النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
أبْوَاب الزُّهْد -
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ.
في الدنيا والآخرة(١] يكون كفارة لخطاياه، وعلى هذا فما بعد القبر يكون أيسر منه
له لتقليل ما في خطاياه بعذاب القبر، والجواب(٢) أنه حكم الكافر، أي: إن لم ينج
= يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة
يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه))، وبرواية الصحيحين(١) أيضاً، عن ابن مسعود مرفوعاً:
((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله تعالى بها سيئاته كما تحط الشجرة
ورقها)»، وغير ذلك من النصوص الكثيرة في الباب.
[١] أورد عليه بعض مشايخ الدرس أن ما يصيب في الآخرة لا يكون كفارة، ويؤيده ما حكى
الحافظ عن عمر بن عبد العزيز قال(٢): ما أحب أن يهوّن عليَّ سكرات الموت، إنه لآخر ما
یکفر به عن المؤمن، انتهى. لكن سيأتي عن كلام القاري تحت قوله: «فما بعده أیسر منه))؛
لأنه لو كان عليه ذنب لكُفِّر بعذاب القبر، وحكى الحافظ(٣): قال الحميدي في ((كتاب
الموازنة)): الناس ثلاثة: من رجحت حسناته على سيئاته، أو بالعكس، أو من تساوت
حسناته وسيئاته، فالأول فائز بنص القرآن، والثاني يقتضي منه بما فَضُلَ من معاصيه على
حسناته من النفخة إلى آخر من يخرج من النار، إلى آخره.
وفي (لوائح الأنوار الإلهية)) (٤): قال بعضهم: من فعل سيئة فإن عقوبتها تدفع عنه بأحد
عشرة أسباب: أن يتوب فيتاب عليه، أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات فتمحوها فإن
الحسنات يذهبن السيئات، أو يبتلى في الدنيا بمصائب فيكفّر عنه، أو في البرزخ بالضغطة
والفتنة فيكفر عنه، أو يبتلى في عرصات القيامة بأهوال تكفر عنه، أو تدركه شفاعة نبيه ێ،
إلى آخر ما بسط.
[٢] حاصل ما أفاده الشیخ جوابان: الأول جواب شيخه، والثاني الذي لم يرض عنه شيخه، =
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٦٦٠) و((صحيح مسلم)) (٢٥٧١).
(٢) ((فتح الباري)) (١١ / ٣٦٥).
(٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٣٩٧).
(٤) انظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (١٧/٢).

٥٦٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
بأن كان كافراً فما بعده أشد منه، وأما المؤمن فلا يعذّب، وإنما يكون ما يرد عليه
إصلاحاً له [١]، قلت: يمكن أن يكون معناه أن العذاب المقدر للمؤمن العاصي كان
= وتقريرهما ظاهر، واختلف السلف أيضاً في الجوابين، فمال ابن حجر إلى الجواب الأول،
ولم يرض عنه القاري(١) ومال إلى الجواب الثاني، ونص عبارته: (إن القبر أول منزل من
[منازل] الآخرة)، ومنها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها
المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار، وفي بعض الروايات: ((وآخر منزل من منازل
الدنيا)»، ولذا يسمى البرزخ، (فإن نجا منه) أي: خلص المقبور من عذاب القبر (فما بعده)
من المنازل (أيسر منه) وأسهل، لأنه لو كان عليه ذنب لكفر بعذاب القبر، (وإن لم ينج منه)
أي: لم يتخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه به، وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب
به (فما بعده أشد منه) لأن النار أشد العذاب، والقبر حفرة من حفر النيران، وقال ابن حجر:
(فما بعده أيسر) لتحقق إيمانه المنقذ له من أليم العذاب، (وما بعده أشد) لتحقق كفره
الموجب لتوالي الشدائد، وفیه بحث ظاهر، انتهى.
وأنت خبير بأن مقتضى القواعد هو الجواب الثاني؛ لأن القبر حفرة من حفرات النار،
وبعد القبر لا يكون إلا النار، فمن لم ينج من الأول لا بد أن يقع في الثاني، وهو الأشد،
قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اُلْعَذَابِ ﴾ [غافر: ٤٦] لكن مقتضى الروايات التي وردت في عذاب القبر هو الجواب
الأول؛ لأن الروايات بأسرها متناولة للفريقين: المؤمن كامل الإيمان والكافر، وأما الفساق
فالروايات بأسرها ساكتة عنهم، فمقتضاها أن يكون في حديث عثمان أيضاً ذكر الفريقين،
إذا لم ينج فهو كافر، وإن نجا فهو مؤمن كامل الإيمان، ويؤيد هذا الجواب أيضاً ما في
((جمع الفوائد)) من زيادة رزين بلفظ: قال هانئ: وسمعت عثمان ينشد على قبر:
فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجيا
[١] أي: تطهيراً لهم كما هو معروف عند أهل الفن، صرح بذلك جمع من أهل التفسير في =
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٦/١).

٥٦٣
أبوابُ الزُّهْد
٤ - بَابُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ
٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَّا يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ
لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَّيِي مُوسَى، وَأَنَسِ.
حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثُ صَحِيحٌ.
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِنْذَارِ النَّبِيّ ◌ََّ قَوْمَهُ
٢٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ
على قدر من الله تعالى، ثم إذا عذّب في القبر يقلّ من ذلك المقدار المعين شيء ما لا
محالة، ولا يلزم بذلك أن يكون ما بعد القبر أيسر منه؛ لأن حقيقة العذاب لما كانت
هي في جهنم لا غير، وما في القبر ظل منه ومستفاد، لا يبعد أن يكون العذاب الذي
بعد القبر أشد من عذاب القبر للمؤمن والكافر كليهما، ولا ينافي هذا تخفيف العذاب
عن جنايات المؤمن وخطيئاته، لكن الأستاذ أدام الله إفاضته لم يرض بهذا الجواب.
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِنْذَارِ النَّبِيّ ◌َِّّ قَوْمَهُ
= مواضع من كتبهم، قال الصاوي(١) تحت قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]
أي: ذو هوان وذل، ولا يوصف بذلك إلا عذاب الكافرين، وأما ما يقع للعصاة في الدنيا من
المصائب، وفي الآخرة من دخول النار فھو تطهير لهم، انتهى.
[٢٣٠٩] تقدم تخريجه في: ١٠٦٦.
[٢٣١٠] م: ٢٠٥، ن: ٣٦٤٨، حم: ١٣٦/٦، تحفة: ١٧٢٣٧.
(١) ((حاشية الصاوي)) (٤٥/١).

٥٦٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الظُّفَاوِيُّ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلّ:
((يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُظَّلِبٍ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنّي
لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ)).
قوله: (يا فاطمة بنت محمد) إلخ، لعله (١) مَلل ذكر بناته الأخر، لكن الراوي
لم يذكر، ويمكن أن يكون[٢] تركها في أصل نداء النبي ◌َ ◌ّ لأنه لما أنذر ابنته فاطمة
وكانت صغرى بناته مَّي، وكانت لم تبلغ بعد، علم حالهن وأنهن منذرات أيضاً،
وإن لم يصرح بهن في النداء، ومناسبة هذا الباب بأبواب الزهد أن أموال الدنيا
وكذلك أقرباء الرجل وأولياؤه لما كانوا لا يغنون من عذاب الله شيئاً حتى النبي وَل
فليس للمرء أن يشتغل إلا بأمر مولاه، ولا ينبغي له أن يهتم إلا بهموم عقباه.
[١] ويؤيد هذا الجواب ما في در السيوطي(١) برواية الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة
قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله بَل بني هاشم
فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت، فذكر حديثاً طويلاً فيه نداء
عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وفاطمة، وأم الزبير، لكن أورد عليه الحافظ في ((الفتح))(٢)
بأن القصة وقعت بمكة للتصريح في الأحاديث بأنه صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة
وأم سلمة عنده إلا بالمدينة، ثم أجاب باحتمال تعدد النزول كما قال بعضهم، وبجواز
أن جمعهم هذا لم يكن على الفور، وبأنه يحتمل أنه نزل أولاً ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾
فجمع قريشاً، فعم وخص، ثم نزل: ((ورهطك منهم المخلصين)) فخص بذلك بني هاشم
ونساءه، انتھی.
[٢] وهذا أوجه في الجواب؛ لأن روايات ندائه ◌َالليل بمكة بأسرها خالية عن ذكر غير فاطمة
وصفية.
(١) ((الدر المنثور)) (٣٢٧/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٠٢/٨).

٥٦٥
أبْوَابُ الزُّهْد
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي مُوسَى.
حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ مِثْلَهُ.
٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ الله
٢٣١١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَبْدِ الله الْمَسْعُودِيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلُ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله
حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ: مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، مَدِينِيٍّ ثِقَةُ، رَوَى عَنْهُ
شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيّ
(لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً))
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا إِسْرَائِيلُ،
[٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيّ
(لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً))]
سيل الله
وست
[٢٣١١] تقدم تخريجه في: ١٦٣٣.
[٢٣١٢] جه: ٤١٩٠، حم: ١٧٣/٥، تحفة: ١١٩٨٦.

٥٦٦
الكَوْكَبُ الْتُّرِّي
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ الله ◌ََّ: ((إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَظَّتِ السَّمَاءُ،
وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَنِظَ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّ وَمَلَكُ وَاضِعُ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا،
قوله: (أطت[١] السماء وحق) إلخ، أي: من خشيته (٢] سبحانه وتعالى، ثم
بَيَّنَ أنه كيف لا يخشى، وقد كثرت الملائكة وازدحمت، وخشيتهم منه سبحانه
معلومة، فكأنه قال: حق لها الخشية لما أن ليس هناك إلا الخيفة والخائفون.
[١] قال القاري(١): بتشديد الطاء من الأطيط، وهو صوت الأقتاب، أي: صوتت، (وحق)
بصيغة المجهول أي: يستحق وينبغي (لها أن تئط) أي: تصوت، ثم بين سببه وهو ما رآه
من الكثرة بقوله: ((والذي نفسي)) إلخ، وقوله: ((موضع أربعة أصابع)) بالرفع على أنه فاعل
للظرف المعتمد على حرف النفي، والمذكور بعد إلا في قوله: ((إلا وملك)) حال، وقوله:
((ساجداً))، أي: منقاداً ليشمل ما قيل: إن بعضهم قيام وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، أو
خص السجود باعتبار الغالب منهم، أو هذا مختص بإحدى السماوات، ثم أربع بغير هاء
في نسخ الترمذي وابن ماجه، ومع الهاء في ((شرح السنة)) وبعض نسخ ((المصابيح))، وسببه
أن الأصبع یذکر ويؤنث، انتھی.
[٢] وقال الطيبي(٢): إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أَطّت، وهذا مثل وإيذان بكثرةٍ
الملائكة، وإن لم يكن ثمة أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى، قال
القاري(٣): ما المحوج عن عدول كلامه ◌ّ من الحقيقة إلى المجاز مع إمكانه عقلًا ونقلًا،
حيث صرح بقوله: ((وأسمع ما لا تسمعون)) مع أنه يحتمل أن يكون أطيط السماء صوتها
بالتسبيح والتحميد والتقديس، ثم قوله: ((ياليتني)) من قول أبي ذر كما رجحه الترمذي،
وهكذا في نسخ ((المشكاة)) برواية أحمد والترمذي وابن ماجه: قال أبو ذر: ياليتني إلخ، =
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٢٩/٩).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣٣٨/١١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٢٩/٩).

٥٦٧
أبواب الزُّهْد
وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ
عَلَى الفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ(١) تَجْأَرُونَ إِلَى الله(٢)، لَوَدِدْتُ أَنِّي
كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ)).
وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةً، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَأَنَسِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ. وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ أَنَّ أَبَا ذَرِّ قَالَ:
(َوَدِدْتُ أَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ)). وَيُروَى عَنْ أَبِي ذَرٍ مَوْقُوفًا.
٢٣١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو حَقْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، نَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَه: (لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ.
٨ - بَابُ مَا جَاءَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ النَّاسَ
= وهكذا حكى القاري عن ابن ماجه، لكن النسخ التي بأيدي من ابن ماجه ليس فيها ((قال
أبو ذر)) بل أدرج في الحديث، قال القاري: وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه، والنبي وَثل
أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالاً هي أوضع مما هو فيه، ثم إنها مما لا تكون، انتهى.
[٢٣١٣] حم: ٢/ ٥٠٢، تحفة: ١٥٠٤٩.
(١) قال في ((اللمعات)) (٥٤٩/٨): جمع صعد بضمتين جمع صعيد بمعنى الطريق، كطريق
وطرق وطرقات، وهو في الأصل معنى التراب أو وجه الأرض، وقيل: جمع صعدة كظلمة
وظلمات، وهو فناء الدار وممر الناس، والمعنى: لخرجتم من بيوتكم إلى فنائها وإلى
الطرقات والصحاري كما هو شأن المحزون الذي ضاق عليه الأمر.
(٢) أي: تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء. ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٥١/٨).

٥٦٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٣١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِسْحَاقَ، ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا (١) يَهْوِي بِهَا
سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ».
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣١٥ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا بَهْزُ بْنُ حَکِیمٍ، ثَنِي
أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((وَيْلُ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ
لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلُ لَهُ وَيْلُ لَهُ))(٢).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
٩ - بَابُ
٢٣١٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ البَغْدَادِيُّ، نَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ
ابْنِ عِيَاثٍ، ثَنِي أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تُوُلِّ رَجُلُ مِنْ
[٩ - باب]
[٢٣١٤] خ: ٦٤٧٧، م: ٢٩٨٨، جه: ٣٩٧، حم: ٢٣٦/٢، تحفة: ١٤٢٨٣.
[٢٣١٥] د: ٤٩٩٠، حم: ٢/٥، تحفة: ١١٣٨١.
[٢٣١٦]ع: ٤٠١٧، هب: ١٠٣٤١، تحفة: ٨٩٣.
(١) أي: لا يحضر لها قلبه ولا يلتفت إلى عاقبتها، ((لمعات التنقيح)) (١٤١/٧).
(٢) قال في ((اللمعات)) (٨/ ١٥٤): فيه أنه إن صدق في الحديث ليضحك به فلا بأس، ومع
ذلك لا ينبغي أن يكون مطمح نظره محض الإضحاك، بل يكون مقصوده الإفادة مع تضمنه
نوعاً من الطيبة وحسن المعاشرة مع الأصحاب، كما يدل عليه قوله مع اليه: ((لا يقولها إلا
ليضحك))؛ فإن المزاح مشروع مسنون، ولكن لا يتخذه حرفة ولا يفرط فيه.

أبواب الزُّهْد
٥٦٩
أَصْحَابِهِ فَقَالَ - يَعْنِي رَجُلاً(١) -: أَبْشِرْ بِالجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((أَوَلاَ
تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أُوْ بَخِلَ بِمَا لَا يَنْقُصُهُ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ.
قوله: (فقال يعني رجلاً) المراد أنه قال للميت رجل: (أبشر بالجنة)،
ووجه [١] رده وَ يه أن البشارة إنما تتحقق إذا لم يخالط الفرح شائبة ترح، ولعله
يحاسب ويناقش على المباحات، فلم تبق صفوته خالية عن الكدر، وقد ورد في
بعض الروايات أنه قال:
[١] قال القاري: قال الغزالي(٢): وفي حديث آخر: أن النبي ◌َّ فقد كعباً فسأل عنه فقالوا:
مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال: ((أبشر يا كعب!)) فقالت أمه: هنيئاً لك
الجنة يا كعب! فقال: ((من هذه المتألية على الله؟)) قال: هي أمي يا رسول الله! قال: ((وما
يدريك يا أم كعب، لعل كعباً قال ما لا يعنيه، أو منع ما لا يغنيه)) ومعناه إنما تتهنأ الجنة لمن
لا يحاسب ولا يعاقب، ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان مباحاً، فلا تتهنأ له
الجنة مع المناقشة في الحساب، فإنه نوع من العذاب، وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن
أنس أيضاً قال: استشهد منا رجل يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع،
فمسحت أمه التراب عن وجهه، وقالت: هنيئاً لك يا بُني الجنة، فقال النبي ◌ِّ: ((ما يدريك
لعله کان یتکلم فیما لا یعنیه، ویمنع ما لا يضره)).
وقال القاري أيضاً في أول الحديث: قوله: ((أو لا تدري)) بفتح الواو على أنها عاطفة على
محذوف، أي: تبشر ولا تدري، أو أتقول هذا ولا تدري ما تقول، أو على أنها للحال، أي:
والحال أنك لا تدري، وفي نسخة بسكونها وهي رواية، فـ((أو)) عاطفة على مقدر أيضاً، أي:
أتدري أنه من أهلها أو لا تدري، والمعنى بأي شيء علمت ذلك، أو کیف دریت، انتھی.
(١) في نسخة: ((رجل)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٨/٩ - ٧٩)، و((إحياء علوم الدين)) (١١٢/٣).

٥٧٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٣١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ التَّيْسَابُورِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا أَبُو
مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَمَاعَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيّ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ
الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مِنْ حُسْنِ
إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّنَّهِ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣١٨ - ثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)).
هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيّ عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيّ ابْنٍ
الْحُسَيْنِ، عَنِ النَّبِيّ وَلَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ(١).
هناك[١] الجنة، وتأويله مثل تأويله، فإن الهني إنما يكون ما لم يمازجه شيء من
الغصص(٢)، إذا حوسب المرء لم يبق كذلك.
[١] كذا في المنقول عنه، والظاهر أنه تحريف من الناسخ، والصواب هنيئاً لك الجنة، كما في
((الدر))(٢) برواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: لما مات عثمان بن مظعون قالت
امرأته أو امرأة: هنيئاً لك الجنة، الحديث.
[٢] هو إشراق الحلق باعتراض شيء فیه حتى يمنعه التنفس.
[٢٣١٧] جه: ٣٩٧٦، تحفة: ١٥٢٣٤.
[٢٣١٨] ط: ١٨٨٣، عب: ٢٠٦١٧، هب: ٤٦٣٢، تحفة: ١٥٢٣٤.
(١) زاد في نسخة: (وَهَذَا عِنْدَنَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ لَمْ
يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب)).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٣٦/٧).

٥٧١
أبواب الزُّهْد
١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِلَّةِ الكَلَامِ
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، ثَنِي أبِي، عَنْ
جَدِّي، قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ الْمُزَنِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ وَلَه يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَّه يَقُولُ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلِّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله
مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ،
وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ،
فَيَكْتُبُ الله عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ)).
١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِلَّةِ الكَلَامِ
قوله: (ما يظن(١) أن تبلغ ما بلغت) يعني أن التكلم بالكلمات
[١] ولفظ المشكاة عن ((شرح السنة))(١): ((ليتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها))، قال
القاري(٢): أي: ما يعلم الرجل قدر تلك الكلمة ومرتبتها عند الله، والجملة حال، أي:
والحال أنه يظن أنها يسيرة قليلة، وهي عند الله عظيمة جليلة، قال ابن عيينة: هي الكلمة
عند السلطان، فالأولى ليردّه بها عن ظلم، والثانية ليجرّه بها إلى ظلم، وقال ابن عبد البر:
لا أعلم خلافاً في تفسيرها بذلك.
قال الطيبي(٣): فإن قلت: ما معنى قوله: ((يكتب الله بها رضوانه))، وما فائدة التوقيت إلى
يوم يلقاه؟ قلت: معنى كتب رضوان الله توفيقه لما يرضى الله تعالى من الطاعات والمسارعة
إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميداً، وفي البرزخ يصان من عذاب القبر، ويفسح له قبره،
ويقال له: نم كنومة العروس، ويحشر يوم القيامة سعيداً، ويظله الله في ظله، ثم يلقى بعد =
[٢٣١٩] جه: ٣٩٦٩، حم: ٤٦٩/٣، تحفة: ٢٠٢٨.
(١) ((شرح السنة)) (٤١٢٥).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٠/٩).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٣١٢١/١٠).

٥٧٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةً.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَ هَذَا، وَقَالُوا: عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الحَارِثِ. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ
أَنَسِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الحَارِثِ،
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى الله
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أبِي حَازِمٍ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِمَّهِ: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله
جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الموجبة للرحمة والرضوان لا يتوقف ثوابه على علمه [١]، غاية الأمر أن مثوبته تزيد
بعمله ناوياً للثواب، وكذلك الفعلة القبيحة لا يتوقف وزرها على علمه بها وقصده
ذلك، وإنما الموقوف عليه المزید.
١١ - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله
قوله: (لو كانت الدنيا) إلخ، الدنيا هي الغفلة من ذكره سبحانه، ومعنى
= ذلك من الكرامة في الجنة، ثم يفوز بلقاء الله ما كل ذلك دونه، وفي عكسه قوله: («يكتب الله
بها علیه سخطه»، انتھی.
[١] لما ورد من قوله {وَالير: ((إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى))، وما في معناه من
الروايات الكثيرة كقوله وَ ئية: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً)).
[٢٣٢٠] جه: ٤١١٠، تحفة: ٤٦٩٩.

٥٧٣
أبواب الزُّهْد
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣٢١ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُجَالِدٍ،
عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنٍ شَدَّادٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ
وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ الله ◌ِّهَ عَلَى السَّخْلَةِ(١) الْمَيِّتَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ: «أَتَرَوْنَ
هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا؟))، قَالُوا: مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: ((الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا)).
الحديث أن أمتعة الدنيا لما كانت أسباب الغفلة زيدت للكفرة، ولو كانت الغفلة
عند الله تزن[١] جناح بعوضة وهي الصغيرة من هذا النوع لما أعطى الكفار منها شيئاً.
قوله: (السخلة) ووجه ذلك أنها لصغرها لا تفيد من حيث شعرها ولا
جلدها ولا غير ذلك، فظاهر هوانها.
[١] قال القاري(٢): هو مثل للقلة والحقارة، والمعنى لو كان لها أدنى قدر ما سقى كافراً من مياه
الدنیا شربة ماء، أي: یمنع الكافر منها أدنی تمتع، فمن حقارتها عنده لا يعطيها لأوليائه، كما
أشار إليه في حديث: ((إن الله يحمي عبده المؤمن عن الدنيا كما يحمي أحدكم المريض عن
الماء))، وحديث ((ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت خيرة له))، ومن كلام الصوفية: من العصمة
أن لا يقدر، ومن دناءتها لديه أن يكثرها على الكفار والفجار. قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ
النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
الآية [الزخرف: ٣٣]، وقال ◌َّيّ لعمر: ((أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة))، انتهى.
ولا يذهب عليك أن الشيخ فسر الدنيا بالغفلة، وعامتهم يفسرونها بالأموال والأمتعة، ولا =
[٢٣٢١] جه: ٤١١١، حم: ٢٢٩/٤، تحفة: ١١٢٥٨.
(١) قال القاضي في ((مشارق الأنوار)) (٢١٠/٢): هِيَ الصَّغِيرَة من ولد الضَّأْن حِين يُولد ذكراً
أَوَ أُنْثَى، والجميع سخل.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٧٤/٩).

٥٧٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ حَدِيثُ حَسَنُّ.
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ الْمُؤَدِّبُ، نَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، نَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ ضَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لَ يَقُولُ:
((إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونَ مَا فِيهَا إِلَّ ذِكْرُ الله وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمُ أَوْ مُتَعَلِّمُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
قوله: (إن الدنيا ملعونة) المراد بذلك هاهنا هي الدار الدنيا، فالاستثناء بعد
ذلك متصل، وإن أريد[١] بذلك الغفلة فالاستثناء منقطع.
وقوله: (ملعون ما فيها) هذا محتمل للمعنيين كما قبله.
وقوله: (إلا ذكر الله وما والاه) أي: والذي والاه الله تعالى.
= منافاة بينهما، فإن أصل الدنيا الغفلة، لكن هذه الأشياء سبب لها وموجدها، وقلما يسلم
الرجل بعد هذه عن الغفلة، حفظنا الله تعالى عنها، ثم قال الراغب: البعوض بني لفظه من
بعض، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات.
[١] كما قال الشيخ:
چیست دنیا از خدا غافل بودن ے قماش ونقره وفرزند وزن
وعلى هذا فمعنى قوله: ((ملعون ما فيها» هي الأفعال الصادرة في هذه الحالة، وعلى هذا
فاستثناء الذكر بمقتضى ما جزم به شيخ مشايخنا، قطب وقته، مصدر هذا التقرير، أن ذكر الله
تعالى بقلب غافل أيضاً لا يخلو عن تأثير في القلب.
[٢٣٢٢] جه: ٤١١٢، تحفة: ١٣٥٨٢.

٥٧٥
أبواب الزُّهْد
٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِیلُ بْنُ
أَبِي خَالِدٍ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا أَخَا بَنِي فِهْرٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ: ((مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ
إِصْبَعَهُ فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجِعُ)).
أي: أحبه(١)، أو المعنى والذي يكون سبب ذكر الله واتبعه، فيدخل في ذلك أسباب
الذكر كالمناكح والمعايش والعلوم الأدبية وغيرها مما يحتاج إليه في ذكره سبحانه.
قوله: (ما الدنيا في الآخرة) أي: عمر الدنيا[١] من حين وجدت إلى وقت
إفنائها إذا قوبلت بعمر الآخرة، أو ما نعيم الدنيا من حين أخرجت إلى حين تفنى
في جنب نعيم الآخرة ونعمها.
[١] قال القاري(١): أي: أحبه الله تعالى من أعمال البر وأفعال القرب، أو المعنى ما والى ذكر الله،
أي: قاربه من ذكر خير، أو تابعه من اتّباع أمره ونهيه، وقال المظهر: أي ما يحبه الله في الدنيا،
والموالاة المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد وهو المراد هاهنا، وقال الأشرف: هو من
الموالاة وهي المتابعة، وقال الطيبي(٢): كان من حق الظاهر أن يكتفى بقوله: وما والاه،
لاحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع، ثم بينه في المرتبة الثانية
بقوله: والعلم، تخصيصاً بعد التعميم دلالة على فضله، فعدل إلى قوله: عالم أو متعلم،
تفخيماً لشأنهما صريحاً، ولينبه على أن المعنى بالعالم والمتعلم العلماء بالله الجامعون بين
العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن تعلم علم الفضول
وما لا يتعلق بالدين، انتهى.
[١] قال القاري(٣): أي ما مثل الدنيا من نعيمها وزمانها في جنب الآخرة بمقابلة نعيمها وأيامها =
[٢٣٢٣]م: ٢٨٥٨، جه: ٤١٠٨، حم: ٢٢٨/٤، تحفة: ١١٢٥٥.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٧٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣٢٨٥/١٠).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٠/٩).

٥٧٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
١٢ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الگَافِرِ
٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ:((الدُّنْيَا سِجْنُ
الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ))(١).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
(إلا مثل) بكسر الميم وسكون المثلثة، (ما يجعل) ما مصدرية أي: مثل جعل أحدكم، (في
=
اليم) أي: مغموساً في البحر المفسر بالماء الكثير (فلينظر) أي: فليتأمل، يعني أن منح الدنيا
ومحنها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال، فلا ينبغي لأحد أن =
[٢٣٢٤] م: ٢٩٥٦، جه: ٤١١٣، حم: ٣٢٣/٢، تحفة: ١٤٠٥٢.
(١) قوله: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) أما سجن المؤمن فلما يصيبه فيها من البلايا
والمحن والآلام، وجنة الكافر لتنعمه وتمتعه فيها بالشهوات واللذات، أو لأنها ضيقة على
المؤمن يريد الخروج منها دائماً إلى فضاء القدس وقرب رب العالمين، والكافر يتمنى
الخلود فيها لركونه إليها وانهماكه في الشهوات، وقد يشتبه هذا بالمؤمن الغني المتنعم
والكافر الفقيه المبتلى فيقال: إن الدنيا للمؤمن كالسجن في جنب ما أعدّ له من الثواب وإن
كان له فيها تنعم، وللكافر كالجنة في جنب ما أعدّ له من العقاب، وإن كان له محنة وشدة.
كذا في ((اللمعات)) (٣٩٦/٨). قال النووي: (٩٣/١٨): معناه أن كل مؤمن مسجون
ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا
مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعدّ الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة
من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات،
فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد، انتهى.

٥٧٧
أبواب الزّهْد
١٣ - بَابُ مَا جَاءَ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ
٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ،
نَا يُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ سَعِيدِ الظَّائِيّ أَبِي البَخْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ثَنِي أَبُوكَبْشَةَ
الأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((ثَلَاثُ أَقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأَحَدِّثُكُمْ
حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ)) قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ،
١٣ - باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر
أي: حال الدنيا منحصر في حال أربعة نفر، والمراد بذلك حال أصحاب
أمتعة الدنيا، لا بمعنى الغفلة، ومن ليس له الأمتعة من الأربعة الآتي ذكرهم داخل
فيهم لحبه [١] الأمتعة عنده.
قوله: (ثلاث أقسم عليهن) إنما أقسم عليها لاستبعاد الطبائع إياها.
قوله: (ما نقص مال عبد) أي: ثوابه وبر كته (٢)، فإن المقصود من المال اكتساب
يفرح ويغتر بسعتها، بل يقول في الحالتين: لا عيش إلا عيش الآخرة، كما قاله بَّل مرة في
=
يوم الأحزاب، وأخرى في حجة الوداع، وقال الطيبي(١): كأنه يَليل يستحضر تلك الحالة
في مشاهدة السامع، ثم يأمره بالتأمل والتفكر، وهذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فأين
المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي؟، انتهى.
[١] أي: لحبه وجود الأمتعة عنده.
[٢] قال القاري(٢): لأنها مخلوقة معوضة كميةً أو كيفيةً في الدار الدنيوية أو الأخروية، قال
تعالى عز اسمه: ﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]. وفي ((المشكاة)) برواية =
[٢٣٢٥] حم: ٤ / ٢٣١، تحفة: ١٢١٤٥.
(١) ((شرح الطيبي)) (٣٢٧٢/١٠).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٦٨/٩).

٥٧٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَلَا ظَلِمَ عَبْدُ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ الله ◌ِزَّ، وَلَا فَتَحَ عَبْدُ بَابَ مَسْأَلَةٍ
إِلَّ فَتَعَ الله عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ)(١) أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، ((وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ))
فَقَالَ: ((إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي رَبَّهُ فِيهِ،
وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله
عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلٍ
فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ،
منافع آخرته أو تنفيذ حوائجه الدنيوية، وهما لا ينقصان بإنفاقه في سبيل الله، ولا
مانع عن الحمل على الحقيقة، فإن المال إذا أنفق في سبيل الله فإن الله يخلفه ولو
بعد زمان.
قوله: (باب فقر) أي: ذل واحتياج بحسب قلبه، أو بحسب[١] الظاهر أيضاً.
قوله: (صادق النية) أي: ليست نيته بحسب لسانه فقط، بل النية له في الإنفاق
راسخة صادقة.
= الشيخين (٢) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول
أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))، وبروايتهما عنه
أيضاً مرفوعاً: ((قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك))(٣)، وغير ذلك من الروايات في
الباب المؤيدة حملها على الحقيقة.
[١] قال القاري (٤): أي باب احتياج آخر بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من =
(١) في هامش ((سنن الترمذي)) (٥٨/٢): وهذا ظاهر، فإن من اعتاد السؤال فهو يظهر الحاجة
والفقر دائمًا وإن کان غنيًّا، أي: ذا مال، انتهى.
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٤٤٢) و((صحيح مسلم)) (١٠١٠).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٨٦٨٤) و((صحيح مسلم)) (٩٩٣).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٦٩/٩).

٥٧٩
أَبْوَابَ الزَّهْد
فَأَجْرُهُمَا سَوَاءُ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهِ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهُوَ بِأُخْبَثٍ
الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالاً وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ
فِيهِ بِعَمَلٍ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (فأجرهما سواء) أي: نية، وأما ثواب العمل فله مزية، والأسوة(١) بحسب
ثواب النية فحسب، وكذلك في الآتي من الوزر، فإن وزر النية لهما سواء، وإن كان
كيفية وزر العامل زائدة على وزر الناوي.
= النقمة، وفي ((المشكاة)) برواية أبي داود والترمذي(١) عن ابن مسعود مرفوعاً: من ((أصابته
فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله بالغنى، إما بموت عاجل، أو
غنی آجل)).
قال القاري(٢): قوله: ((بموت عاجل)) أي: بموت قريب له فيرثه، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، انتهى. قلت: أو بموت
أجنبي يوصي له في ماله، ولفظ الترمذي الآتي قريباً: ((برزق عاجل أو آجل))، ليس فيه ذكر
الموت.
[١] هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ، والصواب: السوية، وإنما احتاج
الشيخ إلى هذا التوجيه لما هو مقتضى القواعد أن المباشر فوق الناوي في الأمرين، مع
أن المباشر له شيئان: النية والمباشرة، والناوي له شيء واحد فقط وهو النية، فقد حكى
السيوطي في ((الدر))(٣) عن أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، عن ابن عباس، =
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٣٢٦) و((سنن أبي داود)) (١٦٤٥).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ٣١٣).
(٣) ((الدر المنثور)) (٤٠٥/٣).

٥٨٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
١٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِى هَمِّ الدُّنْيَا وَحُبِّهَا
٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا سُفْیَانُ،
عَنْ بَشِيرٍ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنٍ
مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ
فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللهِ، فَيُوشِكُ الله لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَاسُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
١٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي هَمِّ الدُّنْيَا وَحُبِّهَا(١)
= عن النبي ◌ُّ فيما يروي عن ربه عز اسمه: ((من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن
عملها كتبت له عشر إلى سبعمائة أضعاف))، الحديث.
قال القاري(١): قال ابن الملك: هذا الحديث لا ينافي حديث: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما
وسوست به صدورها ما لم تعمل به))؛ لأنه عمل هاهنا بالقول اللساني، والمتجاوز عنه هو
القول النفساني، انتهى. والمعتمد ما قاله العلماء المحققون: إن هذا إذا لم يوطن نفسه ولم
يستقر قلبه بفعلها، فإن عزم واستقر يكتب معصية، انتهى.
قلت: فإن عمل بهذه النية السيئة يكتب أيضاً سيئة واحدة، كما صرحت بها النصوص،
لكن تفارق معصية النية معصية العمل في الكيفية، وإن كانتا واحدة باعتبار الكمية كما هو
مقتضى القواعد.
[١] تقدم الكلام على أول الحديث قريباً في الحاشية.
[٢٣٢٦]د: ١٦٤٥، حم: ٣٨٩/١، تحفة: ٩٣١٩.
[٢٣٢٧] حم: ٣ / ٤٤٣.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧٠/٩).