النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٢٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأُعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةً، عَنْ عَبْدِ اللّه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌َ:((اقْرَأْ عَلَيَّ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: فَرَ أَيْتُ عَيْنَي النَّبِيِّ وَلَ﴾ْ تَهْمِلَانِ. هَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الأَخْرَصِ. ٣٠٢٦ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، نَحْوَ حَدِيثٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّازِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أُبِي طَالِبٍ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُوني (١) فَقَرَأْتُ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لَآَ [٣٠٢٥] خ: ٥٠٥٠، م: ٨٠٠، د: ٣٦٦٨، حم: ١/ ٣٨٠، تحفة: ٩٤٠٢. [٣٠٢٦] انظر ما قبله. (١) قال المنذري: وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده، فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب مسنداً، ورواه سفيان بن عيينة وإبراهيم ابن طهمان وداود بن الزبرقان عن عطاء بن السائب فأرسلوه، وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داود والترمذي ما قدمناه، وفي كتاب النسائي وأبي جعفر النحاس: أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وفي كتاب أبي بكر البزار: أمروا رجلاً فصلى بهم ولم يسمه، وفي حديث غيره: فتقدم بعض القوم، انتهى. ((مختصر سنن أبي داود)) (٤١٦/٣). ١٠٢ الكوَكَبُ الدُّرِّي أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١-٢]، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَّأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوْةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ ﴾ [النساء: ٤٣]. [*] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ صَحِيحٌ. قوله: (﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ﴾﴾ [النساء: ٤٣] إلخ، وكان[١] إشارة إلى حرمته عن قريب، ثم نزل(٢) بعد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ [البقرة: ٢١٩]، ثم حرمت قطعاً. [١] قال السيوطي(١): أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ﴾ [النساء: ٤٣] ذكر لنا أن النبي ◌َ ◌ّ قال حين أنزلت هذه الآية: ((قد تقرب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة)»، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة، قال رسول الله قال: إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء فقال النبي لة: ((إن ربكم يقرب في تحريم الخمر))، ثم نزلت آية المائدة، فحرمت الخمر عند ذلك، انتھی. [٢] هذا يخالف الروايات الواردة في الباب، فإن السيوطي أخرج في ((الدر)) (٢) بروايات مختلفة كثيرة مرفوعة وموقوفة ما يدل على أن أول شيء نزل في الخمر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم نزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم نزلت ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، ولعل منشأ كلام الشيخ إن لم يكن سبقة قلم ما حكى السيوطي في ((الإتقان)) (٣) عن بعضهم: أن النساء مكية، وهو خلاف قول الجمهور بل هي مدنية، وأخرج الطيالسي وابن جرير والبيهقي في ((الشعب)) وابن مردويه وغيرهم عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل = [*] د: ٣٦٧١، تحفة: ١٠١٧٥. (١) ((الدر المنثور)) (١٦١/٣، ١٦٥). (٢) ((الدر المنثور)) (١٥٧/٣-١٥٨). (٣) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ٤٧). ١٠٣ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ٣٠٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَّهُ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ(١) الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الَأَنْصَارِيُّ: سَرِّح الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِوَ لَهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَ ◌ّه لِلْزُّبَيْرِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ وَأَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ))، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ اسْقٍ وَاحْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ)) فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي قوله: (أن كان ابن عمتك) إلخ، قالوا: لعله كان منافقاً، وهذا سوء = ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فقال رسول الله صَلّ: ((حرمت الخمر)). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وأبو يعلى وجماعة عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب المال والعقل، فنزلت التي في سورة البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في سورة النساء، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْثُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، قال عمر: انتهينا انتهينا، انتهى مختصراً، وسيأتي هذا الحديث عند المصنف قريباً. [٣٠٢٧] تقدم تخريجه في ١٣٦٣. (١) الحرة: الأرض ذات الحجارة السود، والشِراج: جمع شَرجة، وهي مسيل الماء من الحَزن إلى السهل. ((جامع الأصول)) (١٠/ ٢٠١). ١٠٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي أدب(١) نسبة إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، فالجراءة على مثل هذا القول لا ينبغي إلا بعد نقل صحيح من أحد منهم، كيف والخيرية قطعية فيهم والتأويل ممكن، وتفصيل الكلام بحيث يتضح المرام أنه كان الماء لا يستقي منه لضعف جريه ما لم يسدّ مخرجه إلى أسفل، وكان بستان الزبير في أعلى جانب منه وهو جانب منبع الماء، وأرض الأنصاري كانت أسفل منه، والمسألة [٢] في مثل ذلك أن يستقي صاحب الجهة العليا، ويستوفي حقه الذي يتعين فيما بينهم من وصول الماء إلى مبلغ معلوم، سواء تضرر بذلك صاحب السفلى أو لا، وإذا استوفى حقه [١] وبذلك جزم التوريشتي كما تقدم في الجزء الرابع في هامش (أبواب الأحكام))(١)، وإليه مال الحافظ في ((الفتح))، وبسط الأقاويل في اسم ذاك الرجل الذي خاصم الزبير رضي الله عنه. [٢] ففي ((الفتح))(٢): قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، انتهى. وقال القاري(٣) بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث: أن مياه الأودية والسيول التي لا يملك منابعها ومجاريها على الإباحة، والناس شرع وسواء، وأن من سبق إلى شيء منها كان أحق به من غيره، وأن أهل الشِّرب الأعلى مقدمون على من أسفل منهم لسبقهم إليه، وليس له حبسه عمن هو أسفل منه بعد ما أخذ منه حاجته، انتهى. قلت: فما حكى العيني عن بعض الشافعية: فيه حجة على ما حكي عن أبي حنيفة من أن الأعلى لا يقدم على الأسفل، وإنما يسقون بقدر حصصهم إلخ، فالظاهر عندي أنه غلط في النقل، فإن مذهب الحنفية ذاك في الماء المملوك المشترك بين المتخاصمين لا في غير المملوك، كما في الفروع. (١) أي: برقم: ١٣٦٣. (٢) ((فتح الباري)) (٣٨/٥). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٠/٦). ١٠٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن ذَلِكَ ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. أرسل الماء إلى من دونه، فيستقي منه إن بقيت في الماء فضلة، وكان الأنصاري يزعم في نفسه أن الحق في الأولية إنما هو لصاحب الأسفل، فإنه لو علم أن الحق لصاحب الجهة العليا لما اختصم مع الزبير وأرضاه بترك استيفاء حقه والتوائه إلى ما بعد سقاية الأنصاري أرضه، فلما كان [١] كذلك وأمر النبي ◌ِّلّ الزبير بأمر أوهم الأنصاري كونه على حق مما يعلم، فقد قال للزبير: يا زبير اسق أي: قليلاً حتى لا يأخذ أشجارك جفاف، ثم أرسل إلى جارك الأنصاري، فإذا استقى الأنصاري فاستوف منه نصيبك الذي كان لك أن تأخذه قبل، فزعم الأنصاري في نفسه أن هذا السقي القليل الذي رخص فيه النبي ◌َّ للزبير إنما هو مراعاة لابن عمته، وأن الحق للأنصاري كما بينالك من أنه كان يزعم الحق لصاحب الأسفل، وقوي بذلك زعمه، وحاصله أن النبي ◌َ لّ لو كان يأمر زبيراً أن يستوفي حقه، ثم يرسل إلى الأنصاري لم يكن له أن يتوهم ما توهم، وكذلك لو أمره بالسقاية القليلة ثم ترك الماء إلى الأنصاري بعد أن يبين الأنصاري ما هو حق في ذلك لم يتوهم الأنصاري ما توهم، ولكنه ◌َّيّ أمر أخاه زبيراً بالإحسان إلى جاره بحيث لا يستضر أحد منهما، ففهمه الأنصاري مراعاة منه له، فقال ما قال، وكانت تلك كبيرة منه، لا أنه يكون بذلك مورداً للنفاق حتى يجترأ عليه، والله أعلم بحقيقة الحال. قوله تعالى: (﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾) معناه على ما قررنا[٢] نفي كمال الإيمان لا نفي [١] يعني فهم الأنصاري أولوية حقه لا حق الزبير. [٢] يعني على ما بسط قبل ذلك من أن خصم الزبير كان مؤمناً أنصارًّا، حمله الغضب أو التوهم على ذلك، وأما على ما قيل: إنه كان منافقاً فنفي الإيمان على ظاهره، وهذا كله إذا كان سبب نزول الآية هذه القصة، وقال الحافظ في ((الفتح)) (١) بعد ما ذكر من قال بنزولها فيها: وجزم = (١) ((فتح الباري)) (٣٧/٥). ١٠٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي سَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُولُ: قَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ نفسه، فإن تسليم أوامر الشرع بحيث لا يجدون حرجاً في النفس أيضاً مرتبة فوق مرتبة نفس الإيمان[١]. = مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَ اُلَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فروی إسحاق بن راهويه في تفسیرہ بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ◌ِّ، لأنه علم أنها لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب، ورجح الطبري في ((تفسيره)) وعزاه إلى أهل التأويل في ((تهذيبه)) أن سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، انتهى. قال العيني(١): وهاهنا سبب آخر غريب جدًّا، قال ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﴾ فقضى بينهما، فقال الذي قضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله وَله: ((انطلقا إليه))، قال الرجل: يا عمر بن الخطاب قضى لي رسول الله ◌َّ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فردنا إليك، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارًّا إلى رسول الله مَثّ، فقال: يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله مَ له: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل رجل مؤمن، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر، انتھی. [١] كما يدل عليه ما روي عنهم في صلح الحديبية، وفسخ الحج إلى العمرة، وعنده قوله مَ يّ: ((هكذا أنزلت)» بعد ما سمع القراءات المختلفة عنهم، وغير ذلك من الروايات الواردة في ذلك. (١) ((عمدة القاري)) (٦٩/٩). ١٠٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن سَعْدٍ، وَيُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ. ٣٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٌّ ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمَُفِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ [النساء: ٨٨] قَالَ: رَجَعَ نَاسُّ مِنْ ) وَ لَ يَوْمَ أَحُدٍ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْيقَيْنِ: فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَصْحَابِ النَّبِيِّ(١). اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقُ يَقُولُ: لَا، فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ قوله: (وفريق يقول: لا) يعني كانوا يقولون(١) في عدم قتلهم وجوهاً هي [١] اعلم أولاً أنهم اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات على أقوال بسطها المفسرون، قال الخازن(٢). قيل: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، ثم ذكر حديث الباب برواية الشيخين، ثم قال: وقيل: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله مَئيل في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع، فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف فيهم المسلمون، وقيل: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا، ثم ندموا على ذلك، فخرجوا كهيئة المتنزهين، فلما بعدوا عن المدينة كتبوا إلى رسول الله مَّه: إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجتوينا المدينة، ثم خرجوا إلى الشام. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي المنافق لما تكلم في حديث الإفك، انتهى. = [٣٠٢٨] خ: ٤٥٨٩، م: ١٣٨٤، ن: في الكبری: ١١٠٤٨، حم: ١٨٤/٥، تحفة: ٣٧٢٧. (١) في نسخة: ((رَسُولِ الله)). (٢) ((تفسير الخازن)) (١ /٤٠٧-٤٠٨). ١٠٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي دالة على حبهم معهم، ولم يكن منعهم [١] عن قتلهم لخوف فتنة أو غير ذلك من المصالح، حتى يعذروا بأن المشير إنما يعرض ما تصوبه من التدبير، بل لما لهم من القرابات معهم والمودات بهم، وكانوا يقولون: إنها طيبة (٢)، وإنها تنفي المنافقين = قال صاحب ((البحر المحيط))(١): وما كان من هذه الأقوال يتضمن كونهم بالمدينة يرده قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩]، إلا إن حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه، انتهى. واختار السيوطي في ((الجلالين))(٢) الأول إذ قال: ولما رجع ناس من أحد اختلف الناس فيهم فنزل. قال صاحب (الجمل))(٣): يعني لما رجع ناس من المنافقين اختلفت الصحابة فيهم، فقال بعضهم: اقتلهم يا رسول الله للأمارة الدالة على كفرهم، وقال فريق: لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين، والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القائل لا تقتلهم، والمراد بالهجرة هاهنا الخروج مع رسول الله مل للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة للمؤمنين في أول الإسلام، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله ◌ِل صابراً محتسباً، وهي المرادة هاهنا، وهجرة عن جميع المعاصي، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))، انتهى. مختصراً. [١] وذلك لأن منعهم عن القتل إن كان لمصلحة شرعية دينية، فلا وجه للعتاب على الظاهر. [٢] اضطرّ الشيخ إلى هذا التوجيه لما أن قوله تعالى: ((إنها طيبة)) لا تعلق له على الظاهر بما سبق، وحاصل توجيه الشيخ أنهم استدلوا بما قاله يمثل قبل ذلك على أنهم سيموتون بأنفسهم أو يخرجون من المدينة، وعامة الشراح سكتوا عن بيان المناسبة إلا ما في هامش البخاري (٤) عن = (١) ((البحر المحيط)) (٨/٤). (٢) (تفسير الجلالين)) (ص: ١١٦). (٣) ((الفتوحات الإلهية)) (١ /٤٠٩). (٤) ((صحيح البخاري)) مع حاشية السهار نفوري (٩/ ٩٨). ١٠٩ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن فَقَالَ: ((إِنَّهَا طَيْبَةُ))، وَقَالَ: ((إِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِى النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَاشَبَابَةٌ، نَاوَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِّ ◌َ لَ قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًّا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، قَتَلَنِي هَذَا، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ)) قَالَ: فَذَكَرُوا لِإِبْنِ عَبَّاسِ التَّوْبَةَ، فَتَلَا كما قال النبي ◌َّ ذلك قبل، فإنهم يخرجون أو يموتون على حسب ما قاله النبي صَلى الله وَسِلم . فعوتب هذا الفريق المشير بعدم القتل أن[١] داهنوا في أمر أعداء الله تعالى، بل كان عليهم بأسرهم أن يشيروا بالقتل، فعلم أن الإيمان الكامل لا يرضى أن يعامل بأعداء الله معاملة إغماض وإغضاء، فكيف بإحباب واسترضاء. قوله: (فقال: إنها طيبة) داخل في العتاب، يعني أني أعلم أنها تنفيهم، ولكنكم قصرتم وأخطأتم في مداهنتكم في أمرهم. قوله: (وأوداجه) أي: أوداج المقتول. = ((الخير الجاري)) إذ قال: إن كان هذا كلاماً مستأنفاً فظاهر، وإن كان مربوطاً بما قبله كان فيه إشارة إلى أن هؤلاء ستنفيهم الطيبة أي: تخرجهم المدينة، انتهى. وقال القسطلاني (١): الألف واللام للعهد أي: شرارهم وأخساءهم، أي: تميز وتظهر شرار الرجال من خيارهم، انتهى. [١] بفتح الهمزة علة للعتاب يعني عوتبوا لمداهنتهم في ذلك. [٣٠٢٩] ن: ٤٠٠٥، جه: ٢٦٢١، حم: ٢٢٢/١، تحفة: ٦٣٠٣. (١) ((إرشاد الساري)) (٣/ ٣٤٠). ١١٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُجَهَنَّمُ﴾﴾(١) [النساء: ٩٣]، قَالَ: مَا نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَا بُدِّلَتْ، وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟! هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. قوله: (فجزاؤه جهنم) إلخ، وهذا لا يقتضي أن يجازى بذلك، فإنه ارتكب ما لو جوزي بها كملاً لم يخرج من نار جهنم أبداً، إلا أن الله تعالى لا يجازيه على جنايته كمال جزائها، أو المعنى خالداً فيها مدة معهودة عند الله في هذا الإثم، والتأبيد هو تأبيد استيفاء هذه المدة المعهودة، والخلود هو المكث المکیث. قوله: (وأنى له التوبة) وهذا مذهبه [١]، وقد علمت معنى الآية. [١] أي: مذهب ابن عباس كما هو المشهور، ففي البيضاوي(٢): قال ابن عباس: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً، ولعله أراد به التشديد إذاروي عنه خلافه، والجمهور على أنه مخصوص بمن لم يتب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له، كما ذكره عكرمة وغيره، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار، ولم يظهر قاتله، فأمرهم النبي وَيّ أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدًّا، أو المراد بالخلود المكث الطويل، فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم، انتهى. وفي ((الجلالين))(٣): هذا مؤول بمن يستحله، أو بأن هذا= (١) قوله: ((﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾)) سقط في نسخة. (٢) ((تفسير البيضاوي)) (١/ ٢٣١). (٣) ((تفسير الجلالين)) (ص: ١١٨). ١١١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رِزْمَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسِ قَالَ: مَرَّ رَجُلُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِوَ ﴿ وَمَعَهُ غَنَمُ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ لِيَتَعَوَّدَ مِنْكُمْ، فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ وَلَا نَقُولُوْلِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. وَفِي البَابِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. = جزاؤه إن جوزي، ولا بدع فى خلف الوعيد لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ [النساء: ٤٨]، وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة، انتھی. وفي ((الجمل))(١) عن الخطيب ما روي عن ابن عباس أنه قال: لا تقبل توبة قاتل مؤمن عمداً، کما رواه الشيخان عنه، أراد به التشدید کما قاله البيضاوي، إذ روي عنه خلافه، رواه البيهقي في ((سننه))، انتھی. [٣٠٣٠] حم: ٢٢٩/١، تحفة: ٦١١٩. (١) ((الفتوحات الإلهية)) ٤١٣/١). ١١٢ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي ٣٠٣١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٥]، جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ بِهِ، وَكَانَ ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا تَأْمُرُنِي؟ إِنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَأَنْزَلَ الله هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ الآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((اقْتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ، أَوِ اللَّوْجِ وَالدَّوَاةِ). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ وَيُقَالُ: عَمْرُوبْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الله ابْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ زَائِدَةَ، وَأُمُّ مَكْثُومٍ أُمُّهُ. قوله: (فأنزل الله هذه الآية ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾) فهؤلاء[١] استثنوا عن الحكم، فكان النص ساكتاً عنهم، لا أنهم ساووا بذلك المجاهدين، بل يجزون ثواب نيتهم فحسب. [١] يعني أن أهل الضرر للاستثناء خرجوا من الاشتراك في الحكم بالقاعدين، لا أنهم دخلوا بذلك في حكم المجاهدين وساووابهم، وعلى نحو ذلك بنى التفسير السيوطي في ((الجلالين))(١) إذ قال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَ لِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ﴾ لضرر ﴿ِدَرَجَةٌ﴾ أي: فضيلة؛ لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة، ﴿وَكُلُّا﴾ من الفريقين ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ﴾ لغير ضرر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ويبدل منه ﴿دَرَجَتٍ مِّنْهُ﴾ منازل بعضها فوق بعض ﴿وَمَغْفِرَةَ﴾ الآية [النساء: ٩٥-٩٦]، وحمل البيضاوي(٢) القاعدين في كلا الموضعين على محمل واحد، وهو المقيد بغير العلة، وفرق بينهما بالإجمال والتفصيل إذ قال بعد قوله تعالى : = [٣٠٣١] تقدم تخريجه في ١٦٧٠. (١) ((تفسير الجلالين)) (ص: ١١٨-١١٩). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٢٣١/١-٢٣٢). ١١٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ٣٠٣٢ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، سَمِعَ مِقْسَمًّا، مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] عَنْ بَدْرٍ، وَالخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قوله: (﴿لَّا يَسْتَوِى اُلْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ ﴾ عن بدر) ليس المعنى أنها نزلت فیھم، = ﴿عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾: جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق.ثم قال بعد قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ﴾ الآية: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً تعظيماً للجهاد وترغيباً فيه، وقيل: الأول ما خوّلهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة، وقيل: الدرجة ارتفاع منزلتهم عند الله والدرجات منازلهم في الجنة، وقيل: القاعدون الأول هم الأضراء، والقاعدون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، وقيل: المجاهدون الأولون من جاهد الكفار، والآخرون من جاهد نفسه، وعليه قوله مَلّ: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))، انتھی. وقال صاحب ((الجمل)) (١) بعد قوله تعالى: ﴿عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً﴾: قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هاهنا أولي الضرر، أي: فضل الله المجاهدين على أولي الضرر درجة؛ لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية، وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدین درجة، انتھی. [٣٠٣٢] خ: ٣٩٥٤، تحفة: ٩٤٩٢. (١) ((الفتوحات الإلهية)) (١ /٤١٥). ١١٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي و قَالَ عَبْدُ الله بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ: إِنَّا أَعْمَيَانِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَلْ لَنَا رُخْصَةُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ وَ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾، فَهَؤُلَاءِ القَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا : دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦] عَلَى القَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٍ أُولِيِ الضَّرَرِ. بل الكلية [١] شاملة على حكم البدر أيضاً كما هي شاملة لسائر جزئياتها، فإن وقعة بدر كانت دفعة،[٢] ولم يخبر بذلك أحد حتى تصل النوبة إلى ابن أم مكتوم رضي الله عنه. [١] وبذلك جزم العيني(١) إذقال بعد حديث الباب: إن سبب النزول هاهنا خلاف سبب النزول في الأحاديث المذكورة قبل، فإن قلت: ما وجه التوفيق بين السببين؟ قلت: القرآن إذا نزل في الشيء يستعمل في معنى ذلك الشيء، انتهى. قلت: ويؤيد ذلك ما في ((البحر المحيط))(٢). الظاهر أن نفي الاستواء ليس مخصوصاً بقاعد عن جهاد مخصوص، ولا مجاهد جهاداً مخصوصاً، بل ذلك عام، وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها، وعن مقاتل إلى تبوك، انتهى. [٢] ففي حديث كعب الطويل في توبته: غير أني تخلفت عن بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله وَّل يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، قال الحافظ (٣): يعني لم يرد القتال حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم بغير إرادة قتال، انتھی. (١) ((عمدة القاري)) (١٢/ ٥٥٠-٥٥١). (٢) ((البحر المحيط)) (٣٥/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٢٨٦/٧). ١١٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَمِقْسَمُ يُقَالُ: مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ، وَيُقَالُ: مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ، وَمِقْسَمُ يُكْنَى: أَبَا القَاسِمِ. ٣٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدِ السَّاعِدِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَلَهُأَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى اَلْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [النساء: ٩٥]، قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمَّ مَكْثُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالله لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، قوله: (ومقسم يقال: مولى) إلخ، وهما[١] بنو أعمام، فنسب تارة إلى ابن عم وتارة إلى ابن عم. [١] فإنهما عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، وقال الحافظان ابن حجر والعيني(١): مقسم بكسر الميم مولى ابن عباس هو في الأصل مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، وإنما قيل له: مولى ابن عباس لشدة لزومه به، انتھی. [٣٠٣٣] خ: ٨٣٢، م: ٣٠٩٩، حم: ١٨٤/٥، تحفة: ٣٧٣٩. (١) ((فتح الباري)) (٢٦١/٨) و((عمدة القاري)) (٥٥١/١٢). ١١٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَتَقُلَتْ حَتَّى هَمَّتْ تَرُضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ رِوَايَةُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّينَ ﴾، عَنْ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ، رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وَمَرْوَانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِّ ◌َ ﴿ وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ. قوله: (فثقلت حتى همت ترض) فاعل[١] الأفعال الثلاثة هي الفخد أو العائد إليها، والثقل إما لترك تعلق روحه مَّله بالجسم وتوجهها بحذافيرها إلى حضرة القدس ولذة الخطاب، فإن النائم أثقل بدنا من اليقظان والميت من الحي، لذلك أو لعظمة كلامه تعالى وتبارك الذي لو أنزل على الجبال لتصدعت وتفرقت هباءً منبثاً، أو لما أن الملك يؤثر فيه مَّ ليورث ذلك تناسباً بينهما، فقد ورد في الروايات الصحيحة من أن الملك كان يضغطه في بدء أمره ووجهوه(٢] بذلك، والله أعلم. [١] وفي الحاشية عن ((المجمع))(١): ترض بفتح فوقية ويجوز ضمها وتشديد معجمة، وفخذي مفعول أو نائب فاعل، انتهى. وفي ((المجمع))(٢): الرض: الدق الجريش. [٢] أي: بالتناسب مع الملك كما بسطه شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في تفسيره إذ قال: إن للتوجه في اصطلاح أهل الفن أربعة أنواع، ولها درجات باعتبار التأثير، أضعفها التأثير الانعكاسي كتأثير رائحة الرجل المطيب، ثم فوق ذلك التأثير الإلقائي كمن أسرج السراج يبقى إلى غيبة المسرج أيضاً، لكن لا يبقى بعد المزاحم كالصرصر، ثم فوق ذلك التأثير الإصلاحي كمن أصلح مجاري الماء وأجرى الماء من المخزن، والرابع: التأثير الاتحادي، وهو أقواها وهو المراد هاهنا. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٣٧/٢). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢/ ٣٣٧). ١١٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ٣٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ أبِي عَمَّارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بَابَاهَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أَمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: إِنَّمَا قَالَ الله: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِلَّهِ، فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (صدقة تصدق الله بها) والتصدق[١] فيما لا يقبل التمليك إسقاط محض والساقط لا يعود، أو كان منسوخاً فحرم العمل به، أو لأن النبي ◌َّ أمر بقبوله، والأمر حقيقته الوجوب، والآية بظاهرها لا توافق شيئاً من المذهبين [٢]، فإن مقتضاها جواز القصر عند الخوف، وأما عند الأمن فليس إلا الإتمام، ولذلك سأل يعلى بن أمية، وكذلك عمر رضي الله عنه حين رأى النبي ◌َّ لا يتم الصلاة [١] يعني يصح الاستدلال بالحديث على الوجوب بوجوه: منها لفظ التصدق، ومنها أنه يدل على نسخ ما قبله، ومنها أنه عليه السلام أمر بقبوله، وغير ذلك، قال صاحب ((المدارك))(١): فيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر؛ لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزمه طاعته كولي القصاص إذا عفا، فمن تلزمه طاعته أولی، انتھی. [٢] يعني لا توافق مذهب الحنفية القائلين بالوجوب، ولا بمذهب غيرهم القائلين بجواز القصر، وغرض الشیخ بهذا الكلام بیان إشکال عرضهم، ومنشأ سؤالهم. [٣٠٣٤] م: ٦٨٦، د: ١١١٩، ن: ١٤٣٣، ١٠٥٥، تحفة: ١٠٦٥٩. (١) (٣٩٠/١). ١١٨ الكوكبُ الدُّرِّي ٣٠٣٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، نَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الهُنَائِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ شَقِيقٍ قَالَ: نَاأَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴾ نَزَّلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ(١) وَعُسْفَانَ(٢)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ ◌ِهَؤُلَاءِ صَلَاةَ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّيَ ◌ِهِمْ، وَتَقُومُ طَائِفَةُ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُونَ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلَاءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةُ رَكْعَةٌ، وَلِرَسُولِ الله ◌ِلِّ رَكْعَتَانِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنٍ شَقِيقٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي عَيَّاشِ الزُّرَقِّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةً. وَأَبُو عَيَّاشِ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ. وقد أمن الناس، وقد رأى أن القصر في الآية منوط بالخوف استشكل عليه فسأل، وحاصل الجواب أنه ليس قیداً ینفي الحکم عند عدمه، بل هو بیان لما كانوا عليه إذ ذاك من المخافة، وإنما هي صدقة تصدق الله سبحانه على عباده على الدوام، فليس بمشروط بالخوف. [٣٠٣٥] ن: ١٥٤٤، حم: ٥٢٢/٢، تحفة: ١٣٥٦٦. (١) هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. ((النهاية)) (٧٤/٣). (٢) هي قرية جامعة بين مكة والمدينة. ((النهاية)) (٢٣٧/٣). ١١٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٣٦ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ أَبُو مُسْلِمِ الحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو أَبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَيُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلاً مُنَافِقًا يَقُولُ الشّعْرَ يَهْجُوبِهِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ(١) وَِّ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ(٢) بَعْضَ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانُ كَذَا وَكَذَا(٣)، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ فَ لَّهَ ذَلِكَ الشّعْرَ قَالُوا: وَالله مَا يَقُولُ هَذَا الشّعْرَ إِلَّا هَذَا الخَبِيثُ، أَوْ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ، قوله: (أو كما قال الرجل) يعني كانوا[١] يقولون في بُشير هذا أو مثله من الألفاظ، أو يقول بعض الأصحاب هذا وبعضهم غير ذلك، أو المراد بالرجل هو ابن الأبيرق نفسه، وبمقالته [٢] تلك نسبة الشعر إليه، يعني أن الصحابة كانوا يقولون: إن [١] وعلى هذا فالمراد بالرجل أحد من الناس كائناً من كان، ويكون المعنى كما أفاده الشيخ يقولون: ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، ويقولون كما قال رجل آخر بمعنى هذا اللفظ، ويحتمل أن يكون لفظ ((أو)) كما قال إشارة إلى الشك في لفظ الخبيث، ومن عادتهم أنهم ينبهون على الشك بمثل هذا اللفظ، فيكون المراد بالرجل هو قائل لفظ الخبيث، ولفظ السيوطي في ((الدر)) (٤): قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال: أصموا فقالوا ابن الأبيرق قالها أو كلما قال الرجال قصيدة [٢] يعني يكون مقولة قال محذوفاً، والمعنى أو يكون صحيحاً ما قاله ابن الأبيرق: أن فلاناً الشاعر قال هذا الشعر الذي هجي به المسلمون. [٣٠٣٦] ك: ٨١٦٤، طب: ١٥/٩/١٩، تحفة: ١١٠٧٥. (١) في نسخة: ((رَسُولِ الله)). (٢) النحلة: الهبة والعطية. (٣) زاد في نسخة: ((قَالَ فُلاَنٌ كَذَا وَكَذَا)). (٤) ((الدر المنثور)) (٢/ ٦٧٠). ١٢٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وَقَالُوا: ابْنُ الأَبَيْرِقِ قَالَهَا، قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ(١) مِنَ الشَّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ(٢)، ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهَا نَفْسَهُ، وَأَمَّ العِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلاً مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَفِي الْمَشْرُبَةِ سِلَاحُ دِرْعُ وَسَيْفٌ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ البَيْتِ، فَنُقِّبَتِ الْمَشْرُبَةُ، وَأَخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي(٣) إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِّبَتْ مَشْرُبَتُنَا فَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا. ابن الأبيرق هو الذي قاله مع احتمال أن يكون الأمر على ما يقوله ابن الأبيرق من أن المنسوب إليه الشعر هو الذي قاله [١] الشعر، فافهم. قوله: (وقالوا: ابن الأبيرق قالها) أي: كانوا يعلمون جميعاً أن قائله هو ابن الأبیرق. قوله: (فخص بها نفسه) فعلم أن تخصيص الرجل نفسه بطعام أفضل جائز. قوله: (فُعُدي عليه) إلخ أي: نقبوا السقف من تحت. [١] هكذا في الأصل، والظاهر بدون الضمير المنصوب بلفظ: قال الشعر. (١) الضَّافِط والضَّفَّاط: الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكاري: الذي يكري الأحمال، وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط، يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. ((النهاية)) (٩٤/٣-٩٥). (٢) الدرمك: الدقيق الحوارى. ((النهاية)) (١١٤/٢). (٣) في نسخة: ((يا ابن أخ)).