النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
أبواب الزُّهْد -
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِى
الأَحْوَصِ، وَرَوَى شُعْبَةُ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ
عُمَرَ.
٢٨ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ
٢٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشِ الْيَامِيُّ الكُوفِيُّ، نَا أَبُوبَكْرِ بْنُ
عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾
(لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ»(١).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٢٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ(٢)
٢٣٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي الوَلِيدِ
قَالَ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيٍْ، وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِّبِ تَقُولُ:
[٢٣٧٣] خ: ٦٤٤٦، م: ١٠٥١، جه: ٤١٣٧، حم: ٣٨٩/٢، تحفة: ١٢٨٤٥.
[٢٣٧٤] حم: ٦/ ٣٦٣
(١) قال الحافظ (٢٧٢/١١): قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛
لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي
من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما
أوتي، وقنع به ورضي، ولم يحرص على الازدياد ولا ألحّ في الطلب، فكأنه غني، انتهى.
(٢) زاد في نسخة: ((بحقه)).

٦٢٢
الكوَكَبُ الدُّرِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةُ حُلْوَةُ(١)، مَنْ أَصَابَهُ
بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتَخَوّضٍ(٢) فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ الله
وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّ النَّارُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو الوَلِيدِ اسْمُهُ: عُبَيْدٌ سَنُّطَا(٣).
٣٠ - بَابُ
٢٣٧٥ _ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، نَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ له: ((لُعِنَ عَبْدُ
الدِّينَارِ، لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّ أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَأَظْوَلَ.
[٣٠ _ بَابٌ]
قوله: (لعن عبد الدينار) إلخ، والعبد إنما يتحقق إذا خالف فيه الشرع، وإن
وافق أمره تعالی فهو عبد له سبحانه لا للدرهم.
[٢٣٧٥] خ: ٦٤٣٥، جه: ٤١٣٥، تحفة: ١٢٢٤٨.
(١) أنث باعتبار أن المال كبقلة تعجب الناظرين وتدعوهم إلى استكثارها. ((مجمع بحار
الأنوار)» (٢/ ٥٥).
(٢) أصل الخوض: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه،
أي: رب متصرف في مال الله بما لا يرضاه الله، وقيل: هو التخليط في تحصيله من غير وجه
كيف أمكن. أي: يتصرفون في بيت المال، ويستبدون بمال المسلمين بغير قسمة. ((مجمع
بحار الأنوار)) (١٢١/٢ - ١٢٢).
(٣) في نسخة: ((سَنُوطا)).

٦٢٣
أتْوَابُ الزُّهْد-
٣١ -بَابُ
٢٣٧٦ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنِ ابْنِ گَعْبٍ بْنِ
مَالِكِ الأَنْصَارِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: (مَا ذِثْبَانِ جَائِعَانِ أَرْسِلَا
فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)(١).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَيُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَلَا يَصِحُ إِسْنَادُهُ.
٣٢ -بَابُ
٢٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكِنْدِيُّ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ،
حَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ الله قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللهِ وَ لَه عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا:
[٣١ _ بَابٌ]
قوله: (ما ذئبان جائعان) والذئب إذا كان جائعاً لا يأكل واحدة بل يجرح في
غلبة جوعه كثيراً من الشياه ولا يطمئن حتى يأكل.
[٣٢ _ بَابُ]
[٢٣٧٦] ن في الكبرى: ١١٧٦، تحفة: ١١١٣٦.
[٢٣٧٧] جه: ٤١٠٩، حم: ٣٩١/١، تحفة: ٩٤٤٥.
(١) متعلق بأفسد، أي: حرصه على المال والجاه والمنصب أكثر إفسادًا لدينه من إفساد الذئبين
للغنم، ((حاشية سنن الترمذي)) (٦٢/٢).

٦٢٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
يَا رَسُولَ الله لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ(١)، فَقَالَ: «مَا لِى وَلِلُّنْيَا، مَا أَنَا فِى الدُّنْيَا إِلَّا
كَرَاكِبِ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا».
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
٣٣ - بَابُ
٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا أَبُو عَامِرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: نَا زُهَيْرُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنِي مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ:
((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
٣٤ - بَابُ
٢٣٧٩ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَبْدُ الله(٢)، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َل:
قوله: (وطاء) بكسر الأول [١] فعل أو فعال.
[٣٤ - باب]
[١] وما يظهر من ((القاموس)) (٣) وغيره أن الوطأ بالفتح موضع القدم، ومصدر وطئ الشيء:
داسه، والوطاء كسحاب وكتاب خلاف الغطاء.
[٢٣٧٨]د: ٤٨٣٣، حم: ٣٠٣/٢، تحفة: ١٤٦٢٥.
[٢٣٧٩] خ: ٦٥١٤، م: ٢٩٦٠، ن: ١٩٣٧، حم: ١١٠/٣، تحفة: ٩٤٠.
(١) زاد في نسخة: ((وِطَاءً)).
(٢) زاد في نسخة: ((ابن المبارك)).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٥).

٦٢٥
أبْوَابُ الزُّهْد
(يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ وَيَبْقَى وَاحِدُ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ،
فَيَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ كَثْرَةِ الأَكْلِ
٢٣٨٠ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ،
ثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الحِمْصِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرِ الطَّائِيّ، عَنْ
مِقْدَامٍ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقُولُ: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً
شَرًّا مِنْ بَطْنِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتُ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثُ
لِطَعَامِهِ وَثُلُثُ لِشَرَابِهِ وَثُلُثُ لِنَفَسِهِ)).
قوله: (يتبعه أهله وماله) بينه صاحب الحواشي[١].
[١] ولفظه: تبعه: مشى خلفه، هذا حقيقة، والمراد معنى مجازي عام وهو تعلقها به بعده،
وكونها معه إلى حين كأنها تمشي خلفه، وقيل: أراد بعض مماليكه، وقيل: اتباع الأهل على
الحقيقة، واتباع العمل والمال على الاتساع، فإن المال حينئذ له نوع تعلق بالميت من التجهيز
والتكفين، ومؤنة الغسل والحمل والدفن، فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية، انتهى مختصراً.
وقال العيني(١): ((يتبعه أهله)) إلخ، هذا باعتبار الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط،
وقوله: ((ماله)) مثل رقيقه ودوابه على ما جرت به عادة العرب، ومعنى بقاء عمله أنه إن كان
صالحاً يأتيه في صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الرائحة فيقول: أبشر بالذي
يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، وفي الحديث في حق الكافر: يأتيه
رجل قبيح الوجه فيقول: أنا عملك الخبيث، كما في حديث البراء عند أحمد وغيره، انتهى.
[٢٣٨٠] ن في الكبرى: ٦٧٣٧، حم: ٤/ ١٣٢، تحفة: ١١٥٧٥.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٣/ ٩٧).

٦٢٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ، نَحْوَهُ، وَقَالَ الْمِقْدَامُ
ابْنُ مَعْدِي كَرِبَ: عَنِ النَّبِيّ ◌َّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّه.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
٢٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَامُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسِ،
عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: «مَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ،
وَمَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ الله بِهِ))،
٣٦ - باب ما جاء في الرياء والسمعة
قوله: (يرائي الله به) أي: يحصل الله مقصوده ذلك، أي: يراه الناس
ويمدحونه، و کذلك فیما بعده[١].
[١] أي: في الجملة الآتية من قوله وَليّة: ((من يسمع يسمع الله به))، قال القاري(١): ((من سمع))
بتشديد الميم أي: عمل عملاً للسمعة بأن نَوّه بعمله وشَهَّرَه ليسمع الناس به ويمتدحوه،
((سمع الله به)) بتشديد الميم أيضاً أي: شَهَّره الله بين أهل العرصات وفَضَحَه على رؤوس
الأشهاد، وفي (شرح مسلم)): معنى من يرائي: من أظهر للناس العمل الصالح ليُعَظّم
عندهم، وليس هو كذلك، يرائي الله به، أي: يظهر سريرته على رؤوس الخلائق، وفيه أن
قيده بقوله: وليس هو كذلك ظاهره أنه ليس كذلك، بل هو على الإطلاق سواء يكون كذلك
أو لا، وقيل: معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه،
وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه، وقيل: معناه من أراد أن
يعلمه الناس أسمعه الله الناس، و کان ذلك حظه منه، انتھی.
=
[٢٣٨١] جه: ٤٢٠٦، حم: ٣ /٤٠، تحفة: ٤٢٢٠.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٠٣/٩).

٦٢٧
أبواب الزُّهْد
وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ الله)).
وَفِي البَابِ عَنْ جُنْدَبٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا حَيْوَةُ ابْنُ
شُرَيْجِ، نَا الوَلِيدُ بْنُ أَبِي الوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَائِيُّ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ
حَدَّثَهُ، أَنَّ شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ
عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى فَعَدْتُ بَيْنَ
يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أُسْألُكَ بِحَقِّ وَبِحَقٍ ..
قوله: (من لا يرحم) مناسبته بما قبله أن المتكبر وهو المرائي لا يرحمهم.
قوله: (أسألك بحق وبحق) قالوا:[١] هذا تأكيد، والظاهر من توسيط العاطف
= وذكر الحافظ هذه المعاني بشيء من التفصيل، ومختار الشيخ هو المعنى الأخير، ذكره
الحافظ بلفظ: وقيل: المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه، ليعظموه وتعلو منزلته
عندهم حصل له ما قصد، وكان ذلك جزاء عمله ولا يثاب عليه في الآخرة، انتهى. قلت:
ولعل الشيخ اختاره من بين المعاني لما أنه مؤيد بقوله عز اسمه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
وَزِينَهَا نُوَفِ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾ الآية [هود: ١٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا
نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ الآية [الشورى: ٢٠]، ولما أنه كالمدلول الصريح للحديث الآتي من قوله تعالى:
((فقد قيل))، ورجح الحافظ أول المعاني فقال(١): ورد في عدة أحاديث التصريح بوقوع
ذلك في الآخرة فهو المعتمد، ثم ذكر الروايات المصرحة بذلك.
[١] يعني المشهور على الألسنة أنه تأكيد، كما اختاره المحشي أيضاً، لكن ذكر الثاني بحرف =
[٢٣٨٢] م: ١٩٠٥، ن: ٣١٣٧، حم: ٣٢١/٢، تحفة: ١٣٤٩٣.
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ٣٣٧).

٦٢٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللهِِّ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ
نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلاً ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدُّ غَيْرِي وَغَيْرُهُ. ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ
نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ
رَسُولُ اللهِوَ لَ﴿ أَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدُّ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو
هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً،
غير ذلك، وهو أنه أشار أوّلاً إلى حق وثانياً إلى حق هو مغاير للأول، فإما أن يراد
بهما أخوة الإسلام وأخوة العربية، أو غيرهما من الأُخوّات، وإنما أكد بذلك
تعطفاً لأبي هريرة عليه، فإن الأستاذ المعلم كثيراً ما يغضب على التلميذ بمثل هذه
التقييدات الغير المفيدة والغير المفتقرة إليها، فكل ما حدثه أبو هريرة عنه من إنما
کان یحدث إذا عقله و علمه بحسب فهمه.
قوله: (ثم نشغ (١] أبو هريرة) إلخ، وكان ذلك لتذكره ما كانوا عليه من صحبة
النبي ◌َ ◌ّ، وما كانوا يحوزون بقربه من خيري الدنيا والدين، كما أشار إليه أبو هريرة
بقوله: في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ولا يبعد أن يكون توارد ذلك عليه
لإحضار ذهنه هول ما اشتمل عليه الحدیث الذي أراد بیانه.
= العطف يدل على أنه تأسيس، والمراد بالحق الثاني غير الأول، والمراد بالتقييدات ما ذكرها
من قوله: سمعته من رسول الله آل﴾ عقلته وعلمته.
[١] قال صاحب ((المجمع)) (١): أصل النشغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي، وإنما يفعل
تشوقاً إلى ما فات وأسفاً عليه، ومنه حديث أنه ذكر النبي والد فنشغ نشغة أي: شهق شهقة
و غشي عليه.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ /٧٢٦).

٦٢٩
أبواب الزُّهْد
ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْتَدْتُهُ طَوِيلاً، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: ثَنِي رَسُولُ الله ◌ِّ:
((أَنَّ اللّه تَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ
جَائِيَةُ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُوبِهِ رَجُلُ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلُ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلُ
كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللّه لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِ؟ قَالَ: بَلَى
يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ
النَّهَارِ، فَيَقُولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ(١): كَذَبْتَ، وَيَقُولُ الله لَهُ:
بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانُ قَارِئُ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ.
وَيُؤْلَّى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ الله لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ
تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ
أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ (٢): كَذَبْتَ،
وَيَقُولُ الله: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانُ جَوَادُّ وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ.
قوله: (فأول من يدعو به) إلخ، هذا لا ينافي ما ورد أن أول ما يسأل عنه
الصلاة، فإن أول السؤال من هؤلاء لعل عن صلواتهم [١].
[١] يعني الوارد في حديث الباب لفظ الدعاء، فلا يبعد أن تكون هذه الثلاثة أول من يدعى
بهم، إلا أن السؤال عن هؤلاء أيضاً يكون أولاً عن صلواتهم وبعدها عن هذه الأمور، فلا
ينافي لفظ الحديث، وهو جمع حسن، ولا يبعد أن يجمع بينها بأن الأولية مختلفة باعتبار
العرضات، ففي ((المشكاة))(٣) برواية الترمذي وأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يعرض
الناس يوم القيامة ثلاثة عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فعند
ذلك تطير الصحف))، الحديث.
(١) زاد في نسخة: ((له)).
(٢) زاد في نسخة: «له)).
(٣) ((مشكاة المصابيح)) (٥٥٥٧).

٦٣٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَيُؤْنَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقُولُ اللهِ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ:
أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللّه لَهُ: كَذَبْتَ،
وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ الله: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانُ جَرِيءُ
فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ)).
ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَّ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ
الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ الله تُسَغَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ)).
قَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَائِنِي: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ أَنَّ شُفَيًّا هُوَ الَّذِي دَخَلَ
عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ
كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلُ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟ ثُمَّ بَڪَى
مُعَاوِيَةُ بُكَاءَ شَدِيدًا حَتَى ظَنَتَا أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا: قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ
أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ
الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِيَهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى
اُلْآَخِرَةِ إِلََّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
قوله: (وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه) أي: العلاء (كان[١] سيافاً لمعاوية،
قال: فدخل عليه رجل)
[١] قال المجد (١): رجل سائف: ذو سيف، وسَيّاف: صاحبه، جمعه سَیّافة، أو هم الذين
حصونهم سيوفهم، انتهى.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٨).

٦٣١
أنْوَابُ الزّهْد
٣٧ _بَابُ
٢٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَيْفِ الضَِّّيَ، عَنْ
أَبِي مُعَانٍ البَصْرِيّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾
(تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ جُبِّ الحُزْنِ)) (١)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: وَمَا جُبُّ الحُزْنِ؟ قَالَ:
((وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَُّ(٢) مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله وَمَنْ
يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: ((الْقَرَّاؤُونَ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ.
٣٨ - بَابُ
٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا أَبُو سِنَانِ الشَّيْبَانِيُّ،
عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَجُلُ:
وهو الشفي[١] المذكور، إلا أن العلاء ما كان يعرفه فعبر عنه بلفظ رجل.
[١] هو بالفاء مصغر كما في ((التقريب))، وحاصل ما أفاده الشيخ أن المبهم في قوله: «فدخل
عليه رجل فأخبره بهذا)) هو الشفي الراوي للحديث، وصرح المصنف أيضاً بذلك قريباً، إذ
قال: إن شفيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا.
[٢٣٨٣] جه: ٢٠٦، تحفة: ١٤٥٨٦.
[٢٣٨٤] جه: ٤٢٢٦، تحفة: ١٢٣١١.
(١) قال القاري (١/ ٣٣٧): بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايٍ وَبِفَتْحِهَا أَي: مِنْ بِثْرِ فِيهَا الْحُزْنُ لاَ
غَيْرَ، قَالَ الطِّبِيُّ (٢/ ٧١٩): جُبُّ الحزن عَلَمٌ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَمَا هِيَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْ:
دَارٌ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنْ كُلِّ حَزَنٍ وَآفَةٍ، انتهى.
(٢) في نسخة: (تتعوذ)).

٦٣٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
يَا رَسُولَ الله الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُسِرُهُ، فَإِذَا اطلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ؟ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ:(لَهُ أَجْرَانٍ، أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ العَلَانِيَةِ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ. وَقَدْ رَوَى الأَعْمَشُ(١) عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النَّبِيّ وَلَ مُرْسَلاً.
وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ: إِذَا اطْلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ إِنَّمَا
مَعْنَاهُ أَنْ يُعْجِبَهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ لِقَوْلِ النَّبِيّ ◌َّ:
قوله: (فيسره) من الإسرار (١) وهو الإخفاء.
قوله: (له أجران) هذا إذا لم يطلب بفشوه مديح الناس، بل كان قلبه[٢] على
ما کان علیه قبل اطلاعه.
قوله: (إنما معناه) هذا تعيين لأحد محتملات [٣] الحديث.
[١] يعني لم يكن من قصده الإظهار والرياء، بل كانت نيته الإخفاء والستر، لكن ظهر الأمر بغير
قصد منه، والحديث أخرجه صاحب ((المشكاة))(٢) برواية الترمذي عن أبي هريرة بسياق
آخر، ولفظه: قلت: يا رسول الله! بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل علي رجل فأعجبني
الحال التي رآني عليها، فقال رسول الله بَله: ((رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجران، أجر السر
وأجر العلانية»، انتهى.
[٢] يشكل عليه لفظ الحديث: فأعجبه، والجواب أن المراد ليس إعجاب المرائي، وهو المنفي
في كلام الشيخ، بل المراد من الإعجاب كون علانيته صالحة، فقد دعا النبي ◌َّ: ((رب
اجعل سريرتي خيراً من علانيتي، وعلانيتي صالحة))، أو كما قال ◌َله.
[٣] يعني أن الحديث كان محتملاً لعدة معان، ففسره بأحدها اختياراً منه لهذا المعنى، قال =
(١) زاد في نسخة: ((وَغَيْرُهُ)).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٥٣٢٢).

٦٣٣
أْوَابُ الزُّهْد
(أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ))، فَيُعْجِبُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ لِهَذَا، فَأَمَّا إِذَا أَعْجَبَهُ
لِيَعْلَمَ النَّاسُ مِنْهُ الخَيْرَ وَيُكْرَمَ وَيُعَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا رِيَاءُ. وَقَالَ بَعْضُ
أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا اطْلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ
أَجُورِهِمْ فَهَذَا لَهُ مَذْهَبُ أَيْضًا.
= القاري(١): قوله: ((لك أجران أجر السر)) لإخلاصك، ((وأجر العلانية)) للاقتداء بك، أو
لفرحك بالطاعة وظهورها منك، قيل: معناه فأعجبه رجاء أن يعمل من رآه بمثل عمله
فيكون له مثل أجره، كما قال ◌َ له: ((من سن سنة حسنة)) الحديث، كذا في ((شرح السنة))(٢).
والأظهر أن إعجابه بحسب أصل الطبع المطابق للشرع من أنه يعجبه أنه رآه أحد على
حالة حسنة، ويكره أن يراه على حالة قبيحة مع قطع النظر عن أن يكون ذلك العمل مطمحاً
الرياء والسمعة، فيكون من قبيل قوله مثل: ((من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)،
وقد قال عزّ اسمه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]، قال الحافظ(٣)
تحت حديث: ((من سمع سمع الله)) الحديث: فيه استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد
يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويُقَدَّر ذلك بقدر الحاجة.
قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به أو لينتفع به
ككتابة العلم، ومنه حديث سهل: ((لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي))، قال الطبري: كان ابن عمر
وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم
ليقتدى بهم، قال: فمن كان إماماً يستن بعمله عالماً بما لله عليه قاهراً لشيطانه استوى ما
ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل،
وعلى ذلك جری عمل السلف، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٥٠٧).
(٢) ((شرح السنة)) (٣٢٩/١٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٣٧/١١).

٦٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٩ - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ
٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ الرِّفَاعِيُّ، نَاحَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنْ أَشْعَثَ،
عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ
أَحَبَّ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ)).
٣٩ - باب المرء مع من أحب(١]
قوله: (وله ما اكتسب) دفع لما عسى أن يتوهم من (٢] تساويهما في الدرجة.
[١] قال الحافظ(١): قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه ((كتاب المحبين
مع المحبوبين))، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ،
انتهى. قال القاري(٢): فيه ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، والمعنى يحشر مع محبوبه
ويكون رفيقاً لمطلوبه، وظاهر الحديث العموم الشامل الصالح والطالح، ويؤيده حديث
أبي هريرة مرفوعاً: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل))، رواه الترمذي
وأبو داود وغيرهما. قال الغزالي(٣): مجالسة الحريص تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد
تزهد في الدنيا، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع بحيث
لا يدري، انتھی.
[٢] وبذلك جزم الحافظ في ((الفتح)) (٤) إذ قال: أي: ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم، وبهذا
يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح المعية؟ فيقال: إن المعية تحصل بمجرد
الاجتماع في شيء ما، ولا يلزم في جميع الأشياء، انتهى.
[٢٣٨٥] حم: ٢٢٦/٣، تحفة: ٥٣٠.
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٦٠).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٣/٩).
(٣) ((إحياء علوم الدين)) (٢/ ١٧٣).
(٤) (فتح الباري)) (٥٥٥/١٠).

٦٣٥
أنْوَابُ الزُّهْد
وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيّ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مُوسَى.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسِ.
٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ،
عَنْ أَنَسِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَتَى قِيَامُ
السَّاعَةِ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ
عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ؟)) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ(١): ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))(٢)
قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ إِلَّ أَنِى أُحِبُّ الله
وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أُحْبَبْتَ))
فَمَا رَأَيْتُ فَرِعَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَاصِمٍ، عَنْ زِرّبْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ:
[٢٣٨٦] خ: ٣٦٨٨، م: ٢٦٣٩، حم: ١٠٤/٣، تحفة: ٥٨٥.
[٢٣٨٧] تقدم تخريجه في ٩٦.
(١) في نسخة: ((فقال)).
(٢) قال الطيبي (١٠/ ٣٢٠١): سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن وقت
الساعة، فقيل له: فيم أنت من ذكراها؟ وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها، وتعتني بما ينفعك
عند إرسالها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة، فأجاب بقوله: ((ما أعددت لها إلا أني
أحب الله ورسوله)»، انتھی.

٦٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
جَاءَ أَعْرَابِىُّ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ
هُوَ (١) بِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّىُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ زِرٍّ،
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، عَنِ النَّبِيّ وَّ نَحْوَ حَدِيثِ مَحْمُودٍ.
٤٠ - بَابُ فِي حُسْنِ الَّنِّ بِالله تَعَالَى
٢٣٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، نَا وَكِیعُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ یَزِيدَ بْنِ
الأَصَمّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: إِنَّ الله يَقُولُ: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ
عَبْدِي بِي(٢) وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٤١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي البِرّ وَالإِثْمِ
٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكِنْدِيُّ الکُوفِيُّ، نَا زَيْدُ بْنُ
٤١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي البِرّ وَالإِثْمِ
[٢٣٨٨] خ: ٧٤٠٥، م: ٢٦٧٥، حم: ٢ /٤٤٥، تحفة: ١٤٨٢١.
[٢٣٨٩] م: ٢٥٥٣، حم: ٤/ ١٨٢، تحفة: ١١٧١٢.
(١) سقط في نسخة: ((هو)).
(٢) أي: بالغفران، أي: إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلبها،
والأصح أنه أراد الرجاء وتأميل العفو، أي: أعامله على حسب ظنه بي وتوقعه مني، والمراد
الحث على تغليب الرجاء على الخوف، ويجوز أن يراد به العلم، أي: أنا عند يقينه بي
وعلمه بأن مصيره إليّ وحسابه عليّ، وأن ما قضيت له من خير وشر فلا مرد له. ((مجمع
بحار الأنوار)) (٤٩٦/٣).

٦٣٧
أبْوَابُ الزُّهْد
الْحُبَابِ، نَامُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ الحَضْرَمِيُّ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّلْ عَنِ البِرّ
وَالإِثْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ مَّ: ((البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ
وَكَرِهْتَ أَنْ يَظَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ)).
قوله: (البر حسن الخلق) وقد بينا لك [١] أنه معاملة العبد بالخالق والخلق
حسب ما يرضى به الخالق، واستقراء البر بهذا المعنى وشموله لمواقع البر وأفراده
ظاهر.
وقوله: (والإثم ما حاك) إلخ، فظاهر (٢] أن المؤمن بحسب إيمانه يستحيي
عن إتيان الذنب ويحيك ذلك في قلبه، وأما إذا لم يبال بالآثام والذنوب فإما لعدم
علمه بكونه ذنباً، وحينئذ فليس ذلك بمؤاخذ عليه، أو لنقصان إيمانه فكان المراد
بقوله: ما حاك في قلبك أن يحيك في قلب المؤمن، فإن المخاطب بهذا الخطاب
إنما كان صحابيًّا جليل القدر كامل الإيمان، ولا معتبر بقلب من لم يكمل إيمانه.
[١] أي: في كتاب البر والصلة، وتقدم في أول (كتاب البر)) في حاشيتنا هذه كلام القاري مفصلاً
في معنى البر وحسن الخلق فارجع إليه.
[٢] وتوضيح ذلك أن للحديث محملين جمعهما الشيخ في كلامه، الأول: أن المراد منه المؤمن
الكامل المتنور بنور الفراسة كما هو مقتضى المحل الوارد فيه الحديث، فإنه صحابي جليل
القدر، فالمعنى الإثم ما تردد في الصدر بأن لم تنشرح له النفس، وحل في القلب منه الشك
ولم يطمئن إليه، قال التوربشتي: يريد أن الإثم ما كان في القلب منه شيء فلا ينشرح له
الصدر، والأقرب أن ذلك أمر یتھیأ لمن شرح صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، دون
عموم المؤمنين، كذا في ((المرقاة))(١)، قلت: وهو الذي ورد في حقه برواية أبي هريرة =
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١/٦).

٦٣٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيّ ◌ََّ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ حَسَنُّ(١).
٤٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الحُبِّ فِي الله
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامِ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ،
نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاجٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمِ الخَوْلَانِيّ،
ثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّه يَقُولُ:
٤٢ - باب ما جاء في الحب في الله
= مرفوعاً عند البخاري(٢): ((لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»،
الحديث.
فالرجل الذي يكون الله عز اسمه عونه وسمعه وبصره، فلا بد أن يحيك في صدره ما
لا يرضى منه الرب، ويكون الحديث في معنى قوله وَله: ((استفت قلبك))، وفي معنى
قوله تعالى: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))، كما في ((المقاصد الحسنة)) برواية
الترمذي وغيره.
والثاني: أن المراد منه المؤمن مطلقاً وإن لم يبلغ إلى الدرجة العليا، فالمعنى أن مقتضى
الإيمان أن يحيك في صدره الذنب، وإن لم يحك في صدره فهو نقص في إيمانه إلا أن
يكون سببه الجهل، فيكون الحديث في معنى قوله {قَئية: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))،
وفي معنى قوله مَّا: ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)).
[٢٣٩٠] حب: ٥٧٧، طب: ١٦٧/٢٠، حم: ٢٣٦/٥، تحفة: ١١٣٢٥.
(١) في نسخة: ((حسن صحیح)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٥٠٢).

أبْوَابَ الزُّهْد
٦٣٩
((قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ
وَالشُّهَدَاءُ)).
قوله: (يغبطهم النبيون والشهداء) ليس المراد بذلك ما فهمه المحشي
وبينه(١)، بل المراد أنهم كانوا اغتبطوا بها لو لم تكن عندهم، ولكن لما كانوا قد
حصلوا تلك المرتبة لم يغبطوا، وحاصل ذلك أن هذه الفضيلة بحيث لو فرض
عدمها للأنبياء لطمعوا فيها لعظمها، ولكنهم كانوا قد حصلوها، والمحوج إلى هذا
التوجيه أن الحب في الله الموجب للمزية المذكورة في الأنبياء بأعلى المراتب،
فكيف يجترأ على القول بأنهم لم يحصلوها.
[١] ولفظه: اعلم أن كل ما يتحلى به الإنسان من علم أو عمل، فإن له عند الله منزلة لا يشارك
فيها أحد ممن لم يتصف بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدراً وأعلى شأناً، فربما
يغبط ويتمنى ويحب أن يكون مثل ذلك مضموماً إلى ما له من المراتب الرفيعة والمنازل
الشريفة، فلا يلزم حينئذ تفضيلهم على الأنبياء والشهداء، بل يظهر بذلك حسن حالهم في
هذه الخصلة، انتھی.
قلت: هذا الكلام مأخوذ من القاري إلا قوله: فلا يلزم حينئذ إلى آخره، زاد القاري(١) بعد
قوله: المنازل الشريفة، فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق
وإظهار الحق، وإعلاء الدين، وإرشاد العامة، إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف
على مثل هذه الجزئيات، والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة
هؤلاء، فإذا رأوهم يوم القيامة وَدُّوا لو كانوا ضامين خصالهم هذا، والظاهر أنه لم يقصد
في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء، بل بيان فضلهم وعلو شأنهم، والمعنى أن
حالهم عند الله بمثابة لو غبط النبيون والشهداء مع جلالة قدرهم لغبطوهم، وقال الطيبي:
يمكن أن تحمل الغبطة هاهنا على استحسان الأمر، كأن الأنبياء والشهداء يحمدون إليهم
فعلهم، إلى آخر ما بسطه القاري.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٨/٩).

٦٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي
مَالِكِ الأشْعَرِيّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَأَبُو مُسْلِمِ الخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ ثُوَبٍ.
٢٣٩١ - حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، نَامَعْنُ، نَا مَالِكُ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصٍِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َلْ قَالَ:
(سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ اللهِ فِي ظِلّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ: إِمَامُ عَادِلُ، وَشَابُّ نَشَأْ بِعِبَادَةِ الله،
وَرَجُلُ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلّقًّا بِالمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا
في الله فَاجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا، وَرَجُلُ ذَكَرَ الله خَالِيًّا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلُ
دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أُخَافُ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلُ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ
فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ مَالِكِ بْنِ
أَنَسِ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ مِثْلَ هَذَا، وَشَكَّ فِيهِ وَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَوْ عَنْ أَيِّي
سَعِيدٍ. وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ
فَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ الله العَنْبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: نَا يَحْيَى
ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خَفْصٍ
قوله: (إمام عادل) ووجه ذلك أن العدل إذا لم يَخَفْ عمن هو فوقه مشكل.
[٢٣٩١]م: ١٠٣١، تحفة: ١٢٢٦٤.