النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
أبْوَابُ الرّضَاع
١١٧٤ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ بَحِیرِ بْنِ
سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرٍ بْنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ:
عَنِ النَّبِيِّبَ لَّهِقَالَ:((لَا تُؤْذِي امْرَأَةُ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ
العِينِ: لَا تُؤْزِيهِ، فَاتَلَكِ اللهِ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا».
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ(١)، لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشِ عَنِ الشَّامِيِّينَ أَصْلَعُ(٢)، وَلَهُ عَنْ أَهْلِ
الحِجَازِ وَأهْلِ العِرَاقِ مَنَاکِیرُ.
قوله: (إلا قالت زوجته) فإن الله عزّ وعلا يخبرها بإيذائها زوجَها، فتقول
ذلك، وليس المعنى أنها ترى إلى زوجه كل حين، فتعلم كل ما آذته امرأته، وأخبر به
النبي مقل لتغيير النساء، فإن طعنة الضرائر أشد.
[١١٧٤] جه: ٢٠١٤، حم: ٢٢١٠١.
(١) في نسخة: ((حسن غريب)).
(٢) في نسخة: ((وإسماعيل بن عياش عن الشاميين صالح)).

أبَوَابُ الطَّلَقْ وَاللَعَان

٦٠٥
٨
١٣ - أَبْوَابُ الظَّلَاقِ وَاللَّعَانِ عَنْ رَسُولِ الله
وسلم
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ
١١٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
وَهِيَ خَائِضُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ
، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، قَالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِتِلْكَ
صَلَلىالله
حَائِضُ؟ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ
التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ،
١٣ - أبواب الطلاق واللعان عن رسول الله
صَلَا الله
وشكله
[١ - باب ما جاء في طلاق السنة]
(فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر) إنما قال ذلك ليعلم أني أعلم هذا الأمر
حقَّ العلم لكونه قد جرى عليَّ، (قال: فَمَهْ) [١] أي: ما هو وماذا يُفْعَل سوى الاعتداد،
[١] هي ما الاستفهامية، أدخل عليها هاء السكت في الوقف مع أنها غير مجرورة، وهو قليل،
وقيل: الهاء منقلبة من الألف، أو هي كلمة كفٍّ وزجر، أي: انزجِرْ عنه واسكُتْ؛ فإنه لا شك
في وقوع الطلاق وكونه محسوباً في عدد الطلاق، إذكونها تحسب منها أمر ظاهر لا يحتاج =
[١١٧٥] خ: ٤٩٠٨، م: ١٤٧١، د: ٢١٧٩، ن: ٣٣٩٩، جه: ٢٠١٩، حم: ٤٥٠٠، تحفة: ٨٥٧٣.

٦٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
أَرَّأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟ !.
١١٧٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي الحَيْضِ، فَسَأَلَ عُمَرُ
النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً)).
حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ
حَدِيثُ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ
وسام
أو المعنى اكفف عما سألتَ، (أرأيتَ إن عجز) عن إتيان[١] الخير، وهو عدم المراجعة،
أو عدم التطليق في الحيض، (واستحمق) فارتكب ما لم يُسَنّ له، فهل يجعل مقولته
تلك أي: تطليقه بعجزه وحمقه لغواً وهدراً، لا بل يعتد بتلك التطليقة.
قوله: (ثم ليطلقها(٢]) أي: إن أحبّ التطليقة.
= إلى سؤال، سيما بعدَ الأمر بالمراجعة إذ لا رجعة إلا عن طلاق، قاله أبو الطيب(١).
[١] قال أبو الطيب(٢): ((إن عجز)) أي: عن الرجعة أفلم تحسب حينئذ، فإذا حُسِبَتْ بدون الرجعة
فتحسب مع الرجعة أيضاً، إذ لا دخل للرجعة في إبطال الطلاق، انتهى.
[٢] في الطهر المتصل، أو في الطهر الذي بعد حيضة أخرى، مختلف عند الأئمة، بسطت في
((البذل))(٣).
[١١٧٦] م: ١٤٧١، د: ٢١٨١، ن: ٣٣٩٧، جه: ٢٠٢٣، حم: ٤٧٨٩، تحفة: ٦٧٩٧.
(١) ((الشروح الأربعة)) (٤٢١/٢).
(٢) («الشروح الأربعة)) (٤٢١/٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (١٤٠/٨-١٤١).

٦٠٧
أبْوَابُ الطَّلَاقَ وَاللَّعَان
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّلَهَ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ
طَلَاقَ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاٍ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا
وَهِيَ طَاهِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَا يَكُونُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ إِلَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً(١)، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالُوا فِي طَلَاقِ الحَامِلِ: يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ،
وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُطَلِّقُهَا عِنْدَ كُلِّ شَهْرٍ تَطْلِيقَةً.
قوله: (يطلقها طاهراً من غير جماع) لئلا يلتبس وجه العدة، فإن قيل: لما
جاز الطلاق في وقت التيقن بالحمل، فأيّ حرج في الطلاق وقت الاشتباه والتباس
الحمل، غاية الأمر أنها تكون حاملاً؟ فالجواب أن الطلاق بعد ظهور الحمل لا
يضر لكون الزوجين عالمين به حينئذ، وأما إذا لم يتبين وظَنَّا أنها ستفرغ عن عدتها
في قليل، وظهر خلاف ذلك حتى طالت عليه العدة، ففيه من المفاسد ما لا يخفى.
قوله: (يطلقها متى شاء) إلا أن السنة عندنا أن يطلقها عند كل شهر.
قوله: (لا يكون ثلاثاً للسنة إلا أن يطلقها واحدة) أي: في زمان واحد،
ثم إن أراد إيقاع الثانية طلقها الثانية في طهر ثانٍ، إن كانت من ذوات الحيض، وفي
شهرٍ ثانٍ إن كان خلاف ذلك إلى آخر ما قالته الفقهاء في أسفارهم (٣).
(١) في بعض النسخ: ((واحدة واحدة)).
(٢) في نسخة: ((سفيان الثوري)).
(٣) قال العيني في ((عمدة القاري)) (١٩ /٢٤٤): اختلفوا في طلاق السنة. فقال مالك: طلاق
السنة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي
العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة، وهو قول الليث والأوزاعي، وقال أبو حنيفة: هذا
أحسن من الطلاق، وله في قول آخر قال: إذا أراد أن يطلقها ثلاثاً، طلقها عند كل طهر =

٦٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ طَلَّقَ(١) امْرَأَتَهُ البَثَّةَ
١١٧٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا قَبِيصَةُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ
سَعِيدٍ(٢)، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَيْثُ
النَّبِيَّ ◌َلَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأْتِيَ البَتَّةَ، فَقَالَ: «مَا أُرَدْتَ بِهَا؟»
قُلْتُ: وَاحِدَةً، قَالَ: ((وَالله؟)) قُلْتُ: وَالله(٣)، قَالَ: فَهُوَ مَا أَرَدْتَ.
(٢) باب ما جاء في الرجل طلق امرأته البتة [١]
(قال: والله؟ قلت: والله) [٢] أراد بها استيقان الخبر دفعاً لمظنة التهمة عن الرجل،
[١] بفتح الموحدة والفوقية الشديدة، أي: يقول لا مرأته: أنت طالق البتة أو أنت البتة، وهو مصدر
بَتَّ بمعنى قطع، منصوب بفعل محذوف، أي: قطعتُ الوصلة قطعاً، أو بمعنى القاطع صفة
الطلاق المقدر، أو مصدر لفعل الطلاق بناءً على اعتبار الطلاق قاطعاً، قاله أبو الطيب(٤).
[٢] ولا يذهب عليك أن ما في سند هذا الحديث من قوله: ((الزبير بن سعد)) تصحيف من الناسخ،
والصواب الزبير بن سعيد بالياء، كما في رواية أبي داود وابن ماجه والطيالسي، وليس في =
[١١٧٧] د: ٢٢٠٨، جه: ٢٠٥١، تحفة: ٣٦١٣.
= واحدة من غير جماع، وهو قول الثوري وأشهب، وزعم المرغيناني: أن الطلاق على ثلاثة
أوجه عند أصحاب أبي حنيفة حسن وأحسن وبدعي، فالحسن هو طلاق السنة، وهو أن
يطلق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، والأحسن أن يطلقها تطليقة واحدة في طهر لم
يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها، والبدعي أن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو ثلاثًا في
طهر واحد، فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وکان عاصيًا، انتهى.
(١) في نسخة: (يطلق)).
(٢) زاد في نسخة: ((الهاشمي)).
(٣) في نسخة: ((آلله)).
(٤) ((الشروح الأربعة)) (٢/ ٤٢٢).

٦٠٩
أبْوَابُ الطَّلَاقَ وَاللَّعَان
هَذَا حَدِيثُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ (١).
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَهِ وَغَيْرِهِمْ فِي طَلَاقِ
البَتَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ جَعَلَ البَتَّةَ وَاحِدَةً. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ
جَعَلَهَا ثَلَاثًا. وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: فِيهِ نِيَّةُ الرَّجُلِ، إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ،
وبذلك يعلم أن المرجع في توكيد ما يظن من الأمور واستيقانها هو الحلف لا غير.
قوله: (أنه جعل البتة واحدة) أي: بائنة، كأنه نظر إلى أن الطلاق واقع بقوله:
أنت طالق أو طلقتك، فلا بد لقوله: ((البتة)) من معنى لئلا يلزم الإلغاء، فكان مفادها
القطع والبينونة، وهو في البائن لا الرجعي.
قوله: (روي عن علي أنه جعلها ثلاثاً) ولعل منشأه حمل البينونة على ما
هو کمال فيها.
قوله: (قال بعض) إلخ، هؤلاء ومنهم الإمام رأوا أن ذلك اللفظ لا يحتمل
العدد، كما هو مبسوط في الأصول، فكان محتملاً لفرد حقيقي أو حكمي، والمثنى
بمعزل عنهما، إلا أن تكون المطلقة أمة فهي جنس طلاقها ثنتان، ولكن الواحدة في
قول هؤلاء بائنة لا رجعية لئلا يلغوا لفظ ((البتة))، وإنما أدرجوا ما إذا نوى الاثنتين
في نسق الواحدة لا الثلاث مع أن نسبة الثنتين إليهما على السواء، لكون الواحدة
الرواة أحد اسمه الزبير بن سعد(٢).
=
(١) زاد هناك في نسخة: ((وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ. وَيُرْوَى عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رُكَانَةً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا)).
(٢) انظر: ((سنن أبي داود)) (٢٢٠٨) و((سنن ابن ماجه)) (٢٠٥١).

٦١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثُ، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ لَمْ تَكُنْ إِلَّ وَاحِدَةً، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ،
وَأَهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ فِي البَتَّةِ: إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ ثَلَاثُ
تَظْلِيقَاتٍ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنْ نَوَى
ثِنْتَيْنِ فَئِنْتَيْنِ(١)، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاتُ (٢).
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي: أَمْرُكِ بِيَدِكٍ
١١٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، نَاسُلَیْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ
فرداً كالثلاثة، غاية الأمر أن الأول حقيقي، والثاني حكمي، لأن الفرد الحقيقي وهو
الواحد حقيقة، والحكمي وهو الثلاث مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى،
وقرينة المجاز فيما يصار إليه نيته فلا مانع من الحمل عليه، وأما حملهما على معناهما
فحمل اللفظ على ما لم يحتمله، يعني أن تأثير النية إنما هو فيما هو محتمل اللفظ،
وهاهنا ليس كذلك، فإن اللفظ الواحد لا يحتمل الاثنين فلم تصح منه الإرادة.
قوله: (وقال الشافعي: إن نوى واحدة) إلخ، إنما كان الطلاق عنده رجعيًّا، لما
أن البوائن عنده رواجع، وهذا بحث أثبت في موضعه، فكان الخلاف معه في موضعين:
في صحة الرجوع، وصحة نية الثنتين، فمنعناهما وأثبتهما الشافعي رحمه الله تعالى (٣).
(٣) باب ما جاء في أمركٍ بيدكٍ (٤)
[١١٧٨]د: ٢٢٠٤، ن: ٣٤١٠، تحفة: ١٤٩٩٢.
(١) في نسخة: ((فاثنين)).
(٢) في نسخة: ((فثلاثاً).
(٣) انظر: ((أوجز المسالك)) (٧/١١).
(٤) قال شيحنا في هامش ((البذل)) (٢٠٥/٨): اعلم أولًا أنهم يسمون هذا تمليكًا، والأول =

٦١١
أبْوَابُ الطَّلَاقْ وَاللَّعَان
زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا(١) قَالَ فِي: أَمْرُكِ بِيَدِكِ: إِنَّهَا ثَلاَتُ
إِلَّا الحَسَنَ؟، فَقَالَ: لَا، إِلَّ الحَسَنَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا إِلَّا مَا حَدَّثَنِي فَتَادَةُ
صَلَا الله
عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ(٢)، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَِّ﴾
قوله: (ثم قال: اللَّهُمَّ غَفْراً(١) إلا ما حدثني) إلخ، استغفر الله عما بادر إليه
لسانُه من نفي الذاهب إلى الثلاث إلا الحسن، ولما كان قتادة حافظاً متقناً لم يضر
إنکار کثیر في صحته.
[١] بفتح الغين المعجمة، منصوب على المصدرية بمعنى المغفرة، أي: اغفر لي مغفرةً، أو
أسألك مغفرة.
= تخييرًا، ويفرق عندهم فيهما في فروع، كما يظهر من كتبهم، ولا فرق بينهما عند الحنفية،
غير أن نية الثلاث تصح في التمليك دون التخيير، قاله ابن الهمام (٤ / ٧١). ثم قول الرجل
لامرأته: ((أمرك بيدك)) كناية في حق الزوج، فيفتقر إلى نية أو دلالة الحال، فإن عدما فلا
طلاق عند الثلاثة، خلافًا للمالكية إذ قالوا: هو كناية ظاهرة لا تحتاج إلى النية كالصريح.
ثم الطلاق بيدها بعد ذلك ما لم يفسخ، ولا يتقيد بالمجلس عند أحمد، خلافًا للثلاثة إذ
قالوا: يتقيد بالمجلس. وأما التخيير فالأربعة متفقة على أنه الفور، ثم إن رجع الزوج فيما
جعل إليها، أو قال: فسخت ذلك، بطل اختيارها عند أحمد، وقال مالك والحنفية: ليس
له الرجوع. ثم المرأة إن ردت الأمر الذي جعل إليها فلا شيء عند الأربعة، خلافًا لبعض
السلف إذا قالوا: واحدة، ولو ردت رجعية أو بائنة، قولان، وإن قالت: اخترت نفسي،
فواحدة رجعية عند الثلاثة، وعند الحنفية واحدة بائنة، هذا إذا لم تنو أكثر منها، وإن نوت
أكثر منها وقع ما نوت عند الثلاثة، وعند الحنفية لا تقع إلا واحدة، أو ثلاثة، فإن طلقت
ثلاثًا، وقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة، فالقضاء ما قضت عند أحمد، وعند الثلاثة
أنها تطليقة لا تقدر على أكثر مما نوى الزوج، كذا في ((الأوجز)) (١١/ ٧٣). وبسط الحافظ
في ((الدراية)) (٢/ ١٠١- ١٠٢) في كتاب الحدود الآثار في ذلك.
(١) في نسخة: ((أن أحداً)).
(٢) في نسخة: ((ابن سمرة)).

٦١٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: ((ثَلَاثُ)). قَالَ أَيُّبُ: فَلَقِيتُ كَثِيرًا مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ فَسَأَلْتُهُ: فَلَمْ يَعْرِفْهُ،
فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: نَسِيَ.
هَذَا حَدِيثُ(١) لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ
زَيْدٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ
ابْنِ زَيْدٍ بِهَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
مَرْفُوعًا. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ حَافِظًا صَاحِبَ حَدِيثٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ
وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ
عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: القَضَاءُ مَا قَضَتْ، وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا جَعَلَ
أَمْرَهَا بِيَدِهَا، وَطَلَّقَتْ(٢) نَفْسَهَا ثَلاَثًا، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَقَالَ: لَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا
بِيَدِهَا إِلَّا فِي وَاحِدَةٍ، اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، وَكَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
قوله: (قال: ثلاث) الظاهر أن هذا مرفوع، قاله النبي ◌ُّ في جواب السائل
عمن قال لامرأته: أمرك بيدك، ويمكن أن يكون اجتهاداً من أبي هريرة لما أنكروا من
رفعه، كما سيجيء، فإنه لما رأى أن أمرك بيدك تفويضٌ إليها أمرَ نفسِها، فكما أن لها
أن تطلِّقَ نفسَها بواحدة فلها أن تطلقها بثلاث، حكم بذلك.
قوله: (القضاء ما قَضَتْ) أي: لها ما شاءت من الرجعي وغيره، واحدٍ وغيره.
(١) زاد في نسخة: ((غریب)).
(٢) في نسخة: ((فطلقت)).

٦١٣
أبْوَابُ الطَّلَاقَ وَاللَّعَان
وَذَهَبَ سُفْيَانُ وَأَهْلُ الكُوفَةِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ، وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ
أَنَسِ، فَقَالَ: القَضَاءُ مَا قَضَتْ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ
ابْنِ عُمَرَ.
٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الخِيَارِ
١١٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا سُفْیَانُ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ، فَاخْتَرْنَاهُ، أَفَكَانَ(١) طَلَاقًا؟.
(وذهب سفيان وأهل الكوفة) إلخ، يعني أنهم ذهبوا إلى أن الأمر منوط على
رأيها بشرط الموافقه لرأي الزوج، وإن لم يكن له نية، أو نوى واحدة فهي واحدة(٢)، ولا
يخفى أن كل ما ذكر من مذاهب الصحابة في: أمرك بيدك، يمكن إرجاعها إلى مذهب
الإمام من غير ارتكاب تكلف، وكذلك لا ينافي الرواية مذهبه، بل هي إحدى شقوقه.
٤ - باب ما جاء في الخيار
قوله: (فاخترناه أفكان طلاقاً؟) رَدَّتْ بقولها على بعض من يجيء مذهبه
[١١٧٩] خ: ٥٢٦٢،، م: ١٤٧٧، د: ٢٢٠٣، ن: ٣٢٠٢، جه: ٢٠٥٢، حم: ٢٤١٨١، تحفة:
٠١٧٦١٤
(١) في نسخة: ((أفكان ذلك)).
(٢) قال محمد: «هذا عندنا علی ما نوی الزوج)»، أي: الطلاق عندنا على ما نوی الزوج به،
فإذا نوى واحدة فواحدة بائنة فلا يراجعها بل يكون خاطبًا من الخُطَّاب وينكحها نكاحًا
ثانياً، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاث، لأن
الثلاث أتم ما يكون من الاختيار. وقال الشافعي: تقع واحدة رجعية، لأنها أدنى ما يكون
من الاختيار، وبه قال أحمد. ((التعليق الممجد)) (٢/ ٥٢٣).

٦١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا بُنْدَارُ(١)، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الخِيَارِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُودٍ
أَنَّهُمَا قَالَا: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةُ. وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا أَيْضًا:
وَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ:
إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةُ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ.
وقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةُ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثُ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ، وَالفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّبَهِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذَا
البَابِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ
ابْنُ حَنْبَلٍ فَذَهَبَ إِلَی قَوْلِ عَلِيٍّ.
من أن الطلاق واقع على تقدير اختيار الزوج أيضاً (٢).
قوله: (فروي عن عمر وعبد الله) إلخ، القول الأول من قولهما يوافق الذي
ذهبنا إليه، ووجه ذلك أنها لما اختارَتْ نفسها فكأنها اسْتَبَدَّتْ بها، وليس ذلك إلا في
البائن دون الرجعي.
(١) في نسخة: ((محمد بن بشار)).
(٢) قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢٨٦/٦): وقد استدل بهذا من قال: إنه لا يقع بالتخيير
شيء إذا اختارت الزوج، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، انتهى.

٦١٥
أبْوَابُ الطَّلاَقْ وَاللَّعَان
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ
١١٨٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا جَرِيرُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ
بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَ لَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله
((لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ)).
قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَا نَدَعُ كِتَابَ الله وَسُنَّةَ
نَبِيِّنَا وَلَّهِ بِقَوْلِ(١) امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أُمْ نَسِيَتْ(٢). فَكَانَ(٣) عُمَرُ يَجْعَلُ لَهَا
السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ.
٥ - باب ما جاء فى المطلقة (١) ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة
قوله: (قال عمر: لا نَدَعُ كتاب الله وسنة نبينا) إلخ، هذا يدل على أن عمر
سمع من النبي ◌َّ في ذلك شيئاً، وإن لم يذكره هاهنا، فكان كتابُ الله(٢] مُسْتَدَلًا في
[١] اختلف فيه الأئمة، فقال بعضهم: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور
وداود وأتباعهم، وقال بعضهم: لا نفقة لها ولها السكنى، وهو قول الشافعي والجمهور،
وذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل الكوفة من الحنفية
وغيرهم إلى وجوب النفقة والسكنى، هكذا في (البذل))(٤)، وقريب منه ما حكاه المصنف.
[٢] وهو قوله تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم﴾ الآية [الطلاق: ٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا
تُخْرِ جُهُرَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١].
[١١٨٠]م: ١٤٨٠، د: ٢٢٨٨، ن: ٣٢٣٧، جه: ٢٠٢٤، تحفة: ١٨٠٢٥.
(١) في نسخة: ((لقول)).
(٢) في نسخة: ((أو نسيت)).
(٣) في نسخة: ((وكان).
(٤) ((بذل المجهود)) (٣٥٩/٨، ٣٦٢، ٣٦٣).

٦١٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمٌ، نَا حُصَيْنٌّ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُجَالِدٌ،
قَالَ هُشَيْمُ: وَنَا دَاوُدُ أَيْضًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيٍْ،
فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللهِوَ لَّهِ فِيهَا، فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ، فَخَاصَمَتْهُ
فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ ◌َ لَهُسُكْنَى وَلَا نَفَقَةً.
وَفِي حَدِيثِ دَاوُدَ قَالَتْ: وَأَمَرَّنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمَّ مَكْتُومٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي
باب السكنى وسنة نبيه في إثبات النفقة [١]، أو يكون الحكمان معاً ثابتين بالنصين عنده،
فكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة لما أن رواية عمر التي سمعها من النبي ◌َّ وآية
الكتاب قطعيتان، فلا يترك العمل بهما بخبر الواحد، وبهذا يعلم أن مذهب عمر هو
الذي ذهبنا إليه من ترك العمل بخبر الواحد، إذا لم يمكن جمعه بكتاب الله تعالی بأحد
الوجوه التي يجتمع بها، وقد ارتكب مثل ذلك الشافعي أيضاً في باب السكنى لما رأى
من مخالفته بالكتاب، وأما فاطمة فلم يترك العمل بما سمعته من في النبي ◌َّ لكونه
قطعيًّا في حقها، وكان الحديث ناسخاً لحكم الآية في حقها. ثم الاعتذار من الأحناف
في حديث فاطمة أن النبي ◌َّ إنما نفى الزيادة على أقفزة شعير وأقفزة بُرِّ التي أعطاها
زوجها، لكنها فهمَتْ نفي النفقة رأساً فعلمت وعملت وأفتت بحسبه، وتأيد فهمها
[١] قال أبو الطيب(١): لا ريب في أن قول الصحابي: ((من السنة كذا)) رفعٌ، فكيف إذا كان قائله
عمر، وفيما رواه الطحاوي والدار قطني زيادة قوله: ((سمعت رسول الله مج لد يقول: للمطلقة
ثلاثاً النفقة والسكنى))، فإن تعارض روايتها روايته فأي الروايتين يجب تقديمها؟ انتهى.
(١) («الشروح الأربعة)) (٤٢٥/٢).

٦١٧
أبْوَابُ الطَّلَاقَ وَاللَّعَان
رَبَاجٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ سُكْنَى
وَلَا نَفَقَةُ، إِذَا لَمْ يَمْلِكْ زَوْجُهَا الرَّجْعَةَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِيِّ وَّةِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَبْدُ اللهِ: إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ،
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ
أَنَسِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا جَعَلْنَا لَهَا السُّكْنَى
بِكِتَابِ الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِنَةٍ ﴾ [الطلاق: ١]. قَالُوا(١): هُوَ البَذَاءُ، أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا،
ذلك بقياس، كما هو مصرَّح في ((سنن أبي داود)) حيث عَلَّلَتْ [١] وجوب النفقة بإمكان
المراجعة، فهي لما كانت مطلقة ثالثة الثلاثة - كما هو مصرح في الروايات - فظنت أنه
لما لم يبق له حق في الرجوع لم يبق لها حق عليه، إذ الغرم بالغنم.
[١] ولفظ أبي داود مختصر، وهو في إنكار مروان عليها، فقالت فاطمة حين بلغها ذلك: ((بيني
وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ﴾ حتى ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالت: فأيُّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث))(٢)، وأصرح منه ما في
((جمع الفوائد))(٣) حيث ذكر اختلاف روايتها وفيه: فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان:
فبيني وبينكم القرآن: ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ مِنْ بُوتِهِنَ﴾ الآية، هذا لمن كان له مراجعة، فأي أمر
یحدث بعد الثلاث، فکیف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها، انتهى.
(١) في نسخة: ((قال)).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٢٩٠).
(٣) (٢/ ١٨١).

٦١٨
الكَوْكَبُ الدُّرِي
وَاعْتَلَّ بِأَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ قَيٍْ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ ◌َهِ السُّكْنَى، لِمَا كَانَتْ تَبْذُو
عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ الشَّافِعِىُّ: وَلَّا نَفَقَةَ لَّهَا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ لَّ فِي قِصَّةٍ
حَدِيثٍ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيٍْ(١).
٦ - بَابُ مَا جَاءَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ
١١٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمٌ، نَا عَامِرُ الأحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا نَذْرَ لإِبْنِ آدَمَ فِيمَا لَا
يَمْلِكُ، وَلَا عِثْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَّا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ)).
[٦ - باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح]
قوله: (لا طلاق له فيما لا يملك) أوردوه على مذهبنا وليس بواردٍ؛ فإن
الجزئي الذي تكلموا فيه قوله: ((إن نكحتكِ فأنتِ طالق))، وليس[١] فيه إيقاع الطلاق
فيما لا يملك، إنما هو يوقع الطلاق حين يملك لا قبل ملكه، فلا يخالف الحديث
مذهبنا شروی(٢) نقيرٍ حتى يفتقر إلى تفتيش وتنقير.
[١] وبذلك أجاب ابن الهمام وغيره من مشايخ الفقه بالبسط، ولا خفاء في أن التعليق غير
التطليق.
] قال المجد(٢): شَرْوَى، كَجَدْوَى: المِثْلُ، والنقير: النُّكْتَةُ في ظَهْرِ النَّواة.
[١١٨١] د: ٢١٩٠، جه: ٢٠٤٧، حم: ٦٧٦٩، تحفة: ٨٧٢١.
(١) في نسخة: ((ابنة قيس)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٩٩، و٤٨٦).

٦١٩
أبْوَابُ الطَّلَاقْ وَاللَّعَان
وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ (١)، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَعَائِشَةً.
حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ
رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ(٢).
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّلَهِ وَغَيْرِهِمْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،
وَالحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَشُرَيٍْ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَغَيْرِ
وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ
قَالَ فِي الْمَنْصُوبَةِ(٣): إِنَّهَا تَظْلُقُ. وَرُوِيَ(٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ
قوله: (في المنسوبة) يصح بالسين وبالصاد[١] لأن مآل المعنيين واحد.
قوله: (إنها تطلق) لعل ابن مسعود لو سئل عن غير المنسوبة لأجاب أيضاً
[١] قال أبو الطيب (٥): المنصوبة: المعينة، من نصب: إذا رفع؛ لأن المعينة رفعت بالتعيين من
حضيض الإبهام، وبالسين أي: التي نسبت إلى قبيلة أو موضع وهو أظهر.
(١) في نسخة: ((معاذ بن جبل)).
(٢) زاد في نسخة: ((وسألت محمد بن إسماعيل فقلت له: أي حديث في هذا الباب أصح في
الطلاق قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث هشام بن
سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، فقلت: إن بشر بن السري وغيره
قالوا: عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن النبي وَّ مرسل، فقال: إن حماد بن
خالد بن حماد روى عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي مَلانه)).
(٣) في نسخة: ((المنسوبة))، وفي أخرى: ((المنصوصة)).
(٤) في بعض النسخ: ((وقد روي)).
(٥) («الشروح الأربعة)) (٤٢٨/٢).

٦٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا وَقَّتَ نُزَّلَ (١).
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسِ أَنَّهُ إِذَا سَمَّى امْرَأَةً بِعَيْنِهَا أَوْ
وَقَّتَ وَقْتًا، أَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مِنْ كُورَةٍ كَذَا، فَإِنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ. وَأَمَّا
ابْنُ الْمُبَارَكِ فَشَدَّدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَالَ: إِنْ فَعَلَ لَا أَقُولُ هِيَ حَرَامُ.
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالظَّلَاقِ أَنْ
لَا يَتَزَوَّجُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَلْ لَهُ رُخْصَةُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ
رَخَّصُوا فِي هَذَا؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (٢): إِنْ كَانَ يَرَى هَذَا القَوْلَ حَقًّا مِنْ قَبْلٍ
أَنْ يُبْتَلَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا، فَلَمَّا
ابْتُلِيَ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ، فَلَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ.
على وفق مذهبنا، وكذلك ما ذكر بعد ذلك من المذاهب لا يخالف شيء منها
مذهبنا، والفرق تحكم.
قوله: (إذا وَقَّتَ [١] نُزِّلَ) أي: إذا لم يبين وقتاً لا يقع الطلاق، وأما إذا قال:
لو نكحت في وقت كذا فهي طالق ينزل الطلاق، بل نقول: لا تعرض فيه عن غير
الوقت، فلا يخالف هذا المذهب مذهبنا شيئاً، وكذلك قوله: (إذا سمى امرأة) أو
[١] بالتشديد، أي: إذا عين المرأة يقع الطلاق، وهو المشهور عن مالك، وقال أحمد والشافعي
ومالك في رواية ابن وهب: لا يقع، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقع مطلقاً لأن التعليق بالشرط
يمين، فلا يتوقف صحته على وجود ملك المحل كاليمين بالله تعالى، قاله أبو الطيب(٣).
(١) زاد في نسخة: ((لزم))، وفي نسخة: ((ترك)) بدل (نُزِّلَ)).
(٢) في بعض النسخ: ((عبد الله بن المبارك)).
(٣) ((الشروح الأربعة)) (٤٢٨/٢).