآية، والأحوال
النفسانية تؤثر في ظاهر الأجسام إذا اشتدت کیفیاتها.
قوله: (أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون) إلخ، لما بنى الأمر على الإيمان فتكفير
الذنوب في الدنيا إنما هو على قوة الإيمان وكثرة المصائب، لا أن المؤمنون [١] كافة
يلقون الله من غير ما ذنب، وإن لم يكن الإيمان كاملاً والشدائد كثيرة.
[١] كان الظاهر المؤمنين، وللرفع توجيهات لا تخفی.
[٣٠٣٩] حم: ٦/١، تحفة: ٦٦٠٤.
(١) في نسخة: ((انقصاماً))، وتحرف في ((تحفة الأحوذي)) بالسين المهملة.
(٢) في نسخة: ((فيجمع)).

١٢٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالُ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ يُضَعَّفُ
فِي الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ
مَجْهُولُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْسَ
لَهُ إِسْنَادُ صَحِيحُ أيْضًا.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ.
٣٠٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ
مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا
النَّبِىُّ ◌َِّ، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ
فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]،
فَمَا اصْطَلَخَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.
څۋ کان یعدل بين
قوله: (خشيت سودة أن يطلقها) إلخ، لما أن [١] النبي
أزواجه مع قلة رغبته بَّ في بعضهن وكثرة رغبتهن إليه مَّرَ، فعلمت سودة[٢]
أنه عليه الصلاة والسلام لو طلقها لم يبق لها معه تعلق، فهونت في نفسها أن
[١] الروايات متظافرة على أنه مَ ل كان يقسم لنسائه، وهل كان القسم واجباً عليه أو تبرعاً منه وَ ال
مختلف فیه.
[٢] قال الحافظ (١): هي زوج النبي ◌َثلة، كان تزوجها وهو بمكة بعد موت خديجة، ودخل
عليها بها، وهاجرت معه، ووقع لمسلم قالت عائشة: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي،
ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة =
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٣١٢).

١٢٩
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبٌ.
تهب يومها لعائشة رضي الله عنها، وهذا إسقاط، والساقط لا يعود مع أن عودها
في حقها كان سائغاً لها لو فعلت، وهذا لأن الإسقاط لم يوجد إلا في الحقوق
والنوبات التي وجدت، وليس بجائز أن تعود فيها، وأما الأيام[١] التي لم توجد
بعد من أيام حقها فإنما فيها عدة بحتة، وليس إسقاطاً، فإن السقوط يقتضي ثبوتاً
ما ولم یوجد.
= بالاتفاق، انتهى. ثم ذكر الروايات المختلفة في أنها لما أسنّت وخافت أن يفارقها
رسول اللّه ◌َا﴾ قالت: يا رسول الله، يومي لعائشة، ومن جملتها ما أخرجه ابن سعد بسند
رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي برزة مرسلاً: أن النبي # طلقها فقعدت له على
طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع
نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟
قال: لا، قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها، قالت: فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة
حبة رسول الله پے، انتھی.
[١] قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قسم الزوج لها يوم ضرتها، فإن كان تالياً ليومها فذاك،
وإلا لم يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضا من بقي، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها،
فإن قبل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يقبل لم يكره على ذلك، وإذا وهبت يومها
لزوجها ولم تتعرض للضرة فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من اثنتين، أو يوزعه
بين من بقي، وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت، لكن فيما يستقبل لا
فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، كذا في
((الفتح)(١).
=
(١) ((فتح الباري)) (٣١٢/٩).

١٣٠
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
٣٠٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي
السَّفَرِ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ، أَوْ آخِرُ شَيْءٍ أُنْزِلَ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِ اُلْكَلَلَةِ ﴾ [النساء: ١٧٦].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
قوله: (آخرآية أنزلت) أي: في المواريث،(١) وإلا فقد نزل بعد هذه الآية كثير
من القرآن.
= وقال أيضاً: اختلف السلف فيما إذا تراضيا على أن لا قسمة لها، هل لها أن ترجع في
ذلك؟ فقال الثوري والشافعي وأحمد: إن رجعت فعليه أن يقسم لها، وإن شاء فارقها،
وعن الحسن: ليس لها أن تنقض، وهو قياس قول مالك في الإنظار والعارية، انتهى. وفي
(الهداية)) (١): إن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز؛ لأن سودة بنت زمعة
سألت رسول الله ◌َ أن يراجعها وتجعل يوم نوبتها لعائشة، ولها أن ترجع في ذلك؛ لأنها
أسقطت حقًّا لم یجب بعد فلا يسقط، انتهى.
[١] وبذلك الوجه جزم جمع من شراح الحديث، وعلى هذا فلا يشكل بما في البخاري(٢) عن
ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي ◌ِّ آية الربا، وكذا لا يشكل بما روي عن ابن عباس:
آخر آية نزلت على النبي ◌َّ ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا تُرَجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، أخرجه
الطبري من طرق عنه، وزاد عن ابن جريج قال: يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال إلى آخر ما
بسطه.
[٣٠٤١] خ: ٤٦٠٥، م: ١٦١٨، د: ٢٨٨٨، ن في الكبرى: ٦٢٩٣، حم: ٢٩٨/٤، تحفة:
١٧٦٥.
(١) ((الهداية)) (٢١٦/١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٥٤٤).

١٣١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
وَأَبُو السَّفَرِ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، وَيُقَالُ: ابْنُ يُحْمِدَ الثَّورِيُّ.
٣٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ الله(١) وَّ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ ﴾ [النساء: ١٧٦]،
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: («تُجْزِئُكَ آيَةُ الصَّيْفِ)).
قوله: (تجزئك آية الصيف) فقيل: هي [١] هذه الآية بعينها، وحاصل الجواب أن
الذي تسألنيه ظاهر بأدنى تأمل منك في الآية، ولعل الرجل سأل عن الكلالة ما هي؟ أو
سأل عن تفسير الآية، وأيًّا ما كان فأحاله النبي ◌َّ على أن يتدبره بنفسه ويتفكر في الآية
ومنعه الجواب، وقيل: آية الصيف هي قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ﴾ [المائدة: ٣]، وعلى هذا فالمعنى أن الدين لما كان قد
[١] غرض الشيخ بهذا الكلام دفع ما يشكل على ظاهر الحديث من اتحاد السؤال والجواب،
ودفعه الشيخ بثلاثة وجوه: الأول: أن غرض السائل كان السؤال عن تعريف الكلالة، فأحاله
النبي ◌َّ على الآية نفسها بأنه موجود فيها، والثاني: أن غرضه كان السؤال عن تفسير الآية،
فأجابه النبي ◌َّ بأن آية الشتاء وهي ما في أول النساء وإن كان فيه نوع إجمال لكن آية الصيف
واضحة لا تحتاج إلى التفسير. والثالث: أنه مخ لل نبههم وحرضهم على الاجتهاد في الأحكام
الشرعية، وعلى هذا فالمراد بآية الصيف ليست آية الكلالة، بل آية إكمال الدين، وهذه الآية
وإن لم تشتهر بآية الصيف لكنها معدودة في جملة الآيات الصيفية كما في ((الإتقان))(٢).
هذا خلاصة ما أفاده الشيخ، وهذا كله على سياق النسخ التي بأيدينا من المصرية والهندية=
[٣٠٤٢] د: ٢٨٨٩، حم: ٤/ ٢٩٣، تحفة: ١٩٠٦.
(١) فى نسخة: ((النبى)).
(٢) ((الإتقان في علوم القرآن)) (٨٦/١).

١٣٢
الكوَكَبُ الدُزِّي
تمّ، وليس مسألة شرعية خارجة عن الكتاب والسنة، فعليكم بالاجتهاد والاستنباط
والنظر في موارد الأحكام فإنها المناط، وأما السؤال عني في جزئيات المسائل في حياتي
فإني على وشك [١] الرحيل، فحسبكم كلام الملك الجليل وسنة نبيكم محمد الحبيب
الخليل، فيهما غنية عن كل سؤول، وكل ما أبهم من الأمر ففيهما حل كل عاقول[٢].
= للترمذي، ولا يبعد عندي أن يكون لفظ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ في السؤال مزيداً من أحد
الرواة رعاية لنظم القرآن، ويكون السؤال ((يستفتونك في الكلالة))، وعلى هذا لا غبار
في انطباق الجواب عليه، ويؤيد ذلك سياق أبي داود(١) برواية منصور بن أبي مزاحم
عن أبي بكر بهذا السند بلفظ: ((يستفتونك في الكلالة)) فما الكلالة؟ قال: تجزئك آية
الصيف.
وهذا يدل أيضاً على أن غرض السائل كان السؤال عن حقيقة الكلالة ما هي؟ ويؤيد هذا
الغرض الآثار الكثيرة التي أخرجها السيوطي في ((الدر))(٢) دالة على أن الصحابة كانوا مترددين
في حقيقتها، هل هي من لا ولد له؟ أو من لا والد له ولا ولد؟ أو غير ذلك؟ ولا يذهب عليك
أنه نزلت في الكلالة آيتان، إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، والثانية في
الصيف، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء.
[١] قال المجد(٣): وشك الأمر ككرم: سرع، وأوشك: أسرع السير، ووشك الفراق ووشكانه
ویضمان: سرعته، انتھی.
[٢] وقال المجد (٤): العاقول: معظم البحر أو موجه، ومَعْطِفُ الوادي والنهر، وما التبس من
الأمور، انتهى.
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٨٨٩).
(٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٧٥٧/٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨١).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٢).

١٣٣
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٦ - وَمِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
بِهِالرَِّالرَّحْيَمِ
٣٠٤٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلُ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ عَلَيْنَا أَنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] لَا تَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ
عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ (١) أَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٦ - ومن سورة المائدة
قوله: (لو علينا أنزلت هذه الآية) كأنه عرض بعمر بن الخطاب أنكم
معشر المسلمين لم تعرفوا قدر هذه الآية، ولو أنها نزلت فينا لجعلنا يوم نزولها
يوم فرح وسرور، وحاصل الجواب[١] أنكم معشر اليهود جعلتم أمر دينكم
[١] وهذا أجود ما وجّهت الشراح جواب عمر، قال الحافظ (٢): فإن قيل: كيف طابق الجواب
السؤال؛ لأنه قال: لاتخذناه عيداً؟ وأجاب عمر بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه
عيداً، والجواب عن هذا أنها نزلت في أخريات نهار عرفة، ويوم العيد إنما يتحقق بأوله، وقد
قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة، هكذا قاله بعض من تقدم، قال: وعندي أن
هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة قد نصت على المراد، =
[٣٠٤٣] خ: ٤٤٠٧، م: ٣٠١٧، ن: ٥٠١٢، حم: ٢٨/١، تحفة: ١٠٦٦٨.
(١) في نسخة: ((إني أعلم)).
(٢) ((فتح الباري)) (١ /١٠٥).

١٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَايَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وَعِنْدَهُ يَهُودِيُّ فَقَالَ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ
بيديكم، [١] ففرحتم بما شئتم وترحتم بما شئتم، وجعلتم ما قصدته أهواؤكم
سروراً، وآخر مما لم ترضوه ويلا على أنفسكم وثبوراً، وأما نحن(٢) فليس لنا
من الأمر شيء إلا ما قضى الله لنا، فنسرّ بما عيّنه لنا للمسّة فیه، ولیس نرضی
من الأمر إلا ما يرتضيه، فإنه تعالى وتبارك أنزل هذه الآية يوم عيدين فلم يحوجنا
إلى أن نُعيِّن لها يومَ عيد، ولو لم يفعل ذلك لما عيدنا لهما أيضاً، فإنما نحن
مطيعوه وعبيده، وليس لنا التعييد إلا عيده، فرماهم عمر رضي الله عنه بالزندقة
والفسق.
= ولفظه: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، وكذا عند الترمذي من حديث
ابن عباس: أن يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة، فظهر
أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيداً، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيداً
لأنه لیلة العید، انتھی.
[١] بضم الياء وكسر الدال، فإن اليد يجمع على الأيدي واليدي، وجمع الجمع الأيادي.
[٢] يعني ليس سبب ذلك أنا أهملناها، كلا بل ما خفي علينا زمان نزولها ولا مكان نزولها،
وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي ◌ُّثة، وموضعه في زمان النزول، وهو
كونه ◌َّ قائماً حينئذ، كما ذكره العيني، ومع ذلك لم نبتدع تعييد يوم النزول لعدم الأمر
بذلك.
[٣٠٤٤] طب: ١٢٨٣٥، تحفة: ٦٢٩٦.

١٣٥
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
الآيَةُ عَلَيْنَا لَا تَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ(١)
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ(٢)، وَيَوْمٍ عَرَفَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٣٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ،
عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهُ: «يَمِينُ
الرَّحْمَنِ مَلأَّى سَخَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ(٣)؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ
الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (الليل والنهار) مرفوعان على الفاعلية لقوله: ((لا يغيض))، أو منصوبان
على الظرفية، والفاعل إما ما يفهم من السح، [١] أو محذوف.
[١] وهو الصب، قال الحافظ(٤): سحاء بفتح المهملتين مثقل ممدود، أي: دائمة الصب،
يقال: سح بفتح أوله مثقل يسح بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمهما، وضبط في
((مسلم)) سخًّا بلفظ المصدر، ((ولا يغيضها)) بالمعجمتين بفتح أوله، أي: لا ينقصها، =
[٣٠٤٥]خ: ٧٤١٩، م: ٩٩٣، جه: ١٩٧، تحفة: ١٣٨٦٣.
(١) وفي ((معالم التنزيل)) (٢/ ١٢): قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة
وعيد اليهود والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده.
(٢) في نسخة: ((جمعة)).
(٣) زاد في نسخة: ((وَالَأَرْضَ)).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٩٥/١٣).

١٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ وَقَالَتِ اٌلُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ
أَيْدِيهِمْ﴾ الآية. [المائدة: ٦٤].
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ الأَئِمَّةُ: يُؤْمَنُ بِهِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَسَّرَ أَوْ
يُتَوَهَّمَ، هَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ: مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ
أَنَسِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ تُرْوَى هَذِهِ الأَشْيَاءُ وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُقَالُ:
گیْفَ.
٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الحَارِثُ بْنُ
عُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيُّ لَهِ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[المائدة: ٦٧]، فَأَخْرَجَ(١) رَسُولُ اللهِلَ ◌ّهِ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ
= يقال: غاض الماء يغيض: إذا نقص، ((الليل والنهار)) بالنصب على الظرف أي: فيهما،
ويجوز الرفع، انتهى. وفي ((المجمع))(٢): بنصبهما على أنهما ظرفان، ورفعهما على
أنهما فاعلان، انتهى. واقتصر القاري(٣) على الأول، وقال: سحاء صفة لنفقة أو ليد، وهو
الأصح، انتھی.
[٣٠٤٦] ك: ٣٢٢١، ق: ١٧٧٣٠، تحفة: ١٦٢١٥.
(١) في نسخة: ((قال: فأخرج)).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٤٥/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٦/١).

١٣٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
انْصَرِفُوا (١)، فَقَدْ عَصَمَنِي الله)(٢).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَّهِ يُحْرَسُ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ عَائِشَةَ.
٣٠٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا
شَرِيكُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له:((لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ
فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهِ قُلُوبَ
بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ))، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهُ وَكَانَ مُتَّكِتًا، فَقَالَ: ((لَا وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ(٣) أَظْرًا)).
قوله: (فضرب الله قلوب بعضهم) أي: تأثر [١] خيارهم من شرارهم.
[١] قال القاري(٤): يقال: ضرب اللبن بعضه ببعض أي: خلط، ذكره الراغب، وقال ابن الملك:
الباء للسببية أي: سوّد الله قلب من لم يعص بشؤم من عصى، فصارت قلوب جميعهم قاسية
بعيدة عن قبول الحق والخير، أو الرحمة بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضاً، انتهى.
[٣٠٤٧] د: ٤٣٣٦، جه: ٤٠٠٦، حم: ٣٩١/١، تحفة: ٩٦١٤.
(١) زاد في نسخة: ((عني)).
(٢) زاد في نسخة: ((حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ)).
(٣) من أطرت القوس آطرها بكسر طاء أطراً بسكونها إذا حنيتها أي: تمنعوهم من الظلم
وتميلوهم عن الباطل إلى الحق. كذا في ((المجمع)) (١/ ٦٣).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٤٢).

١٣٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَالَ يَزِيدُ: وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا يَقُولُ
فِیهِ: عَنْ عَبْدِ الله.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ
ابْنِ أَبِي الوَضَّاحِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةً، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ،
عَنِ النَّبِيِّلَ لَنَحْوَ هَذَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّوَلَّهِ مُرْسِلُ.
٣٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا سُفْیَانُ،
عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ:((إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ
لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أَخَاهُ بَقَعُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ
عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطُهُ،
فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ ذَلِكَ بِمَا
عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ وَقَرَّأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَ(١) لَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾))
[المائدة: ٧٨-٨١]. قَالَ: وَكَانَ نَبِيُّ الله مُتَّكِئًا فَجَلَسَ،
قوله: (عن أبي عبيدة) هو بفتح العين المهملة، ولد لعبد الله [١] بن مسعود.
[١] قال الحافظ(٢): أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود اسمه عامر، وما ضبطه الشيخ من ((الفتح)) لم أجده
في كتب الرجال، بل الظاهر من أصولهم أنه بالضم، وكذا بالضم ضبطه في ((جامع الأصول))(٣).
[٣٠٤٨] جه: ٤٠٠٦، تحفة: ٩٦١٤.
(١) سقطت الواو في نسخة.
(٢) ((فتح الباري)) (٦/ ٦٣).
(٣) ((جامع الأصول)) (٣٢٩/١).

١٣٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
فَقَالَ: (لا، حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَظْرًا)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَاأَبُو دَاوُدَ وَأَمْلَاهُ عَلَيَّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ
ابْنِ أَبِي الوَضَّاحِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي ◌ُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َّ بِمِثْلِهِ.
٣٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو حَقْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا عُثْمَانُ بْنُ
سَعْدٍ، نَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ◌َ لَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله
إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنَّسَاءِ وَأَخَذَثْنِي شَهْوَتِي، فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ،
فَأَنْزَلَ الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تُخَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْ إِّ
اُللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلَّا طَيِّبًا﴾ . [المائدة: ٨٧- ٨٨].
قوله: (فقال: لا، حتى) إلخ، أي: لا تنجون ولا تؤمنون حق الإيمان حتى إلخ.
قوله: (وأملاه عليّ) أي: حدثني وأكتبني.
قوله: (فحرمت علي اللحم) إلخ، وفرق ما بين تركه شيئاً وتحريمه على
نفسه، ففي الثاني ورد النص وهو حرام دون[١] الأول.
[١] فلا يشكل بما حكي عن بعض المشايخ ترك التنعم والتلذذ والاجتناب عن الثياب الفاخرة
ونحو ذلك، قال صاحب ((الجمل)) (١): أي: لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، فإن
من اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر، أما ترك لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى الله
والتفرغ لعبادته من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير، ففضيلة لا منع فيها، انتهى.
[٣٠٤٩] طب: ١١٩٨١، تحفة: ٦١٥٣.
(١) ((الفتوحات الإلهية)) (١ / ٥٢١).

١٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلاً، لَيْسَ فِيهِ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ، وَرَوَاهُ خَالِدُ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً.
٣٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَامُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا إِسْرَائِيلُ،
نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ
بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ
قَالَ(١): اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوْةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِتَتْ
عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ:
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، إِلَى قَوْلِهِ:
﴿فَهَلْ أَنْثُمُنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْرَائِيلَ مُرْسَلاً.
قوله: (فهل أنتم منتهون) أي: من السؤال عن بيان شفاء في الخمر، فقال عمر
رضي الله عنه: انتهينا عن السؤال لما ظفرنا بالمأمول، وهذا أوجه مما قاله بعضهم:
انتهينا وإن لم نجد شفاء، فأيّ مرتبة وسعة بقيت بعد قوله تعالى: ﴿رِجْسُهُ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] حتى يقال: إنا لم نجد شفاء.
[٣٠٥٠] د: ٣٦٧٠، ن: ٥٥٤، حم: ١ / ٥٣، تحفة: ١٠٦١٤.
(١) في نسخة: «ثم قال)).