النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ أبْوَابُ السِّيرَ إِسْرَائِيلَ، عَنْ تُوَيْرٍ (١)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ: أَنَّ كِسَرْى أَهْدَى لَهُ(٢) فَقَبِلَ، وَأَنَّ الْمُلُوكَ أَهْدَوْا إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ. وَفِي البَاب عَنْ جَابِرٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ. وَثُوَيْرُ هُوَ ابْنُ أَبِي فَاخِتَةَ اسْمُهُ(٣): سَعِيدُ بْنُ عِلاَقَةَ، وَثُوَيْرٌ يُكْنِىَ أَبَا جَهْمٍ. (٤) ... ١٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عِمْرَانَ القَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ، أَنَّهُ أَهْدَى : (أَسْلَمْتَ))، قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَإِنِيّ نُهِيتُ صَلَا الله. لِلنَّبِيِّ وَلِّ هَدِيَّةً لَهُ نَاقَةً(٥)، فَقَالَ النَّبُّ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ)). على الائتلاف بهم، ويجوز الأخذ في غير ذلك مثل ما يأخذ الملوك من الرعايا، وعلى هذا يخرج الحكم فيما يبذله الهنود من ديارنا في أعيادهم ويتحفون أهل الإسلام، فما كان مذلة لهم جاز، وما كان فيه ذل للآخذ أو يكون للمودة المحضة لم يجز، ولذلك قبل النبي ◌ُّ هدايا بعض المشركين ورد هدايا بعضهم، لكون الأول من أول القسمين والثاني من ثانيهما، وهذا هو المراد بقوله مَ ئية: ((نُهيت عن زبد المشركين))، وأجاب بعضهم بأن النهي عن القبول كان بعد القبول، وعلى هذا يكون نسخاً. [١٥٧٧] د: ٣٠٥٧، تحفة: ١١٠١٥. (١) زاد في نسخة: «ابن أبي فاختة)). (٢) في نسخة: ((إليه)). (٣) في نسخة: ((وأبو فاختة اسمه)). (٤) زاد في نسخة: «بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ)». (٥) في نسخة: ((أو ناقة)) بدل ((له ناقة)). ٤٤٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ:((إِّ نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ))، يَعْنِي: هَدَايَاهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هَدَايَاهُمْ، وَذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الكَرَاهِيَةُ، وَاخْتَمَلَ (١) أَنْ يَكُونَ هَذَا بَعْدَ مَا كَأَنَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْ هَدَايَاهُمْ. (٢٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي سَجْدَةِ الشِّكْرِ ١٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ٢٤ - باب ما جاء في سجدة الشكر لم يقل بجوازها الإمام الهمام ولعله لم يجد الرواية، والمذهب [١] جوازها وهو قول صاحبيه، ولا يجوز سجدة المناجاة [٢] لعدم الثبوت، وما ورد من الأدعية عن النبي وَلّ في السجدات فإنما هي في الصلاتية لا المنفردة. [١] أي: المرجح عند المتأخرين، ففي ((الدر المختار)): سجدة الشكر مستحبة، به يفتى. قال ابن عابدين(٢): هذا قولهما، وأما عند الإمام فنقل عنه في ((المحيط)): لا أراها واجبة لأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة؛ لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة، وفيه تكليف ما لا يطاق، ونقل في ((الدخيرة)): عن محمد عن الإمام: أنه لا يراها شيئاً، وتكلم المتكلمون في معناه فقيل: لا يراها سنة، وقيل: شكراً تامًّا؛ لأن شكره بتمام ركعتين كما فعل عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، وقيل: أراد نفي الوجوب، وقيل: نفي المشروعية، كذا في (البذل))(٣). [٢] ففي ((الكبيري)) (٤) بعد البحث في سجدة الشكر: فقد علم من الاختلاف في سجدة الشكر، = [١٥٧٨] د: ٢٧٧٤، جه: ١٣٩٤، تحفة: ١١٦٩٨. (١) في نسخة: ((ويحتمل)). (٢) ((رد المحتار)) (٥٩٧/٢-٥٩٨). (٣) ((بذل المجهود)) (٥٠٨/٩). (٤) ((الحلبي الكبيري)) (ص: ٥٣٢). ٤٤٣ أَبْوَابُ السِّيرَ ﴿ أَتَاهُ أَمْرٌ، فَسُرَّ بِهِ، فَخَرَّ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َّ سَاجِدًا. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ رَأَوْا سَجْدَةَ الشُّكْرِ. (٢٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَالعَبْدِ ١٥٧٩ - حَدَّثَنَا يَحَْى بْنُ أَكْثَمَ، ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ كَثِيرِ ٢٥ - باب ما جاء في أمان المرأة والعبد ومعنى إجازة عمر أمانَ العبد أنه قبله منه،[١] فصار أمناً لإجازة عمر وبعدها، ولم يكن أمان العبد في نفسه [٢]. = ومما صرح به الزاهدي كراهة السجود بعد الصلاة بغير سبب، وأما ما ذكره في ((التتار خانية)) عن ((المضمرات)): أن النبي ◌َ﴾ قال لفاطمة: ((ما من مؤمن ولا مؤمنة يسجد سجدتين يقول في سجوده خمس مرات: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)) إلى آخره، فحديث موضوع باطل لا أصل له، ولا يجوز العمل به، انتهى. [١] قال صاحب ((الهداية))(١): إذا أمّن رجل حر أو امرأة حرة كافراً، أو جماعة، أو أهل حصن، أو مدينة: صح أمانهم، ولا يجوز أمان العبد المحجور عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال محمد: يصح، وهو قول الشافعي، وأبو يوسف معه في رواية، ومع أبي حنيفة في رواية، انتهى. وعلى هذا فيمكن للحديث توجيه آخر وهو أنه كان مأذوناً. [٢] هكذا في الأصل والظاهر: شيئاً. [١٥٧٩] حم: ٢٣٦٥، تحفة: ١٤٨٠٩. (١) ((الهداية)) (١/ ٣٨٢). ٤٤٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ◌ِّ قَالَ: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ ابْنِ زَيْدٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ رَبَاجٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ))، يَعْنِي: تَجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَفِي البَابِ عَنْ أُمَّ هَانِئٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ(١). حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ التِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَبِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي مُرََّ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أُمّ هَانِ أَنَّهَا قَالَتْ: أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَ له: ((قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ)) [٦]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، أَجَارُوا أَمَانَ الْمَرْأَةِ(٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَحَمْدَ، وَإِسْحَاقَ، أَجَازَا أَمَانَ الْمَرْأَةِ، وَالعَبْدِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَجَازَ أَمَانَ العَبْدِ. وَأَبُو مُرَّةً مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَوْلَى أُمّ هَانِيٍّ، وَاسْمُهُ يَزِیدُ. [*] خ: ٣٥٧، م: ٣٣٦، ن في الكبرى: ٨٦٣١، جه: ٤٦٥، حم: ٣٤١/٦، تحفة: ١٨٠١٨. (١) زاد في بعض النسخ: «وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَكَثِرُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ سَمِعَ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ رَبَاحِ، وَالوَلِيدُ بْنُ رَبَاحِ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ)). (٢) زاد في نسخة: ((والعبد)). ٤٤٥ أبْوَابُ السِّيرَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّيِّ ((ذِمَّةُ(١) الْمُسْلِمِيَن وَاحِدَةُ يَسْعِىَ بِهَا أَدْنَاهُمْ)). ◌َّهُ قَالَ: صَلَآالله وَمَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ مَنْ أَعْطَى الأَمَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ جَائِزُ على (٢) كلُّهِمْ. (٢٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الغَدْرِ ١٥٨٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الفَيْضِ، قَال: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَهْدُ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى العَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا (٣) رَجُلُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ عَلَى فَرَسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، وَفَاءُ لَا غَدْرُ، وَإِذَا هُوَ عَمْرُو ابْنُ عَبَسَةَ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَّه يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدُّ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ ٢٦ - باب ما جاء في الغدر قوله: (فلا يَحُلَّنَّ عهداً ولا يَشُدَّنَّه) ذكر الشّدّ هاهنا استطراد كما يقال في أكثر محاوراتنا أيضاً، أو يقال: المجموع كناية عن عدم التغيير ولا ينظر إلى مفرداتها. قوله: (حتى يمضي أمده) كأنه قال بدخول مدة الذهاب والإياب في لفظ الأمد المذكور في الحديث، فلما كان كذلك وجب الصبر إلى انقضائهما. [١٥٨٠] د: ٢٧٥٩، حم: ٤ /١١١. (١) الذمة: بمعنى العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق. وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. انظر: ((النهاية)) (١٦٨/٢). (٢) في نسخة: ((عن)). (٣) في نسخة: ((وإذا)). ٤٤٦ الكوكب الدُّرِّي أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)(١)، قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. (٢٧) بَابُ مَا جَاءَ أَنّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ القِيَامَةِ ١٥٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَّنِي صَخْرُ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ(٢). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. [٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّ لِكُلِّ غَادِرِ لِوَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ] قوله: (ينصب له لواءً يوم القيامة) فيقعد عليه حتى ينفذ اللواء في دبره، وهذا لا شتهاره بین الناس، ويمشي اللواء بإذنه تعالى، أو يطال له رجلاه حتی یمشي بهما. [١٥٨١] خ: ٣١٨٨، م: ١٧٣٥، د: ٢٧٥٦، حم: ١٦/٢، تحفة: ٦٧٩٠. (١) قال القاري (٦/ ٢٥٦٣): أي يرمي عهدهم إليهم بأن يخبرهم بأنه نقض العهد. قال الطيبي: قوله: ((على سواء)) حال، قال المظهر: أي: يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع، فیکون الفريقان في علم ذلك سواء. (٢) زاد في بعض النسخ: ((وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا، عَنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ عُمَيٍْ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِّ بَِّ قَالَ: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ))، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مَرْفُوعًا. ٤٤٧ أبْوَابُ السِّيَرَ (٢٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي النُزُولِ عَلَى الحُكْمِ ١٥٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: رُمِيَ يَوْمَ الأحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ - أَوْ أَنْجَلَهُ(١) -، فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَيهِ بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَتَرَّكَهُ فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، ٢٨ - باب في النزول على الحكم قوله: (أكحَلَه أو أبجَلَه) لفظان بمعنى واحد. قوله: (فحسمه رسول الله وَ ليّ) وكان الحسم لقطع الدم عن السيلان، وبذلك يعلم أن النهي عن الكيّ إنما هو إذا وجد بدًّا منه، أو كان وجه النهي ردعهم عماهم عليه من العلم بتأثيره في إزالة كل مرض، ولم يكونوا يعدّونه سبباً من الأسباب كغيره من المعالجات، ثم بعد الحسم انجذب الدم إليه فورم حتى تفجر الدم منه فحسمه أخرى، ثم اجتمع كذلك، وهذا هو المعنيّ بقوله: ((فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم)) إلى آخره، يعني أن يده لما انتفخت فأخذت يسيل الدم منها، أو لم تسل دماً لکنها كادت تسيل. ومعنى قوله: (فتركه) أي: لم يحسم ينتظر أن يرقأ دمه من غير الحسم، فلما لم يرقأ حسم أخرى، وكانت بنو قريظة عاهدوا النبيَّ مَلا أن لا يغزوا به، ولا يجاهدوا معه، ولا يعينوا عليه أحداً، ثم جاؤوا بأهل مكة وواعدوهم بالنصرة على النبي ◌َّ، [١٥٨٢] م: ٢٢٠٨، د: ٣٨٦٦، جه: ٣٤٩٤، حم: ٣/ ٣١٢، تحفة: ٢٩٢٥. (١) الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. والأبجل: عرق في باطن الذراع. ((النهاية)) (٤/ ١٥٤، ٩٨/١). ٤٤٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ ابْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَحَكَمَ أَنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَتُسْتَحْيَا نِسَاؤُهُمْ، يَسْتَعِينُ بِهِنَّ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ هِ: ((أَصَبْتَ حُكْمَ الله فِيهِمْ))، وَكَانُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ، فَلَمَّا فَرَغْ مِنْ قَتْلِهِمُ انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَطِيَّةَ القُرَظِيِّ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ١٥٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَ لّ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ، وَالشَّرْعُ: الغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ يُنْبِثُوا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبُ، وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وأعانوهم غادرين خافين، وكان سعد بن معاذ حليفاً لهم إلا أنه لما رأى ذلك منهم أبغضهم في الله بحيث دعا الله سبحانه أن ينظر هلاكهم بأعينه. قوله: (أصبت حكم الله فيهم) يعني أن الذي حكمت به كان الله يحب ذلك الحکم ویرتضيه. قوله: (اقتلوا شيوخ المشركين) الشيخ أعم من معناه المشهور، فيشمل الشیخَ والشابّ إلا الصبيان، وهم المعنيون بلفظ الشيوخ، أو يقال: الأمر بالقتل إنما هو للشيوخ الذين اشتركوا في القتال أو كانوا ذوي رأي في ذلك لا مطلقاً. [١٥٨٣] د: ٢٦٧٠، حم: ١٢/٥، تحفة: ٤٥٩٢. ٤٤٩ أبْوَابُ السِّيَرَ ١٥٨٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ، عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قَالَ: عُرِضْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ(١) فَ لَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَنَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ(٢) لَمْ يُنْبِتْ فَخُلَيَ سَبِيلِي. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الإِنْبَاتَ بُلُوغًا، إِنْ لَمْ يُعْرَفِ احْتِلَامُهُ وَلَا سِنُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. (٢٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الحِلْفِ ١٥٨٥ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا حُسَيْنُّ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: (أَوْفُوا بِحِلْفٍ الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ - يَعْنِي الإِسْلَامَ - إِلَّ شِدَّةً، وَلَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الإِسْلَامِ). قوله: (أنهم يرون الإنبات بلوغاً) إلخ، والفرق بين مذهبهم وما ذهبنا إليه أنا لا نقول بكونه علامةً، وإنما أدير الحكم عليه في الحديث لما لم يبق إلى العلم بحالهم من سبيل، فاحتاط النبي وَّة مبالغة في حقن الدم، وهؤلاء يقولون: إن الإنبات علامة، غاية الأمر أن هذه العلامة مؤخرة في إثبات الحكم عن أختيه. ٢٩ - باب ما جاء في الحلف قوله: (أوفوا بحلف الجاهلية) المراد به ما يلائم الإسلام ولا يخالفه، وعليه [١٥٨٤] د: ٤٤٠٤، ن: ٣٤٢٩، جه: ٢٥٤١، حم: ٤ / ٤١٠، تحفة: ٩٩٠٤. [١٥٨٥] تقدم تخريجه في ١٤١٣. (١) في نسخة: ((النبي)). (٢) في نسخة: ((ممن)). ٤٥٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، وَأَبِي هُرَیْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَقَيْسِ بْنِ عَاصِمِ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. (٣٠) بَابُ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِيّ (١) ١٥٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ تَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةً قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَنَاذِرَ (٢)، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ: انْظُرْ مُجَوَسَ مَنْ قِبَلَكَ فَخُذْ مِنْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُخْبَرَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهُ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ(٣). ينطبق الدليل، وهو قوله: ((فإنه لا يزيده))، والذي نفاه هو الذي يخالف أصول الإسلام، أو النهي في قوله: ((لا تحدثوا)) بمعنى عدم الاحتياج، إذ الإسلام من غير حلف موجب للتناصر فيما بين المسلمين. ٣٠ - باب في أخذ الجزية من المجوس قوله: (أن عمر كان لا يأخذ الجزية) ولعل اجتهاده إلى حرمة الأخذ منهم [١٥٨٦] خ: ٣١٥٦، د: ٣٠٤٣، حم: ١ /١٩٠، تحفة: ٩٧١٧. (١) كذا في الأصل، وفي سائر النسخ: ((المجوس)). (٢) مناذر: بلدة معروفة بالشام قديمة. ((النهاية)) (٣٦٨/٤). (٣) هجر: مدينة، وهي قاعدة البحرين. وليست من البحرين المعروفة الآن سياسيًّا في داخل الخليج العربي، ولكن البحرين كانت تطلق على المنطقة الشرقية من السعودية، وقاعدتها هجر، وهي الإحساء. انظر: ((المعالم الأثيرة في السنة والسيرة)) (ص: ٢٩٣). ٤٥١ أبْوَابُ السِّيَرَ هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. وحرمة ما أخذ؛ لأن [١] أخذ الجزية تقرير للمأخوذ منه على ما يدينه من صحيح وفاسد، ولا يخفى ما في تقرير[٢] أهل الشرك على الشرك من القبح والفساد، وأما أهل الأديان الأُخَر من اليهودية والنصرانية فإنهم وإن كانوا يشتركونهم في الإشراك بالله إلا أنهم يقرّون بالأديان السماوية ويدّعون كونَهم على الأحكام الإلهية حسب ما أنزل إليهم، وإن كانت دعواهم تلك كاذبة، فلا يقاس أحد الفريقين على الآخر لبونٍ بينهما بعيدٍ حتى يؤخذ منهم كما أخذ النبي ◌َّ من أهل الكتاب، وأما إذا ثبت لعمر أخذُ النبي ◌َّ من مجوس هَجرَ أخذ عمر (٣] لثبوت الحكم بالنص. [١] هذا توجيه وتوضيح لمنشأ تردد عمر أولاً - وإن لم يصحَّ على مسلك الحنفية ومن دان دينهم - في أخذ الجزية من المشركين العجم خاصة، كما قالت به الحنفية، أو العرب أيضاً، كما قالت به المالكية، والبسط في ((الأوجز))(١). [٢] ولا يرد على الحنفية وغيرهم لما في ((الدر المختار))(٢): أن الجزية ليست رضاً منا بكفرهم كما طعن الملحدة، بل إنما هي عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر؛ فإذا جاز إمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بدونها فبها أولى، وقال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٩]، انتهى. هكذا في ((الأوجز))(٣). [٣] ولذا أباح أهل العلم- منهم الأئمة الأربعة، مع اختلافهم في كونهم أهل الكتاب-أخذَ الجزية عنهم حتى حكى جماعة من أهل العلم الاتفاق على ذلك، كما بسط في ((الأوجز)) (٤). (١) ((أوجز المسالك)) (١٨٩/٦). (٢) ((الدر المختار)) (١٣٨/٢). (٣) ((أوجز المسالك)) (١٨٧/٦). (٤) ((أوجز المسالك)) (٢٠٢/٦). ٤٥٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ١٥٨٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ثَنَا سُفْيَانُ(١)، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَنْ بَجَالَةَ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى أخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ الَّبِيَّ ◌َهِ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. وَفِي الحَدِيثِ كَلَامُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ(٢). (٣١) بَابُ مَا جَاء مَا يَحِلُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الدِّمَةِ ١٥٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَا، [٣١ - بَابُ مَا جَاء مَا يَحِلُّ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] قوله: (إنا نمر بقوم فلا هم يُضَيِّفُونا) قال بعضهم: معنى هذه الإجازة أنهم كانوا مأمورين بالضيافة إذا ورد المسلمون عليهم، وهذا لا يصح؛ لأن هذا التقري كان في زمن عمر لا زمن رسول الله وَّة، بل الإجازة لهم أن يأخذوا بالقيمة كرهاً، وتوجيه الحديث أن الكفار كانوا إذا نزل المسلمون أغلقوا دكاكينهم وتركوا المبايعة إضراراً [١٥٨٧] انظر ما قبله. [١٥٨٩] خ: ٢٤٦١، م: ١٧٢٧، د: ٣٧٥٢، جه: ٣٦٧٦، حم: ٤ /١٤٩، تحفة: ٩٩٥٤. (١) زاد في نسخة: ((ابن عيينة)). (٢) زاد في بعض النسخ بعد هذا: ١٥٨٨ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ بَزِيدَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله ◌ََّ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ، وَأَخَذَهَا عُمَرُ مِنْ فَارِسَ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ مِنَ الفُرْسِ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا، فَقَالَ: هُوَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ. [طب: ٦٦٦٠]. ٤٥٣ أبْوَابُ السِّيرَ وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ((إِنْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا». هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَيْضًا. وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي الغَزْوِ فَيَمُرُّونَ بِقَوْمٍ وَلَا يَجِدُونَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ له: ((إِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا))، هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الحَدِيثِ مُفَسَّرًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِنَحْوِ هَذَا. (٣٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي الهِجْرَةِ ١٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا مَنْصُورُ ـا اللـ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله بالمسلمين، فلما رأى المسلمون ذلك شكوا إلى رسول الله وَ له أن هؤلاء لا يضيِّفُوننا، ولا شكاية في ذلك لأن الضيافة تبرع وإكرام، وليس حقًّا ثابتاً، إنما الشكوى أنهم لا يؤدون إلينا بحق وهو الشراء والإيتاء بالقيمة، فكأنهم ذكروا في كلامهم الطرقَ الثلاثَ المحتملة للأخذ، وهو الأخذ قيمةً، أو الأخذ بغير قيمة جبراً منا، أو إكراماً منهم، أما الأول فلأنهم لا يبايعوننا، وأما الثاني فلأنك يا رسول الله منعتنا أن نأخذ مال الغير بغير حق، وهو المعنيّ بقولهم: ((ولا نحن نأخذ منهم))، وأما الثالث فلأنهم لا يضيفوننا. ٣٢ - باب ما جاء في الهجرة [١٥٩٠] خ: ١٨٣٤، م: ١٣٥٣، د: ٢٤٨٠، ن: ٤١٧٠، ح: ٢٢٦/١، تحفة: ٥٧٤٨. ٤٥٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي يَوْمَ فَتْحِ مََّةَ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادُ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بْنِ حُبْشِيٍّ(١). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ نَحْوَ هَذَا. (٣٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ النّبِيّ ١٥٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ الأَمَوِيُّ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَن الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اُللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قَالَ جَابِرُ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ وَ لَه عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ. قوله: (لا هجرة بعد الفتح) يعني بذلك أن الهجرة من مكة لم تبق على ما كانت عليه من قبلُ حيث لم يكن الإيمان يقبل دونها باعتبار الأحكام الظاهرة، وأما الهجرة من غير مكة من مواضع الكفرة فلم تنسخ، بل هي باقية على اختلاف في وجوبها واستحبابها حسب اختلاف ما في تلك الدار من الأمور الموجبة لها. (ولكن جهاد ونية) أي: ولكن بقي الخروج من مكة لأجل الجهاد، وكذلك بقيت فيه نية الخير من طلب العلم وغيره ليثاب عليهما. ٣٣ - باب ما جاء في بيعة النبي قوله: (على أن لا نفرًّ ولم نبايعه على الموت) وكان ذلك في الحديبية حين [١٥٩١] حم: ٢٩٢/٣، تحفة: ٣١٦٣. (١) زاد فى نسخة: ((الخثعمي)). ٤٥٥ أبْوَابُ السِّيَرَ وَفِي البَابِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعُبَادَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله. أُخبِر [١] أنهم قتلوا عثمان، وحاصل اللفظين الواردين في ذلك واحد وهو أنهم بايعوه أن لا يفروا ولو ماتوا وقُتلوا، فمن نفى عنهم البيعة على الموت كان غرضه الردّ على من زعم أنهم بايعوا على الموت مقصوداً، وليس كذلك إذلو كان كذلك لكانوا ناكثين بيعتهم لأنهم لم يموتوا، وهو خلاف مجمع على خلافه، ومن أثبت منهم بيعته على الموت كان غرضه أنهم بايعوه على القتال وعدم الفرار، ولو ماتوا أو قُتلوا، فالفرق إنما هو في أداء العبارة وتعبير المقصود وإلا فمدعاهما واحد، وأما ما قال المؤلف في توجيه الجمع من أنهم كانوا فريقين: فجمع منهم بايعوا على الموت، وجمع أخر على عدم الفرار، إن كان غرضُه التفريق بين معنى العبارتين وجَعْلَهما فريقين حقيقة، فظاهر أن الأمر ليس كذلك، لأن البيعة التي أخذها النبي ◌َّ إنما هي واحدة لا غير، وإن كان غرضه نقلَ الكلامين اللذين تلفظ بكل [٢] منهما بعض منهم والبعض الآخر [١] وذلك لما بَعَثَ رسولُ الله عثمانَ إلى أشراف قريش في غزوة الحديبية يخبرهم أنه مَيّ لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً للبيت معظِّماً لحرمته، فخرج عثمان حتى دخل مكة وأتى أشراف قريش، وبلّغهم رسالة رسول الله ◌َ ثّل فعاقدوه، ولما فرغ وأراد أن يرجع قالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله مِ ث﴾، فغضبت قريش وحبسته عندها، ولما أبطأ عثمان قال المسلمون: طوبى لعثمان دخل مكة وسيطوف وحده، فقال النبي ◌ّ: ((ما كان ليطوف وحده))، ولما احتبس عثمان طارت الأراجيف بأن عثمان قُتِل، قيل: إن الشيطان دخل جيش المسلمين ونادى بأعلى صوته: ألا إن أهل مكة قتلوا عثمان، فحزن النبي ◌ِّ والمسلمون من سماع هذا الخبر حزناً شديداً فبايعهم، كذا في ((الخميس))(١). [٢] هكذا في الأصل، والصواب عندي بدلها: بواحد منهما، وحاصل ما أفاده الشيخ أن المصنف إن أراد بالتوجيه تفريقَ معنى الكلامين وجَعْلَ أهل بيعة الرضوان فرقتين حقيقة : = (١) ((تاريخ الخميس)) (٢٠/٢). ٤٥٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْتَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ: أَبُو سَلَمَةَ. ١٥٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. بالآخر، وإنما عنى كل واحد منهم معنى واحداً، وهو عدم الفرار إلى أن يموتوا، فهو معنى صحيح كما بينا من قبلُ. = بأن صنفاً منهما بايع على هذا وصنفاً على هذا، فليس بصحيح؛ لأن أحداً من أهل السير والحديث لم يجعلهم طائفتين، بل الصحابة أنكروا البيعة على الموت، ولو وقعت بيعة جماعة منهم على الموت حقيقة لأخبروه، وإن أراد التفريق في مجرد التعبير والمؤدى واحد بأنه عبر بعضهم بهذا اللفظ والآخرون باللفظ الآخر، وكلاهما أرادا أن لا يفرا، فهو صحيح، وبَوّب البخاري في ((صحيحه): ((باب البيعة في الحرب على أن لا يفرا، وقال بعضهم: على الموت)» قال الحافظ (١): كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين، أو أحدهما يستلزم الآخر، انتهى. وتعقب العيني الأول، وقال(٢): بل المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقطع(٣) الموت ولا بد، انتهى. وبذلك جزم جمع من الشراح، وعلى هذا فإنكار من أنكر من الصحابة البيعةَ على الموت إنكار على ظاهر معناه. [١٥٩٢] خ: ٢٩٦٠، م: ١٨٦٠، ن: ٤١٥٩، حم: ٤ /٤٧، تحفة: ٤٥٣٦. (١) ((فتح الباري)) (١١٨/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (١٠ / ٢٧٧). (٣) كذا في الأصل، وفي ((العمدة)) أن يقع. ٤٥٧ أبْوَابُ السِّيرَ ١٥٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُبَابِعُ رَسُولَ اللهِ وَ لَه عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَيَقُولُ لَنَا: «فِیمَا اسْتَطَعْتُمْ)». هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ١٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثَنَا سُفْیَانُ بْنُ عُیَیْنَةَ،عَنْ أبي الزُّبَیْرِ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ الله قَالَ: لَمْ نُبَابِعْ رَسُولَ اللهِ وَ لَ عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحُ، قَدْ بَايَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: لَا نَزَالُ بَيْنَ يَدَيْكَ مَا لَمْ نُقْتَلْ(١)، وَبَايَعَهُ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لاَ نَفِرُّ. (٣٤) بَابُ(٢) فِي نَكْثِ البَيْعَةِ ١٥٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّاٍ،ثَنَا وَكِیعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِ صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَ ◌ّهِ: (ثَلَاثَةُ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللّه يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلَّ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَلَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ(٣). [١٥٩٣] خ: ٧٢٠٢، م: ١٨٦٧، د: ٢٩٤٠، ن: ٤١٨٧، حم: ٩/٢، تحفة: ٧١٢٧. [١٥٩٤] م: ١٨٥٦، ن: ٤١٥٨، حم: ٣٤١/٣، تحفة: ٢٧٦٣. [١٥٩٥] خ: ٢٣٥٨، م: ١٠٨، د: ٣٤٧٤، ن: ٤٤٦٢، جه: ٢٢٠٧، حم: ٢٥٣/٢، تحفة: ١٢٤٧٢. (١) في نسخة: ((حتى نقتل)) بدل ((مَا لَمْ نُقْتَلْ)). (٢) في نسخة: ((باب ما جاء)). (٣) زاد في نسخة: ((وعلى ذلك الأمر بلا اختلاف)). ٤٥٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي (٣٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ العَبْدِ ١٥٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ فَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَ لَّ عَلَى الهِجْرَةِ، وَلَا يَشْعُرُ النَّبِيُّوَلَيهِ أَنَّهُ عَبْدُ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَ لَّهِ: ((بِعْنِيهِ)، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ(١)، وَلَمْ يُبَايِعْ أُحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدُ هُوَ؟ وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ. حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الُّبَيْرِ. (٣٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ ١٥٩٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ (٢)، عَنْ مَحُمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ أُمَيْمَةً بِنْتَ رُقَيْقَةَ تَقُولُ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهُ فِي نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَفْتُنَّ))، قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْنَا، ٣٦ - باب ما جاء في بيعة النساء [١٥٩٦] م: ١٦٠٢، د: ٣٣٥٨، ن: ٤١٨٤، جه: ٢٨٦٩، حم: ٣٤٩/٣، تحفة: ٢٩٠٤. [١٥٩٧] ن: ٤١٨١، جه: ٢٨٧٤، حم: ٦/ ٣٥٧، تحفة: ١٥٧٨١. (١) في ((شرح السنة)): العمل على هذا عند أهل العلم كلهم أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين نقدًا، سواء كان الجنس واحدًا أو مختلفًا. ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٢٠/٥). (٢) زاد في نسخة: ((ابن عيينة)). ٤٥٩ أبْوَابُ السِّيَّرَ - قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِى صَافِحْنَا -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ». قوله: (قال سفيان: تعني صافِحْنا) لأنهن كُنّ قد بايعن [١]، قال الأستاذ - أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده - في تقرير قول النبي ◌َمثل: ((إنما قَولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة)) حتى تطابق السؤال[١] والجواب ما لا أفصله حق التفصيل، ولعل الوجه في ذلك على ما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال-أنها أرادت المصافحة وطلبتها لتتشرف كل امرأة منهن منفردة عن أخواتها بشرف المبايعة وتتبرك بالمصافحة ليكون أفيد لهن وأوقع في قبول المبايعة، فردّ عليها ما زعمته فقال: لا فرق بين الانفراد والاشتراك بل قولي إلخ، وهذ يوافق تفسير [١] كما في ((الدر))(١) للسيوطي برواية أحمد والترمذي والنسائي وغيرها: عن أميمة قالت: أتيت النبي مّيّ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً حتى بلغ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فقال: ((فيما استطعتن))، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة». [١] وتوضيح ذلك أن الجواب بظاهره لا يطابق السؤال، فإنها سألت المصافحةَ، وأجاب النبي ◌ِ ل بأن قولي كقولي لامرأة، وأجاب الشيخ عنه بجوابين يأتي بيانهما، ويمكن أن يجاب بما يظهر عن كلام القاري (٢) تبعاً للطيبي: أن قولها: ((صافحنا)) معناه ضَعْ يدك في يد كل واحدة منا، فكان متضمناً للسؤالين: وضع اليد في اليد كالرجال، وتخصيص كل امرأة بهذه الفضيلة بانفرادها، فأجاب عنهما ◌َالثّ بما حاصله: أن القول كافٍ ولا حاجة إلى المصافحة، ولا إلى تخصيص كل امرأة بالمبايعة القولية، فتأمل، ويوجّه أيضاً أن في الحديث اختصاراً كما تدُلّ عليه رواية ((الدر المنثور)) المتقدمة، وكان الجواب: لا أصافح النساء. (١) ((الدر المنثور)) (٤٨٩/٩). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٥/١٢). ٤٦٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. المبايعة[١] بالمصافحة فإن بیعتهن کانت جمعاً، فأرادت المبايعة المختصة بفرد فرد لتحصيل الانفراد، ويمكن أيضاً أن يقال(٢) في توجيه المطابقة بين السؤال والجواب: إن مس الأجنبية ممتنع شرعاً، والممتنع شرعاً كالممتنع عرفاً وعادة وحسًّا، ويكون حاصل الجواب أن مصافحة الواحدة حرام متعذر كمصافحة المائة. [١] وحاصل هذا الجواب على الظاهر أن البيعة كانت بالمصافحة من الأول، لكنها سألت تخصيص كل امرأة بانفرادها بالمصافحة، فأنكر النبي لل على ذلك بأن مبايعتي أي: مصافحتي لمائة كالمصافحة لامرأة، ويشكل عليه بأنه يخالف الروايات الشهيرة في الباب، فلم يثبت مصافحته ميّة النساء، وأخرج البخاري(١) وغيره عن عائشة: ((والله ما مست يدُه يدَ امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك))، ويجاب عنه بأن المراد المصافحة بواسطة الثوب، فقد ذكر السيوطي(٢) برواية سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي: ((كان رسول الله مُّل يبايع النساء ووضع على يده ثوباً)) الحديث، وبرواية البخاري ومسلم (٣) وغيرهما عن أم عطية قالت: ((بايعنا رسول الله مَ ثّ فقرأ علينا أن لا تشركن بالله شيئاً، ونهانا عن النياحة، فقبضت منا امرأة يدها)) الحديث يدل على معالجة البيعة باليد. [٢] وهذا جواب ثانٍ، وحاصله أن المبايعة القولية مع المصافحة بمائة امرأة في وقت واحد متعذر عادة وحسًّا، فكذلك المبايعة مع المصافحة بامرأة واحدة ممتنع، إلا أن الامتناع هاهنا شرعي، فشبه الامتناع الشرعي بالامتناع الحسي لوضوحه. (١) ((صحيح البخاري)) (٢٧١٣). (٢) ((الدر المنثور)) (٤٩/٩، ٤٩٣). (٣) ((صحيح البخاري)) (٤٨٩٢)، و((صحيح مسلم)) (٩٣٦).