النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
أبْوَابُ الرُّؤْنَا.
٢٢٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ
رُؤْيَا النَّبِيّ ◌َجَ قَالَ: ((رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى
قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الجُحْفَةُ(١) فَأَوَّلْتُهَا وَبَاءَ الْمَدِينَةِ يُنْقَلُ إِلَى الجُحْفَةِ)).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ غَرِيبُ(٢).
٢٢٩١ - أَخْبَرَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الخَلَّالُ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَامَعْمَرُ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: ((فِي آخِرِ الزَّمَانِ
لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أصْدَقُهُمْ حَدِيثًا،
قوله: (في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب)
= الإسماعيلي عن عمر قال: لما قبض رسول الله وَلي ارتد من ارتد من العرب، وقالوا: نصلي
ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله! تألف الناس وارفق بهم، فإنهم بمنزلة
الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام؟
بماذا عسيت [أن] أتألفهم، بشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات هيهات! مضى النبي وَالثّ
وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما أستمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً، قال
عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم، وأدب الناس على أمور هانت على كثير من
مؤنتهم حین ولیتهم، انتهى.
[٢٢٩٠] خ: ٧٠٣٨، جه: ٣٩٢٤، حم: ١٠٧/٢، تحفة: ٧٠٢٣.
[٢٢٩١] تقدم تخريجه في ٢٢٧٠.
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٢ / ٤٢٥): وأظن قوله: ((وهي الجحفة)» مدرجًا من قول موسى
ابن عقبة، فإن أكثر الروايات خلا عن هذه الزيادة، وثبتت في رواية سليمان وابن جريج.
(٢) في ((تحفة الأشراف)) (٧٠٢٣): ((حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)).

٥٢٢
الكوَكَبُ الدُّرِّي
وَالرُّؤْيَا ثَلَاثُ، الحَسَنَةُ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَالرُّؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ،
وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلَا يُحَدِّثْ
بِهَا أَحَدًا وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلّ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُعْجِبُنِي القَيْدُ وَأَكْرَهُ الغُلَّ. القَيْدُ:
ثَّبَاتُ فِي الدِّينِ. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ
جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الوَقَّابِ التَّقَفِىُّ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أيُّوبَ، مَرْفُوعًا. وَرَوَى
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَوَقَفَهُ.
ووجه[١] ذلك أن الغرائب والخوارق تظهر حينئذ إتماماً للحجة، وإيقاظاً عن سنة
الغفلة كتكلم الفخذ والسوط إلى غير [٢] ذلك من الفتن.
[١] قال الحافظ(١): وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله مَّل: ((إذا اقترب الزمان)»
إذا كان المراد به آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها: أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه
بذهاب غالب أهله، وتعذرت النبوة في هذه الأمة عُوّضوا بالرؤيا الصادقة لیجدد لهم ما قد
درس من العلم، والثاني: أن المؤمنين لما يقل عددهم، ويغلب الكفر والجهل والفسق على
الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكراماً له، وعلى هذين القولين لا يختص
ذلك بزمان معين، بل كلما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا
المؤمن الصادق أصدق، والثالث: أن ذلك خاص بزمان عيسى ابن مريم، وأولها أولاها،
انتهى. قلت: والأوجه من الكل ما أفاده الشيخ.
[٢] فقد تقدم قريباً (برقم: ٢١١٨) عن أبي سعيد مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة
حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجلَ عذبةٌ سوطه، وشراكُ نعله، وتخبره فخذُه بما
أحدث أهله بعده)»، انتھی.
(١) ((فتح الباري)) (١٢ / ٤٠٦).

٥٢٣
أبْوَابُ الرُّؤْنَا.
٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ البَغْدَادِيُّ، نَا أَبُو اليَمَانِ،
عَنْ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ
كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا
فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارًا، فَأَوَلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ يَخْرُجَانٍ مِنْ بَعْدِي يُقَالُ لأَحَدِهِمَا:
قوله: (كاذبين يخرجان من بعدي) أي: بعد رؤيتي [١] هذه، ووجه [٢] التأويل
المذكور أنهما قبضا على يدي النبي وَّة، وهما الجارحة والكاسبة، فكأنهما منعاه عن
إشاعة دينه، ونشر نبوته، وطيرانهما بالنفخ هلاكهما من دون افتقار إلى فضل علاج.
[١] وهذا أوجه مما أول هذا الحديث النووي وغيره من شراح الحديث، وتوضيح ذلك أنه
اختلفت الروايات في هذا اللفظ، فلفظ البخاري من حديث أبي هريرة: ((فأولتهما الكذابين
أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة))، قال الحافظ(١): هذا ظاهر في أنهما كانا حين
قصّ الرؤيا موجودين، وهو كذلك، لكن وقع في رواية ابن عباس: ((يخرجان بعدي)»،
والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهورُ شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة،
نقله النووي عن العلماء، وفيه نظر؛ لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته قائلة، فادعى
النبوة، وعظُمت شوكتُه، وحارب المسلمين، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في
حياة النبي وَلّ، وأما مسيلمة فادعى النبوة في حياة النبي وَليه، لكن لم تعظم شوكته، ولم
تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، فإما أن يحمل ذلك على التغليب، وإما أن يكون المراد
بقوله: بعدي أي: بعد نبوتي، انتھی.
[٢] اختلف في وجه هذا التعبير كما بسطه الحافظ، وما أفاده الشيخ أيضاً موجه، وقريب منه
ما حكاه القاري (٢) عن القاضي إذ قال: قال القاضي: وجه تأويل السوارين بالكذابين =
[٢٢٩٢] خ: ٣٦٢١، م: ٢٢٧٤، تحفة: ١٣٥٧٤.
(١) ((فتح الباري)) (١٢ /٤٢٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٣٨/٨).

٥٢٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
مَسْلَمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ غَرِيبُ.
٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنِ
الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ
يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً يَنْطِفُ
مِنْهَا السَّمْنُ وَالعَسَلُ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَسْتَقُونَ بِأَيْدِيهِمْ فَالمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ،
وَرَأَيْتُ سَبَبًا وَاصِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، فَأَرَاكَ يَا رَسُولَ الله أَخَذْتَ بِهِ
فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلُ بَعْدَكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَهُ رَجُلُ بَعْدَهُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ
بِهِ رَجُلُ فَقُطِعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَيْ رَسُولَ الله بِأَبِي
أَنْتَ وَأَمِي وَالله لَتَدَعَنِّي أُعْبُرُهَا فَقَالَ: ((اعْبُرْهَا))، فَقَالَ: أَمَّا القُلَّةُ فَظُلَّةُ
الإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالعَسَلِ فَهَذَا القُرْآنُ لِينُهُ وَحَلَاوَتُهُ،
وَأَمَّا الْمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ فَهُوَ الْمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ مِنْهُ، وَأَمَّا
السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَهُوَ الحَقّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَخَذْتَ
بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهِ، ثُمَّ بَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلُ آخَرُ فَيَعْلُوبِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ رَجُلُ
آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ فَيَعْلُو، أَيْ رَسُولَ الله
لَتُحَدِّثَنِّي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِىُّ وَلَّ:
= المذكورين - والعلم عند الله - أن السوار يشبه قيد اليد، والقيد فيها يمنعها عن البطش،
ويكفها عن الاعتمال والتصرف على ما ينبغي، فيشابه من يقوم بمعارضته، ويأخذ بيده
فیصده عن أمره، انتھی.
[٢٢٩٣] خ: ٧٠٤٦، م: ٢٢٦٩، د: ٣٢٦٨، جه: ٣٩١٨، تحفة: ١٣٥٧٥.

٥٢٥
أَبْوَابُ الرُّقْنَا.
(أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا))، قَالَ:
قوله: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) قد تفرقوا[١] في تبيين الخطأ على
ثلاثة أقوال، والظاهر أن الثلاثة بأسرها لا تصح، أما الذي قالوا من أن الخطأ تعبير
السمن والعسل بالقرآن، وحقهما أن يعبرا بالكتاب والسنة، ففيه أن الكتاب والسنة
كأنهما شيء واحد، فإن الكتاب تبيان لكل شيء، وإنما السنة تظهره، أو يقال: إن
الكتاب والسنة كلاهما وحي، وإنما التفاوت في التلاوة، فهذا لا يستلزم التخطئة،
وأما قولهم: إن الخطأ إقدامه للتعبير فليس بشيء؛ لأنه بعد الإجازة لا يسمى خطأ،
وأما قولهم: إن الخطأ تركه تعيين الرجال، فهذا لا يسمى خطأ، وإنما هو تقصير في
بيان المرام، وإجمال في سوق الكلام، بل الأوجه في توجيه الخطأ أن يقال: إن قول
الرائي: ثم أخذ به رجل فقطع به، ثم وصل له فعلا به، كان محتاجاً إلى تعبير، ولم
يكن على ظاهره من أن الرجل المقطوع له هو الذي يوصل له الحبل، بل الموصول
له إنما هو نائبه وخليفته، وعبر عنه في منامه عنه لأن فعله فعله، وأما أبو بكر فعبره
على ظاهره.
[١] اختلفوا في موضع الخطأ على أقوال ذكر الشيخ منها ثلاثة لشهرتها وكثرة قائليها، فقد
قال الحافظ(١): قال الملهب: موضع الخطأ في قوله: ((ثم وصل له))، لأن في الحديث:
ثم وصل، ولم يذكر ((له))، وتعقبه الحافظ: بأن ((له)) ثابت في الروايات، ثم قال: والعجب
من القاضي عياض فإنه قال في ((الإكمال))(٢): قيل: خطؤه في قوله: ((فيوصل له))، وليس
في الرؤيا إلا أنه يوصل، وليس فيها ((له))، ولذلك لم يوصل لعثمان، وإنما وصلت الخلافة
لعلي، وموضع التعجب سكوته عن تعقب هذا الكلام مع كون هذه اللفظة ثابتة في ((صحيح
مسلم)) الذي يتكلم عليه، ثم قال: وقيل: الخطأ هنا بمعنى الترك، أي: تركت بعضاً لم =
(١) ((فتح الباري)) (١٢ /٤٣٥ - ٤٣٧).
(٢) ((الإكمال)) (٢٢٥/٧).

٥٢٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
= تفسره، وقال الإسماعيلي: قيل: السبب في قوله: ((أخطأت بعضاً)) أن الرجل لما قصّ على
النبي ◌َّة رؤياه كان النبي ◌ُّ أحق بتعبيرها من غيره، فلما طلب تعبيرها كان ذلك خطأ،
والمراد بقوله: ((قيل)) ابن قتيبة فإنه القائل بذلك، ووافقه على ذلك جماعة، وتعقبه النووي
تبعاً لغيره فقال: هذا فاسد لأنه من ﴾ قد أذن له ذلك.
قال الحافظ: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء، بل بادر هو بالسؤال، لكن في إطلاق
الخطأ على ذلك نظر لأنه خلاف ما يتبادر من جواب قوله: هل أصبت؟ فإن الظاهر أنه
أراد الإصابة والخطأ في التعبير، ومن ثم قال ابن التين ومن بعده: الأشبه بظاهر الحديث أن
الخطأ في تأويل الرؤيا.
قال الحافظ: ويؤيده تبويب البخاري حيث قال: ((من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب))،
وقال ابن هبيرة: إنما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنّها بحضرة النبي ◌َ ◌ّل﴾، ولو كان الخطأ في
التعبير لم يقره عليه، وقال ابن التين: قيل: أخطأ لكون المذكور في الرؤيا شيئين: العسل
والسمن، ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، ذكر ذلك عن
الطحاوي، وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير، وجزم به ابن العربي فقال: قالوا: هنا
وهم أبو بكر فإنه جعل السمن والعسل معنى واحداً، وهما معنيان القرآن والسنة، قال:
ويحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل، ويحتمل أن يكونا الفهم والحفظ، وقيل:
المراد بقوله: أخطأت وأصبت أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن، والظن يخطئ ويصيب.
وقيل: الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فانقطع به، وذلك يدل
على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له، وعثمان
قد قتل قهراً، ولم يخلع نفسه، فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره، وقد اختلف في
تفسير القطع، فقيل: معناه القتل، وأنكره ابن العربي إذ لو كان كذلك لشاركه عمر، لكن قتل
عمر لم يكن بسبب العلو، بل بجهة عداوة مخصوصة، وقتل عثمان كان من الجهة التي علا
بها، وهي الولاية، فلذلك جعل قتله قطعاً.
=

٥٢٧
أبْوَابُ الرُّونَا.
أَقْسَمْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِي يَا رَسُولَ الله لَتُخْبِرَنِي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟ فَقَالَ
النَّبِيُّمَّهِ: (لَا تُقْسِمْ)).
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ.
قوله: (لا تقسم) لأن الاستحسان [١] في بره، وهذا ينافي المصالح العديدة،
وبذلك يعلم أن الرجل إذا حلف آخر لا يجب عليه إبراره ولا على الحالف، ولو
أبرّه المحلوف فهو مستحسن، ولا شيء في الحنث على أحد منهما.
= وقال ابن العربي: أخبرني أبي أنه قيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو
الظلة، والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: وجه الخطأ أنه جعل السببَ الحقَّ، وعثمانُ
لم ينقطع به الحقُّ، وإنما الحق أن الولاية كانت بالنبوة، ثم صارت بالخلافة، فاتصلت
لأبي بكر وعمر، ثم انقطعت بعثمان لما كان ظن به، ثم صحت براءتُه، فأعلاه الله ولحق
بأصحابه، قال: وسألت بعض الشيوخ العارفين عن تعيين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر
فقال: من الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي ◌ّ للتعبير خطأً، فالتقدم بين
يدي أبي بكر لتعيين خطئه أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكفُّ عن ذلك،
قلت: وهذا الأخير هو الوجه عندي.
قال الحافظ: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم وغيرهما إنما أحكيه عن قائليه،
ولست راضياً بإطلاقه في حق الصديق، وقال الكرماني: إنما أقدموا على تبيين ذلك مع
كون النبي ◌ّ لم يبينه لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، مع أن جميع ما
ذكروه إنما هو بطريق الاحتمال، ولا جزم في شيء من ذلك، انتهى ما في ((الفتح)).
[١] يعني مقتضى الاستحسان بر قسمه وفيه مفسدة، قال النووي(١): هذا الحديث دليل لما قاله
العلماء: إن إبرار المقسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم تكن في الإبرار
مفسدة ولا مشقة ظاهرة، فإن كان لم يؤمر بالإبرار، لأن النبي ◌ِ ئله لم يَبرّ قسم أبي بكر لما
رأى في إبراره من المفسدة، ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب مع عثمان، وهو
قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه، فكره ذكرها مخافة من شيوعها، أو أن المفسدة =
(١) ((شرح النووي)) (٣٤/٨).

٥٢٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِیهِ، عَنْ أَبِي
رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَجَهَ إِذَا صَلّى بِنَا الصُّبْحَ أقْبَلَ
عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ رُؤْيَا اللَّيْلَةَ؟)).
: لو أنكر عليه مبادرته ووبّخه بين الناس، أو أنه أخطأ في ترك تعيين الرجال الذين يأخذون
بالسبب بعد النبي ◌َّة، وكان في بيانه بقليل أعيانهم مفسدة، انتهى.
قال الخطابي(١): فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يميناً بمجرده حتى يقول:
أقسمت بالله، وذلك أن النبي ◌َّل قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان يميناً لأشبه أن يبرّه، وإلى
هذا ذهب مالك والشافعي، وقد يستدل به من يرى القسم يميناً بوجه آخر، فيقول: لولا أنه
يمين ما كان النبي ◌ُّ يقول: ((لا تقسم))، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى. هكذا
في «البذل)»(٢).
قلت: لفظ القسم يمين عندنا الحنفية كما صرح به في الفروع، وما حكى الخطابي من موافقة
مالك الشافعي يأبى عنه كلام ابن رشد إذ قال في ((البداية))(٣): اختلفوا في قول القائل: أقسم
أو أشهد إن كان كذا وكذا، هل هو يمين أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقيل: ليس بيمين، وهو
أحد قولي الشافعي، وقيل: يمين ضد القول الأول، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إن أراد الله بها
فهو يمين وإلا لا، وهو مذهب مالك، انتهى مختصراً. فعلم أن في مذهب مالك تفصيلاً،
وما ذكر الخطابي من الاستدلال بالحديث فلا يصح، فقد قال القاضي (٤): في الحديث أن
من قال: أقسم لا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر لم يزد على قوله: أقسم، قال النووي(٥): وهذا =
[٢٢٩٤] خ: ١٣٨٦، م: ٣٣٧٥، حم: ٨/٥، تحفة: ٤٦٣٠.
(١) ((معالم السنن)) (٤٨/٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٠/ ٥٧٠).
(٣) ((بداية المجتهد)) (١٧٤/٢).
(٤) ((إكمال المعلم)) (٢٢٨/٧).
(٥) ((شرح صحيح مسلم)) (٣٥/٨).

٥٢٩
أبْوَابُ الزُّؤْيَا.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَيُرْوَى عَنْ عَوْفٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ
النَّبِيّ ◌َّهِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَهَكَذَا رَوَى لَنَا بُنْدَارُ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ وَهْبٍ
ابْنِ جَرِيرٍ، مُخْتَصَرًا.
= الذي قاله القاضي عجب، فإن الذي في جميع نسخ ((صحيح مسلم)) أنه قال: فوالله يا
رسول الله لتحدثني، وهذا صریح یمین، انتھی.

أَوَابُ الشَّهَاَانِ عَنْ سَوُ اللّهِّـ

٥٣٣
بِِّلِهِالرّحمنِ الرَّحَيَّمِ
٣٥ - أَبْوَابُ الشَّهَادَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِه
... (١).
٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ، نَا مَالِكُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرِ
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ،
عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيّ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ خَالِدِ الجُهَنِيّ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ قَالَ:
((أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)).
٣٥ - أبواب الشهادات(١) عن رسول الله وَله
قوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) قد وقع في ظاهر هذا
[١] جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة
المعاينة، مأخوذة من الشهود أي: الحضور، لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل:
مأخوذة من الإعلام، هكذا في ((الفتح)) (٢). وقال الراغب (٣): الشهادة قول صادر عن علم
حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، انتهى.
وفي حواشي ((الهداية)) (٤): الشهادة في اللغة عبارة عن الأخبار بصحة الشيء عن مشاهدة =
[٢٢٩٥] م: ١٧١٩، د: ٣٥٩٦، جه: ٢٣٩٤، حم: ٤ /١١٥، تحفة: ٣٧٥٤.
(١) زاد في نسخة: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الشُّهَدَاءِ أَيُّهُمْ خَيْرٌ)).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٤٧/٥).
(٣) ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: ٤٦٥).
(٤) انظر: ((العناية شرح الهداية)) (٣٦٤/٧).

٥٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، نَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ
بِهِ. وَقَالَ: ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ.
وَاخْتَلَفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي
عَمْرَةَ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أبِي عَمْرَةَ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ
الأَنْصَارِيُّ، وَهَذَا أَصَحُ عِنْدَنَا لَأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرَةَ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرُ هَذَا الحَدِيثِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَأَبُو عَمْرَةَ هُوَ مَوْلَى
زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيّ، وَلَهُ حَدِيثُ الغُلُولِ لأَبِي عَمْرَةَ.
٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابْنُ ابْنَةِ أَزْهَرَ السَّمَّانِ، نَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ،
فَنِي أَتَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبُوبَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو
والذي يأتي [١] من بعد من ذم قوم يشهدون ولا يستشهدون تعارض دفعه العلماء
بأن الأول حين خاف فوت الحق، والثاني في غير ذلك، والظاهر أن منطوق أحدهما
غير متناول للآخر حتى يلزم التعارض، فإن الخيرية في الحديث الأول تنبئ عن
كونه أدی شهادته لله تعالى، لا لنفسه أو غير ذلك،
= وعيان، ولذا قالوا: إنها مشتقة من المشاهدة التي تنبئ عن المعاينة، وفي اصطلاح أهل
الفقه: عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، انتهى.
[١] ما سيأتي من لفظ الحديث: ((يعطون الشهادة قبل أن يسألوها))، وفي حديث عمر: ((حتى =
[٢٢٩٦] انظر ما قبله.
[٢٢٩٧] تقدم تخريجه في: ٢٢٩٥.

أبْوَابْ الشَّهَادَات
٥٣٥
ابْنِ حَزْمٍ، ثَنِي عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، ثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ،
ثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ، ثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدِ الجُهَنِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللهِوَلَ يَقُولُ: ((خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
... (١).
وفشو الكذب(١) في الحديث الثاني قرينة على أن إقدامه على الشهادة من غير
استشهاد مبني على كذبه، أو هو مبني على الشر، وإن كان صدقاً في الواقع.
= يشهد الرجل ولا يستشهد))، وما أفاده الشيخ من لفظ الحديث تقدم قريباً من حديث عمران
عند المصنف في ((الفتن)).
[١] فلفظ الحديث: ((ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد))، فلفظ ((حتى)) أصرح
قرينة على ما أفاده الشيخ، وإلى هذا التوجيه أشار المصنف أيضاً فيما سيأتي من كلامه،
قال النووي(٢): قوله: ((ألا أخبركم بخير الشهداء» إلخ، في المراد بهذا الحديث تأويلان:
أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة
الإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، والثاني أنه
محمول على شهادة الحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم، فما تقبل فيه
شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئاً
من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، وحكي تأويل ثالث أنه محمول على
المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال،
أي: يعطي سريعاً عقب السؤال من غير توقف، وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث
الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد في قوله ◌ِ له: ((يشهدون ولا يستشهدون)).
وقد تأول العلماء لهذا تأويلات: منها أنه محمول على شاهد الزور، فیشهد بما لا أصل له =
(١) زاد في بعض النسخ: ((بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ)).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) (٢٥٨/٦).

٥٣٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ، عَنْ یَزِيدَ بْنِ زِیَادٍ
الدِّمَشْقِيّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َِّ:
((لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلَا مَجْلُودَةٍ،
قوله: (لا تجوز شهادة خائن (١) ولا خائنة) النظر إلى
= ولم يستشهد، ومنها أنه محمول على من ينتصب شاهداً وليس هو من أهل الشهادة، ومنها
أنه يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقف، وهذا ضعيف، انتهى.
وزاد العيني(١) على بعضها: قال ابن بطال: والشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على
الحقوق، إنما أريد بها الشهادة في الأيمان يدل عليه قول النخعي رواية في آخر الحديث:
وكانوا يضربوننا على الشهادة، فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول
الرجل: أشهد بالله ما كان كذا على كذا على معنى الحلف، فكره ذلك، وهذه الأقوال أقوال
الذين جمعوا بين الحديثين، انتهى. يعني ومال آخرون إلى ترجيح أحد الحديثين على الآخر.
قال الحافظ (٢): اختلف العلماء في ترجیحهما، فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد
ابن خالد لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق وبالغ، فزعم أن
حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح
علیه، وانفراد مسلم بإخراج حدیث زید، انتھی.
[١] قال القاري(٣): أي: المشهور بالخيانة في أمانات الناس دون ما ائتمن الله عليه عباده من
أحكام الدين، كذا قاله بعض علمائنا من الشراح، قال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد به
الأعم منه، وهو الذي يخون فيما ائتمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين أو
الناس من الأموال، قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾
[الأنفال: ٢٧]، فالمراد بالخائن هو الفاسق، وهو من فعل كبيرة أو أصر على الصغائر، انتهى.
[٢٢٩٨] قط: ٤٦٠٢، ق: ٢٠٥٧٠، تحفة: ١٦٦٩٠.
(١) ((عمدة القاري)) (٢١٣/١٣)، وانظر: ((شرح ابن بطال)) (٢٩/٨).
(٢) «فتح الباري)) (٢٥٩/٥).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٥/٧).

٥٣٧
أَبْوَابَ الشَّهَادَات
مجموع [١] ألفاظ هذا الحديث حاكم بأن شهادة الفاسق والمتهم غير مقبولة، وكذا
شهادة الولد للوالد وعكسه، لكونه متهماً في ذلك، ثم قوله: ((مجلود حدًّا)) إن أريد
بالحد غير حد القذف، فهو ما لم يَتُبْ، وإن أريد حد القذف فشهادته[٢] مردودة وإن
تاب، ووجه ذلك إما نقلاً فاتفاق القراء على جواز الوقف على قوله تعالى: ﴿أَبَدًّا﴾،
فكان قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤] جملة على حدة، فيتصل الاستثناء به،
[١] كما يدل عليه رد شهادة الخائن للفسق، وكذا المحدود، وكما يدل رد شهادة ذي الغمر
والمجرب والقانع، لا سيما الظنين في الولاء للتهمة، فتهمة الوالد للولد أكثر من تهمة
هؤلاء الأربع، قال ابن رشد في ((البداية)) (١): والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء: في الصفة،
والجنس، والعدد، أما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي خمسة: العدالة،
والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفي التهمة، وهذه منها متفق عليها، ومنها مختلف فيها، فأما
العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ
ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، واختلفوا فيما هي العدالة، ثم بسط الاختلاف، وقال: اتفقوا
على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ﴾ الآية
[الحجرات: ٦]، ثم قال: وأما التهمة التي سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة
في إسقاط الشهادة، واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة
التي سببها العدواة الدنيوية، فقال بردها فقهاء الأمصار، إلا أنهم اتفقوا في مواضع على
إعمال التهمة، وفي مواضع على إسقاطها، وفي مواضع اختلفوا فأعملها بعضهم وأسقطها
بعضهم، فمما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه، وكذلك الأم لابنها وابنها لها،
ثم ذكر بعض فروع هذا الباب، سيأتي بيان بعضها قريباً وقال: أما أبو ثور، وشريح، وداود،
فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلاً عمن سواه، انتهى مختصراً.
[٢] اختلف هاهنا في مسألتين: إحداهما ما ذكرها الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) إذ قال : =
(١) ((البداية)) (٢٤٥/٤ - ٢٤٧).
(٢) ((أحكام القرآن)) (١١٥/٥).

٥٣٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وإما عقلاً فلكون القاذف قد اجترم ما كان حقه أن يقطع لسانه لكنه لما كان مُثلة،
وأيضاً ففيه تعطيله عن مصالح دنياه وآخرته، جوزي بأن قوله لا يعتبر أبداً، وأيضاً
فمبنى الجنايات على الخفاء ما أمكن الجاني كالزنا والسرقة وشرب الخمر، إلا
القذف فمبناه على التشهير، وإلا فالقذف في موضع خال عن غير القاذف لا يفيد،
فجوزي على ذلك باشتهاره في سوئه.
= حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه بثلاثة أحكام: الجلد،
وبطلان الشهادة، والحكم بتفسيقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم في لزوم هذه
الأحكام له [وثبوتها عليه بالقذف] بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند
عجزه عن إقامة البينة على الزنا، فقال قائلون: قد بطلت شهادته، ولزمته سمة الفسق قبل
إقامة الحد عليه، وهو قول الليث والشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد
ومالك: شهادته مقبولة ما لم یحد، انتھی.
وهذه المسألة بسطها الرازي، لكن الشيخ لما لم يذكرها طوينا عن ذكرها، والثانية التي
نظم جواهرها الشيخ في سلكه هي التي قال الجصاص أيضاً: اختلف الفقهاء في شهادة
المحدود في القذف بعد التوبة، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري
والحسن بن صالح: لا تقبل شهادته إذا تاب، وتقبل شهادة المحدود في غير القذف، وقال
مالك والليث والشافعي: تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب، وقال الأوزاعي: لا
تقبل شهادة محدود في الإسلام، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): قال الجمهور: إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل، سواء كان
بعد إقامة الحد أو قبله، وتأولوه قوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ ما دام مصرًّا على قذفه، وبالغ الشعبي
فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه، وذهب الحنفية إلى أن شهادته لا تقبل أبداً،
وقال بذلك بعض التابعين، وفيه مذهب آخر: یقبل بعد الحد لا قبله، انتهى.
=
(١) «فتح الباري)) (٢٥٥/٥).

٥٣٩
أبْوَابَ الشّهَادَات
وَلَا ذِي غِمْرٍ لِإِحْنَةِ، وَلَا مُجَرَّبٍ شَهَادَةٍ،
..
قوله: (ولا ذي غمر لإحنة ولأخيه)[١] وعلى الوجهين فاللام متعلق بالغمر
= قال ابن رشد(١): سبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً
وَلَ نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية [النور: ٤ - ٥]، إلى
أقرب مذكور إليه، أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع، وهو أن التوبة لا تسقط عنه
الحد، انتھی.
قال العيني (٢): شهادته لا تقبل أبداً عند الحنفية لأن رد الشهادة من تتمة الحد لأنه يصلح
جزاء، فيكون مشاركاً للأول في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ لا يصلح جزاء؛
لأنه ليس بخطاب للأئمة بل هو إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من
تمام الحد، لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله، لعدم صحة عطفه على ما
سبق؛ لأن قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ جملة إخبارية ليس بخطاب للأئمة، وما قبله جملة
إنشائية خطاب للأئمة، وكذا قوله: ﴿وَلَ نَقْبَلُواْ﴾ جملة إنشائية خطاب للأئمة، فيصلح أن
يكون عطفاً على قوله: ﴿فَأَجْلِدُواْ﴾، والشافعي قطع قوله: ﴿وَلَ نَقْبَلُواْ﴾ عن قوله: ﴿فَأَجْلِدُوا ﴾
مع دليل الاتصال، وهو كونه جملة إنشائية صالحة للجزاء مفوضة إلى الأئمة مثل الأولى،
وواصل قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ مع قيام دليل الانفصال وهو كونه جملة اسمية غير
صالحة للجزاء، انتهى.
[١] كلام الشيخ مبني على النسختين، واختلفت نسخ الترمذي في هذا اللفظ، ففي النسخة
المصرية: ((ولا ذي غمر لأخيه)) وفي النسخ الهندية: ((لإحنة))، وجمع الشيخ كلتا النسختين
تعميماً وتوضيحاً للمعنى، وفي الحواشي الهندية عن ((اللمعات)): قوله: ((لإحنة)»، هكذا
وقع، والصواب: ((ولا ذي غمر لأخيه)) بالياء، وقد ذكره الدار قطني وصاحب ((الغريبين))
بلفظ يدل على صحة هذا، وهو: إلا ذي غمر لأخيه، قلت: أكثر ما روي: ((ولا ذي غمر على
أخيه))، وهو الموافق للقياس، إلا أن يقال: اللام بمعنى على، انتهى. قلت: ولا يحتاج =
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٦/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٣ /٢٠٧).

٥٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
لا الشهادة، يعني أن غمره لوجه[١] دنياوي، كذلك الإشارة في قوله: ولا ذي غمر
لأخيه ثابتة إلى أن الغمر لوجه دنياوي، وإلا فالأخوة لا تبقى دون ذلك.
= إلى تصريف اللام إلى معنى على في توجيه الشيخ، وهو أن يقال: إنه متعلق بالغمر، نعم يحتاج
إذا قيل: إنه يتعلق بالشهادة كما لا يخفى، والحديث ذكره صاحب ((المشكاة)) عن الترمذي
بلفظ: ((على أخيه)) بالياء. قال القاري(١): أي: قوله: ((على أخيه)) أي المسلم، يعني لا تقبل
شهادة عدو على عدو، سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًّا، وعلى هذا إنما قال: على أخيه
تلييناً لقلبه وتقبيحاً لصنيعه، انتهى. وما في النسخ الهندية من قوله: ((لإحنة)) لم يذكر صاحب
((المجمع)) وغيره في هذا اللفظ هذا الحديث، نعم قال في شرح حديث آخر (٢): ((وفي صدره
إحنة)) أي: حقد، وجمعها إحن وإحنات، والحنة والحنات لغة فيه، وقال المجد(٣): الإحنة،
بالكسر: الحقد، والغضب، وقد أحن، كسمع فيهما، والمؤاحنة: المعاداة، انتهى.
[١] قال ابن رشد(٤): أما اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه فقال مالك والشافعي: لا
تقبل، وقال أبو حنيفة: تقبل، انتهى.
قلت: ما في عامة فروع الحنفية أنها لا تقبل بسبب عداوة دنيوية، ففي ((الكنز))(٥): والعدو
إن كانت عداوة دنيوية أي: لا تقبل شهادته، قال الزيلعي على ((الكنز)): لأن المعاداة لأجل
الدنيا حرام، فمن ارتكبها لا يؤمن من التقول عليه، أما إذا كانت العداوة دينية فتقبل؛ لأنها
من التدين فتدل على قوة دينه وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكراً
شرعاً، ولم ينته بنهيه، والذي يوضح هذا المعنى أن المسلمين مجمعون على قبول شهادة
المسلم على الكافر، والعداوة الدينية قائمة بينهما، انتهى.
=
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٥/٧ - ٣١٦).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤٨/١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٢).
(٤) ((بداية المجتهد) (٤/ ٢٤٧).
(٥) انظر: ((البحر الرائق شرح كنز الدقائق)) (٨٥/٧ - ٨٦).