النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
٢٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمِ النَّبِيلُ،
عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْجٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ(١) قَالَ:
كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى الجَمَاعَةِ
ذلك، بل المراد بهما أن الوساد الذي وسع أن يجعل تحته بیاض النهار، وسواد الليل
صَلى الله
ما أعظمه، وكذلك قفا من يجعله تحت رأسه يكون عريضاً لا محالة، فقال النبي
ـية
مطايبة، وليس القصد رميه بالخرق [١].
قوله: (وعلى الجماعة) إلخ، أي: على إحدى [٢] الجماعات من المسلمين
فضالة، أو على جماعة غير المصريين فضالة، وليس المراد جماعة الروم كما توهمه المقابلة.
= ولا ينسب إلى جهل، وإنما عني - والله أعلم - أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين
أراد الله فهو إذاً عريض واسع، ولذا قال في أثر ذلك: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار،
فكيف يدخلان تحت وسادتك، وقوله: إنك لعريض القفا، أي: إن الوساد الذي يغطي الليل
والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة، وقال ابن المنير: في حديث عدي جواز التوبيخ
بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد ووجود الشرط عند أمن الغلو في
ذلك، فإنه مزلّة القدم إلا لمن عصمه الله عزّ وجل، كذا في ((الفتح))(٢).
[١] الخرق بالضم وبالتحريك: ضد الرفق، وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور،
والحمق كالخرقة، والأخرق الأحمق.
[٢] وهي أهل الشام، كما في رواية الحاكم(٣) ولفظها: عن أسلم أبي عمران مولى بني تجيب =
[٢٩٧٢] ٥: ٢٥١٢، تحفة: ٣٤٥٢.
(١) زاد في نسخة: ((التجيبي)).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٣/٤).
(٣) ((المستدرك على الصحيحين)) (٣٠٢/٢).

٤٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ
عَلَيْهِمْ(١)، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو
أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَتُؤَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ،
قوله: (فقال: يا أيها الناس إنكم) إلخ، لما زعم هؤلاء القائلون قوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوْبِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] عامًّا في كل من جرّ على نفسه حتفاً سواء
كان بعد منفعة دينية أو غيرها، ردّ عليهم مقالتهم تلك، وقال ما حاصله: إن إقامتنا
في أموالنا بحيث نترك الغزو والجهاد كان إلقاء الأنفس في التهلكة، فكلّما كان هذا
= قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل الشام فضالة بن
عبيد الأنصاري، فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم صفًّا عظيماً، الحديث. ولفظ
رواية أبي داود(٢): غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن
خالد بن الوليد، الحدیث.
قال الشيخ في ((البذل)»(٣): وفي رواية بهذا السند عند الطبري: على أهل مصر عقبة بن عامر،
وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وفي أخرى له: وعلى أهل مصر عقبة بن
عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فظهر بهذه الروايات المذكورة وغيرها أن عبد
الرحمن بن خالد كان أميراً على الجميع، وأما عقبة وفضالة فكانا أميرين تحت ولاية عبد
الرحمن على الجماعة الخاصة، انتھی.
وظاهر الحديث أن المراد بالإلقاء في التهلكة ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة، وإصلاح
الأموال، وهو أحد الأقوال التسعة التي ذكرها صاحب ((البحر المحيط))(٤) في تفسير الآية.
(١) في نسخة: ((فيهم)).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٥١٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (٦٥/٩).
(٤) ((البحر المحيط)) (٢٥١/٢).

٤٣
أبَوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا - مَعْشَرَ الأَنْصَارِ - لَمَّا أَعَزَّ اللهِ الْإِسْلَامَ، وَكَثُرَ
نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللهِ وَهِ: إِنَّ أُمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ،
وَإِنَّ الله قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَصْلَحْنَا مَا
ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى (١) عَلَى نَبِّهِ وَ لَ﴿ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: ﴿ وَأَنْفِقُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى
شأنه كان مصداقاً للآية ومنهيًّا عنه بها، وأما من أهلك نفسه ليعلي كلمة الله أو ليهلك
عدوه، أو يصيب فيهم نكاية، فليس مما زعمتم، وهذا الرجل كان كذلك، فإنه لما
دخل فيهم، ووطّن نفسه على الموت، فأيّ بلاء لا يصيبها عليهم، وإذا كان موته بعد
إنكائهم، أو قتل أحد منهم، أو جرح بعضهم لم يكن من هذا القبيل؛ لأن ذلك أهيب
لهم، فإنهم يستدلون بذلك على شدة رغبة أهل الإسلام على الموت فيلقاهم الخور
والجبن، فاندفع بذلك ما كانوا يزعمون أنه يموت ميتة حرمة، وهذا الذي اختاره أهل
العلم [١] من أن الرجل إذا ألقى نفسه بحيث يستيقن فيه قتله، يساغ له ذلك إذا كان
ذلك يجلب منفعة دينية معتدة بها.
[١] ففي ((الشامي)) (٢) عن ((شرح السير)): لا بأس أن يحمل الرجل وحده، وإن ظن أنه يقتل إذا كان
يصنع شيئاً بقتل أو بجرح أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله ثلاثآله
يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم فلا يحل له أن يحمل عليهم؛
لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم
أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه؛ فإنه لا بأس بالإقدام، وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين
يعتقدون ما یأمرهم به، فلا بد أن یکون فعله مؤثراً في باطنهم بخلاف الكفار، انتهى.
(١) في نسخة: ((تبارك وتعالى)).
(٢) ((رد المحتار)) (١٢٧/٤).

٤٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
الأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا(١) فِي سَبِيلِ الله
حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
٢٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا هُشَيْمُ، أَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ
كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَإِيَّايَ عُنِيَ بِهَا:
﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]
بِالْحُدَيْبِيَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَقَدْ حَصَرَنَا الْمُشْرِكُونَ،
قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ
وَكَانَتْ لِي وَفْرَةُ، فَجَعَلَتِ الهَوَامُ تَسَاقَظُ عَلَى وَجْهِي، فَمَرَّبِي النَّبِيُّ وَ لَّهِ فَقَالَ:
(كَأَنَّ هَوَامَ رَأْسِكَ تُؤْزِيكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْلِقْ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
قَالَ مُجَاهِدُ: الصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالطَّعَامُ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ شَاةُ فَصَاعِدًا.
قوله: (فاحلق، ونزلت هذه الآية) ولما كانت الواو للجمع المطلق صح قوله:
((نزلت)) بعد قوله: ((فاحلق)) مع أن نزول الآية قبل قوله مَّةٍ[١] له: احلق.
[١] كما هو ظاهر قوله: لفي أنزلت ولإياي عني كما في حديث الباب، وفي حديث عبد الله
ابن معقل عند البخاري(٢): نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة، لكن في رواية للبخاري قال:
((أيؤذيك هوامك؟)) قال نعم: فأمره أن يحلق فأنزل الله الفدية، قال عياض: ظاهره أن النزول
بعد الحكم، وفي رواية عبد الله بن معقل: أن النزول قبل الحكم، قال: فيحتمل أن يكون
حكم عليه بالكفارة بوحي لا يتلى، ثم نزل القرآن بذلك، انتهى. هكذا في ((الفتح))(٣).
[٢٩٧٣] د: ١٨٥٨، حم: ٢٤١/٤، تحفة: ١١١١٤.
(١) أَيْ: مُسَافِرًا، ((النهاية)) (٤٥١/٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٨١٦).
(٣) ((فتح الباري)) (١٩/٤).

٤٥
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا هُشَيْمُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ(١)، بِنَحْوِ ذَلِكَ. [*]
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا هُشَيْمُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ مَعْقِلٍ أَيْضاً، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةٍ(٢)، بِنَحْوِ هَذَا (٣).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ، وَقَدْ رَوَى(٤) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْقِلٍ.
٢٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَیُّوبَ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: أَتَّى عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ﴿ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى جَبْهَتِي، أَوْ قَالَ: حَاجِبَيَّ،
فَقَالَ: ((أَيُؤْزِيكَ هَوَامُّكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَانْسُكْ نَسِيكَةً،
أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَظْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ)). قَالَ أَيُوبُ: لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (فاحلق رأسك وانسك نسيكة) ولما كان الحكم له ذلك وهو معذور،
[#] تقدم تخريجه في ٩٥٣.
[٢٩٧٤] تقدم تخريجه في ٩٥٣.
(١) زاد في نسخة: ((عن النبي ◌َّ)).
(٢) زاد فى نسخة: ((عن النبي (وَ لي)).
(٣) في بعض النسخ: ((بنحو ذلك)).
(٤) في نسخة: ((رواه)).

٤٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ،
عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((الحَجُّ عَرَفَاتٌ، الحَجُّ عَرَفَاتٌ، الحَجُّ عَرَفَاتٌ، أَيَّامُ مِنَّى ثَلَاثُ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى
يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ
أَنْ يَظْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجّ).
ولم يكن الناسي[١] والجاهل فوقه عذراً كان الحكم فيهما أيضاً هو التكفير، وأما
العامد فوجوب الكفارة عليه ظاهر، وغاية الفرق[٢] بينهما أن المعذور مختار في أي
هذه الثلاثة شاءه بخلاف غيره.
[١] قال ابن نجيم في ((البحر)) (١) تحت جماع الناسي: حاصل ما ذكره الأصوليون أن النسيان لا
ينافي الوجوب لكمال العقل، وليس عذراً في حقوق العباد، وفي حقوق الله تعالى عذر في
سقوط الإثم، أما الحكم فإن كان مع مذكر، ولا داعي إليه كأكل المصلي وجناية المحرم لم
يسقط بتقصيره بخلاف سلامه في القعدة، وإن كان ليس مع مذكر مع داع إليه سقط كأكل
الصائم، وإن لم يكن معهما فكذلك بالأولى كترك الذابح التسمية، قال: وقدمنا أن الجاهل
والعالم والمختار والمكره والنائم والمستيقظ سواء لحصول الارتفاق، انتهى.
[٢] ففي ((البذل))(٢) عن العيني: أنه مَ ثّل خيّره بين الصوم والإطعام والذبح، وقال أبو عمر: عامة
الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في
كل الأمصار، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور إلى أن التخيير لا يكون إلا في الضرورة،
فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم، قال الشيخ: ووجهه أن التخيير في حال الضرورة
للتيسير والتخفيف، والجاني لا يستحق التخفيف، انتهى. وقال الحافظ(٣): استنبط من =
[٢٩٧٥] تقدم تخريجه في ٨٨٩.
(١) ((البحر الرائق)) (١٩/٣).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٤٩/٧).
(٣) ((فتح الباري)) (١٩/٤).

٤٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، وَلَا
نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ.
٢٩٧٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللّه الأَلَدُّ
الخَصِمُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
قوله: (وهذا أجود) إلخ، أي: في رواياته في الحج [١].
قوله: (الألد الخصم) يناسب[٢] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
= الحديث بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على
المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره،
ومن ثم قال الشافعي والجمهور: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر
المالكية، انتھی.
[١] وإلا فأحاديثه تبلغ ثلاثين ألفاً، كما في ((تهذيب)) الحافظ، فكيف يمكن أن يكون هذا أجود
من الكل، وفيها أصح منه كثيراً.
[٢] يعني ذكر المصنف هذا الحديث كأنه كالتفسير لقوله عزّ اسمه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ وفسره
في ((الجلالين))(١) بشديد الخصومة.
[٢٩٧٦] خ: ٢٤٥٧، م: ٢٦٦٨، ن: ٥٤٢٣، حم: ٥٥/٦، تحفة: ١٦٢٤٨.
(١) ((تفسير الجلالين)) (ص: ٤٣).

٤٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ إِذَا حَاضَتِ امْرَأَةُ مِنْهُمْ لَمْ
يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ◌َ لّ عَنْ ذَلِكَ،
فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]،
فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ وَأَنْ يَكُونُوا مَعَهُنَّ فِي
البُيُوتِ، وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا النِّكَاحَ. فَقَالَتِ اليَهُودُ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَدَعَ
مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ(١) وَأَسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى
فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، وَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ،
رَسُولِ الله
قوله: (ولم يجامعوها في البيوت) بل كن خارج الدور في بيوت على حدة.
قوله: (أفلا ننكحهن في المحيض) وجه بتوجيهين: [١] أحدهما: أنهم لما
[١] وبالأول جزم القاري(٢) إذ فسر ما في ((المشكاة) برواية مسلم بلفظ: أفلا نجامعهن أي:
نساكنهن، والتقدير: ألا نعتزلهن، فلا نجتمع معهن في الأكل والشرب والبيوت، يريد أن
الموافقة للمؤالفة، وقيل: لخوف ترتب الضرر، انتهى. وبالثاني جزم الشيخ في ((البذل))(٣).
إذ فسر حديث أبي داود بلفظ: أفلا ننكحهن أي: أفلا نطأهن في المحيض ليكمل المخالفة،
ثم قال: ما فسره القاري والشيخ عبد الحق في ((اللمعات)) (٤): أفلا نجامعهن في البيوت يأبى
عنه ما في أبي داود أفلا ننكحهن، ولعلهما لم يطلعا على هذا اللفظ فقالا ما قالا، انتهى.
[٢٩٧٧] م: ٣٠٢، د: ٢٥٨، ن: ٢٨٨، جه: ٦٤٤، حم: ١٣٢/٣، تحفة: ٣٠٨.
(١) وقع في الأصل: ((بشير))، وكتب في هامشه: كذا في رواية، والصواب: ((بشر))، انتهى.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٨/٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٩٤/٢-٢٩٥).
(٤) ((لمعات التنقيح)) (٢٨٥/٢).

٤٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ حَتَّى ظَنَنَّا (١) أَنَّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمَا، فَقَامَا
سمعوا طعن اليهود أرادوا أن يرخص لهم النبي ◌َّة في متاركتهن كمتاركة اليهود،
ليكون أسلم من طعنهم، والثاني: أنهم استأذنوا في المجامعة المنهية ليكون أنكى
فيهم ولتتم المخالفة، والأول أوفق بترتب مجيئهما عند رسول الله وَلّ على طعن
اليهود، ومعنى ((أفلا ننكحهن)) على التوجيه الأول: أفلا نخالطهن وأنترك مخالطتهن،
كالذي يستأذن في ترك المخالطة، يعني أنفعل يا رسول الله ترك المخالطة، كما يقول
المسافر: أتنزلني عندك، وعلى الثاني فظاهر أن معنى النكاح هو الوطء.
قوله: (فتمعر وجه رسول الله وَ له) وجه الغضب (١) في الأول استئذان في موافقتهم
مع ما أمروا بالمخالفة، وعلى الثاني استئذان ترك ما وجب عليهم لإتمام مخالفة اليهود.
قوله: (أنه قد غضب) أي: رسخ في قلبه الغضب والموجدة عليهم، وإلا
فمطلق الغضب كان غير مشكوك فيه، فكيف يقال فيه: إنا ظننا ذلك، ثم إن غضبه مَداخله.
لما لم يكن إلا لأمر شرعي انتفى بتهديدهم والموجدة عليهم، فإنه (٢) لا شك في
[١] ويفهم الغضب من التمعّر كما ظنّه الصحابة، وفي ((المجمع))(٢): تمعر وجهه: أي تغيّر،
وأصله قلة النضارة، وعدم إشراق اللون، أخذ من مكان أمعر، وهو الجدب الذي لا خصب
فيه، انتهى. وقال المجد(٣): معر وجهه: غيّره غيظاً فتمعر، انتهى.
[٢] كما هو المتعين من جلالة شأنهما، ففي ((الإصابة)) (٤) عن عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد
يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وعباد ابن
بشر، وفي الصحيح من حديث أنس أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ميله
في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما، فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما، انتهى.
(١) في نسخة: ((ظنًّا)).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ /٦١٠).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٤).
(٤) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٤٩٦/٣).

٥٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّهُ مِنْ لَبَنٍ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّلَ﴿ فِي أَثَرِهِمَا (١) فَسَقَاهُمَا، فَعَلِمْنَا(٢)
أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ
حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ:
كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ،
فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْنَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣](*).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
أنهم تابوا وندموا على ما سألوه، فكان كما قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
قوله: (فاستقبلتهما [١] هدية) أي: فآتاهما حين انحرفا للانصراف.
قوله: (أنى شئتم) أي: من أين (٢] شئتم.
[١] قال القاري(٣): أي: استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله مَّلله، والإسناد
مجازي.
[٢] قيل: ((أنى)) بمعنى كيف بالنسبة إلى العزل وتركه، قاله ابن المسيب، فتكون الكيفية مقصورة
على هذين الحالين، أو بمعنى كيف على الإطلاق، أي: في أي حال شاءها الواطئ قائمة =
[٢٩٧٨] انظر ما قبله.
[*]خ: ٤٥٢٨، م: ١٤٣٥، د: ٢١٦٣، جه: ١٩٢٥، ن في الكبرى: ٨٩٢٧، تحفة: ٣٠٣٠.
(١) في نسخة: ((آثارهما)).
(٢) في نسخة: ((فَعَلِمَا».
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٨/٢).

٥١
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
٢٩٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا سُفْیَانُ،
عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَلَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْنَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]
يَغْنِي: صِمَامًا وَاحِدًا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَابْنُ خُثَيْمٍ هُوَ: عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، وَابْنُ سَابِطِ هُوَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ
= أو مضطجعة، أو بمعنى متى، قاله الضحاك، أي: في أي زمان شئتم، وقال جماعة من
المفسرين: بمعنى أيّ، والمعنى على أيّ صفة شئتم، فيكون تخييراً في الهيئة، أي: أقبل وأدبر
واتق الحيضة والدبر، وقد وقع ذلك مفسراً في بعض الأحاديث.
وقيل: بمعنى أين فجعلها مكاناً، واستدل به على جواز النكاح في الدبر، وممن روى إباحته
محمد بن المنكدر، وعبد الله بن عمر من الصحابة، ومالك، وروي عن ابن عمر تكفير من
فعل ذلك وإنكاره، وروي عن مالك إنكاره، سئل عنه يزعمون أنك تبيح إتيان النساء في
الدبر؟ فقال: معاذ الله ألم تسمعوا قوله عزّ اسمه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأنى
يكون الحرث إلا موضع البذر، وروى تحريم ذلك عن رسول الله مَّل اثنا عشر صحابيًّا
بألفاظ مختلفة كلها تدل على التحريم، وقال ابن عطية: لا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم، وقال أيضاً: أنى شئتم معناه عند جمهور
العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة من أي وجه شئتم، وأنى يجيء سؤالاً وإخباراً، فهي
أعمّ في اللغة من كيف وأين ومتى، هذا هو الاستعمال العربي، كذا في ((البحر المحيط))(١)
مختصراً منه.
[٢٩٧٩] دي: ١١٥٩، حم: ٣٠٥/٦، تحفة: ١٨٢٥٢.
(١) ((البحر المحيط)) (٤٢٩/٢).

٥٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
ابْنُ عَبْدِ الله بْنِ سَابِطِ الجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ، وَحَقْصَةُ هِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَيُرْوَى فِي سِمَامٍ وَاحِدٍ.
٢٩٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا يَعْقُوبُ بْنُ
عَبْدِ الله الأَشْعَرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنٍ
عَبَّاسِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه هَلَكْتُ، قَالَ:
((وَمَا أَهْلَكَكَ؟)) قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ(١)، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله
شَيْئًا، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ عَلَى (٢) رَسُولِ اللهِعَ لَه هَذِهِ الآيَةُ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ
حَرْتَّكُمْ أَّى شِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبْرَ وَالحَيْضَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ.
وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَشْعَرِيُّ هُوَ: يَعْقُوبُ القُمِّيُّ.
٢٩٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا الهَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ
فَضَالَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِ هِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَظْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْهَا
[٢٩٨٠] ن في الكبرى: ٨٩٢٨، حم: ١/ ٢٩٧، تحفة: ٥٤٦٩.
[٢٩٨١] خ: ٥٣٣١، ٥: ٢٠٨٧، تحفة: ١١٤٦٥.
(١) قال في ((النهاية)) (٢٠٩/٢): كنى برحله عن زوجته، أراد به غشيانها في قبلها من جهة
ظهرها، لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها، فحيث ركبها من جهة ظهرها
کنی عنه بتحویل رحله، إما أن يريد به المنزل والمأوى، وإما أن يريد به الرحل الذي تركب
علیه الإبل، وهو الگور.
(٢) في نسخة: ((فأوحي إلى)).

٥٣
أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
حَتَّى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الخُطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا
لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا، وَالله لَا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا، آخِرُ مَا
عَلَيْكَ، قَالَ: فَعَلِمَ اللّه حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَبَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٢٣٢]، فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلُ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ:
أُزَوَّجُكَ وَأُكْرِمُكَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الحَسَنِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّكَاحُ بِغَيْرٍ وَلِّ؛ لأَنَّ أُخْتَ
قوله: (آخر ما عليك) بدل من الأول وبيان له، ومعنى آخر ما عليك إلى آخر
الوقت الذي يأتي عليك، وهو الجزء الآخر من أيام حياته.
قوله: (وفي هذا الحديث دلالة) إلخ، وهذا غير تام، [١] فإن المنع عن العضل
للأولياء لا يستدعي جواز العضل لهم، فإن العضل كما يكون جائزاً في مواضع
[١] وجعله الحافظ(١) من أقوى الأدلة، وقال: هو أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما
كان لعضله معنى، وبسط الشيخ في ((البذل))(٢) في مستدلات الحنفية من الكتاب والسنة
وغيرهما، وذكر من جملتها قوله عز اسمه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
[البقرة: ٢٣٠]، أضاف النكاح إليها فيقتضي تصور النكاح عنها. وقوله عز اسمه: ﴿فَلَاجُنَاحَ
عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَجَعَآَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: يتناكحا، فأضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي، وقوله
عزّ اسمه: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢]، والاستدلال به من وجهين : =
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ١٨٧).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٦٥٦/٧ - ٦٦٠).

٥٤
الكوَكَبُ الدُّرِي
مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كَانَتْ ثَيًِّا، فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ إِلَيْهَا دُونَ وَلِيِّهَا لَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا،
يكون حراماً في مواضع، فالمنع عن العضل الذي ليس لهم فيه حق، أفلا ترى آيات
الكتاب تنهى عن أمور محرمة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ﴾ [التوبة: ٣٦] (ولا
تأكلوا أموال اليتامى)) (١) ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى غير ذلك، وأما
قوله: ((لزوجت نفسها[١] ولم تحتج)) إلخ، ففيه أن امتناعها عن تزويج نفسها لم يكن
= أحدهما أنه أضاف النكاح إليهن من غير ذكر الولي، والثاني أنه نهى الأولياء عن المنع عن
نكاحهن أنفسهن من أزواجهن، والنهي يقتضي تصوير المنهي عنه، هذا وروي عنه ◌َا ثر:
((ليس للولي مع الثيب أمر))، وهذا قطع ولاية الولي عنها، وروي عنه مثل: ((الأيم أحق بنفسها
من وليها))، إلى آخر ما بسطه، وقال: أجاب الطحاوي عن استدلالهم بهذه القصة بقوله:
وكان ذلك عندنا يحتمل ما قالوا، ويحتمل غير ذلك أن يكون عضل معقل كان تزهيده لأخته
في المراجعة، فتقف عند ذلك، فأمر بترك ذلك، انتهى مختصراً.
وبسط الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) في الاستدلال بآية الباب للحنفية، وذكر عدة وجوه
للاستدلال، واستدل أيضاً بقوله عز اسمه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ
أَنْفُسِهِنَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال: فإن قيل: لولا أن الولي يملك منعها عن النكاح
لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبي، قيل له: هذا غلط لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما
نهي عنه، فكيف يستدل به على إثبات الحق، وأيضاً فإن الولي يمكنه أن يمنعها من الخروج
والمراسلة في عقد النكاح، فجائز أن يكون النهي عن العضل منصرفاً إلى هذا الضرب من
المنع لأنها في الأغلب تکون بید الولي بحیث یمکنه منعها من ذلك، انتھی.
[١] وقد زوجت عائشة حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن
غائب، كما في ((أحكام القرآن))(٣).
(١) والمراد به الآية: ﴿ وَءَاتُوْ الْيَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيِثَ بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَ أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ، كَانَ حُوبًا
كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].
(٢) ((أحكام القرآن)) (٤٨٥/١).
(٣) ((أحكام القرآن)) (١ / ٤٨٤).

٥٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيِّهَا مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ الله فِى هَذِهِ الْآيَةِ الأَوْلِيَاءَ
فَقَالَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فَفِى هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةُ
عَلَى أَنَّ الأَمْرَ إِلَى الأَوْلِيَاءِ فِي التَّزْوِيجِ مَعَ رِضَاهُنَّ.
٢٩٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، ح وَثَنَا الأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ، نَا
مَالِكُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ
قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًّا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآَذِنِّي
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا،
فَأَمْلَتْ عَلَىَّ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى (وصلاة العصر) وَقُومُواْ
لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وَقَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله
صَلَا الله
لاحتياجها فيه إلى أخيها، بل لإرضاء أخيها، وترك ما يسخطه ويؤذيه، وإن كانت مختارة
فيه مُحبة [١] هاوية له، أفلا ترى قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنكِحْنَ﴾ حيث نسبه إلى النسوة أنفسها،
ولم يقل: ولا تعضلوهن أن تنكحوهن، ثم قوله: مع رضاهن يرد عليه مقاله، فإن الولي
لما كان مستبدًّاً بذلك أولى بها من نفسها، فأي فاقة بعد ذلك في تزويجها إلى رضاها، فعلم
أن العضل لیس حقًّا تستحقه الأولیاء علیھن إلا إذا أردن تزویج أنفسهن حیث یکون
عاراً على الأولياء، بأن يكون في غير كفؤ أو بأقل من مهر مثلها، وأما في غير ذلك فلا.
قوله: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر) كان تفسيراً بإعادة (٢) حرف العطف،
[١] بصيغة اسم الفاعل عطف على مختارة بحذف العاطف، أو خبر ثان، ويحتمل أن يكون
مصدراً منصوباً بنزع الخافض، أي: لأجل محبة له.
[٢] جواب عما يرد على الجمهور، وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في المراد بالصلاة الوسطى على =
[٢٩٨٢]م: ٦٢٩، ٥: ٤١٠، ن: ٤٧٢، حم: ٦/ ٧٣، تحفة: ١٧٨٠٩.

٥٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ حَقْصَةً.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٩٨٣ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، نَا الحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((صَلَاةُ الوُسْطَى
صَلَاةُ العَصْرِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
يعني أنه تفسير لقوله: والصلاة الوسطى لا للصلاة الوسطى فقط، لكن (١) عائشة
فهمت ذلك قراءة.
= اثنين وعشرين قولاً ذكرت في ((الأوجز))(١)، والمشهور منها ثلاثة، قول مالك والشافعي
أنها الصبح، وقول بعض الصحابة والتابعين أنها الظهر، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقول
جمهور الصحابة والتابعين أنها العصر، وبه قالت الحنفية وأحمد وداود، إلى آخر ما بسط
في ((الأوجز))، وأورد على هذا القول الثالث بحديث الباب، قال ابن عبد البر: ثبوت الواو
الفاصلة التي لم يختلف في ثبوتها في حديث عائشة يدل على أنها ليست الوسطى، قال
الباجي: لأن الشيء لا يعطف علی نفسه، انتهى.
وأشار الشيخ إلى جواب هذا الإيراد بأن قوله: وصلاة العصر تفسير لقوله: والصلاة الوسطى،
فالواو الثانية بمقابلة الأولى، وهذا لطيف جدًّا، وأجيب عنه أيضاً بأن العطف التفسيري معروف
عند النحاة، هذا وقدروي عن عائشة بلفظ: وهي صلاة العصر بعدة طرق مذكورة في ((الأوجز)).
[١] استدراك من قوله: كان تفسيراً وجواب عن إشكال آخر، وهو أن عائشة كيف أملته في القرآن،
وأجيب أيضاً بأن إملاءها كان أيضاً على سبيل التفسير، وورد في الروايات أنها كانت أولاً في
القرآن ثم نسخت، كما أخرجه مسلم (٢) وغيره من حديث البراء.
[٢٩٨٣] تقدم تخريجه في ١٨٢.
(١) ((أوجز المسالك)) (٨٦/٣).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٣٠).

٥٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
٢٩٨٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ
٥
قَالَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «اللَّهُمَّ امْلَأْ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةٍ
الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ.
وَأَبُو حَسَّانَ الأَعْرَجُ اسْمُهُ: مُسْلِمُ.
٢٩٨٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو النَّصْرِ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ لّهِ: ((صَلَاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ العَصْرِ)).
وَفِي البَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُتْبَةً، وَأَّبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٩٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي
عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله وَ
فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأْمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
قوله: (عن زيد بن أرقم) إلخ، فيه دلالة على أن الكلام في الصلاة إنما نسخ
[٢٩٨٤] خ: ٤١١١، م: ٦٢٧، ٥: ٤٠٩، ن: ٤٧٣، جه: ٦٨٤، حم: ٧٩/١، تحفة: ١٠٢٣٢.
[٢٩٨٥] تقدم تخريجه في ١٨٢.
[٢٩٨٦] تقدم تخريجه في ٤٠٥.

٥٨
الكوكبُ الدُِّي
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمُ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ
فِيهِ: وَنُهِينَا عَنِ الكلامِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ إِيَاسِ.
٢٩٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى،
عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكِ، عَنِ البَرَاءِ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوْ اُلْخِيِثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ،
فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالقِنْوِ(١)
وَالقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ، فَكَانَ
في المدينة، فإن زيد بن أرقم[١] لم يكن في مكة.
قوله: (بالقنو والقنوين فيعلقه) فيه دلالة (٢) على تعليق المراوح في المساجد لما
[١] قال العيني(٢): الكلام في الصلاة كان مباحاً ثم حرم، واختلفوا متى حرم؟ فقال قوم: بمكة،
واستدلوا بحديث ابن مسعود ورجوعه من عند النجاشي بمكة، وتقدم الجواب عنه في الصلاة،
وقال آخرون: بالمدينة بدليل حديث زيد بن أرقم، فإنه من الأنصار أسلم بالمدينة، وسورة البقرة
مدنية، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل
الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضى ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذيوما فدخل في الصلاة، فذكر
الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعاً؛ لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بالمدينة، انتهى مختصراً.
[٢] لله در الشيخ ما أدق نظره، ويدخل فيما استنبطه تعليق الساعات، فإن الاحتياج إليها لإقامة
الصلاة وتكثير الجماعة أشد من الاحتياج إلى المراوح.
[٢٩٨٧] ش: ١٠٧٨٧، ق: ٧٥٢٨، تحفة: ١٩١١.
(١) قال في ((النهاية)) (١١٦/٤): القِنْو: العِذْقِ بِمَا فِيهِ مِنَ الرُّطَب، وجمعه: أَقْناء.
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٨٦/٥).

٥٩
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَيَسْقُطُ البُسْرُ (١) وَالتَّمْرُ فَيَأْكُلُ، وَكَأَنَ
نَاسَ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُ فِي الخَيْرِ بَأْتِي الرَّجُلُ بِالقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ(٢) وَالحَشَفُ
وَبِالقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ
أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ اُلْخَبِيِثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِقَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُوْ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ
أُهْدِيَ إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أَعْطَى لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّ عَلَى إِغْمَاضٍ أَوْ حَيَاءٍ، قَالَ: فَكُنَّا بَعْدَ
ذَلِكَ يَأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبُ. وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ: الغِفَارِيُّ، وَيُقَالُ
اسْمُهُ: غَزْوَانُ، وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
٢٩٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ
الهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ قَ له: ((إِنَّ لِلشَّيْطَانِ
السَّمَّةً(٣) بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادُ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبُ
بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادُ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقُ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ
فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهِ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ،
أنها ليس بأقل نفعاً من القنو مع ما في القنو من الشغل والتلويث ما ليس في المروحة.
[٢٩٨٨] ن في الکبری: ١٠٨٥، تحفة: ٩٥٥.
(١) البسر: ثمر النخل قبل أن يرطب. انظر: ((المعجم الوسيط)) (١/ ٥٦).
(٢) الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلاً، والحشف: اليابس
الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص. ((النهاية)) (٣٩١/١،٥١٨/٢).
(٣) هي الهمة والخطرة تقع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه بإخطار
خيرات أو شرور. ((مجمع بحار الأنوار)) (٥٠٩/٤).

٦٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾)) الآيَةَ [البقرة: ٢٦٨].
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ(١)، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الَأخْوَصِ، لاَ نَعْرِفُهُ
مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الأَخْوَصِ.
٢٩٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا أَبُو نُعَيْمِ، نَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازٍِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّ: ((يَا
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبُ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا
أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾)) [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ((﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] قَالَ: وَذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أُشْعَثَ أُغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى
السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ
بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ،
وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ: الأَشْجَعِيُّ اسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأَشْجَعِيَّةِ.
٢٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ،
عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: ثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِن تُبْدُواْ
[٢٩٨٩] م: ١٠١٥، حم: ٣٢٨/٢، تحفة: ١٣٤١٣.
[٢٩٩٠] م: ١٢٦ من طريق أبي هريرة، تحفة: ١٠٣٣٦.
(١) في نسخة: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)).