النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
أَبْوَابَ الزُّهْد
وَالأَّعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُثْبَةَ، وَهُوَ مَرِيضُ
يَعُودُهُ، فَقَالَ: يَا خَالُ مَا يُبْكِيكَ أَوَجَعُ يُشْئِرُكَ أَوْ حِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كُلُّ
لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ عَهِدَ إِلَّ عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ، قَالَ: ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ
جَمْعِ الْمَالِ خَادِمُ وَمَرْكَبُ فِي سَبِيلِ الله)) وَأَجِدُنِي الْيَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ.
وَقَدْ رَوَاهُ زَائِدَةُ، وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيّ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ.
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الأخْرَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ:(لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ(١) فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
قوله: (وأجدني اليوم قد جمعت) وكانت عنده دراهم ستة عشر [١] مثلها.
[١] هكذا في المنقول عنه، والظاهر سقوط، قال ابن الأثير في ((أسد الغابة))(٢): وكان من زهاد
الصحابة، وأخرج ابن ماجه(٣) عن أنس قال: اشتکی سلمان فعاده سعد فرآه بیکي، فقال له
سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت لرسول الله مَلٍ؟ أليس؟ أليس؟ قال سلمان: ما
أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي ضًّا للدنيا، ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله وَ ل عهد =
[٢٣٢٨] حم: ٣٧٧/١، تحفة: ٩٢٣١.
(١) هي البساتين والمزرعة والقرية، لأن في أخذه يحصل الحرص على طلب الزيادة. أي: لا
تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا به عن ذكر الله. «مجمع بحار الأنوار)) (٤٢٤/٣).
(٢) ((أسد الغابة)) (٦٣٢٠).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٤١٠٤).
٥٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
١٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي طُولِ العُمْرِ لِلْمُؤْمِنِ
٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ (١)، أَنَّ أَغْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ الله
مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) (٢).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابٍِ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣٣٠ - ثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، نَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، نَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيِّ بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ:
يَا رَسُولَ الله أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَيُّ
النَّاسِ شَرُّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
إليّ عهداً فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إليّ أنه يكفي أحدكم
مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين
درهما من نفقته کانت عنده، انتھی.
[٢٣٢٩] جه: ٣٧٩٣، حم: ١٨٨/٤، تحفة: ٥١٩٧.
[٢٣٣٠] حم: ٤٠/٥، تحفة: ١١٦٨٩.
(١) في الأصل: ((عبد الله بن قيس)) وهو تحريف.
(٢) قال الطيبي (٣٣٢٨/١٠): إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتجر
فیما یربح فیه، و کلما کان رأس ماله کثیرًا کان الربح أكثر، فمن انتفع من عمره بأن حسن
عمله فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانًا مبينًا، انتهى.
٥٨٣
أبواب الزُّهْد-
١٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَا بَيْنَ السِّتِينَ إِلَى سَبْعِينَ
٢٣٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ
كَامِلٍ أَبِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِةَ:
((عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِينَ سَنَّةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَقَدْ
رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَارُبِ الزَّمَنِ وَقِصَرِ الأَمَلِ
٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، نَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا عَبْدُ الله
١٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ
قوله: (عمر أمتي) إلخ، المراد بالأمة [١] هاهنا أمة الدعوة، والقاعدة أكثرية،
وأعمارهم تزيد وتنقص.
١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَارُبِ الزَّمَنِ وَقِصَرِ الأَمَلِ
[١] قال القاري(١): قيل: معناه آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين وانتهاؤه سبعون، وقلّ من
يجوز سبعين، وهذا محمول على الغالب، ذكره الطيبي، وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب
الزيادة على السبعين واضح جدًّا، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة بلوغ ستين في غاية
من الغرابة، فالظاهر أن المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي =
[٢٣٣١] جه: ٤٢٣٦، تحفة: ١٢٨٧٦.
[٢٣٣٢] طس: ٨٩٠٤، تحفة: ٨٤٦.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٤٦١).
٥٨٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ابْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَكُونُ(١) السَّنَةُ
كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمٍ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ
كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ».
قوله: (حتى يتقارب الزمان) بَيَّنه صاحب[١] الحواشي، ولا مانع من حمله
على الحقيقة، والمراد(٢) في الحديث بيان القلة لا الحساب حتى يعترض بأنه لا
يستوي.
= مات فيه غالب الأمة ما بين العددين، منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء وغيرهم من العلماء
والأولیاء، انتھی.
[١] ولفظه: أي: يطيب الزمان حتى لا يستطال، وأيام السرور قصيرة، وقيل: كناية عن قصر
الأعمار وقلة البركة، وقيل: لكثرة اهتمام الناس بالنوازل والشدائد، وشغل قلبهم بالفتن
لا يدرون كيف تنقضي أيامهم، والحمل على أيام المهدي وطيب العيش لا يناسب أخواته
من ظهور الفتن والهرج، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، انتهى.
زاد صاحب ((المجمع)) (٢): وقيل: تقارب أهل الزمان بعضهم بعضاً في الشر، أو أراد
مقاربة الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره، أو مسارعة الدول إلى الانقضاء والقرون
إلى الانقراض، فیتقارب زمانهم وتتدانی أیامهم، وقيل: بمعنى عدم ازدياد ساعات الليل
والنهار وانتقاصها بأن يتساويا طولاً وقصراً، قال أهل الهيئة: تنطبق دائرة البروج على معدل
النهار، انتهى.
[٢] هذا جواب عما يشكل على الحديث بأن نسبة الشهر إلى السنة نسبة الواحد إلى اثني عشر،
ونسبة الجمعة إلى اليوم نسبة الواحد إلى السبعة، فلا يتساوى حساب القصر في السنة
والجمعة، وكذا في غيرهما، وما أجاب به الشيخ أوجه وأوضح مما أول الحديث القاري.
(١) في نسخة: ((فتكون)).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٤٤).
٥٨٥
أبواب الزُّهْد
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ: أَخُو يَحْيَى
ابْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيّ.
١٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الأَمَلِ
٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو أَحْمَدَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِبَعْضِ جَسَدِي قَالَ:
(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ،
١٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الأَمَلِ
قوله: (ببعض جسدي)[١] ليكون أوقع في النفس لتنبيهه.
قوله: (عابر سبيل) هذا ترقّ على الأول، فإن الغريب أي: النازل لتقضى (٢]
ليلة أو ليلتين يحتاج إلى اهتمام في حوائجه، ويتردد لها ما لا يحتاج العابر،
والعابر(٣): الراكب على السبيل قام تحت شجرة ليستريح.
[١] أي: بمنكبي كما في رواية البخاري، وفيه إيماء إلى أن هذه الحالة الرضية لا توجد إلا
بالجذبة الإلهية، قاله القاري(١).
[٢] قال المجد(٢): تقضى: انصرم وفَنِيَ، انتهى.
[٣] قال الراغب (٣): أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، والعبور يختص بتجاوز الماء، إما
بسباحة أو بسفينة، انتهى. وقال المجد (٤): عبره عبراً وعبوراً: قطعه، والسبيل: شقها، =
[٢٣٣٣]٦٤١٦، جه: ٤١١٤، حم: ٢٤/٢، تحفة: ٧٣٨٦.
(١) ((مرقاة المفايح)) (٩/ ٤٥٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٦).
(٣) ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: ٥٤٣).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٥).
٥٨٦
الكوَكَبُ الدُّرِّي
وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ))، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ
نَفْسَكَ بِالمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ
قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ غَدًا (١).
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّّيُّ البَصْرِيُّ، نَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ، نَحْوَهُ.
قوله: (وعد نفسك من أهل القبور) ترقٌّ عليه، كأنك ميت لا تحتاج إلى
شيء، ولا تريد شيئاً، بل كل صنيعه في أيدي الآخرين، فكذلك اجعل أنت جملة
أمورك في يدي ربك سبحانه وتعالى، ترض بما قضاه، وتشكر على ما أعطاه،
وتصبر على ما تراه.
قوله: (وخذ من صحتك قبل سقمك) أي: اعمل في صحتك أعمالاً يكتب
لك أجرها بعد سقمك، أو اعمل ما يكون مهيئاً لك في سقمك، وحاصل المعنى
الثاني أنك إذا أردت أن تصلي فصل أربعاً أربعاً، لعلك تسقم غداً فيكون هذا بذاك،
وتكون لكل من اليومين نافلتان، والمعنى الأول أولى لمطابقته ما ورد في الحديث
أن المراد إذا داوم على عمل ثم مرض يكتب له أجر ما كان يعمل في صحته.
= انتهى. فما أفاده الشيخ هو المراد، يعني والمراد بالعابر الراكب على السبيل الذي
قام تحت شجرة ليستريح، فهو لا يحتاج إلى شيء ولا يتردد له، وهو مستفاد من
حديث ابن مسعود ذكره صاحب ((المشكاة)) برواية الترمذي وغيره: أن رسول الله وَال
نام على حصير، فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله! لو أمرتنا
أن نبسط لك ونعمل، فقال: ((مالي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت
شجرة ثم راح وتر کها»، انتهى.
(١) أي: حي أو ميت، عاص أو مطيع.
٥٨٧
أبواب الزُّهْد
وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، نَحْوَهُ.
٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، نَا عَبْدُ الله (١)، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ
عُبَيْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ:
(هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ))، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ،
قوله: (ووضع يده عند قفاه) الظاهر[١] أن المراد تمثيل الأجل باليد،
وقد وضعت على القفا، فكأن الأجل قابض على المرء كقبض الكف عليه،
والإنسان غير محتاج إلى الإشارة والبيان، ويمكن أن يكون قبضه مثله على رقبته
[١] كانت عبارة ((الإرشاد الرضي)) أيسر وأوضح للمقصود لكونها في اللسان الهندي،
فأردت أن أذكرها بلفظها تكميلاً للفائدة فقال: يا توّ دونول بذا كا اشاره طرف قفا }،
اوري اشاره مركب بو، بايد رقّه كويا ابن آدم ب، اوريد باته قابض كرون إجل ،
يعنى رجل كرون بكر جوتي ف اور ننتظر حكم ٤ ٢، اور وجده تخصيص رقم كى يد بوَ كم
رقم تعبير تمام بدن ت بواب، كما قال تعالى: ﴿فَتَحْرِبُ رَقَبَةٍ ﴾، الے ،ی اگر كُونَ انى
يوى كوفي كم: رقبتك طالق توطلاق واقع بو جائكى كه رقبه تعبير ذات اور تمام جهد
، يا وجه تخصيص ي بوكد جب قبضه كرون بربوناب تووه قبضه سام بوتاب، مقوض كو
رہالی وشوار ہوقی ے ہی قض موت ھی امک ی ، یا بذا ابن آدم كا اشاره ظابر ب کم
جكوبر مخص جانتاب اسكى تعين كى ضرورت غبين، اور فقا يؤ كراجل كى طرف اشاره فرمايا
كـوه قابض وننتظر ب، حاصل يدب كهاميد انسان كى كس قدر وراز وطويل موتى ت اور
اجل كا يد حال ب كم كرون مقابض اور ننتظر حكم كى بيوتى فى كوكب حكم موكدا كى
گرون مروژول، انتھی.
[٢٣٣٤] جه: ٤٢٣٢، حم: ١٣٣/٣، تحفة: ١٠٧٩.
(١) زاد في نسخة: ((ابن المبارك)).
٥٨٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ: ((وَثَمَّ أَمَلُهُ وَثَمَّ أَمَلُهُ)).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِوَلَهُ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصَّا لَنَا،
فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟) فَقُلْنَا: قَدْ وَهِيَ فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «مَا أَرَى الأَمْرَ إِلَّا
أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَأَبُو السَّفَرِ سَعِيدُ بْنُ يُحْمِدَ، وَيُقَالُ: ابْنُ أَحْمَدَ الثَّوْرِيُّ.
إشارة[١] مركبة، فيكون الرقبة كأنها إنسان، واليد القابضة عليها أجله، وعلى هذا
فتخصيص الرقبة بالقبض دون سائر جسده مع أن الإنسانية غير مختصة بشيء من
أجزائه لما لها من مزيد ومزية إليه بالنسبة إلى سائر الأجزاء، فإن القابض على الرقبة
لا يكاد ينفلت منه المقبوض، بخلاف القابض بغيرها من الآراب، ولأن الرقبة يعبر
بها عن الجمیع، إلى غير ذلك من الوجوه.
قوله: (بسطها) أي: مد يده، والمد إما في جانب أمامه، ويمكن أن يكون
النبي ◌َّي مد يده فوق رأسه إلى جهة السماء.
[١] قال القاري(١): قال الطيبي ممتازاً عن سائر الشراح: قوله: ((ووضع يده)) الواو للحال، وفي
قوله: ((وهذا أجله)) للجمع مطلقاً، فالمشار إليه أيضاً مركب، فوضع اليد على القفا معناه: أن
هذا الإنسان الذي يتبعه أجله هو المشار إليه، وبسط اليد عبارة عن مدها إلى قدام، انتهى.
[٢٣٣٥]د: ٥٢٣٥، جه: ٤١٦، حم: ٢/ ١٦١، تحفة: ٨٦٥٠.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٦١/٩).
٥٨٩
أنْوَاب الزُّهْد
١٩ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ فِتْنَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي الْمَالِ
٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا الحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ كَعْبٍ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ أَمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ
أُمَّتِي الْمَالُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَّةَ بْنِ
صَالِچٍ.
٢٠ - بَابُ مَا جَاءَ لَوْ كَانَ لإِبْنِ آدَمَ وَادِيَانٍ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِئًا
٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي زِيَادٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ،
نَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَالَ: (لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًّا مِنْ ذَهَبٍ لأَحَبَّ أَنْ يَڪُونَ لَهُ ثَانِيًا (١)،
٢٠ - باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان[١] من مال لابتغى ثالثًا
إنما وضع الترجمة بهذا اللفظ مع أن الحديث المذكور فيه ذكر الواديين
[١] هكذا في النسخة المصرية، وما أفاده الشيخ من توجيه الترجمة لا يحتاج فيه إلى ما قاله =
[٢٣٣٦] حم: ٤ /١٦٠، تحفة: ١١٠٢٩.
[٢٣٣٧] خ: ٦٤٣٩، م: ١٠٤٨، حم: ١٦٨/٣، تحفة: ١٥٠٨.
(١) في هامش (م): كذا وقع في أصل الكروخي، والصواب: واد وثان، وفي رواية السبخي عن
المحبوبي: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالثًا)). وفي نسخة: «لو أن
لابن آدم واديًا لأحب أن یکون له ثالثًا».
٥٩٠
الكَوَّكَبُ الدُّرِّي
وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللّه عَلَى مَنْ تَابَ))(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي
وَاقِدٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
إشارة إلى أن المذكور في الحديث ليس المراد به الحصر على ما ذكر، بل المراد
به أنه لو كان له واد لابتغى ثانياً، ولو كان اثنان لابتغى ثالثاً، وهلم جرًّا إلى ما تشاء.
= المحشي، ولفظه: هكذا في أصل الكروخي والصواب: واد وثان، انتهى. ويحتمل أن
يكون المصنف أشار بالترجمة إلى اختلاف الروايات في ذلك، ففي ((المشكاة)) برواية =
(١) قال النووي (١٣٩/٧): معناه أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه
من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا،
ويؤيده قوله: ((ويتوب الله على من تاب))، وهو متعلق بما قبله، ومعناه أن الله يقبل التوبة
من الحرص المذموم وغيره من المذمومات. قال الطيبي (٣٣٢٢/١٠): ويمكن أن يقال:
معناه إن بني آدم كلهم مجبولون على حب المال والسعي في طلبه، وأن لا يشبع منه إلا
من عصمه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ما هم، فوضع ((ويتوب الله
على من تاب)) موضعه إشعارًا بأن هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب،
وأن إزالتها ممكنة، ولكن بتوفيق الله وتسديده، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ،
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، أضاف الشح إلى النفس دلالة على أنها غريزة
فيها، وبيّن إزالتها بقوله: ﴿يُوقَ﴾ ورتب عليه قوله: ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وهنا
نكتة دقيقة: فإن في ذكر بني آدم تلويحًا إلى أنه مخلوق من التراب، ومن طبيعته القبض
واليبس، فيمكن إزالته بأن يمطر الله سبحانه وتعالى عليه السحائب من غمائم توفيقه، فيثمر
حينئذ الخلال الزكية والخصال المرضية: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُكَ
لَا يَخْرُإِلَّ نَکدًا ﴾ [الأعراف: ٥٨]، فمن لم یتدار كه التوفيق وتر که حرصه، لم يزدد إلا حرصًا
وتهالگًا على جمع المال، انتهى.
٥٩١
أبواب الزّهْد
٢١ - بَابُ مَا جَاءَ قَلْبُ الشَّيْخِ شَابُّ عَلَى حُبِّ الْنَتَيْنِ
٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ
حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ
عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الْحَيَاةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلَى العُمُرِ
وَالحِرْصُ عَلَى الْمَالِ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
[٢١ - بَابُ مَا جَاءَ قَلْبُ الشَّيْخِ شَابُّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ]
قوله: (يهرم ابن آدم) ويضعف منه كل قوة وشهوة سوى هذين، وهذا أكثري.
= الشيخين(١) عن ابن عباس عن النبي وَالله قال: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى
ثالثاً))، الحدیث.
قال القاري(٢): وفي (الجامع)): «لو كان لابن آدم واد من مال لابتغی إلیه ثانياً، ولو كان له
واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)) رواه =
[٢٣٣٨] خ: ٦٤٢٠، م: ١٠٤٦، جه: ١٠٦٩، حم: ٣٧٩/٢، تحفة: ١٢٨٦٩.
[٢٣٣٩] خ: ٦٤٢١، م: ١٠٤٧، جه: ٤٢٣٤، ١١٥/٣، تحفة: ١٤٣٤.
(١) ((صحيح البخاري)) (٦٤٣٦)، ((صحيح مسلم)) (١٠٤٩).
(٢) («مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٤٥٧).
٥٩٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا
٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا
عَمْرُوبْنُ وَاقِدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الخَوْلَانِيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍ،
عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: ((الزَّهَادَةُ(١) فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الحَلَاَلِ وَلاَ إِضَاعَةٍ
الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِمَّا فِي
يَدِ اللهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِى ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أَصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ
مُ
أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ)).
٢٢ - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا
قوله: (وأن تكون في ثواب المصيبة إذا) إلخ، المراد بالمصيبة هاهنا ما
يصيب الجسم من الآلام والأسقام.
قوله: (لو أنها أبقيت لك) داخل في المفضل،
= أحمد والشيخان والترمذي عن أنس، وأحمد والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن
ابن الزبير، والنسائي عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، إلى آخر ما قاله، وهذا التوجيه
مؤيد لتوجيه الشیخ أن الحصر ليس بمراد.
[٢٣٤٠] جه: ٤١٠٠، تحفة: ١١٩٣٥.
(١) قال في ((اللمعات)) (٥١٤/٨): قالوا: الزهد في الدنيا هو عدم الرغبة فيها، والخروج عن
متاعها وشهواتها ومالها وجاهها، فأشار مثل أنه لا يتم مقام الزهد بهذا؛ لأن غايته ترك
اللذات والأموال، وإسقاطها وإخراجها عن اليد؛ لأنه في الحقيقة تحريم الحلال وإضاعة
المال، قال: هذا تنقيصاً له وحطًّا لرتبته. وقوله: ((ولكن الزهادة في الدنيا)) إلخ، يشير إلى
أن مقام الزهد إنما يتحقق بالتوكل على الله والثقة به والاعتماد عليه وعلى ما عنده بالصبر
على المصائب رغبة في ثواب الآخرة، انتهى.
٥٩٣
أْوَاب الزُّهْد -
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ
اسْمُهُ: عَائِذُ الله بْنُ عَبْدِ الله، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ مُنْكَرُ الحَدِيثِ.
والمفضل[١] محذوف، وتقدير العبارة كونك راغباً في ثواب المصيبة لو أبقيت
لك أزيد من رفعها، أي: إن المصيبة لا تبقى بل ترتفع، لكنها لو أبقيت فإنك لا
ترغب فيه أزيد من رغبتك فيها، هذا ما قاله الأستاذ - أدام الله ظله وأفاض علينا
كثره[٢] وقله -، وهو حق لا غبار عليه، ولعله المحصور فيه الحق والصواب،
ولا يبعد أن (٣) في توجيه العبارة: أن المراد بالمصيبة هاهنا ما يصيب من نقص
في الأموال، والمفضل عليه محذوف، لكن جملة ((لو أنها أبقيت لك)) داخلة
في المفضل عليه، والمعنى كونك أرغب في ذهاب الشيء الذي أصبت بفقدها
من كونها لو أنها أبقيت لك ولم تذهب، وإطلاق المصيبة على الشيء المفقود
المصاب به غير قليل، فقد ورد في الحديث: ((اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف
لي خيراً منها))، فقد سأل خيراً من المصيبة، وهاهنا لا يصح من المصيبة إلا المعنى
الأخير، وعلى هذا فالحديث بيان لنعمتي الصبر والشكر، وموافق لما ورد من أن
لا يفرح بموجود كما في الجملة الأولى، ولا يساء بمفقود كما في الجملة الثانية،
والله أعلم بالصواب.
[١] هكذا في المنقول عنه، والظاهر فيه سقوط من الناسخ، والصواب المفضل عليه.
[٢] الكثر بالكسر والضم: الكثير، وضده القل بالكسر والضم.
[٣] وكلا التوجيهين أحسن مما قال القاري(١): ((وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها))
بصيغة المجهول ((أرغب فيها)) أي: في حصول المصيبة ((لو أنها)) أي: لو فرض أن تلك
المصيبة ((أبقيت لك)) أي: منعت لأجلك وأخرت عنك، فوضع أبقيت موضع لم تصب،
وجواب لو ما دل عليه ما قبلها، وخلاصته أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها =
(١) (مرقاة المفاتيح)) (٤٨٨/٩).
٥٩٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٣٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، نَا
حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: ثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَيْسَ لِإِبْنِ آدَمَ حَقُّ فِي سِوَى هَذِهِ
الخِصَالِ، بَيْتُ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبُ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ(١) الخُبْزِ وَالمَاءِ).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ حُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ، وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ
سُلَيْمَانَ بْنَ سَلْمِ البَلْخِيَّ يَقُولُ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حِلْفُ الخُبْزِ يَعْنِي
لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ.
٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيّ ◌ََّ وَهُوَ يَقُولُ: ((﴿أَلَهَنَّكُمُ
التَّكَاثُرٌ﴾)) [التكاثر: ١] قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ ....
قوله: (وهو يقول: ألهاكم) إلخ، أي: حين(١) وصلت إلى مجلسه قَ ال
ألفيته ◌َ لّ يفسر قوله تعالى: ﴿أَلْهَنْكُمُ اَلْتَّكَاثُرُ﴾
= أكثر من رغبتك في عدمها، انتهى. ففي هذا التوجيه غير معنى أبقيت بخلاف توجيهي
الشیخین، انتھی.
[١] ولفظ مسلم بسنده عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي ◌َّ وهو يقرأ ﴿أَلَهَنَّكُمُ اَلْتَّكَاثُرُ﴾،
الحدیث.
[٢٣٤١] حم: ١/ ٦٢، تحفة: ٩٧٩٠.
[٢٣٤٢] م: ٢٩٥٨، ن: ٣٦١٣، حم: ٤ /٢٤، تحفة: ٥٣٤٦.
(١) في ((المجمع)) (٣٧٦/١): ((الجلف)) الخبز وحده لا أدم معه، وقيل: الخبز الغليظ اليابس،
ويروي بفتح لام جمع جلفة الكسرة من الخبزة، وقيل: الجلف هنا الظرف، أي: لابد له من
ظرف يضع فيه الخبز والماء، انتهى مختصرًا.
٥٩٥
أبواب الزُّهْد
إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا شَدَّادُ
ابْنُ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَمَامَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ
٥
إِنْ تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَاً
بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الَيَدِ السُّفْلَى)).
أي: طلب [١] الكثرة على الآخر، سواء كان في القول بأن يقول: كل مالي أكثر من
مالك، ورجالي أكثر من رجالك، إلى غير ذلك، أو في الفعل بأن يطلب كل كثرة
على الآخر في ماله وخيله وجماله.
قوله: (فأمضيت) فيه إشارة(٢) إلى أنه ينبغي أن يكثر الإنفاق؛ لأنه إبقاء إلى
غير ذلك الموضع، فيوجد باقياً، وقوله: ((أفنيت وأبليت)) إشارتان إلى أن الواجب
أو الذي ينبغي أن يداوم عليه ويثابر الاكتفاء من الأكل واللباس على ما لا بد منه،
فإنه لما كان إفناءً وإبلاءً ينبغي أن لا يستكثر منهما، فإنه إضاعة محضة.
[١] قال القاري(١): قوله: ﴿أَلَهَنْكُمُ اَلْتَّكَاثُرُ﴾، أي: أشغلكم طلب كثرة المال، وقوله: مالي
مالي، أي: يغتر بنسبة المال تارة ويفتخر به أخرى، انتهى.
[٢] قال القاري(٢): قوله: فأمضيت، أي: أمضيته من الإفناء والإبلاء، وأبقيته لنفسك يوم الجزاء،
قال تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال عز اسمه: ﴿مَّن ذَا الَّذِى
يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، انتهى.
[٢٣٤٣] م: ١٠٣٦، حم: ٢٦٢/٥، تحفة: ٤٨٧٩.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٥/٩).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٥/٩).
٥٩٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَشَدَادُ بْنُ عَبْدِ الله يُكْنَى أبَا عَمَّارٍ.
... (١).
٢٣٤٤ - حَدَّثَنَا (٢) عَلِىُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ، نَاابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ
شُرَيْجِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيِمِ الجَيْشَانِيّ،
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله
حَقَّ تَوَكَّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَأَبُو تَمِيمِ الجَيْشَانِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ مَالِكٍ.
٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ، نَا أَبُو دَاوُدَ(٣)، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﴿ فَكَانَ
أحَدُهُمَا يَأْتِى النَّبِيَّ ◌َهِ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيّ ◌َ
فَقَالَ: (لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)) (٤).
٢٣٤٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشِ البَغْدَادِيُّ، قَالَا:
[٢٣٤٤] جه: ٤١٦٤، حم: ١/ ٣٠، تحفة: ١٠٥٨٦.
[٢٣٤٥] ك: ٣٢٠، تحفة: ٣٧٩.
[٢٣٤٦] جه: ٤١٤١، تحفة: ٩٧٣٩.
(١) زاد في بعض النسخ: «بَابٌ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى الله)).
(٢) في نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) زاد في نسخة: ((الطيالسي)).
(٤) زاد في بعض النسخ: ((هذا حديث حسن صحيح))، وفي بعضها: ((هذا حديث حسن صحيح
غریب)).
٥٩٧
أنْوَابُ الزُّهْد -
نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي ثُمَيْلَةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ
ابْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ مِحْصَنِ الخَطْمِيّ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةُ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وََّ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافَى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ
قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةً.
قَوْلُهُ: ((حِيزَتْ)): يَعْنِي جُمِعَتْ(١).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا الحُمَيْدِيُّ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، نَحْوَهُ.
٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الكَفَافِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ
٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
قوله: (فكأنما حيزت[١] له الدنيا) أي: كأنه سلطان، فإن المستفاد بجمع
الدنيا ليس إلا هذه الثلاث.
[٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِى الكَفَافِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ]
[١] قال القاري(٢): من الحيازة وهي الجمع والضم، وقال في أوله: قوله: ((سربه))، المشهور
كسر السين أي: في نفسه، وقيل: السرب الجماعة، فالمعنى في أهله وعياله، وقيل: بفتح
السين أي: في مسلكه وطريقه، وقيل: بفتحتين أي: في بيته، انتهى.
[٢٣٤٧] جه: ٤١١٧، حم: ٢٥٢/٥، تحفة: ٤٩٠٨.
(١) قوله: ((حيزت يعني جمعت) سقط في نسخة.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٨٧/٩).
٥٩٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ:((إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنُ خَفِيفُ
الْحَاذِ، ذُو حَظٍ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ
غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ))،
ثُمَّ نَقَرَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: ((عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ ثُرَاتُهُ)).
قوله: (ثم نقر بيديه)[١] أي: صفق بهما وضرب بإحداهما على الأخرى
كما يفعل في التعجيل للشيء، وبيان عجيب في ديارنا أيضاً، والمراد بذلك أنه لما
مرض وقارب الموت لم يسأله أحد لقلة المبالاة به،.
[١] هكذا في النسخ الهندية، وما فسر به الشيخ محتمل اللفظ، وفي النسخة المصرية: ((ثم
نفض بيده))، وفي ((المشكاة))(١) برواية أحمد والترمذي وابن ماجه: ((ثم نقد بيده))، قال
صاحب ((المجمع))(٢): بالدال من نقدته بأصبعي واحداً بعد واحد، وهو كالنقر بالراء،
ويروى به أيضاً، والمراد ضرب الأنملة على الأنملة أو على الأرض كالمتقلل للشيء،
أي: يقلل عمره وعدد بواكيه، ومبلغ تراثه، وقيل: هو فعل المتعجب من الشيء، انتهى.
وقال القاري(٣): نقد بالنون والقاف والدال المهملة المفتوحات أي: نقد النبي ◌َّ بيده،
بأن ضرب إحدى أنملتيه على الأخرى حتى سمع منه صوت، وفي ((النهاية)) (٤): هو من نقد
الدراهم، ونقد الطائر الحب، إذا لقطه واحداً بعد واحد، وهو مثل النقر، ويروى بالراء وهو
كذا في نسخة، أي: صوت بأصبعه، وفي رواية - وهي الظاهرة من جهة المعنى جدًّا -: ثم
نفض یده، انتھی.
ثم ذكر شيخ مشايخنا الشاه عبد الغني في ((الإنجاح))(٥): أن هذه الفرقة تسمى الملامتية، =
(١) ((مشكاة المصابيح)) (٥١٨٩).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٨٩).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٨٤/٩).
(٤) ((النهاية)) (١٠٤/٥).
(٥) (الإنجاح)) (ص: ٣٠٣).
أَبْوَابَ الزَّهْد
٥٩٩
وإنما[١] اشتهر موته، وذلك سبب لعجلة منيته في أسماع الناس وآرائهم، وإلا فقد
مات بعد معاناة الأمراض والأسقام، ومقاساة الشهور والأعوام، والغرض بهذا
التصفيق أنه لم يخبر به الناس في مرضه حتى يعاد، وذلك لما أنه لم يك عندهم
بحیث یعودوه.
= ورئيسهم الصديق الأكبر، فإنه لم ينقل عنه ما نقل عن غيره من الصحابة والتابعين وغيرهم
من العبادات الكثيرة الشاقة، ومع ذلك ورد في حقه: «لو وزن إيمان أمتي مع إيمان أبي بكر
رجح إيمان أبي بكر))، وحقق ذلك الشيخ محي الدين بن عربي، وتبعه الشيخ عبد الوهاب
الشعراني في ((اليواقيت))، وإنما يسمون بالملامتية لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم،
لعدم التفاتهم إلى المخلوق لا لما اشتهر بين الناس أنهم يتهاونون في بعض أمور الشرع،
حاشاهم عن ذلك، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولا يخفى أن مثل هذا
الرجل يلام في العوام، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية [الفرقان: ٧]، ثم
لا يخفى أن هذه الصفات التي ذكرت في الحديث من كونه خفيف الحاذ، وقلة الرزق،
والغموض في الناس، والحظ في الصلاة، وتعجيل المنية، وقلة التراث، كانت في الصديق
الأكبر على وجه الكمال، فإنه لم يفتح في زمنه فتوحات، ولم يعش بعد النبي مَّ إلا سنتين
وأشهراً، وحظه في الصلاة بحيث لا يلتفت إلى غيرها مشهور في الأحاديث الصحاح،
والغموض في الناس على حرفة البزازين، وقلة بواكيه لقلة العيال مما لا يخفى على
المتأمل، انتهى.
[١] غرض الشيخ بهذا الكلام الإشارة إلى أن قوله {وَ لـ: ((عجلت منيته)) ليس باعتبار موته
وخروج روحه، بل باعتبار سماع الناس خبر موته، فإنهم لم يخبروا بمرضه بل بموته دفعة
واحدة، وإنما احتاج إلى ذلك لأن الظاهر من اعتبار حاله من خفة الحاذ، وقلة المال،
وقلة الأعوان، والبر على ما ابتلي به من الشدة، وكفاف الرزق، أن لا يداوى بالأدوية، ولا
يعان بالأطباء، فالظاهر من هذه الأحوال ابتلاؤه بشدة المرض أيضاً، واختلفت الشراح في
معنى عجلة المنية، فقيل: لم يلبث إلا قليلاً فإشارة إلى قصر عمره كما حكاه القاري عن =
٦٠٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيّ ◌ِلَّهِ قَالَ: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ
مَكَّةَ ذَهَبًا، قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًّا أَوْ قَالَ: ثَلَاثًا أَوْنَحْوَ
هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ)).
وَفِي البَابِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
وَالقَاسِمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ شَامِيُّ ثِقَةٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ
يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ.
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ،
نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيّ،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللهِ لَه قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ
كَفَافًا وَقَنَّعَهُ الله)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ
الْمُقْرِئُ، ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ، أَخْبَرَنِي أَبُوهَانِئِ الخَوْلَانِيُّ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو
= التوربشتي، وقيل: يسلم روحه سريعاً لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى المولى، كما مال
إليه القاري(١)، وحكى عن الأشرف أنه قليل مؤن الممات كما أنه قليل مؤن الحياة، انتهى.
[٢٣٤٨] م: ١٠٥٤، جه: ٤١٣٨، حم: ١٦٨/٢، تحفة: ٨٨٤٨.
[٢٣٤٩] حم: ١٩/٦، تحفة: ١١٠٣٣.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٨٤/٩).