النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
أبْوَابُ صِفَة جَهَنْ
((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا وَقَالَتْ: أُكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ: نَفَسًا
فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسَا فِي الصَّيْفِ، فَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الشِّتَاءِ فَزَمْهَرِيرٌ، وَأَمَّا نَفَسُهَا
فِي الصَّيْفِ فَسَمُومُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنَّهِ مِنْ
غَيْرٍ وَجْهٍ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ صَالِحِ لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ الْحَافِظِ.
٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا شُعْبَةُ، وَهِشَامُ، عَنْ
فَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﴿ قَالَ، قَالَ هِشَامُ: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ))، وَقَالَ
شُعْبَةُ: ((أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا
يَزِنُ شَعِيرَةً، أُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ
مَا يَزِنُ بُرَّةَ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ
إدخالها وتنفسها داخلاً نفس، أو يقال: كما أن من العذاب ما هو نار وحرارة، فكذلك
منه ما هو زمهریر وبرد، فنفس منها للحرارة ونفس للبرودة، فکما یعذب الکافرون بالنار
فکذلك يعذبون بالزمهرير، و کما أن النار اشتکت حرها فكذلك الزمهرير اشتکی بردها،
فإذن لهما في نفس نفس، ثم يشكل بعد ذلك شدة الحرارة والبرودة في بعض البلاد
دون بعض مع أن نسبة جهنم إلى البلاد بأسرها متساوية، والجواب أنه تبارك وتعالى
جعل الشمس وسيلة في إخراج حرارتها كما يتراءى في حماماتنا أيضاً، فإن مخرج
النار لا يكون إلا واحداً مع أن النار متصرفة بالتسخين في المكان بالتمام، فكذلك
ثمة لما جعل الشمس مخرج حرارتها كان المدار في كثرة الحرارة والقر وقلتهما هو
القرب من الشمس والبعد منها، فتأمل.
[٢٥٩٣] خ: ٤٤، م: ١٩٣، جه: ٤٣١٢، حم: ١١٦/٣، تحفة: ١٢٧٢، ١٣٥٦.

١٦٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
مَا يَزِنُ ذَرَّةً). وقَالَ شُعْبَةُ: ((مَا يَزِنُ ذُرَةً)) مُخَفَّفَةً.
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٢٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ
◌ُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسِ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: ((يَقُولُ الله:
أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾:((إِنِّي لأَعْرِفُ
آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا، رَجُلُ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ
قوله: (ذرة) بفتح الذال وتشديد ما بعدها: صغار النمل، وما نذر يبدو [١] في
الشمس من الرمال وغيرها.
قوله: (ذرة) بضم الذال وتخفيف ما بعده: چينه [٢]
[١] هكذا في المنقول عنه، ويحتمل أن يكون ما نزر أي: قلّ، والنزر: القليل من كل شيء، أو
ما يذرّ، والذر تفريق الحب والملح ونحوه، ويحتمل غيرهما، وأيًّا ما كان فالمراد الشيء
القليل الذي يبدو في شعاع الشمس، يعني الهباة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من
الكوة.
[٢] وچينه: نوع من الحبوب.
[٢٥٩٤] ك: ٢٣٤، هب: ٧٢٦، تحفة: ١٠٨٦.
[٢٥٩٥] خ: ٦٥٧١، م: ١٨٦، جه: ٤٣٣٩، حم: ١ / ٣٨٧، تحفة: ٩٤٠٥.

١٦٣
أبْوَابُ صِفَة جَهَنْ
الْمَنَازِلَ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى الْجَنَّةِ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، قَالَ: فَيَذْهَبُ
لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أُخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ
الْمَنَازِلَ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ
لَهُ: ثَمَنَّ (١)، قَالَ: فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشْرَةَ أَضْعَافٍ
الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله
ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ
قوله: (فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل) فيه اختصار، والحديث بطوله
مذکور[١] في بعض كتب الصحاح.
قوله: (أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟) إلخ، هذا التذكير ليشكر على ما يؤتى
من جلائل النعم بعد ما أنقذه الله من ذلك العذاب الأليم.
قوله: (حتى بدت نواجذه) النواجذ هي أقصى الأسنان، ثم استعمل اللفظ في
الضحك بحيث ينفتح الفم، حتى لو أراد أحد أن ينظر إلى النواجذ لأمكنه وإن لم تبد
نواجذه، وكان ضحكه مير التبسم إلا في مراتب عديدة منها هذا الوقت، وكان سبب
ذلك ما اعتراه من سرور بجرأة العبد على مولاه إذا رآه تلطف به وتحنن بعد ما كان
ممنوًّا بالكرب مبلوًّا بالمحن، فسبحان ربي ذي المعالي والمكارم والمنن.
[١] أخرجه الشيخان وغيرهما بطرق عديدة وألفاظ مختلفة مختصراً ومطولاً، وذكر بعضها صاحب
((المشكاة))، والقصة مبسوطة جدًّا.
[٢٥٩٦]م: ١٩٠، حم: ١٥٦/٥، تحفة: ١١٩٨٣.
(١) في نسخة: ((تمنه)).

١٦٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ هِ: ((إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا
مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، يُؤْثَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: سَلُوا عَنْ صِغَارٍ
ذُنُوبِهِ وَأخْبِئُوا كِبَارَهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، عَمِلْتَ كَذَا
وَكَذَا فِي يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، قَالَ:
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَقَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ مَا أَرَاهَا هَاهُنَ))، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله
صَلَا الله
يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ،
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((يُعَذَّبُ نَاسَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي النَّارِ
حَتَّى يَكُونُوا فِيهَا حُمَمَّا، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ الرَّحْمَةُ، فَيُخْرَجُونَ وَيُظْرَحُونَ عَلَى
أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَرُثُّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ الْمَاءَ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الغُثَاءُ
فِي حِمَالَةِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ)).
قوله: (إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار) إلخ، إن أريد بالآخرية
الآخرية الحقيقية فهذا الرجل هو الذي قد سبق بعض ذكر حاله في الرواية المتقدمة،
ولعل هذا السؤال منه يكون بعد إدخاله الجنة أو في غير ذلك الوقت حيث يناسب،
وإن أريد بالآخرية الإضافية فلا يبعد تغايرهما، وسؤال هذا الرجل من ذنوبه كسؤال
الرجل الأول ليكون أوقع في تذكير نعمه سبحانه والشكر عليها.
قوله: (كما ينبت الغثاء في حمالة السيل) تشبيه في سرعة [١] النبات فإنهم
يبرؤون من حرقتهم سريعاً.
[١] وبذلك جزم النووي كما حكاه القاري(١) إذ قال: إنما شبَّههم بها لسرعة نباتها وحسنها =
[٢٥٩٧] حم: ٣٩١/٣، تحفة: ٢٣٣٢.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٩/١٠).

١٦٥
أَبْوَابُ صِفَة جَهَنّ
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ.
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَ قَالَ: «يُخْرَجُ
مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ)». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ
فَلْيَقْرَأَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ:
ثَنِي ابْنُ أَنْعُمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله
قَالَ: ((إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلا(١) النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
أَخْرِجُوهُمَا، فَلَمَّا أُخْرِجَا قَالَ لَهُمَا: لأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ
لِتَرْحَمَنَا، قَالَ: رَحْمَتِى لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ،
فَيَنْطَلِقَانِ فَيُلْقِى أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الآخَرُ فَلَا
= وطراوتها، انتهى. قال صاحب ((المجمع))(٢): قوله: كما تنبت الحِبة في غثاء السيل، هو بالضم
والمد: ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وفي مسلم(٣): ((كما تنبت
الغثاءة))، يريد ما احتمله السيل من البزورات.
[٢٥٩٨] خ: ٢٢، م: ١٨٣، ن: ٥٠١٠، جه: ٦٠، حم: ١٦/٣، تحفة: ٤١٨١.
[٢٥٩٩] تحفة: ١٥٤٤٨.
(١) في نسخة: ((دخل)).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٤/ ١٢).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٨٤).

١٦٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا أَلْقَى
صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي، فَيَقُولُ
لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ، فَيَدْخُلَانِ(١) الجَنَّةَ جَمِيعًا بِرَحْمَةِ الله)).
إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفُ لأَنَّهُ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ
هُوَ ضَعِيفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ أَنْعُمْ وَهُوَ الإِفْرِيقِيُّ، وَالإِفْرِيقِيُّ ضَعِيفٌ
عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَايَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا الْحَسَنُ بْنُ ذَکْوَانَ،
عَنْ أَبِي رَجَاءِ العُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَّهِ قَالَ:((لَيَخْرُجَنَّ
قَوْمُ مِنْ أَمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمَّوْنَ الْجهنَّميينِ)) (٢).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَأَبُو رَجَاءِ العُطَارِدِيُّ اسْمُهُ: عِمْرَانُ بْنُ تَيْمٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ مِلْحَانَ.
قوله: (يسمون الجهنميين) ولا يغضبون بتلك التسمية، بل (١) يفرحون لتذكرهم
بها ما منّ الله به عليهم من الجنة، وأجارهم الله عنه من الجحيم.
[١] قال الطيبي(٣): ليست التسمية بها تنقيصاً لهم بل استذكاراً ليزدادوا فرحاً إلى فرح، وابتهاجاً
إلى ابتهاج، وليكون ذلك علمًا لكونهم عتقاء الله تعالى، كذا في ((المرقاة))(٤). قلت: وقد ورد
في ((المشكاة)) برواية الخدري مرفوعاً: ((يقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمان)»، الحديث،
فلا يبعد أن يكون التسمية بالجهنميين أولاً ثم بالعتقاء، أو يكون أحدهما اسماً والثاني لقباً.
[٢٦٠٠]خ: ٦٥٦٦، ٥: ٤٧٤٠، جه: ٤٣١٥، حم: ٤٣٤/٤، تحفة: ١٠٨٧١.
(١) في نسخة: ((فیدخلا)).
(٢) فى نسخة: ((الجهنميون)).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٣٥٣٨/١١).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٩/١٠).

١٦٧
أبْوَابُ صِفَة جَهَنْ
٢٦٠١ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ له: ((مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا،
وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا)).
هَذَا حَدِيثُ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله، وَيَحْيَى بْنُ
عُبَيْدِ اللهِ ضَعِيفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ.
(٩) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ
٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِی
رَجَاءِ العُطَارِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: «الطَّلَعْتُ(١) فِي
الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»(٢).
[٩ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ
قوله: (فرأيت أكثر أهلها النساء) فإن [١] النساء في أنفسها كثيرة نسبة إلى
[١] أشار الشيخ بذلك إلى جواب عن إيراد وارد على الحديث، وتوضيح ذلك ما قال القاري(٣):
قد يشكل عليه ما جاء في حديث الطبراني: أن أدنى أهل الجنة يمسي على زوجتين من نساء
الدنيا، فكيف يَكُنَّ مع ذلك أكثر أهل النار وهُنَّ أكثرُ أهل الجنة؟ وجوابه أنهن أكثر أهلها =
[٢٦٠١] هب: ٣٨٣، تحفة: ١٤١٢٤.
[٢٦٠٢] م: ٢٧٣٧، ن في الكبرى: ٩٢٦١، حم: ٢٣٤/١، تحفة: ٦٣١٧.
(١) قال الطيبي (٣٣١٠/١٠): ضمن ((اطلعت)) معنى تأملت، و((رأيت)) بمعنى علمت؛ ولذا عداه
إلى مفعولين، ولو كان الاطلاع بمعناه الحقيقي لكفاه مفعول واحد، انتهى.
(٢) زاد في ((تحفة الأشراف)) (٦٣١٧): ((حسن صحيح)).
(٣) («مرقاة المفاتيح)) (٥٣٢/٣).

١٦٨
الكَوْكَبُ الدُّرِي
٢٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
وَعَبْدُ الوَهَّابِ، قَالُوا: نَا عَوْفٌّ، عَنْ أَبِي رَجَاءِ العُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: «اطَّلَعْتُ فِى النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَاطَّلَعْتُ
فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
هَكَذَا يَقُولُ عَوْفُ: عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَيَقُولُ أَيُّوبُ:
عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَكِلَا الإِسْنَادَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا مَقَالُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ
يَكُونَ أَبُو رَجَاءٍ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ عَوْفٍ أيْضًا هَذَا الحَدِيثَ
عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
(١٠) بَابُ
٢٦٠٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
الرجال، فما كان منها في الجنة أكثر من الرجال، وما كان منها في النار أكثر من نساء
الجنة ومن رجال النار أيضاً.
= ابتداء، ثم يخرجن ويدخلن الجنة فيصرن أكثر أهلها انتهاءً، أو المراد أنهن أكثر أهلها بالقوة،
ثم یعفو الله عنهن، هذا ولا بدع أنهن یگنَّ أکثر أهلهما لکثرتهن، انتھی.
قال الحافظ(١): وظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء أو مناماً وهو غير رؤيته النار وهو في صلاة
الكسوف، ووهم من وحّدهما، وقال الداودي: رأى ذلك ليلة الإسراء، أو حين خسفت الشمس،
کذا قال، انتھی.
[٢٦٠٣] خ: ٦٤٤٩، ن في الكبرى: ٩٢٥٩، حم: ٣٢٩/٤، تحفة: ١٠٨٧٣.
[٢٦٠٤] خ: ٦٥٦١، م: ٢١٣، حم: ٢٧١/٤، تحفة: ١١٦٣٦.
(١) ((فتح الباري)) (٤١٩/١١).

١٦٩
أبْوَابُ صِفَة جَهَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ
عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ فِي أُخْمَصٍ (١) قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُظَلِبِ، وَأَبِي سَعِيدٍ.
(١١) بَابُ
٢٦٠٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو نُعَيْمِ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ
خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَّ .....
قوله: (إن أهون أهل النار عذاباً) إلخ، قيل [١]: إنما هو أبو طالب، خفف
عنه العذاب لنصرته النبي ◌َّة، واختلفت الروايات[٢] فيه، فقد ورد في بعضها: ((في
[١] قال ابن التين: يحتمل أن يراد به أبو طالب، قال الحافظ(٢): وقد بينت في قصة أبي طالب من
المبعث النبوي أنه وقع في حديث ابن عباس عند مسلم التصريح بذلك ولفظه: ((أهون أهل
النار عذاباً أبو طالب»، انتهى.
[٢] فقد أخرج البخاري(٣) برواية أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله وَل يقول وذكر عنده
عمه أبو طالب فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ
کعبیه یغلي منه أم دماغه)».
قال الحافظ (٤): ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي، واستشكل قوله تعالى: ((تنفعه=
[٢٦٠٥] خ: ٤٩١٨، م: ٢٨٥٣، د: ٤٨٠١، جه: ٤١١٦، ن في الكبرى: ١١٦١٥، حم: ٣٠٦/٤،
تحفة: ٣٢٨٥.
(١) أخمص: ما دخل من القدم فلم يصب الأرض عند المشي. ((مجمع بحار الأنوار)) (١/ ٣٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٣٠/١١).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٦٥٦٤).
(٤) ((فتح الباري)) (١١ / ٤٣١).

١٧٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
ضحضاح (١) من النار))، والمراد بها واحد.
= شفاعتي)) بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وأجيب بأنه خص، ولذلك
عدّوه في خصائص النبي ◌َ ، وقيل: معنى المنفعة في الآية تخالف معنى المنفعة في الحديث،
والمراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف، وبهذا الجواب
جزم القرطبي.
وقال البيهقي: صحت الرواية في شأن أبي طالب، فلا معنى للإنكار، فيجوز أن يخص منه
من ثبت الخبر بتخصيصه، قال: وحمله بعض أهل النظر على أن جزاء الكافر من العذاب يقع
على كفره وعلى معاصيه، فيجوز أن الله يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه تطبيباً
لقلب الشافع لا ثواباً للكافر، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباء، ويجاب أيضاً أن
المخفّف عنه لما لم يجد أثر التخفيف فكأنه لم ينتفع بذلك، ويؤيد ذلك ما ورد أنه يعتقد أن
ليس في النار أشدّ عذاباً منه، وذلك أن القليل من عذاب جهنم لا تطيقه الجبال، فالمعذّب
لاشتغاله بما هو فيه يصدق عليه أنه لم يحصل له انتفاع بالتخفيف.
وقال القرطبي: اختلف في هذه الشفاعة هل هي بلسان قولي أو بلسان حالي، والأول يشكل
بالآية، وجوابه جواز التخصيص، والثاني يكون معناه أن أبا طالب لما بالغ في إكرام النبي ◌َاثر
والذبّ عنه جوزي على ذلك بالتخفيف، فأطلق على ذلك شفاعة لكونها بسببه، انتهى.
زاد في ((الإرشاد الرضي)) في تقرير هذا الحديث: أن ما ألف السيوطي من الرسائل(١) في
إسلام والدي النبي عليه، وجزم في بعضها بأنهما ماتا على الملة الإبراهيمية، ومال في بعضها
إلى إسلامهما بعد إحيائهما، وغير ذلك، تأباه النصوص، والحق عند مشايخنا أنهما ماتا على
الكفر كما جزم به في ((الفقه الأكبر».
[١] قال العيني(٢): بإعجام الضادين وإهمال الحائين: ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو
الكعبين فاستعير للنار، انتهى.
(١) منها: ((التعظيم والمنة في أن أبوي النبي ◌َّ﴾له في الجنة))، و((رسالة في سعادة أبوي النبي وَّ))،
و ((السبل الجلية في الآباء العلية)).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٢٦/٢٣).

١٧١
أبْوَابُ صِفَة جَهَنِّ
يَقُولُ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفِ مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله
الأَبَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ، كُلُّ عُثُلِّ جَوَّاظِ مُتَكِّرٍ).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (كل ضعيف متضعف)[١] يعني أنه مع ضعفه الحقيقي لا يظهر من نفسه
إلا الضعف دون الکبر.
قوله: (عتل)[٢]. قوله: (جواظ)[٣] المناسب من معانيه هاهنا هو الجموع
والمنوع.
[١] قال القاري(١): بفتح العين ويكسر من باب التأكيد كجنود مجندة، والقناطير المقنطرة، وفائدة
التاء الموضوع للطلب أن الضعف الحاصل فيه كأنه مطلوب منه التذلل والتواضع مع إخوانه،
وإن كان قويًّا مترجلاً مع أعدائه، قال النووي(٢): ضبطوه بفتح العين وكسرها والمشهور
الفتح، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجرؤون عليه لضعف حاله في الدنيا، يقال:
تضعفه واستضعفه، وأما على الكسر فمعناه متواضع متذلل حامل واضع من نفسه، انتهى.
[٢] بياض في المنقول عنه، وقال القاري(٣): بضمتين فتشديد أي: جاف شديد الخصومة بالباطل،
وقيل: الجافي الفظّ الغليظ.
[٣] قال القاري: بتشديد الواو أي: جموع منوع أو مختال، وقيل: السمين من التنعم، وقيل: الفاجر
بالجيم، وقيل: بالخاء، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٣/٩).
(٢) ((شرح النووي)) (٢٠٧/٩).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٩/٩).

أبَوَابُ الأَان

١٧٥
.... (١).
٤٠ - أَبْوَابُ الْإِيمَانِ عَنْ رَسُولِ الله
(١) بَابُ مَا جَاءَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله
٢٦٠٦ - حَدَّثَنَا هَنَّاً، نَا أَبُوِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: «أَمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله،
٤٠ - أبواب الإيمان (١] عن رسول الله وَ الهيم
[١ - بَابُ مَا جَاءَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله]
[١] اعلم أن الكلام على أبحاث الإيمان طويل لا يسعه هذا المختصر، بسطه شُرّاح البخاري لا
سيما العلامة العيني، فارجع إليه لو شئت التفصيل، ومما لا بد من ذكرها ما أجمله القاري إذ
قال(٢): إن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن وطمأنينة لغةً، وفي الشرع تصديق القلب بما
جاء من عند الرب، واختلف العلماء فيه على أقوال:
أولها: عليه الأكثرون والأشعري والمحققون أنه مجرد تصديق النبي ﴾ ﴾ فيما عُلِمَ مجيئه
بالضرورة، تفصيلاً في الأمور التفصيلية، وإجمالاً في الإجمالية تصديقاً جازماً ولو بغير دليل
حتى يدخل إيمان المقلد، فهو صحيح على الأصح، وهو مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين؛
لأنه مَ لّ قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية.
وثانيها: أنه عمل القلب واللسان معاً، فقيل: الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان
فيما بين العبد وربه. قال النسفي: وهذا هو المروي عن أبي حنيفة وإليه ذهب أبو منصور
الماتريدي والأشعري في أصح الروایتین عنه، وقيل: هو رکن لکنه غیر أصلي بل زائد، ومن
ثم يسقط عند الإكراه والعجز، ولذا من صدق ومات فجأة على الفور فإنه مؤمن إجماعاً . =
[٢٦٠٦] خ: ٢٩٤٦، م: ٢١، د: ٢٦٤٠، ن: ٣٩٧٦، جه: ٣٩٢٧، حم: ٣٧٧/٢، تحفة: ١٢٥٠٦.
(١) زاد في نسخة: ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٥/١).

١٧٦
الكَوْكَبُ الدُّرِي
وقال بعضهم: الأول مذهب المتكلمين، والثانى مذهب الفقهاء، والحق أنه ركن عند المطالبة،
=
وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة، وبهذا يلتئم القولان، والخلافان لفظيان.
وثالثها: أنه فعل القلب واللسان مع سائر الأركان، ونقل عن أصحاب الحديث، ومالك
والشافعي وأحمد والأوزاعي، والمعتزلة، والخوارج، لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة
بين الإيمان والكفر بمعنى أنه لا يقال له مؤمن ولا كافر، بل يقال له: فاسق مخلّد في النار،
والخوارج على أنه كافر، وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة، ولا تظهر
المغايرة بين قول أصحاب الحديث وبين سائر أهل السنة؛ لأن امتثال الأوامر واجتناب
الزواجر من كمال الإيمان اتفاقاً لا من ماهيته، فالنزاع لفظي لا على حقيقته، انتهى.
قال العيني(١): أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو
الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم
كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة
والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار؛ لأن أصل الطاعات
الإيمان، وأصل المعاصي الكفر، القول الثاني: أن الإيمان اسم للطاعة كلها فرائضها ونوافلها
وهي بجملتها إيمان واحد، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل
لا ينقص إيمانه، الثالث: أن الإيمان اسم للفرائض دون النوافل، انتهى.
وفي (شرح العقائد))(٢): الإيمان في اللغة: التصديق أي: إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله
صادقاً، وفي الشرع: التصديق بما جاء به من عند الله، أي: تصديق النبي ◌َالثّ بالقلب في جميع ما
عُلِمَ بالضرورة مجيئه به من عند الله إجمالاً، فإنه كافٍ في الخروج عن عهدة الإيمان، ولا تنحطّ
درجته عن الإيمان التفصيلي، والإقرار به باللسان، إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط،
والإقرار قد يحتمله، وهو مذهب بعض العلماء وهو اختيار شمس الأئمة وفخر الإسلام، وذهب
جمهور المحققين إلى أنه هو التصديق بالقلب، والإقرار شرط لإجراء الأحكام، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١/ ١٠٣).
(٢) ((شرح العقائد)) (ص: ٧٧ -٧٩).

١٧٧
أبْوَابُ الإِيْمَان
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
قوله: (فإذا قالوها) أي: هذه الكلمة [١]، والمراد بها هي بما يلزمها من الإقرار
بفرضية الفرائض القطعية وإن لم يصرح بذلك في الرواية، فمن الظاهر أن الإقرار
[١] قال القاري(١): أكثر الشراح على أن المراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم
يقولون: لا إله إلا الله، ولا يرفع عنهم السيف إلا بالإقرار بنبوة محمد مماثلة أو إعطاء الجزية،
وتؤيده رواية النسائي: ((أمرت أن أقاتل المشركين))، وقال العيني(٢): هذا الحديث في حال
قتاله لأهل الأوثان الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾
[الصافات: ٣٥]، فدعاهم إلى الوحدانية وخلع الأوثان، وأما الآخرون المنكرون النبوة فقال
فيهم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويشهدوا أن محمداً رسول الله، فإسلام
هؤلاء الإقرارُ بما كانوا به جاحدين، وعلى هذا تحمل الأحاديث، انتهى.
وقال الطيبي: المراد الأعم لكن خص أهل الكتاب بالآية، قيل: وهو الأولى؛ لأن الأمر
بالقتال نزل بالمدينة مع كل من يخالف الإسلام، والتحقيق أن يقال: الشهادة إشارة إلى تخلية
لوح القلب عن الشرك الجلي والخفي وسائر النقوش الفاسدة الردية، ثم تحليته بالمعارف
اليقينية، والحكم الإلهية، والاعتقادات الحقية، وأحوال المعاد، وما يتعلق بالأمور الغيبية،
والأحوال الأخروية؛ لأن من أثبت ذات الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها
اسم الله، ونفى غيره، وصدق رسالة النبي ◌ِلّه بنعت الصدق والأمانة، فقد وفى بعهدةِ عَهدِهِ،
وبذل نهاية جهده في بداية جهده، وامن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد، ولذا
لم يتعرض لإعداد سائر الأعداد، ملخص من القاري(٣).
ويشكل على الحديث ترك الجزية، وحاصل ما أجاب عنه العيني (٤) أن المراد بمجموع ما
ورد إعلاء كلمة الله وهو يحصل بذلك في بعضهم، وفي بعضهم بالجزية، وفي بعضهم =
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٩/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٤ /٢١٥).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٥٠).
(٤) ((عمدة القاري)) (١ / ١٨١).

١٧٨
الكَوْكَبْ الدُّرِي
إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله)).
بالرسالة داخل فيه قطعاً مع أنه غير مذكور هاهنا، فترك ما سوى الشهادتين أو ما
سوى الشهادة الأولى في الروايات، إما أن يكون اختصاراً(١) من الرواة، أو يقال: إنه
مبني على ما كانوا عليه من أن المقر بوحدانيته تعالى لم ينكر الرسالة، ومن أقر بهما
فأَنَّى كان له مساغ في ترك الفرائض القطعية فضلاً عن إنكارها، ويجوز أن يقال فيه
ما قال[٢] الزهري كما يذكره المؤلف عن قريب، لكنه بعيد جدًّا، فإن الأمر بالقتال
إنما كان بعد الهجرة، وقد نزلت فرضية صلاة (٣] التهجد في مكة، فكيف يقال: إنه
لم يكن بعد فريضة؟ نعم تأويل الزهري يتمشى من غير تكلف في الأحاديث التي لم
يذكر فيها القتال وغيره، كقوله ◌ِّ: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)).
قوله: (إلا بحقها) أي: إلا بحق الكلمة كقتل القاتل ورجم الزاني فإن الكلمة
تجوز قتلهما.
= بالمهادنة، مع احتمال أن حكم الجزية ورد بعد ذلك بل هو الظاهر، وأيضاً المراد من وضع
الجزية أن يضطروا إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فيكون التقدير حتى يُسلموا أو يعطوا
الجزية، ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي، أو نقول: إن المقصود القتال أو ما يقوم
مقامه، أو المقصود الإسلام منهم أو ما يقوم مقامه في دفع القتال، وهو إعطاء الجزية، و کل
هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية، انتهى.
[١] كما تدل عليه رواية للبخاري بلفظ: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به))،
وحذفتا في رواية استغناءً عنهما بالشهادتين لأنهما الأصل، كذا في ((المرقاة))(١).
[٢] بلفظ: وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي ◌َ ثّر: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة))،
فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، انتهى.
[٣] لعل ذكر التهجد ليس باحتراز، فإن فرضية الصلوات كلها كانت قبل ذلك بل ذكرها لكونها
أول ما فرض.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٥٠).

١٧٩
أبْوَابُ الإِيْمَان
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ(١)، وَابْنِ عُمَرَ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ(٢).
٢٦٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُقِّيَ
رَسُولُ اللهِ وَ لَهُ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، كَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ
قوله: (كفر من كفر من العرب) إلخ، قد صار هؤلاء ثلاث فرق (١]: منهم
من ارتد عن الإسلام، ومنهم من أنكر فرضية الزكاة، ومنهم من أنكر أداءها إليه وإن
[١] أشار الشيخ إلى دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث فإن ظاهر قوله: ((كفر من كفر)) يشير إلى أن
مناظرة الشيخين كانت في قتال المرتدين، وهذا مشكل جدًّا وبعيد عن مثل عمر، وأيضاً يشكل
على قوله: ((كفر من كفر)) ما قال عمر: كيف تقاتل الناس إلخ، فدفعهما الشيخ بهذا الكلام.
وحاصله أن قوله: ((كفر من كفر)) لا دخل له في المناظرة، بل إشارة إلى معظم ما وقع في
هذا الزمان، وبيان للطائفتين الكافرتين لا الطائفة التي وقعت فيها المناظرة، أو يقال: إن
إطلاق الكفر على الطوائف كلها مجاز لدخول كلهم في منع أهل الردة، وتوضيح ذلك ما في
((البذل))(٣) عن العيني أن هؤلاء كلهم كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة
وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: ((وكفر من كفر)) وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب
مسيلمة وأصحاب الأسود العنسي، وهذه الفرقة بأسرها منكرة النبوة سيدنا محمد محّ مدعية
للنبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسي بالصنعاء.
والطائفة الثانية ارتدوا عن الدِّين، فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور
الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، والصنف الآخرهم الذين فرّقوا بين الصلاة =
[٢٦٠٧] خ: ١٣٩٩، م: ٢٠، د: ١٥٥٦، ن: ٢٤٤٣، حم: ١٩/١، تحفة: ١٠٦٦٦.
(١) في نسخة: ((سعد)) مكان ((أبي سعيد)).
(٢) في نسخة: ((حسن صحيح)).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٩٨/٦ -٢٩٩).

١٨٠
الكَوْكَبْ الدُّرِّي
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لأَّبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله
لله
(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله
أقر بأنها فريضة الله على عباده، والأولان منهم كافرون دون الثالث، فإطلاق ((كفر
من كفر)) في الرواية تغليب، أو المقصود بيان الكافرين لا الثالث، وكان هؤلاء الذين
أبوا أن يؤدوها إلى الإمام بغاة، وكان اختلاف عمر في هذين، وقد كان مسلَّما١ً] فيما
والزكاة، فأقرّوا بالصلاة، وأنكروا فرضية الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على
=
الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً لدخولهم في غمار
أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأُرّخ قتال
أهل البغي في زمان علي إذ كانوا منفردين ولم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن
هؤلاء المانعين من لا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك كبني يربوع، فإنهم جمعوا
صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفرّقها فيهم، انتهى.
وقال الحافظ (١) تحت قول الصديق: ((لأقاتلن من فرق)): يجوز تشديد فرق وتخفيفه،
والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة وأنكر الزكاة جاحداً أو مانعاً مع الاعتراف، وإنما أطلق في
أول القصة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز
تغليباً، وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم
إلی الرجوع فلما أصرّوا قاتلهم، انتهى.
وعلم من ذلك أن الصنف الثاني في كلام العيني الذي سماهم أهل البغي كانوا أيضاً على
صنفين، ولذا عدّهم الشيخ فرقتين، وجعل المرتدين كلهم فرقة واحدة لعدم الاحتياج هاهنا
إلى تفصيل أحوالهم بخلاف مانعي الزكاة.
[١] هكذا في ((الفتح)) (٢) إذ قال: قال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقاً على قتال من جحد
الصلاة، فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنة مورداً واحداً، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٢ / ٢٧٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٧٧).