النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
٣٠٠٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى (١)، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
فَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غُشِينَا وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا(٢) يَوْمَ أُحُدٍ،
حَدَّثَ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي
وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَالظَّائِفَةُ الأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمُّ
إِلَّا أَنْفُسُهُمْ، أَجْبَنُ قَوْمٍ وَأَرْعَبُهُ وَأَخْذَلُهُ لِلْحَقِّ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (غشينا) على زنة المجهول أي: غشينا النعاس والنوم، [١] لا شك أنه
يذهل الحالة الأولى، ويورث كيفية دون الكيفية السابقة، وإنما لم يرسل إليهم النوم
[١] قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، وفائدة كون النعاس
أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم، فصار حصول النوم وقت الخوف
الشديد دليلاً على الأمن وإزالة الخوف، وقيل: إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عددهم
وعددهم، وقلة المسلمين وقلة عددهم وعددهم، وعطشوا عطشاً شديداً، ألقى عليهم النوم
حتى حصلت لهم الراحة، وزال عنهم الكلال والعطش، وتمكنوا من قتال عدوهم، وكان
ذلك النوم نعمة في حقهم؛ لأنه كان خفيفاً بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم،
وقدروا على دفعه عنهم، وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله: إنه وقع عليهم النعاس
دفعة واحدة فناموا كلهم مع كثرتهم، وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم مع وجود الخوف
الشديد أمر خارج عن العادة، قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق
للعادة، هكذا في ((الخازن))(٣).
[٣٠٠٨] انظر ما قبله.
(١) زاد في نسخة: ((ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى)).
(٢) المصاف بتشديد الفاء جمع مصف: وهو الموقف في الحرب.
(٣) ((تفسير الخازن)) (٢٩٧/٢).

٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٠٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، نَا مِقْسَمُ
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ
افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ أَخَذَهَا، فَأَنْزَلَ الله
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوََّى
كُلُ نَفْسٍ مَّاكَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران: ١٦١].
بل النعاس الذي هو أوله وكالمقدمة، لئلا يهجم العدو فيستأصلهم.
قوله: (فقال بعض الناس: لعل) إلخ، ولم يكن هذا القول[١] من قائله نسبة
للغلول إليه عليه السلام، وإلا لكان كفراً، بل ظنوا أنه عليه السلام أخذها في حقه،
فإنه عليه السلام كان له الصفي وخمس الغنيمة، ولكن الله تبارك وتعالى عبره بلفظ
الغلول لكونه مثله صورة، أو لما أنه بعيد عنه عليه السلام، وداخل عنده في الغلول،
وإن لم يكن منه حقيقة، أو لما أن هذا الأخذ كان سبباً للغلول، فإنه ◌َ لّ لو كان أخذه،
وإن كان أخذه ذلك في حقه وحصته؛ لأخذ کل أمیر وحاكم بعده، ولصار باب
الغلول واسعاً، فمن کان منهم ذا دیانة حسبه في حصته، ومن ليس كذلك لم يفعل
ذلك، فسمى الله تعالى سبب الغلول غلولاً.
[١] هذا إذا كان قائله مؤمناً، واختلفت الأقاويل في ذلك، ففي ((البحر المحيط))(١): قال ابن
عباس وعكرمة وابن جبير: فقدت قطيفة حمراء من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع
النبي ◌َّله: لعل رسول الله يَّل أخذها فنزلت، وقائل ذلك مؤمن لم يظن في ذلك حرجاً،
وقيل: منافق، وروي أن المفقود سيف، إلى آخر ما بسط من الأقاويل في ذلك.
[٣٠٠٩] د: ٣٩٧١، تحفة: ٦٤٨٧.
(١) ((البحر المحيط)) (٤١٢/٣).

٨٣
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ
خُصَيْفٍ نَحْوَ هَذَا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، وَلَمْ
يَذْكُرْ فِیهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
٣٠١٠ - حَدَّثَنَا یَحْیَیِ بْنُ حَبِیبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، نَا مُوسَی بْنُ إِبْرَاهِیمَ بْنِ کَثِیر
الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله
يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ لهِ، فَقَالَ لِي: ((يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟)) قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا، قَالَ: (أَلا(١) أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله
بِهِ أَبَاكَ؟)) قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُ إِلَّ مِنْ وَرَاءِ
قوله: (لقيني رسول الله ( 1) هذا بعد[١] رجوعه إلى المدينة.
قوله: (ألا أبشرك بما لقي الله به أباك) وإنما بشره به مع أن انكساره كان
لأجل كثرة دينه وعدده وقلة ماله وعدده، ولا نسبة بين ذلك وبين ما بشره به، لما [٢]
أن البشارة كيف كانت تزيل ترح (٣] الهموم، وإنعام الله تبارك وتعالى على أبيه بعد
[١] وذلك لما في ((الإصابة))(٢) برواية مسلم عنه: إني لم أشهد أحداً، فلا بد أن لقيه النبي بَ لا بعد
رجوعه عن أحد، إلا أن ابن الأثير ذكر الاختلاف في شهوده أحداً.
[٢] علة لقوله: إنما بشره به.
[٣] قال المجد (٣): الترح، محركة: الهم، ترح، كفرح، وترحه تتريحاً، والهبوط، انتهى.
[٣٠١٠] جه: ١٩٠، تحفة: ٢٢٨٧.
(١) في نسخة: ((أَفَلاَ)).
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٥٤٦/١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٩).

٨٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حِجَابِهِ(١)، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا (٢). وَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِيكَ))(٣).
قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ
مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ، قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ
الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارٍ أَهْلِ الحَدِيثِ، هَكَذَا عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
موته يهون عليه ما يلقاه لأجله، ويتكلف في أداء دينه.
قوله: (فكلمه كفاحاً) وفعل هذا بجملة [١] شهداء هذه الغزاة.
[١] كما هو ظاهر حديث الاطلاع الآتي، وتومئ إليه الروايات الواردة في هذه الغزاة كما ذكرها
السيوطي في تفسير هذه الآية، وما يظهر من حديث الباب الخصيصة أوله القاري (٤) بقوله:
ما كلم الله أحداً قط أي: قبل أبيك، ففيه إيماء إلى أنه بخصوصه أفضل من سائر الشهداء
الماضية حيث ما كلّم الله أحداً منهم، انتهى. وكان عبد الله بن عمرو أول قتيل هذه الغزوة،
كما أخرجه الحاكم في فضائله بطرق.
(١) في نسخة: ((حِجَابٍ)).
(٢) أي: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. ((النهاية)) (١٨٥/٤).
(٣) في نسخة: ((أعطك)).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١١/ ٣٨١).

٨٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْر القُرْآن
٣٠١١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
فَقَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَأُخْبِرْنَا أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ
فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ
اطَلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالُوا: رَبَّنَا وَمَا نَسْتَزِيدُ وَنَحْنُ
فِي الجَنَّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شِئْنَا؟ ثُمَّ اطَلَعَ عَلَيْهِمُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ
شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ قَالُوا: تُعِيدُ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا
حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَنُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةً،
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَتُقْرِئُ نَبِيَّنَا السَّلَامَ وَتُخْبِرُهُ أَنْ (١) قَدْ رَضِينَا
وَرُضِيَ عَنَّا.[#]
قوله: (بل أحياء عند ربهم) بحياة ليست كحياة سائر الأموات، وإلا فكل
مؤمن حي عند ربه، وأما من عذب فلا يموت فيها ولا يحيى، فلا يطلق(١٦) عليهم
لفظ الحي إلا کالمجاز.
[١] وبسط صاحب ((قوت المغتذي))(٢) في حياة الشهداء وغيرهم أشد البسط، والمسألة مبسوطة
عند الشراح والمفسرين، لا يسعها هذا المختصر.
[٣٠١١] م: ١٨٨٧، جه: ٢٨٠١، تحفة: ٩٥٧٠.
[*] تحفة: ٩٦١٣.
(١) في نسخة: ((إنا)).
(٢) انظر: ((قوت المغتذي)) (٧٥٣/٢).

٨٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
٣٠١٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَاشِدٍ،
وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله(١)، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ
قَالَ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جَعَلَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعًا،
ثُمَّ قَرَأْ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ)) [آل عمران: ١٨٠]، وقَالَ مَرَّةً: قَرَّأَ رَسُولُ اللهِلَ له مِصْدَاقَهُ:
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وَمَنِ اقْتَطَعَ مَالَ أَخِيهِ
الْمُسْلِمِ بِيَمِينٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ قَرَّأَ رَسُولُ الله ◌َ
اِّهِ مِصْدَاقَهُ
مِنْ كِتَابِ الله: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٧].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَعْنِي: حَيَّةً.
٣٠١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه
(إِنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ
قوله: (اقرؤوا إن شئتم) يعني أن الله تبارك وتعالى أطلق على نفسه المباعدة
من النار، ومطلق الدخول في دار القرار لفظ الفوز، وعد أمتعة الدنيا في جنب ذلك
غروراً وخداعاً، فكان لا محالة موضع سوط منها خيراً من الدنيا وما فيها.
[٣٠١٢] تقدم تخريجه في ١٢٦٩.
[٣٠١٣] جه: ٤٣٣٥، حم: ٤٣٨/٢، تحفة: ١٥٠٢٨.
(١) زاد فى نسخة: ((ابن مسعود)).

٨٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
زُحْزِعَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾)»
[آل عمران: ١٨٥].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٠١٤ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ:
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ فَقُلْ
لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا،
قوله: (أن مروان بن الحكم قال : .. لبوابه)[١] وكان اسمه رافعاً: يا رافع اذهب
إلى ابن عباس إلخ، اعلم أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا
قَلِيلًاٌ فَأْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَجُونَ بِمَآ أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَّهُم بِمَغَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٧ -١٨٨]،
صَلى الله
ونزول الآية على ما قاله (٢] ابن عباس رضي الله عنهما كان في اليهود حين سألهم النبي
[١] قال الحافظ(١). وكان مروان إذ ذاك أمير المدينة من قبل معاوية، ورافع هذا لم أر له ذكراً في
كتاب إلا بما جاء في هذا الحدیث، انتهى.
[٢] أشار بذلك إلى الاختلاف في سبب النزول، فقد أخرج البخاري حديث الباب وحديث
الخدري في رجال من المنافقين يتخلفون ثم يعتذرون، قال الحافظ (٢): ويمكن الجمع =
[٣٠١٤] خ: ٤٥٦٨، م: ٢٧٧٨، حم: ٢٩٨/١، تحفة: ٥٤١٤.
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٤/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٣/٨).

٨٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ
فِي أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ
عن شيء، فكتموه وأخبروا بغير ما هو في كتابهم، وأظهروا أنهم لم يقولوا إلا الحق،
وفرحوا[١] بتغريرهم وخداعهم ذلك، وأحبّوا أن يحمدهم النبي مَّيّ أو غيره بإخبارهم
عن الحق مع أنهم لم يخبروا بحق، فهذا الذي عناه الله تعالى قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُواِْمَا
لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ فلما قرأ مروان هذه الآية، وقد علم أن العبرة لعموم الألفاظ لا لخصوص
المورد، فالآية وإن كانت بحسب نزولها تختص باليهود حيث سيقت في ذكرهم إلا
أنها لعمومها تعم كل بر وفاجر ومؤمن وكافر، فرح بما فعله وأحب أن يحمد بما لم
يفعله، وتحكّم عليهم بالعذاب وتوعّدهم بالنار، استشكل عليه الأمر، فإن أكثر الناس
= أنها نزلت في الفريقين معاً، وبهذا أجاب القرطبي وغيره، انتهى. قلت: ووردت في سبب
نزول الآية الشريفة أقوال أخر ذكرها السيوطي في ((الدر)) (١)، وغيره من المفسرين في
مؤلفاتهم.
[١] ولا يذهب عليك أن المذكور في النسخة الأحمدية التي بأيدينا قوله: ((وفرحوا بما أوتوا
من كتابهم، وما سألهم عنه))، وهو صحيح باعتبار المعنى كما لا يخفى، لكن في النسخة
المصرية: ((وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم وما سألهم عنه))، ولفظ البخاري: ((وفرحوا بما
أتوا من كتمانهم))، قال الحافظ(٢): كذا للأكثر بالقصر بمعنى جاؤوا أي: بالذي فعلوه،
وللحموي: ((بما أوتوا)) بضم الهمزة أي: أعطوا أي: من العلم الذي كتموه، والأول أولى،
انتهى. ولفظ السيوطي في ((الدر))(٣): وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه، انتهى.
(١) ((الدر المنثور)) (٤٠٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٥/٨).
(٣) ((الدر المنثور)) (٤٠٤/٢).

٨٩
أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
◌َتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وَتَلَا: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ
أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَأْلَهُمُ النَّبِيُّ
صَلى الله
وشيكو
ممن لا يشك في ورعه وزهده يصدق عليه أنه يفرح بما يأتيه من الصلاة والصوم،
وغير ذلك من أعمال الليل واليوم، ولو مدحه أحد بما ليس فيه من الجميل، فلا
شك أنه يحب هذه المدحة، وإن كان يلوم نفسه على خلوه عن هذه الخصلة، ولكن
جواب الحبر عبد الله بن عباس ظاهره لا يوافق ما قلنا من أن العبرة لعموم الألفاظ،
فإنه لم يجب إلا بأن الآية ما لها وما لكم فإنها نزلت في اليهود، أفترى الجواب
إلا تخصيص الآية بمورد نزولها ولا يصح، فتفصيل جواب ابن عباس رضي الله
عنهما أن الآية وإن كانت عامة إلا أنها لا تتناول إلا الأفراد التي تساوي موضع
نزولها لا ما هي دونه، فإن تعقيب جزاء على جناية، وترتيب عقاب على معصية، لا
توجب ثبوت تلك الجزاء بعينها لمن ارتكب معصية دون المعصية التي ترتب عليها
العقاب، فإن الشرط في تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه أن لا يكون دونه،
ولا شك أن فرح اليهود بما فعله كان فرحاً على معصية وكبيرة وهو تغرير النبي ◌َِّ،
وكذلك إحبابهم الحمد بما لم يفعلوا كان من أعظم جناية، فإنهم كتموا ما أخذ
عليهم الميثاق بأن لا يكتموه، ثم أحبوا أن يحمدوا على ذلك، فالمواضع التي سأل
عنها مروان ليست داخلة [١] تحت الآية، حتى يترتب على من ارتكبها العذاب، كيف
[١] ويؤيد ذلك ما ذكر السيوطي(١) في تفسير هذه الآية: أخرج مالك وابن سعد والبيهقي في
((الدلائل)) عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد
هلكت، قال: ((لم؟)) قال: نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، =
(١) ((الدر المنثور)) (٤٠٦/٢).

٩٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا، وَقَدْ أَرَوَهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا
سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتُحْمِدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتَابِهِمْ، وَمَا
سَأَلَهُمْ عَنْهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ صَحِيحٌ.
وأن الصلاة ومثلها من الطاعات ليست جناية حتى يمنع عن الفرح بها، بل الأمر
بالعكس، قال النبي ◌َّ﴾[١]: ((إذا سرتك حسنتك وساءتك معصيتك فأنت مؤمن
حقًّا)) أو كما قال، وهذا غاية توجيه المقال، وانحل منه بفضل الله المتعال كل عقدة
معضلة وشبهة وإشكال، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وبيده أزمة الإفهام
والتفهيم، وهو المنجي عن ليل الشك والجهل البهيم.
= الحديث. وفي آخره: فقال: ((يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل
الجنة))، فعاش حمیداً، وقتل شهیداً یوم مسيلمة الكذاب، انتهى.
قلت: وفي حديث ابن الحنظلية الطويل عند أبي داود(١): قال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا
تضرك، قال: بعث رسول الله وَل سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فقال الرجل إلى جنبه: لو
رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري،
كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره، فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأساً،
فتنازعا حتى سمع رسول الله مالا فقال: ((سبحان الله لا بأس أن يؤجر ويحمد))، الحديث.
[١] كما في ((المشكاة))(٢) برواية أحمد عن أبي أمامة: أن رجلًا سأل رسول الله مج لّ ما الإيمان؟
قال: ((إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن))، الحديث.
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٠٨٩).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٤٥).

٩١
أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٥ - وَمِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ
٣٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي
رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ يَعُودُنِي، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَفَقْتُ، قُلْتُ: كَيْفَ أَقْضِي فِي
مَالِي؟ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
اُلْأَنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: ١١].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٥ - ومن سورة النساء
قوله: (حتى نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾) لعل الراوي [١] أشار إلى بعض القصة
[١] الحديث هكذا أخرجه البخاري برواية ابن جريج عن ابن المنكدر، قال الحافظ(١): هكذا
وقع في رواية ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة
جابر هي الأخيرة من النساء ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ لأن
جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن
عمرو الناقد، والنسائي عن محمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر، فقال
في هذا الحديث: حتى نزلت عليه آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾،
قال ابن العربي بعد أن ذكر الروايتين: هذا تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أشار إلى ترجيح
آية المواريث وتوهيم ﴿يَسْتَفْتُونَكَ ﴾.
=
[٣٠١٥] تقدم تخريجه في ٢٠٦٩.
(١) ((فتح الباري)) (٢٤٣/٨).

٩٢
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْگَدِرِ.
حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّلَ ◌ّ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ
الفَضْلِ بْنِ الصَّبَّاحِ كَلَامُ أكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وترك سائرها، والمراد نزلت ﴿يُوصِيكُهُ اَللَّهُ﴾ وآية الكلالة التي في آخر السورة،
فإن الذي سيق لأجله الكلام أي: قضية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ليس
= قال الحافظ (١): ويظهر أن يقال: إن كلاً من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك،
لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الإخوة من الأم كما كان ابن مسعود
يقرأ: وله أخ أو أخت من أم استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة فنزلت الأخيرة، فيصح
أن كلًّا من الآيتين نزلت في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة،
وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض قوله: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ
عَلِيمٌ﴾.
ثم ساق حديث جابر المذكور بلفظ: حتى نزلت آية الميراث، فمراده في الترجمة إلى قوله:
﴿عَلِيمٌ حَلِيٌ﴾ الإشارة إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله: ﴿وَ إِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَكَةَ ﴾ [النساء: ١٢].
وأما الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فإنها من آخر ما نزل، فكأن الكلالة لما كانت
مجملة في آية المواريث استفتوا عنها فنزلت الأخيرة، فالحاصل أن المحفوظ عن ابن
المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، والظاهر أنها ﴿ يُوصِيكُاللهُ﴾ کما صرح به في
رواية ابن جريج، وأما من قال: إنها يستفتونك فعمدته أن جابراً لم يكن له حينئذ ولد وإنما
يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة إلى آخر ما بسطه، وهذا القدر يكفي
لهذا المختصر.
(١) ((فتح الباري)) (٤/١٢).

٩٣
أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
٣٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، نَا هَمَّامُ بْنُ یَحْیَی،
نَاقَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ
قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أَوْطَاسِ أَصَبْنَا نِسَاءَ لَهُنَّ أَزْوَاجُ فِي الْمُشْرِكِينَ فَكَرِهَهُنَّ رِجَالٌ
هُمْ (١)، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
[النساء: ٢٤].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
مذکورا(١) في ﴿ يُوصِیگُهُاللهُ﴾؛ لأنه كان ذا أخوات ليس له ولد، فافهم.
قوله: (فكرههن رجال) إلخ، لما كانوا نهوا عن بذل الذكور والفروج على
المحصنات وهن [٢] ذوات الأزواج فنزلت، أي: رخصوا في وطئهن إذا انقضت
[١] أي: في هذه الآية خاصة وهو ظاهر، وإن كان المراد إلى آخر الركوع فيقال: إن
قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَكَةَ﴾ [النساء: ١٢] المراد به الأخ لأم كما تقدم
عن قراءة ابن مسعود، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص كما أخرجه البيهقي بسند
صحیح.
[٢] فقد أخرج السيوطي في ((الدر))(٢) بروايات عديدة أن رسول الله مي﴾ لما افتتح حنيناً أصاب
المسلمون سبايا، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت: إن لي زوجاً، فأتوا النبي ◌ِ
فذكروا له ذلك فأنزلت الآية.
[٣٠١٦] تقدم تخريجه في ١١٣٢.
(١) في نسخة: ((منا)).
(٢) ((الدر المنثور)) (٢٧٩/٢).

٩٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٣٠١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أنَا هُشَيْمُ، أَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، عَنْ أَبِي
الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسِ(١) لَهُنَّ أَزْوَاجُ
فِي قَوْمِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ قَه فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ
إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ البَتِّيِّ، عَنْ أَبِيِ الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّبَّ نَحْوَهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةً،
عدتهن، ولم يذكر الراوي [١] اعتدادهن هاهنا لما كان معلوماً.
[١] يعني لم يذكره الراوي هاهنا اختصاراً وكان معلوماً، وقد زاد في حديث الباب عند أبي
داود(٢) أي: فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن، وقد أخرج أيضاً(٣) برواية أبي الوداك عن
أبي سعيد الخدري رفعه: أنه قال في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات
حمل حتى تحيض حيضة))، وأخرج عن رويفع قال (٤): قام فينا خطيباً، قال: أما إني لا أقول
لكم إلا ما سمعت رسول الله مَ لل يقول يوم حنين: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن
يسقي ماءه زرع غيره، - يعني إتيان الحبالى - ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع
على امرأة من السبي حتى يستبرئها))، الحديث. وفي الباب روايات غير ذلك.
[٣٠١٧] تقدم تخريجه في ١١٣٢.
(١) موضع بالطائف يصرف ولا يصرف، وقيل: اسم واد من ديار هوازن قسم فيه رسول الله
غنائم حنين، ((مرقاة المفاتيح)» (٢٠٦٨/٥).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢١٥٥).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢١٥٧).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٢١٥٨).

٩٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَ أَبَا عَلْقَمَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ إِلَّ مَا ذَكَرَ هَمَّامُ عَنْ قَتَادَةَ،
وَأَبُو الخَلِيلِ اسْمُهُ: صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ.
٣٠١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، نَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ،
عَنْ شُعْبَةَ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّلَهُ فِي
الكَبَائِرِ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ،
وَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا يَصُِ.
٣٠١٩ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَابِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ هِ:(أَلَا أُحَدِّثُكُمْ
بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)»
قوله: (الشرك بالله) إلخ، والمراد(١] عدها فيها لا حصرها فيها، فإن الكبيرة
هي ما أوعد عليها الله ورسوله بالنار.
[١] فإنهم اختلفوا في عدد الكبائر وتعريفها على أقوال كما بسطها ابن حجر المكي في ((الزواجر
عن اقتراف الكبائر)»(١)، وهو كتاب مبسوط في مجلدين، طبع بمصر، ذكر فيه أكثر من عشرة
أقوال في حدها، وعدّ الكبائر سبعة وستين وأربع مائة مفصلاً.
[٣٠١٨] تقدم تخريجه في ١٢٠٧.
[٣٠١٩] تقدم تخريجه في ١٩٠١.
(١) ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (٤٣/١، ١٩٧).

٩٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا قَالَ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ، - أُوْ قَوْلُ الزُّورِ -))، قَالَ: فَمَا زَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَهُ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبُ.
قوله: (وجلس وكان متكئاً) لما كان الصحابة كافة علموا قبح الشرك، وكذلك
كل مسلم يعلم ما في الإشراك بالله من الضرر، وكذلك عقوق الوالدين كانت العرب
بأسرها تستقبحه حتى إن النبي ◌َّ حين قال[١]: من الكبائر أن يشتم الرجل أباه، تعجب
منه الحضار وسألوه يا رسول الله، وهل يشتم الرجل أباه؟ فكأنهم لم يروا ذلك واقعاً
بين الناس وعدوه متعذراً، لم يحتج إلى اهتمام في المنع عنهما ولا إلى مزيد تأكيد
فيهما، وأما قول الزور أو شهادة الزور فقد شاع وذاع وسهل أمره كل مطيع ومطاع.
قوله: (ليته سكت) ترحماً عليه ◌َّ﴾(٢) وشفقة منهم بحاله، وقد أخذ النهي
بمجامع قلوبهم، وتبينوا ما قصده النبي ◌ُّل من شدة الاعتناء بتركه.
[١] فقد أخرج أبو داود(١) بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله بح اله: ((إن من أكبر
الكبائر أن يلعن الرجل والديه))، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يلعن
أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه))، انتهى. وفي ((المشكاة))(٢) برواية الشيخين عنه
رفعه: ((من الكبائر شتم الرجل والديه)»، الحديث.
[٢] وهكذا جزم الحافظ كما تقدم في هامش مبدأ أبواب البر والصلة، ومن الغرائب أن المصنف
ذكر الحديث بهذا السند هناك فقال: هذا حديث حسن صحيح، ثم أعاده بهذا السند والمتن
في أبواب الشهادة فقال: هذا حديث صحيح، ثم أعاده هاهنا فقال: حسن صحيح غريب،
ومثل هذا كثير في كلام المصنف.
(١) ((سنن أبي داود)) (٥١٤١).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٤٩١٦).

٩٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٣٠٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَالَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةً
الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَنَيْسِ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهَ: ((إِنَّ مِنْ
أَكْبَرِ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ(١)، وَمَا حَلَفَ
حَالِفٌّ بِاللهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاجِ بَعُوضَةٍ إِلَّ جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي
قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ. وَأَبُو أُمَامَةَ الأَنْصَارِيُّ هُوَ: ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَّا
نَعْرِفُ اسْمَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ وَس ◌َ أَحَادِيثَ.
قوله: (يمين صبر) هي[١] ما توقف الحكم عليها من الصبر وهو الحبس،
فكان الحكم أو الحق محبوساً بها.
[١] ذكر في الحاشية عن ((اللمعات))(٢): يمين صبر بالإضافة، والصبر في الأصل الحبس
واللزوم، وإنما سميت يمين صبر لتوقف الحكم عليها، وكونها لازمة لصاحبها من جهة
الحكم، وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الحالف فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب
المال، انتهى. قال النووي(٣): قيل لها: مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛=
[٣٠٢٠] حم: ٤٩٥/٣، تحفة: ٥١٤٧.
(١) اليمين الغموس: هي الحلف على أمر ماض يتعمد فيه الكذب، وليس لها عندنا الكفارة إلا
التوبة والاستغفار، انتهى من ((اللمعات)) (٥١٩/٧)، وفي ((النهاية)) (٣٨٦/٣): هي اليمين
الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره. سميت غموسًا، لأنها تغمس صاحبها
في الإثم، ثم في النار، انتهى.
(٢) ((لمعات التنقيح)) (٦/ ٥٠٧).
(٣) ((شرح النووي)) (١٦٠/٢).

٩٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَاشُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسِ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَّ قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ
بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَوْ قَالَ: اليَمِينُ الغَمُوسُ)) شَكَّ شُعْبَةُ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٠٢٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَاسُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيجِ، عَنْ مُجَاهٍِ،
عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَغْزُو الرَّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ
الْمِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى
قوله: (قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء) يعني أنها اشتكت نقصاً لهن في
الأمور الدينية حتى إنهن ممنوعات من الخروج إلى المغازي، وكذلك في الحقوق
الدنيوية وأعطيتها، فإن البنت والأخت والزوجة على نصف من حظ الابن والأخ
والزوج، وكذلك غيرهم من الورثة، وأما أولاد الأم فإنما سوى بينهم لما أن جهة
= لأنه إنما صبر من أجلها، أي: حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازاً، قال القاري(١):
توضيحه ما قاله ابن الملك: أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة
لصاحبها من جهة الحكم، وعلى بمعنى الباء، والمراد المحلوف عليه تنزيلاً للحلف منزلة
المحلوف علیه، فعلی هذا قيل لها مصبورة مجازاً، انتهى.
وفي ((المجمع)) (٢): يمين صبر بالإضافة، أي: ألزم بها وحبس لها شرعاً، ولو حلف بغير
إحلاف لم یکن صبراً، انتهى.
[٣٠٢١] خ: ٦٦٧٥، ن: ٤٠١١، حم: ٢٠١/٢، تحفة: ٨٨٣٥.
[٣٠٢٢] حم: ٣٢٢/٦، تحفة: ١٨٢١٠.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٩/٧).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٢٨٩/٤).

٩٩
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، قَالَ مُجَاهِدُ: وَأَنْزَلَ فِيهَا ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
ء
[الأحزاب: ٣٥]، وَكَانَتْ أَمُّ سَلَمَةَ أَوَّلَ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرَةً.
هَذَا حَدِيثُ مُرْسَلُ (١)، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ
مُرْسَلاً أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا.
الأم لما كانت هي الموجبة للحق لهم، وإلا كانوا من ذوي الأرحام، فكأنها أخذت
بنفسها وأتتهم، ولذلك لا ترى نصيب أولاد الأم إلا كنصيب الإناث، والله أعلم.
قوله: (وأنزل فيها) لما أنها [١] كانت تقول: ما لنا ليس لنا في كتاب الله ذكر
فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ ﴾ الآية.
[١] يعني قوله عز اسمه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ ﴾ الآية نزل في سؤال أم سلمة لما أنها
كانت تقول إلخ، قال السيوطي (٢): أخرج أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني وغيرهم عن
أم سلمة قالت: قلت للنبي ◌ّم: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه
ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: يا أيها الناس إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِين
وَالْمُسْلِمَتِ ﴾ إلى آخر الآية، وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن سعد وابن جرير والنسائي
وغيرهم عن أم سلمة أنها قالت للنبي قال: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء
لا يذكرن؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ ﴾ الآية.
وسيأتي في تفسير الأحزاب أن نزولها في سؤال أم عمارة، ولا مانع من الجمع، وذكر البغوي
أن أزواج النبي ◌ِ لّ قلن: يا رسول الله، إن الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير،
فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، وذكر عن مقاتل:
أن أم سلمة بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية قالتا نحو ذلك.
(١) في ((تحفة الأشراف)) (١٨٢١٠): ((غريب)).
(٢) ((الدر المنثور)) (٦٠٧/٦).

١٠٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٠٢٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ رَجُلٍ
مِنْ وَلَدِ أُمّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لَا أَسْمَعُ اللهِ ذَكَرَ النِّسَاءَ
فِي الهِجْرَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىّ
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
٣٠٢٤ - حَدَّثَنَا هَنَّدٌ، نَا أَبُو الَأَحْوَصِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِوَ لَهُأَنْ أَقْرَأْ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ،
فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَِّم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] غَمَزَنِي رَسُولُ اللهِ وَلَّه بِيَدِهِ،
فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ.
هَكَذَا رَوَى أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله.
قوله: (غمزني) من هاهنا یرخص في المنع من النوافل، وإن لم یکن فيه کثیر
مضرة، كمن يذكر الله جهراً أو يقرأ القرآن بصوت عال والنائمون يتضررون به، فإنه
لا ضير أن يمنعه، فإنه ◌َ له منعه من القراءة بقوله: ((حسبك)) مع أنها لم تكن تضره، ثم
في قراءة عبد الله على النبي ◌َّ دلالة على أن السماع من غيره قد يربو في حق التدبر
والتفهم على قراءة نفسه، فمن الناس من ينتفع بقراءته أكثر مما ينتفع بقراءة غيره،
ومنهم من أمره على خلاف ذلك، وكلاهما مشروع.
قوله: (وعيناه تدمعان) لما علم من أحوال أمته وإقبالهم على مولاهم بمعصية.
[٣٠٢٣] ك: ٣١٧٤، طب: ٢٩٤/٢٣/ ٦٥١، ع: ٦٩٥٨، تحفة: ١٨٥٤٩.
[٣٠٢٤] جه: ٤١٩٤، تحفة: ٦٤٢٨.