النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
أَبْوَابُ الرُّؤْنَا.
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيّ ◌َِّ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)»
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيّ ◌َّ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَاِ(١) فَقَدْ رَآنِي)»
[١] اختلفت الروايات في هذا الحديث، ولفظ حديث الباب: ((من رآني في المنام فقد رآني))،
وفي روايات: ((فقد رأى الحق))، وفي أخرى: ((فسيراني))، وبسط الحافظ(١) الكلام على
هذا الحديث، وذكر للسياق الثالث ستة معان، وقال النووي(٢): اختلف العلماء في معنى
قوله ◌ِّر: ((فقد رآني))، فقال ابن الباقلاني: معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث، ولا
من تشبيهات الشيطان، ويؤيده قوله: ((فقد رأى الحق)) أي: الرؤية الصحيحة، قال: وقد
يراه الرائي خلاف صفته المعروفة كمن رآه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمن واحد
أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه، وحكى المازري هذا
عن ابن الباقلاني.
ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع
من ذلك، والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره، فأما قوله: بأنه قد يرى على
خلاف صفته أو في مكانين معاً، فإن ذلك غلط في صفاته، وتخيل لها على خلاف ما هي
عليه، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيًّا لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يرى في العادة،
فتكون ذاته مَ له مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار
ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفوناً في الأرض، ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط
كونه موجوداً، ولم يقم دليل على فناء جسمه مَ ثّ، بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاءه،
قال: ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية، هذا كلام
المازري.
وقال القاضي: ويحتمل أن يكون قوله ومَ له: ((فقد رآني)) إذا رآه على صفته المعروفة له في
حياته، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي =
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٨٥/١٢).
(٢) ((شرح النووي)) (٢٩/٨).

٥٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره
=
المازري، انتهى كلام النووي.
وقال القاري(١): فكأنه قد رآني في عالم الشهود، ولكن لا يبتني عليه الأحكام ليصير به من
الصحابة، وليعمل بما سمع به في تلك الحالة، كما هو مقرر في محله، وقيل: أراد به أهل
زمانه، أي: من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة إما في الدنيا أو في الآخرة،
ويدل عليه رواية: ((فسيراني))، ولعل التعبير بصيغة الماضي تنزيلاً للمستقبل منزلة المحقق
الواقع في الحال، وإن كان يقع في المآل، وقيل: يراه في الآخرة على وفق منامه بحسب
مقامه، وقيل: هو بمعنى الإخبار أي: من رآني في المنام فأخبروه بأن رؤيته حقيقة ليست
بأضغاث أحلام، انتھی.
وقد أخرج البخاري(٢) عن ابن سيرين قال: ((إذا رآه في صورته))، قال الحافظ(٣): روينا
هذا التعليق موصولاً عن أيوب قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل
أنه رأى النبي وَلّه قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره،
وسنده صحيح، ويؤيده ما أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قال: قلت
لابن عباس: رأيت النبي لل في المنام، قال: صفه لي، قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته
به قال: قد رأيته، وسنده جيد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعاً:
((من رآني في المنام فقد رآني فإني أُرى في كل صورة))، وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو
ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط، ويمكن الجمع بينهما بما
قال ابن العربي: رؤية النبي قليل على صفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير
صفته إدراك للمثال، إلى آخر ما بسطه الحافظ في ((الفتح)) بما لا مزید علیه، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٢٤/٨).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٩٩٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٨٣/١٢ - ٣٨٤).

٥٠٣
أبْوَابُ الزُّؤْنَا.
٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ وَلَ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي
الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُّ بِي)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي قَتَادَةً، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ،
وَأَنَسِ، وَأَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي بَكْرَةً، وَأَبِي جُحَيْفَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
ذهب المتقدمون إلى أن ذلك حيث رآه في الحلية التي هي حِلية آخر عمره
وقال الآخرون: بل كل حِلية النبي ◌ِ لّه سواء كان حِلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب
المتأخرون وهو الحق (١) إلى أن الرائي لما رآه قليل في أي حلية كانت وعلم بالقرائن
أنه النبي ◌َّلي فهو هو لا غيره، سواء رآه على حليته المنقولة عنه أو لا[٢]، والاختلاف
فيه حينئذ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية.
[١] ففي ((البذل))(١) عن ((فتح الودود)): قيل: هذا مختص بصورته المعهودة فيعرض على
الشمائل الشريفة المعلومة، فإن طابقت الصورة المرئية تلك الشمائل فهي رؤيا حق، وإلا
فالله تعالى أعلم بذلك، وقيل: بل في أيِّ صورة كانت، وقد رجحه كثير بأن الاختلاف إنما
يجيء من أحوال الرائي، انتھی.
[٢] نسبة الحلية إليه ◌َ له باعتبار ما هو المعروف عند أهل الفن أن روايات الحلية مرفوعة، قال
الحافظ ابن حجر(٢): الأحاديث الواردة في صفته وقليل من قسم المرفوع اتفاقاً مع كونها
ليست قولاً له، ولا فعلاً ولا تقريراً، قاله المناوي.
[٢٢٧٦] جه: ٣٩٠٠، حم: ١ / ٣٧٥، تحفة: ٩٥٠٩.
(١) ((بذل المجهود)) (٤٢٠/١٣).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني على الموطأ)) (٤٤٠/٤).

٥٠٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٤ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مَا يَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ؟
٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي فَتَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((الرُّؤْيَا(١)
مِنَ الله وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ))، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ
عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابٍ، وَأَفَسٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٤ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مَا يَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ؟
قوله: (فإنها لا تضره) أي: يذهب بذلك وسواسه(١) وإلا فالمقدور كائن لا
محالة إن كان الذي رآه حقًّا مطابقاً للواقع، وغير المقدور غير واقع لا محالة.
[١] قال الحافظ (٢): استدل به على أن للوهم تأثيراً في النفوس؛ لأن التفل وما ذكر معه يدفع
الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه،
انتهى. وقال أيضاً في حديث أبي سعيد رفعه: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله
فليحمد الله عليها، وليحدّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان))
الحديث: ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده
مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير=
[٢٢٧٧] خ: ٣٢٩٢، م: ٢٢٦١، د: ٥٠٢١، جه: ٣٩٠٩، حم: ٢٩٦/٥، تحفة: ١٢١٣٥.
(١) في ((النهاية)) (١ /٤٣٤): الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن
غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر
والقبيح. ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَحْلَمِ﴾ [يوسف: ٤٤]، ويستعمل كل واحد منهما
موضع الآخر، وتضم لام الحلم وتسكن.
(٢) ((فتح الباري)) (١٢/ ٣٧٢).

أَبْوَابُ الرُّؤْيَا.
٥٠٥
٥ - بَاب: مَا جَاءَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا
٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي
يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ عُدُسِ، عَنْ أَبِي رَزِينِ العُقَيْلِيّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءُ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ
عَلَى رِجْلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ)). قَالَ: وَأَحْسَبُهُ
قَالَ: ((وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا)).
[٥ - بَاب: مَا جَاءَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا]
قوله: (إلا لبيباً أو حبيباً) لأن [١] الحبيب لمحبته إياك واللبيب للبه لا يقول
إلا خيراً فيسرّك، وإن كان غير ذلك عبر بما يضرّك فيسوؤك.
= ومن تبعهم: إن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذاراً نظر؛ لأن الإنذار غالباً
يكون فيما يكره الرائي، ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه، وبأن المراد
بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما تعبر به.
وقال القرطبي: ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان فيه تهويل أو تخويف أو
تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقاً
في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به، وما
يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء، وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي
يتناول ما تسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع
المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله
وقدره، لكن الأسباب عادات لا موجودات، انتھی.
[١] قال أبو إسحاق في قوله: ((لا تقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي)): الوادّ الذي لا يحبّ أن
يستقبلك في تعبيرها إلا بما تحب، وإن لم يكن عالماً بالعبارة، فلا يعجل لك بما يغمّك، =
[٢٢٧٨]د: ٥٠٢٠، جه: ٣٩١٤، حم: ٤ /١٠، تحفة: ١١١٧٤.

٥٠٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الخَلَّالُ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا شُعْبَةٌ،
للّه
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ النَّبِيّ
قَالَ: ((رُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءُ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ
طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ)).
قوله: (وهي على رجل طائر) قال الأستاذ - أدام الله علينا ظلال جلاله
وأفاض علينا بركات أفضالهـ: لا يناسب هاهنا تقرير الشراح وأصحاب الحواشي[١]
لكثرة ما يرد عليه من الشبهات والغواشي، ولعل مراده بَّل بكونه على رجل طائر
أن صاحبه لا يكون منه استقرار على أمرٍ مَا محصلٍ، وإنما يتخلج في نفسه تعبير
لرؤیاه، ثم يبدو له ثان وثالث، فيأخذ في تغليط ما فَهِمَ أَوَّلاً وهكذا، فكأن رؤیاه على
رجل طائر فلا يستقر على مقر، حتى إذا عبره أول المعبرين رسخ قوله في قلبه لعدم
المزاحم، كما يظهر بالتأمل في قاعدة أصحاب المعاني من أن خالي الذهن عن
الحكم والتردد لا يحتاج في الإخبار له إلى توكيد، وهذا هو المعبر عنه بقوله ◌َئية :
((سقطت)) أي: استقرت على مستقر، وقرت في مقر، حتى إن إزالته عن القلب لا
يمكن إلا بعد معالجة زائدة.
= لا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها وأنه يخبرك
بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، فلعله أن يكون في تفسيره موعظة يردعك عن قبيح
أنت عليه، أو يكون فيه بشرى فتشكر الله عزّ وجلّ على النعمة فيها، كذا في ((البذل))(١).
[١] ففي الحاشية عن ((المجمع))(٢): ((على رجل طائر)) أي: على رجل قدر جار وقضاء ماض
من خير أو شر، وإنه هو الذي قسمه الله لصاحبها من قولهم: اقتسموا داراً فطار سهم فلان =
[٢٢٧٩] انظر ما قبله.
(١) ((بذل المجهود)) (١٣ /٤١٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٩٩/٢).

٥٠٧
أبْوَابُ الرُّؤْنَا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَأَبُو رَزِينِ العُقَيْلِيُّ اسْمُهُ: لَقِيظُ بْنُ عَامِرٍ، وَرَوَى حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، فَقَالَ: عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، وَقَالَ شُعْبَةُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَهُشَيْمُ:
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ، وَهَذَا أَصَحُ.
٦ -بَابُ
٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللهِ السَّلِيمِيُّ البَصْرِيُّ، نَا يَزِيدُ
ابْنُ زُرَيْعٍ، نَا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِّ: «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَرُؤْيَا حَقُّ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ،
وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلّ))، وَكَانَ يَقُولُ:
((يُعْجِبُنِى الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ)) الْقَيْدُ: ثَبَاتُ فِى الدِّينِ. وَكَانَ يَقُولُ: ((مَنْ
رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَّثَلَ بِي)). وَكَانَ يَقُولُ :.
[٦ - باب]
قوله: (وكان يقول) هذا يحتمل [١] كونه من كلامه وَليّة، ومن كلام أبي هريرة،
ومن كلام ابن سيرين، إلا أنه ثبت بإسناد آخر كونه مرفوعاً فالحمل عليه هو الأولى.
= في ناحيتها، أي: وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو شيء تجري لك هي طائر،
يعني أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت حيث
عبرت، كما يسقط ما يكون على رجل طائر بأدنى حركة، انتهى. وفي ((البذل))(١): قال
الخطابي: هذا مثل، ومعناه أنه لا يستقر قرارها ما لم يعبر، انتهى.
[١] رويت الرواية بألفاظ مختلفة في كتب الروايات،.
[٢٢٨٠] تقدم تخريجه في: ٢٢٧٠.
(١) («بذل المجهود)) (٤١٧/١٣).
=

٥٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(لَا تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلَّ عَلَى عَالِمِ أَوْ نَاصِحٍ)»
= ولفظ البخاري(١) في ((باب القيد في المنام)) بسنده إلى عوف عن محمد بن سيرين أنه
سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله وَ ل: ((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب،
ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، قال
محمد: وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان،
وبشرى من الله، فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل، قال: وكان يكره
الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين، ورواه قتادة ويونس
وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ﴾، وأدرجه بعضهم كله في
الحدیث، وحدیث عوف أبین، وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ێ، انتهى.
وبسط شراح البخاري سيما الحافظان(٢): ابن حجر والعيني في شرح كلام البخاري،
وبسطا في ذكر من وقف ووصل أجزاء الرواية، والاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الشيخ
حكاها الحافظ ابن حجر عن الطيبي وغيره، ثم بسط طرق الرواية وذكر في جملتها حديث
الترمذي هذا، وقال: هذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة، وقال القرطبي: هذا الحديث
وإن اختلف في رفعه ووقفه فإن معناه صحيح؛ لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في
مكانه، فإذا رآه من هو على حالة كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة، وأما كراهة
الغل فلأن محله الأعناق نكالاً وعقوبة وقهراً وإذلالاً، وقد يُسحب على وجهه ويخر على
قفاه فهو مذموم شرعاً وعادةً، انتهى.
فقد ورد في الآيات الكثيرة الأغلال في أعناق الكفار، قال القاري: وفيه إيماء أيضاً إلى
اختيار الخلوة وترك الجلوة، كما هو شأن أرباب العزلة من ترك الخروج بالأقدام، وكره
الغل لأنه صفة أهل النار، وأيضاً الرقبة مستثقلة بالذمة من حقوق الله وغيره، فهو تقييد
للعنق بتحمل الدين أو المظالم، انتهى.
(١) ((صحيح البخاري)) (٧٠١٧).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤١٠/١٢)، و((عمدة القاري)) (٢٩٨/١٦).

٥٠٩
أَبْوَابُ الرُّوْنَاِ
وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَأُمِّ العَلَاءِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ،
وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةٍ حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحُ.
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَكْذِبُ فِي حُلْمِهِ
٢٢٨١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَرَاهُ، عَنِ النَّبِيّ ◌َل
قَالَ: ((مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَقْدَ شَعِيرَةٍ)).
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَكْذِبُ فِي حُلْمِهِ(١)
قوله: (كلف يوم القيامة عقد شعيرة) وجه ذلك[٢] أنه أخبر بالمحال
فيكلف بالمحال، ففي الكذب في الرؤيا زيادة نسبة إلى غيره من الكذبات، وهو
أنه لما كان جزء من النبوة كان الكذب فيه خيانة في التبليغ وهي أشدّ،.
[١] وافق المصنف في ذلك تبويب البخاري إذ بوب في صحيحه ((باب من كذب في حلمه))
أي: باب في إثم الذي يكذب، والحلم بضم المهملة وسكون اللام: ما يراه النائم، قال
الحافظ (١): وحديث علي هذا سنده حسن، وقد صححه الحاكم(٢)، ولكنه من رواية
عبد الأعلى بن عامر، ضعفه أبو زرعة، انتهى.
[٢] ولفظ البخاري(٣) بسنده إلى ابن عباس مرفوعاً: ((من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين
شعيرتين ولن يفعل، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ))، قال =
[٢٢٨١] حم: ٧٦/١، تحفة: ١٠١٧٢.
(١) «فتح الباري)) (٤٢٨/١٢).
(٢) ((المستدرك)) للحاكم (٤ / ٤٣٥).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٧٠٤٢).

٥١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وفيه دعوى(١) أنه تعالى ألقى إليّ وألهمني مع أنه لم يُلق ولم يُلهم.
= الحافظ(١): ومعنى العقد بين الشعيرتين أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة،
ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه وللمصور أن الرؤيا خلق من خلق الله، وهي صورة
معنوية، فأدخل بكذبه صورة لم تقع، كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقة؛
لأن الصورة الحقيقة هي التي فيها الروح، فكلف صاحب الصورة اللطيفة أمراً لطيفاً، وهو
الاتصال المعبر بالعقد بين الشعيرتين، وكلف صاحب الصورة الكثيفة أمراً شديداً، وهو أن
يتم ما خلقه بزعمه بنفخ الروح، ووقع وعيد كل منهما بأنه يعذب حتى يفعل ما كلف به،
وهو ليس بفاعل، فهو كناية عن تعذيب كل منهما على الدوام، وقال أيضاً: قال المهلب: في
قوله: ((كلف أن يعقد بين شعيرتين)) حجة الأشعرية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق، ومثله
في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]. وأجاب من منع
ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وحملوه على أمور الدنيا،
وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة، انتهى. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها،
والحق أن التكليف المذكور في قوله: ((كلف أن يعقد)) ليس هو التكليف المصطلح، وإنما هو
کنایة عن التعذیب کما تقدم، انتھی.
[١] قال الحافظ(٢): أما الكذب في المنام، فقال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في
اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه، إذ قد تكون شهادة في قتل أو حدّ أو أخذ مال؛ لأن الكذب
في المنام كذب على الله تعالى أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على
المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية [هود: ١٨]،
وإنما كان الكذب في المنام كذباً على الله الحديث: ((الرؤيا جزء من النبوة))، وما كان من أجزاء
النبوة فهو من قبل الله تعالى، انتهى ملخصاً.
(١) ((فتح الباري)) (٤٢٩/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٢٨/١٢).

٥١١
أبْوَابُ الرُّونَا.
٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
السُّلَمِيّ، عَنْ عَلِيّ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّ نَحْوَهُ(١).
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي شُرَيْحٍ، وَوَائِلَةَ بْنِ الأَسْفَعِ.
وَهَذَا أَصَحُ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ.
٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ، نَا عَبْدُ الوَهَّابِ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيّ بَِّ قَالَ: «مَنْ تَحَلّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ
يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنٍ وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا)).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ.
٨ - بَابُ
٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ حَمْزَةَ
ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا
نَائِمٌ إِذْ أَتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنِ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ))،
قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((العِلْمَ)).
[٨ _باب]
قوله: (ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب) هذا[١] لا يشير إلى أبي بكر
[١] لله در الشيخ ما أجاد ولم تبق إذاً فاقة إلى توجيهات ذكرها الشراح، ووجه الحافظ بتوجيه =
[٢٢٨٢] انظر ما قبله.
[٢٢٨٣] تقدم تخريجه في: ١٧٥١.
[٢٢٨٤] خ: ٨٢، م: ٢٣٩١، حم: ٢/ ٨٣، تحفة: ٦٧٠٠.
(١) زاد في نسخة: ((قال: هذا حديث حسن)).

٥١٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَعَبْدِ الله بْنِ
سَلَامٍ، وَخُزَيْمَةَ، وَالظُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةً، وَسَمُرَةً، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَجَابٍ.
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحُ(١).
بشيء حتى يجاب عنه، فإن علوم الصحابة وكذا غيرهم من أمته بَّ إنما هي من
علومه، وليس في ذلك الحديث مقدار علمه أو مرتبته في العلم بين الصحابة ومزيته
عليهم فيه، حتى يحتاج إلى الجمع بينه وبين روايات أعلمية أبي بكر.
= آخر، فقال(٢): ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما
سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي، وفي الحديث فضيلة عمر،
وأن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن
منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم هنا العلمُ بسياسة
الناس، بكتاب الله وسنة رسول الله مَله، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى
أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة،
فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها
مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان، فانتشرت
الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت من ثم
الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافاً، والفتن إلا
انتشاراً، انتهى.
وقال القاري(٣): قال العلماء: بين عالم الأجسام وعالم الأرواح عالم آخر يقال له: عالم
المثال، والنوم سبب لسير الروح [المنور] في عالم المثال، ورؤية ما فيه من الصور غير =
(١) وسيأتي هذا الحديث في ((المناقب)) برقم (٣٦٨٧) وقال هناك: ((هذا حديث حسن صحيح
غریب)).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٦/٧).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٦/١١).

٥١٣
أَبْوَابُ الرُّؤْيَا.
٩ -باب
٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ (١) البَلْخِىُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ بَعْضِ
أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌َيِّ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمُ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ
عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصُ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ القُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:
فَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ). قَالُوا: فَمَا أُوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
((الدِّينَ)).
[٩ - باب]
قوله: (رأيت الناس) إلخ، لا يذهب علیك أن اللام فیه لیس للاستغراق، بل
المراد بذلك بعض من أمته لیس[١] فيه أبو بكر.
= الجسدانية، والعلم مصور بصور اللبن في ذلك العالم بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب
صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحه، وقيل: التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع
صور: الماء واللبن والخمر والعسل، تناولتها آية فيها ذكرت أنهار الجنة، فمن شرب الماء
يعطى العلم اللدني، ومن شرب اللبن يعطى العلم بأسرار الشريعة، ومن شرب الخمر يعطى
العلم بالكمال، ومن شرب العسل يعطى العلم بطريق الوحي، وقد قال بعض العارفين: إن
الأنهار الأربعة عبارة عن الخلفاء، ويطابقه تخصيص اللبن بعمر في هذا الحديث، انتهى.
[١] على أنه ليس في الحديث كلمة حصر وتخصيص يخرج غيره، وقد قال الحافظ(٢).
والجواب تخصيص أبي بكر من عموم قوله: عرض عليّ الناس، فلعل الذين عرضوا إذ =
[٢٢٨٥] حم: ٣٧٣/٥، تحفة: ٣٩٦١.
(١) وقع في نسخة صحيحة هكذا بالحاء، ووقع في بعض النسخ الأخرى بالجيم، وهو الظاهر،
انظر: ((الخلاصة)) (ص: ٨٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٧/ ٥١٠).

٥١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وإن كون عمر عليه قميص يجرّه لا يستلزم أن لا يكون على
=
أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر
فاقتصر عليها، قال القاري(١): قوله: ومنها ما دون ذلك، أي: قمص أقصر منه أو أطول منه
أو أعم منهما، بناء على أن دون ذلك بمعنى غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَامِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا
دُونَ ذَلِكَ ﴾ [الجن: ١١].
وفي ((فتح الباري))(٢): يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل، وهو الظاهر فيكون أطول،
ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم
الترمذي من طريق أخرى عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث، فمنهم
من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى
أنصاف ساقيه.
وقوله: ((الدين)) بالنصب أي: أولته الدين، وفي نسخة بالرفع أي: المؤول به الدين،
والمعنى يقام الدين في أيام خلافته مع طول زمان إمارته وبقاء أثر فتوحاته، أو لأن الدين
يشيد الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات كوقاية الثوب وشموله، قال النووي (٣): القميص
الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسننه الحسنة في المسلمين، انتهى.
قلت: ومما يشير إلى أن أبا بكر لا يذكر في هذه المواضع لما أنه يفوق منها بمراحل ما
أخرجه صاحب ((المشكاة)) (٤) برواية رزين عن عائشة قالت: بينا رأس رسول اللهحمَ ل في
حجري في ليلة ضاحية إذ قلت: يا رسول الله! هل يكون لأحد من الحسنات عدد نجوم
السماء؟ قال: ((نعم عمر))، قلت: فأين حسنات أبي بكر؟ قال: ((إنما جميع حسنات عمر
کحسنة واحدة من حسنات أبي بكر».
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١١ /١٨٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٩٥/١٢).
(٣) (شرح النووي)) (٨/ ١٧٧).
(٤) ((مشكاة المصابيح)) (٦٠٦٨).

٥١٥
أبْوَابُ الرُّؤْنَا.
٢٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ،
عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيّ، عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. وَهَذَا أَصَحُ.
١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَا النَّبِيّ ◌َ فِي الْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ
٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا الأَنْصَارِيُّ، نَا أَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ،
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟)) فَقَالَ
رَجُلُ: أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ
١٠ - باب ما جاء في رؤيا النبي ◌ُّل في الميزان والدلو
إنما قال ذلك مع أن النبي ◌َّةٍ لم ير شيئاً في الميزان هو مذكور هاهنا كما
يتضح بالنظر في الأحاديث الآتية (بياض في الأصل)[١].
[١] بياض في الأصل، ولا أدري هل سقط هاهنا شيء في النقل أو لم يتفق للشيخ - نور الله
مرقده - كتابته، ولعله أراد إشارة إلى ما ورد عن رؤيا [النبي] وَلّر في الميزان، فقد قال
القاري(١): أخرج أحمد(٢) في ((مسنده)) عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللّه مَّ ذات
غداة بعد طلوع الشمس فقال: ((رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما
المقاليد فهي المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، ووضعت في كفة ووضعت أمتي
في كفة فرجحت، ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح، ثم جيء بعمر فوزن بهم فرجح)،
الحدیث.
[٢٢٨٦] خ: ٢٣، م: ٢٣٩٠، ن: ٥٠١١، حم: ٨٦/٣، تحفة: ٣٩٦.
[٢٢٨٧] د: ٤٦٣٤، تحفة: ١١٦٦٢.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٥/١١).
(٢) ((مسند أحمد)) (٥٤٦٩).

٥١٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
فَرَجَحْتَ أَنْتَ بِأَبِى بَكْرٍ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ
وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَرَأيْنَا الكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ وَه
قوله: (فرأينا الكراهية في وجه رسول الله مثله) قال الأستاذ - أدام الله بره
على الوافدين، وغمر بالمنة الصادرين منهم والواردين -: لا أدري ماذا قالوا[١]
هاهنا في وجه الكراهية، ولست أحصله، فإن قولهم لم يكن بينهما معادلة فيه نقض
ظاهر، وعدول عن الحق باهر، أفلست ترى أن ما بين عثمان وعلي كما بين أبي بكر
وعمر وهكذا، فلا معنى لنفي ما يوازن رأساً كما ارتكبوا[٢]، بل الحق عندي في
[١] قال القاري(١): أحزن النبي ◌َلّر ما ذكر الرجل من رؤياه، وذلك لما علم له من أن تأويل
رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر، ومعنى رجحان كل من
الآخر في الميزان أن الراجح أفضل من المرجوح، وإنما لم يوزن عثمان وعلي لأن خلافة
علي على اختلاف الصحابة، فرقة معه وفرقة مع معاوية، فلا تكون خلافة مستقرة متفقاً
عليها، ذكره ابن الملك، وقال التوربشتي (٢): إنما ساءه - والله أعلم - [من الرؤيا التي
ذكرها] ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالاً لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم
به بعد عمر رضي الله عنه عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد، ويحتمل
أن يكون المراد من الوزن موازنة أيامهم لما كان نظر فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن
الموازنة [إنما] تراعى في الأشياء المتقاربة مع مناسبةٍ ما فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل
التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان، انتهى.
[٢] كما تقدم في آخر كلام القاري، وهكذا حكاه المحشي عن ((اللمعات))(٣) إذ قال: إن الموازنة
إنما تراعى في أشياء متقاربة مع مناسبة ما؛ فإذا تباعدت كل تباعد لم يوجد للموازنة معنى
فلذا رفع المیزان، انتھی.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٥/١١).
(٢) ((الميسر)) (١٠٢١/٣).
(٣) ((لمعات التنقيح)) (٩/ ٦٣٣).

٥١٧
أبْوَابُ الرُّونَا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، نَايُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، نَا عُثْمَانُ ابْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ الله ◌َِه
عَنْ وَرَقَةَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كَانَ صَدَّفَكَ وَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ
رَسُولُ الله ◌ِّيِّ: ((أَرِيتُهُ فِى الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ
لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسُ غَيْرُ ذَلِكَ».
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ
بِالقَوِيّ.
مَ چ* حين تذكر بذكره منامه ما يرد على أمته من الفتن
وجه الكراهية أن النبي
والمصائب حزن لذلك (بياض)[١].
[١] بياض هاهنا في المنقول عنه، ولا أدري هل سقوط من الناقل أو من الشيخ بنفسه، ولا يبعد أن
يكون هاهنا شيء يتعلق بحديث ورقة واختلف في إسلامه وصحبته، وظاهر حديث الباب،
وكذا ظاهر حديث الوحي عند البخاري وغيره أنه مؤمن، قال القسطلاني(١) تحت حديث
الوحي: ظاهره أنه أقرّ بنبوته، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي
إثبات الصحبة له نظر، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس عن ابن إسحاق: فقال له
ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، [وأنك على مثل ناموس موسى]،
وأنك نبي مرسل، الحديث، وفي آخره: فلما توفي قال رسول الله وَّ: ((لقد رأيت القس
في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني))، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في
((الدلائل))، وقال: إنه منقطع، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك أول من أسلم من الرجال،
وبه قال العراقي في ((نكته)) على ابن الصلاح، وذكره ابن منده في الصحابة، انتهى.
=
[٢٢٨٨] حم: ٦٥/٦، تحفة: ١٦٥٣٦.
(١) ((إرشاد الساري)) (٧٦/١).

٥١٨
الكوَكَبُ الدُّرِّي
٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجِ، ثَنِي مُوسَى
لالله
ابْنُ عُقْبَةَ، ثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ رُؤْيَا النَّبِيّ
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: ((رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ
قوله: (عن رؤيا النبي وَليل وأبي بكر وعمر) معناه رؤيا النبي بَّل نفسه
وأبا بكر وعمر، فالإضافة فيه إلى المفعول، والفاعل متروك[١] الذكر.
= قلت: وذكره الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة))، وذكر الاختلاف فيه، وقال العيني(١):
قال الكرماني: إن قلت: ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمناً
بعيسى عليه السلام، وأما الإيمان بنبينا فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا،
ولئن ثبت أنه كان منسوخاً في ذلك الوقت، فالأصح أن الإيمان التصديق، وهو قد صدقه
من غير أن يذكر ما ينافيه، وفي ((مستدرك الحاكم)) (٢) من حديث عائشة أن النبي وَلّ قال:
((لا تسبّوا ورقة، فإنه كان له جنة أو جنتان))، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرطهما.
ثم ذكر العيني حديث الترمذي هذا، وأجاب عن كلام المصنف في عثمان بالتقوية بما ورد
في الباب.
[١] هذا هو الظاهر في رواية الترمذي بلفظ: ((وأبي بكر)) بحرف العطف، بخلاف رواية
البخاري(٣) بسنده إلى سالم عن أبيه عن رؤيا النبي ◌َّ في أبي بكر وعمر، الحديث.
ففي هذا السياق الإضافة إلى الفاعل، ونسخ الترمذي من الهندية والمصرية متظافرة على
هذا السياق، أي: على حرف العطف، قال الحافظ (٤): قوله: عن رؤيا النبي ◌َّثيل كأنه تقدم
للتابعي سؤال عن ذلك، فأخبره الصحابي، وفي الحديث (أي: في سياق البخاري) اختصار
يوضحه غيره، وإن النبي قلّ بدأ أولاً فنزع من البئر، ثم جاء أبو بكر، انتهى بتغير.
[٢٢٨٩] خ: ٣٦٣٣، م: ٢٣٩٢، حم: ٢٧/٢، تحفة: ٧٠٢٢.
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٨/١).
(٢) ((المستدرك)) (٦٦٦/٢).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٧٠٢٠).
(٤) ((فتح الباري)) (٤١٩/١٢).

٥١٩
أَبْوَابُ الرُّؤْيَا.
فِيهِ ضَعْفُ وَالله يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَنَزَعَ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا
يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَى ضَرَبَ النَّاسُ بِالْعَطَنِ».
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ غَرِيبُ(١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
قوله: (فيه ضعف والله يغفر له) وأما وجه [١] الضعف فليس يرجع إلى
نقص في فضل الصديق، بل السبب في ذلك ما كان في زمنه من تزلزل في الملك،
[١] قال القاري(٢): قوله: ((والله يغفر له)) جملة حالية دعائية وقعت اعتراضية مبيّنة أن الضعف
الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان، غير راجعة إليه بنقيصة، وقال
القاضي: لعل القليب إشارة إلى الدين الذي هو منبع ما به تحيا النفوس، ويتمّ أمر المعاش،
ونزع الماء في ذلك إشارة إلى أن هذا الأمر ينتهي من الرسول إلى أبي بكر، ومنه إلى عمر،
ونزع أبي بكر ذنوباً أو ذنوبين إشارة إلى قِصر مدة خلافته، وأن الأمر يكون بيده سنة أو
سنتين، ثم ينتقل إلى عمر، وكان مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وضعفه فيه إشارة إلى
ما كان في أيامه من الاضطراب والارتداد، أو إلى ما كان له من لين الجانب والمداراة
مع الناس، ويدل عليه قوله: ((غفر الله له))، وهو اعتراض ذكره وي لل ليعلم أن ذلك موضوع
ومغفور عنه غیر قادح في منصبه.
وقال النووي(٣): قوله: ((في نزعه ضعف)) ليس فيه حط لمنزلته، ولا إثبات فضيلة عمر
عليه، إنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها واتساعها،
وقوله: ((والله يغفر له)) ليس فيه نقص، ولا إشارة إلى ذنب، إنما هي كلمة كان المسلمون
يزينون بها كلامهم، وقد جاء في ((صحيح مسلم)) (٤) أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، =
(١) في ((تحفة الأشراف)) (٧٠٢٢): ((حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٧/١١ - ١٨٨).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (١٧٨/٨).
(٤) ((صحيح مسلم)) (٧١٥).

٥٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وارتداد في الإسلام، حتى إن أمثال عمر - وكان علماً في بأسه[١] ونجدته - قد كان
تخوف كما يظهر بالمراجعة إلى كتب السير.
= افعل کذا والله يغفر لك، انتھی.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): اتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى
مدة خلافته، وفيه نظر؛ لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال: ذنوبين أو
ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار وهي ثلاثة،
ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى ذكر ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة
إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات، وقوله: ((في نزعه ضعف)) أي: على أنه
على مهل ورفق، وقوله: ((والله يغفر له))، قال النووي: هذا دعاء من المتكلم، أي: لا مفهوم
له، وقال غيره: إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر، وهو نظير قوله تعالى لنبيه بَ ل: ﴿فَسَيِحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣]، فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي ◌ِّ،
ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه لأن سببه قصر مدته،
فمعنی المغفرة له رفع الملامة عنه، انتھی.
والحديث ذكره البخاري في مناقب أبي بكر، ومال العيني (٢) إلى أن وجهه - أي: فضل
أبي بكر - ذكره قبل عمر، وتقدمه عليه في النزع، قلت: أو لما أنه وقع له نظير ما وقع للنبي بَثله
الجالية
من الإشارة بقرب الأجل، كما تقدم، ففيه مناسبة تامة معه
[١] قال المجد(٣): البأس: العذاب، والشدة في الحرب، بَؤُسَ ككرم بأساً فهو بئيس: شجاع،
وقال أيضاً: النجد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره، وقد نجد ككرم نجادة ونجدة، والذي
أشار إليه الشيخ مشهور في كتب السير، فقد قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (٤). أخرج =
(١) ((فتح الباري)) (٣٨/٧ - ٣٩).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٩/١١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٣، ٣٠٤).
(٤) ((تاريخ الخلفاء)) (ص: ٩٥).