النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
أَبْوَابُ النِكاح
يُخْرِجَهَا، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبَعْضٍ
أَهْلِ الكُوفَةِ.
٣٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ
١١٢٨ - حَدَّثَنَا هَنَّدُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَعْمٍَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ
أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَ (١) النَّبِيُّ ◌َلَ أَنْ يَتَخَيَّرَ
مِنْهُنَّ أَرْبَعًا.
كماله وشرافته، وإنما جُوِّز إما جزاءً له على قبيح ما ارتكب أو ضرورة إبقاء النسل
والعقب، وأما سائر العقود فليست ترد إلا على الأموال وهي مبذولة مرذولة، فكان
المرعي له الاحتياط هو النكاح لا غير، وإيراد تملك العبيد ساقط، فإنهم لا يباعون
إلا إذا نظر إلى ماليتهم وقطع النظر من أنهم أناس.
٣٠ - باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة
قوله: (أن يتخير منهن أربعاً) ومعنى التخيير [١] عندنا - والله أعلم - تخيير
[١] وأجاد الطحاوي وصاحب ((البدائع)) في معنى التخيير، وحاصله أنه كان قبل نزول التحريم،
فالنكاح بما فوق الأربع كان جائزاً إذذاك، فالعاشرة حينئذ كالواحدة فصح التخيير، وأما إذا نزلت
الأحكام ونزل تحريم الزيادة على الأربع، فحينئذ نكاح الخامسة لم يصح، فلا وجه للتخيير(٢).
[١١٢٨] جه: ١٩٥٣، حم: ٤٦٠٩، تحفة: ٦٩٤٩.
(١) في نسخة: ((أمره)).
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (٣٥٥/٣)، و((بدائع الصنائع)) (٦١٩/٢-٦٢٠).

٥٤٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبِيِهِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى(١) شُعَيْبُ بْنُ
أبِي حَمْزَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدِ الثَّقَفِيِّ: أنَّ
غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ. قَالَ مُحَمَّدُّ: وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ تَقِيفِ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَتُرَاجِعَنَّ
نِسَاءَكَ أَوْ لِأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أبِي رِغَالٍ.
وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثٍ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ أصْحَابِنَا مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقٌ.
القدیمات منھن لا التي يعجبنه؛ فإن النكاح عندنا لم يصح إذا نكح خامستهن، لكن
لما لم يكن لنا عليه يَدٌ وولايةٌ إلزامٍ لقوله عليه السلام: ((دَعْهم وما يدينون)) أمسكنا
عنه، فإذا ثبت الالتزام وجب إجراء الأحكام، أو كان المقصود تخيير من أسلمت
منهن ولم تأب لأن إباءها منه فرقة، أو يكون نكاحهن [١] معاً فيتخير أربعاً.
(فقال له عمر) إلخ، إنما أمر بالرجوع لما ثبت عنده طلاقه إياهن من غير
موجب، ولا خفاء أن الطلاق من أبغض المباحات لا يصار إليه إلا عند اضطرار إليه.
[١] هذا هو المشهور من توجيهاته، واشتهر عند مشايخ الدرس جدًّا، لكنه يخالف الفروع، كما
في (البذل))(٢) عن ((البدائع))، وفي ((الدر المختار))(٣): أسلم وتحته خمس نسوة فصاعداً
بطل نكاحهن إن تزوجهنّ بعقد واحد، فإن رَتَّبَ فالآخر باطل.
(١) في نسخة: ((ما رواه)).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٧٥/٨ -٢٧٧).
(٣) (ردّ المحتار)) (٣٧٦/٤).

٥٤٣
أَبْوَابُ التِكاح
٣١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ
١١٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي وَهْبِ الجَيْشَانِيِّ، أَنَّهُ
سَمِعَ ابْنَ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَلِهِ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله(١)َ ﴾:((اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا
شِئْتَ))(٢).
٣١ - باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان
قوله: (اختر أيَّتهما شئتَ) كأنه نكحهما معا١ً]، أو أيتهما تزوجتها قبلُ، أو
أيتهما أسلمت قبل الإباء، فأما من أَبَتْ أن تسلم فقد وقعت الفرقة بينها وبينه، فلا
یمکنه تخییرهن.
[١] قد تقدم أنه يخالف الفروع، ولا يبعد أن يكون في لفظ ((كأن)) إشارة إلى ما أجاب به الطحاوي
وصاحب (البدائع)) من أن التحريم وقع على نكاحهما معاً، ويوضح ذلك ما في ((الأوجز))(٣):
وأوجه الأجوبة عندي عن حديث الباب وما في معناه: أن العقد كان قبل نزول التحريم،
فكان صحيحاً إلى أن طرأ التحريم، فلزمه اختيارُ الأربع منها ومفارقةٌ سائرهن، کرجل له
امرأتان، فطلق إحداهما ثلاثاً، فيقال له: اختر أيتهما شئتَ؛ لأن العقد كان صحيحاً إلى أن
طرأ التحريم.
[١١٢٩]د: ٢٢٤٣، جه: ١٩٥١، حم: ١٨٠٤٠، تحفة: ١١٠٦١.
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ١١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ
الجَيْشَانِّ، عَنِ الضَّخَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْلَمْتُ
وَتَحْتِي أُخْتَانٍ، قَالَ: ((اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ)). [(تحفة الأشراف)) ١١٠٦١].
(٣) ((أوجز المسالك)) (٣٨٦/١١).

٥٤٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ، وَأَبُو وَهْبِ الجَيْشَانِيُّ: اسْمُهُ الدَّيْلَمُ بْنُ هَوْشَعَ.
٣٢ - بَابُ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الجَارِيَةَ وَهِيَ حَامِلٌ
١١٣١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ الشَّيْبَانِيُّ البَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ،
نَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سُلَيْمٍ (١)، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ رُوَيْفِعِ
ابْنِ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ
وَلَدَ غَيْرِهِ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يَرَوْنَ لِلرَّجُلِ إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً
وَهِيَ حَامِلُ أَنْ يَطَأْهَا حَتَّى تَضَعَ.
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَّةَ، وَأَبِي
سَعِيدٍ.
قوله: (حبان بن هلال) وكله [١] بفتح الحاء إلا ابن هلال وابن يسار.
[١] الضابطة ليست بمجمع عليها، فإن أهل الرجال اختلفوا في ضبط هذه الأسماء، كما يظهر
بملاحظة ((مقدمة النووي)) وكتاب ((المؤتلف والمختلف)) للحافظ عبد الغني الأزدي،
و(المغني)) للشيخ محمد طاهر صاحب (مجمع البحار))، لكنهم اتفقوا في حبان بن هلال أنه
بفتح الحاء وشدة الموحدة، وأما حبان بن يسار فذكره الحافظ في ((التقريب)) (٢) في كسر الحاء.
[١١٣١]د: ٢١٥٨، حم: ١٦٩٩٠، تحفة: ٣٦١٥.
(١) في نسخة: ((سلیمان)).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (١٠٧٩).

٥٤٥
أَبْوَابُ النِّكاح
٣٣ - بَابُ مَا جَاءَ يَسْبِي الأَمَةَ وَلَهَا زَوْجُ هَلْ يَحِلُّ لَهُ وَظُؤُهَا(١)؟
١١٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمُ، نَا عُثْمَانُ البَتِّيُّ، عَنْ أَبِي
الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسِ وَلَهُنَّ أَزْوَاجْ
فِي قَوْمِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَ لّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ
إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٤٢].
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ البَقِّيِّ، عَنْ أَبِي
الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبُو الخَلِيلِ: اسْمُهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ.
وَرَوَى هَمَّامُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ صَالِحِ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي
عَلْقَمَةَ الهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
نَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، نَا هَمَّامُ.
٣٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مَهْرِ البَغِيِّ
١١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ(٢)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَيِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ
٣٤ - باب ما جاء في كراهية مهر البغي
[١١٣٢] م: ١٤٥٦، د: ٢١٥٥، ن: ٣٣٣، حم: ١١٦٩١، تحفة: ٤٠٧٧.
[١١٣٣]خ: ٢٢٣٧، م: ١٥٦٧، د: ٣٤٢٨، ن: ٤٢٩٢، جه: ٢١٥٩، حم: ١٧٠٧٠، تحفة: ١٠٠١٠.
(١) في نسخة: ((أن يطأها)).
(٢) في نسخة: ((اللیث بن سعد)).

٥٤٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ لَّهُ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ،
قوله: (نهى رسول الله ( اله عن ثمن الكلب)[١] وهذا التحريم كان إذا أمر
بقتل الكلاب وحرم الانتفاع بها، فإذا استثنى كلب الماشية والصيد وغيره جاز بيعه.
قوله: (ومهر البغي)[٢] وفي ذلك إشكال على الحنفية، فقد قال في
((المستصفى)) و((حاشية الجلبي)) وغيرهما بجوازه، واعترض عليه قوم بأنه يخالف
الرواية بما لاخفاء فيه فلا يُقْبَل، وأنت تعلم أن الذي ترده الرواية ما إذا وقع العقد
على الزنا، فإن الأمر إذا نيط على مشتق كان المبدأ علة له، ولا يمكن أن يجترئ أحد
على القول بأن المرأة إذا كانت تزني، فكل ما حصلته من الأجرة على أي عمل كان
[١] قال أبو الطيب(١): ظاهره التحريم، وقالوا: تحريم الثمن يقتضي عدم جواز البيع، وقد قال به
الشافعي، وروي عن مالك - وبه قال أبو حنيفة وصاحباهـ: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها؛
لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطياداً حتى قال سحنون: أبيعه وأحجّ به. وحملوا الحديث
على غير المأذون في اتخاذه لحديث النسائي عن جابر: ((نهى يقلّ عن ثمن الكلب إلا كلب
صید)، لكنه حدیث ضعيف باتفاق المحدثين، قال ابن الملك: هو محمول عندنا على ما كان
في زمنه ◌ِّ حين أمر بقتله، وكان الانتفاع به يومئذ محرماً، ثم رخص في الانتفاع به، حتى
روي أنه قضى في كلب صيدٍ قتله رجلٌ بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش، انتهى.
قلت: حديث النسائي قال الحافظ (٢): رجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته، انتهى.
[٢] بفتح الموحدة وكسر المعجمة وشدة التحتية، فعيل أو فعول بمعنى الفاعل، يستوي فيه
المذكر والمؤنث، من بغت المرأة بغاء بالكسر: إذا زنت، قاله أبو الطيب(٣).
(١) ((الشروح الأربعة)) (٣٨٩/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٤٢٧).
(٣) («الشروح الأربعة)) (٣٨٩/٢).

٥٤٧
أبْوَابُ النِّكاح
فهو حرام، فليس معنى الحديث إلا الحكم بالحرمة على ما تأخذه[١] الزانية على
نفس ارتكاب الزنا، ولا شك في حرمته، ولا قائل بكونه طيباً، والذي حكم صاحب
((المستصفى)) وغيره بحلته إنما هو المأخوذ على غير الزنا من سائر الأمور، وصورته
أن يستأجرها على الخبز مثلاً، ويشترط مع ذلك أن يزني معها، فالأجرة المأخوذة
عليه مختلف فيها، حَلَّلَه الإمام نظراً إلى صحة العقد أصالةً، والفساد بعارض
الشرط، فلا يؤثر في تحريم ما أخذه أجرة على أصل العمل المعقود عليه وهو الخبز
فيما نحن فيه، والصاحبان ذهبا إلى حرمته نظراً إلى الفساد، وإن كان غير داخل في
صلب العقد، ثم الواجب في مثل ذلك عند الفريقين أجر المثل لفساد الإجارة فلا
يجب المسمى، والفرق أن أجر المثل الحاصل على الخبز حلال عند الإمام حرام
عندهما، فمعنى (٢) قول ((المستصفى)): إن كان بأجرة صح وإلا لا: أن الزنا إذا كان
[١] ويؤيد ذلك ما في أبي داود من حديث رافع بن رفاعة: ((نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت
بيدها، وقال: هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل))، ومن حديث رافع بن خديج قال: ((نهى
رسول الله ◌َ لل عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو)) (١).
[٢] والحاصل أنهم فرعوا هذه المسألة على الإجازة الفاسدة، فلا يمكن أن يراد بكلامهم
الإجارة على الزنا لأنها باطلة قطعاً، بل المراد الإجارة على غير الزنا كطبخ الخبز مثلاً بشرط
أن يزني بها أيضاً، فهذا إجارة فاسدة لفساد الشرط، ويوضح ذلك أنهم كلهم بنوا كلامهم
على الإجارة الفاسدة، ففي ((شرح الوقاية)): الشرط يفسدها (أي: الإجارة)، والمراد شرط
يفسد البيع، (وفيها أجر المثل لا يزاد على المسمى)، وفي ((حاشية الجلبي)): قوله: فيها أجر
المثل، أي: يجب أجره حتى إن ما أخذته الزانية إن كان بعقد الإجارة فحلال عند الإمام =
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٤٢٦، ٣٤٢٧).

٥٤٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هو المعقود عليه بنفسه لم تصح الإجارة وكانت باطلة، ولا يتناول لفظ الإجارة
الباطل منها، فلا يمكن أن يراد بقوله: إن كان بأجرة، هو الاستئجار على أصل فعل
الزنا، فلم يبق في متناول اللفظ إلا الإجارة الصحيحة والفاسدة، وكلاهما يمكن
إرادته هاهنا، فإن أريد بقوله: إن كان بأجرة، هي الصحيحة منها كان المعنى أنه إذا
استأجرها على شيء من العمل إجارةً صحيحةً ثم زنى بها لا تكون الأجرة حراماً؛
لأنها لم تأخذ على الحرام الذي ارتكبته، غير أن هذه الصورة لا تصلح للخلاف
الواقع بينه وبينهما، فلم يبق إلا إرادة الإجارة الفاسدة التي لا يجب فيها المسمى، بل
الواجب فيه أجر المثل كما ذكرنا قريباً، والله أعلم.
= الأعظم؛ لأن أجر المثل طيب وإن كان السبب حراماً، وحرام عندهما، وإن كان بغير عقد
فحرام اتفاقاً، لأنها أخذته بغير حق، انتهى. فقوله: ((حتى إن ما أخذته)) صريح في أن المسألة
متفرعة على الإجارة الفاسدة.
وفي ((الدر المختار)): الفاسد من العقود ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، والباطل ما ليس
مشروعاً أصلاً لا بأصله ولا بوصفه، وحكم الفاسد وجوب أجر المثل بالاستعمال لو كان
المسمى معلوماً، بخلاف الباطل فإنه لا أجر فيه بالاستعمال، قال ابن عابدين (١): قوله: وجوب
أجر المثل، أي: أجر شخص مماثل له في ذلك العمل، وفي ((غرر الأفكار)) عن ((المحيط)): ما
أخذته الزانية إن كان بعقد الإجارة فحلال عند أبي حنيفة؛ لأن أجر المثل في الإجارة الفاسدة
طيب، وإن كان الكسب حراماً، وحرام عندهما، وإن كان بغير عقد فحرام اتفاقاً، انتهى. فقوله:
((لأن أجر المثل في الإجارة الفاسدة)) أصرح دليل على أن المسألة في الإجارة الفاسدة لا الباطلة،
وأصرح من ذلك كله أنهم عدّوا مهر البغي من السحت كما في ((كتاب الحظر)) من الشامي(٢).
(١) (ردّ المحتار)) (٦٢/٩).
(٢) انظر: ((ردّ المحتار)) (٦٠٨/٩).

٥٤٩
أبْوَابُ النِكاح
وَحُلْوَانِ الگاهِنِ.
وَفِي البَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَأُبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنٍ عَبَّاسِ.
وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ أَنْ لَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ
١١٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: يَبْلُغُ بِهِ(١)، وَقَالَ
أَحْمَدُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: ((لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى
خِطْبَةِ أَخِیهِ)).
وَفِي البَابِ عَنْ سَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (وحلوان [١] الكاهن) هو ما يأخذ الكاهن على كهانته، وأصله الشيء
الحالي، ثم استعمل في كل ما يأخذه حلواً أو لا، والوجه في حرمته كونه مأخوذاً
على تغرير أو معصية، وفي حكمه كل ما أخذ على معصية، نعم يطيب المأخوذ على
النقوش والتعاويذ والرُّقَى الصحيحة، والله أعلم.
٣٥ - باب ما جاء أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
[١] بضم الهاء المهملة وسكون اللام: ما يعطاه على كهانته، قال أبو عبيد: أصله من الحلاوة،
شبه ما يعطى الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلاً دون كلفة.
[١١٣٤] خ: ٢١٣٩، م: ١٤١٣، د: ٢٠٨٠، ن: ٣٢٣٩، جه: ١٨٦٧، حم: ٧٢٤٨، تحفة: ١٣١٢٣.
(١) زاد في نسخة: ((النبي ◌َّ)).

٥٥٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ: إِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ
أَخِيهِ: إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى
خِطْبَتِهِ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِظْبَةِ
أخِيهِ، هَذَا عِنْدَنَا: إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ وَرَكَنَتْ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ
لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رِضَاهَا أَوْ رُكُونَهَا إِلَيْهِ فَلَا
بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَهَا.
وَالحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حَيْثُ جَاءَتِ النَّبِيَّ
سَلَا الله
فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَاهَا، فَقَالَ: أَمَّا
أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلُ لَا يَرْفَعُ عَصَاهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةٌ فَصُعْلُوكُ لَا مَالَ لَهُ،
وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةً(١).
فَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَنَا وَاللّه أَعْلَمُ: أَنَّ فَاطِمَةَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِرِضَاهَا
بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَوْ أَخْبَرَتْهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ.
قوله: (لم يُشِرْ عليها) هذا ظن منه رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه
صحيح النظر أن الإشارة في مثل ذلك لو وقعت بعد الركون لم تك ممنوعة أيضاً؛
إذ المحظور إيثار ذاته على غيره، لا الإشارة عليها بمن هو أنفع لها عمن ركنت إليه،
فإن هذه الإشارة عين النصيحة، وقد أُمِرْنا بها في غير موضع، نعم إذا ركنت إلى أحد
الخطاب لم يجز لآخر أن يخطبها لنفسه، فتدبر(٢).
(١) في نسخة: ((أسامة بن زيد)).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٦٥٠/٧).

٥٥١
أَبْوَابُ التِّكاح
١١٣٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الجَهْمِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَحَدَّثَتْ: أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا
نَفَقَّةً، قَالَتْ: وَوَضَعَ لِي عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ عِنْدَ ابْنِ عَمِّ لَهُ، خَمْسَةَ شَعِيرٍ، وَخَمْسَةً
بُرِّ(١)، قَالَتْ: فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَتْ: فَقَالَ: ((صَدَقَ))،(٢)
فَأَمَرَّنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمّ شَرِيكِ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((إِنَّ بَيْتَ أُمِّ
شَرِيكٍ بَيْثُ يَغْشَاءُ(٣) الْمُهَاجِرُونَ(٤)، وَلَكِنِ اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنٍ أُمَّ مَكْتُومِ،
فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ فَلَا يَرَاكِ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَجَاءَ أَحَدٌ يَخْطُبُكِ
فَأَتِينِي(٥)، فَلَمَّ انْقَضَتْ عِدَّتِي خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ، وَمُعَاوِيَةُ، قَالَتْ: فَأَتَيْثُ
رَسُولَ اللهِ وَلَيهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلُ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو
جَهْمٍ فَرَجُلُ شَدِيدُ عَلَى النِّسَاءِ. قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَزَوَّجَنِي،
فَبَارَكَ الله لِي فِي أُسَامَةً.
قوله: (عشرة أَقْفِزَة) والقفيز مكيال یسع صاعاً ونصفاً، وله معانٍ أُخَر أيضاً.
وقوله: (إن بيت أم شريك) إلخ، فقد كانت مضيافة.
[١١٣٥]م: ١٤٨٠، د: ٢٢٨٤، ن: ٣٢٤٥، جه: ١٨٦٩، حم: ٢٧٣٢٠، تحفة: ١٨٠٣٧.
(١) في نسخة: ((خمسةً شعيراً وخمسةً برًّا).
(٢) زاد في نسخة: ((قالت)).
(٣) زاد في نسخة: ((أصحابي)).
(٤) في نسخة: ((يعني المهاجرين)).
(٥) في نسخة: ((فآذنيني)).

٥٥٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أپِي بَكْرِ بْنِ
أبِي جَهْمٍ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: فَقَالَ لِيَ النَّبِيَُّّهِ: ((انْكِحِي أَسَامَةَ)).
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ
ابْنِ أَبِي الجَهْمِ بِهَذَا.
٣٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العَزْلِ
١١٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، نَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْعِ، نَامَعْمَرُ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ،
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ، فَزَعَمَتِ اليَهُودُ أَنَّهُ الْمَوْءُودَةُ
الصُّغْرَى، فَقَالَ: «كَذَبَتِ اليَهُودُ، إِنَّ اللهِ إِذَا أَرَادَ أنْ يَخْلُقَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ».
وَفِي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَالبَرَاءِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ.
١١٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
٣٦ - باب ما جاء في العزل
قوله: (فقال: كذبت اليهود) فعلم أن العزل ليس بحرام كما كانت تزعمه
اليهود، وإنما هو مكروه كما بين في الحديث الآتي.
(إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه) فاعله العزلُ المذكورُ من قبلُ، أو
الشيء المنكّر، وليس فاعله الضمير المستتر فيه العائد إلى الله. ثم قد يتوهم أن
[١١٣٦] ن في الكبرى: ٩٠٧٨، تحفة: ٢٥٨٧.
[١١٣٧] خ: ٥٢٠٧، م: ١٤٤٠، د: ٢٠٨٠، جه: ١٩٢٧، حم: ١٤٣١٨، تحفة: ٢٤٦٨.

٥٥٣
أبْوَابُ النِّكَاحِ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ.
حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ.
وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّوَهِ وَغَيْرِهِمْ فِي
العَزْلِ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: تُسْتَأْمَرُ الحُزَّةُ فِي العَزْلِ، وَلَا تُسْتَأْمَرُ الأَمَةُ.
٣٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ العَزْلِ
١١٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنٍ
أبِي نَجِيجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ قَزَعَةَ(١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذُكِرَ العَزْلُ عِنْدَ
فيه قطعاً للذرائع والأسباب لإناطة الأمر على المشيئة، مع أن الأمر لو كان كذلك
لكان الوأد الحقيقي غير موجب للملام أيضاً، والجواب أن فيه اختصاراً وإيجازاً
اتكالاً على فطانة المخاطبين وهم ما هم[١]، والحاصل أن الأمر إن كان موكولاً إلى
الأسباب فالسبب الظاهر بالتوالد موجود وهو الإيلاج، ومظنة الإنزال غير منفية،
فإن الذي ينشأ ثمة من التلذذ وفرط الشغف لا يكاد يتركه ينفصل عنها إلا وقد تقاطر
شيء منه في رحمها، وإن أريد النظر إلى السبب الحقيقي لا يتخلف عنه شيء بعد
إرادته، فهو أبعد من أن يتوقف فعله على شيء من العلل والأسباب.
[٣٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ العَزْلِ]
[١] هكذا في الأصل، وهو وجيه عندي، وقال بعض المشايخ: صوابه على قواعد النحو: من
هم؛ لأن أصل ما لغير ذوي العقول، وأنت خبير بأن في الأول من اللطافة ما ليس في الثاني.
[١١٣٨] خ: ٢٢٢٩، م: ١٤٣٨،د: ٢١٧٠، ن: ٣٣٢٧، جه: ١٩٢٦، حم: ١١٠٧٨، تحفة: ٤٢٨٠.
(١) زاد في نسخة: «هو ابن یحیی)).

٥٥٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
رَسُولِ اللهِ لَه فَقَالَ: ((لِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟))، زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ:
وَلَمْ يَقُلْ: لَا يَفْعَلْ ذَاكَ أحَدُكُمْ، قَالَا فِي حَدِيثِهِمَا: ((فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَفْسُ
مَخْلُوقَةُ إِلَّ الله خَالِقُهَا)).
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ.
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ كَرِهَ العَزْلَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ
العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ ◌ّ وَغَيْرِهِمْ.
٣٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي القِسْمَةِ لِلْبِكْرِ وَالقَّيِّبِ
١١٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ(١)، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ
خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَقَامَ
عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى امْرَأْتِهِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا)).
وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةً.
قوله: (ولم يقل: لا يفعل) إلخ، يعني أنه لو قال ذلك لكان نفياً ونسخاً، وإنما
قال: (لِمَ يفعل) بالاستفهام، فكأنه لم يَرْضَ به، ورآه غير مفيد وترك الأولى.
٣٨ - باب ما جاء في القسمة للبكر والثيب
[١١٣٩] خ: ٥٢١٣، م: ١٤٦١، د: ٢١٢٤، جه: ١٩١٦، تحفة: ٩٤٤.
(١) زاد في نسخة: ((البصري)).

٥٥٥
أبْوَابُ التِّكاح
حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَفَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ بَعْضُهُمْ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً
بِكْرًا عَلَى امْرَأَتِهِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهُمَا بَعْدُ بِالعَدْلِ، وَإِذَا تَزَوَّجَ
التَّيِّبَ عَلَى امْرَأْتِهِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا(١).
٣٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ
١١٤٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴾
كَانَ
يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِى فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي
فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ))(٢).
حَدِيثُ عَائِشَةَ هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ لَ﴿ كَانَ يَقْسِمُ،
قوله: (ثم قسم بينهما بعد بالعدل) الرواية غير صريحة في إخراج هذه
الأيام من القسمة، فلا بد له من دليل، يعني أن هذا الذي ذهبوا إليه ليس لهم حجة
عليه، فالصحيح أن تعتبر هذه المدة في القسم.
[١١٤٠] د: ٢١٣٤، ن: ٣٩٤٣، جه: ١٩٧١، تحفة: ١٦٢٩٠.
(١) زاد في نسخة: ((وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ
التَّابِعِينَ: إِذَا تَزَوَّجَ الِكْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَِّّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا لَيْلَيْنِ.
وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُ)).
(٢) زاد في نسخة: (( يَعْنِي: الحُبَّ وَالمَوَدَّةَ، هَكَذَا فَسَرُوهُ)).

٥٥٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ مُرْسَلاً: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َ ◌ّ كَانَ يَقْسِمُ، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ)) إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الحُبَّ
وَالمَوَدَّةَ، كَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
١١٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا هَمَّامُ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّلَه
قَالَ: ((إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأْتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ
سَاقِطُ)).
وَإِنَّمَا أَسْنَدَ هَذَا الحَدِيثَ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، وَرَوَاهُ هِشَامُ
الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: وَلَّا نَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّ
مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ (١).
٤٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا
١١٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَهَنَّادَ، قَالَا: نَاأَبُو مُعَاوِيَّةَ، عَنِ الحَجَّاجِ، عَنْ
٤٠ - باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما
هذا يشمل ما إذا بقي بعد الإسلام في دار الكفر، ولم ينتقل إلى دار الإسلام،
[١١٤١] د: ٢١٣٣، ن: ٣٩٤٢، جه: ١٩٦٩، حم: ٧٩٣٦، تحفة: ١٢٢١٣.
[١١٤٢] جه: ٢٠١٠، حم: ٦٩٣٩، تحفة: ٨٦٧٢.
(١) زاد في نسخة: ((وَهَمَّامُ ثِقَةٌ حَافِظٌ)).

٥٥٧
أَبْوَابُ التّكاح
عَمْرِوبْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَّهَ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى
أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاجٍ حَدِيدٍ.
هَذَا حَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالُ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ
وما إذا هاجر أحد الزوجين بعد الإسلام، فعندنا لا يفرق بينهما من غير تباين الدارين،
وهو الثابت بالحديث، وأما إذا أسلم وبقي هناك فلا يقع التفريق بنفس الإسلام ما
لم يصدر أمر ينسب [١] إليه التفريق كالإباء، فإن الإسلام جامع لا مفرق، ثم اعلم
أن أبا العاص سبي يوم بدر، فلما تقرر الأمر على أخذِ الفدية من الأسراء وتركِهم
بعد ذلك، بَعَثَ كلَّ قريبٍ فديةَ صاحبه من مكة، وبعثَتْ زينبُ بنتُ رسول الله ◌ِه
فدية زوجها، وفيها قلادة لها كانت في جهازها، فلما رآها النبي وَ لاَ تَذَكَّرَ خديجةَ
وما صنعَتْ بالنبي ◌َّهَ، فأراد أن يترك أبا العاص ويردّ فديتَه إن ترضى الناس بذلك،
فترضوا فترك أبا العاص، وعاهد عليه أن يرسل إليه ابنته، فعهد فأرسل مَّة إليه زيد
ابن حارثة ورجلاً، وكان زيد بن حارثة عمَّا لها رضاعيًّا، وقيل: أخاً للرضاع، فأرسلها
أبو العاص معهما، فقيض أبو العاص أخاه كنانة ليوصلها إليهما، فلما علم بذلك
[١] قال ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعةٍ حرمت عليه، وبذلك قال عطاء
والثوري وفقهاء الكوفة، ووافقهم أبو ثور، واختاره ابن المنذر، وإليه جنح البخاري، وشرط
أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام فيمتنع إن كانا معاً في دار الإسلام،
وقال مجاهد: إذا أسلم في العدة يتزوجها، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو
عبيد، قاله الحافظ(١). قلت: أي: بدون تجديد العقد في العدة كما صرحوا به.
(١) ((فتح الباري)) (٩ / ٤٢١).

٥٥٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
زَوْجِهَا ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا وَهِيَ فِي العِدَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا أَحَقُّ بِهَا مَا كَانَتْ فِي العِدَّةِ،
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
عكرمة(١)، أتى فطعن في بطنها بسنان، فسقطت عن الهودج، فأسقطت ولداً لصدمة
الضرب، ولذلك أهدر النبي ◌ُّ دمه يوم فتح مكة، والطعن إنما كان بعودها لا
بحديدتها، فلم يكن هناك جرح، ويقال: إنه أفزعها وراعها بإشارة السنان فسقطت،
فلما سمع بذلك عكرمة ركب سفينة، فلما أدركها الغرق، قال السفَّانُ(٢): ادع الله
ولا تدع غيره من الآلهة، فوقع في قلب عكرمة أن الآلهة التي لا تغني عنا في البحر
لا تغني أيضاً في البر، فالله الذي هو كاشف ضر البحر هو الإله الحق في الملك
كله، فآمن فعفا عنه بَّة، وما ذكرنا من القصّة(٣] هي المشار إليها بقوله ◌َّ في بعض
الروايات حيث ذكر أبا العاص فقال: ((وعد فوفی)).
قوله: (وهي في العدة(٤]) هذا متفق عليه أن الزوج أحق بها ما دامت في
[١] ولكن صاحب ((روضة الصفا)) ذكر هاهنا هَبَّاراً، قلت: هكذا في هامش الأصل، وهو
الصواب، فهاهنا قصتان اختلطتا في الأصل، فقصة طعن زينب على ما ذكر أهل التاريخ
لهبار، وقصة السفينة وغيرها مما سيأتي لعكرمة، كما بسطهما صاحب ((الخميس))(١)
وغيره، وكان كلاهما ممن أهدر دمهم في فتح مكة.
[٢] قال المجد(٢): سَفَنَه يَسْفِنُه: قَشَرَه، ومنه السفينة لقشرها وجهَ الماء، وصانعها سَفّان، انتهى.
[٣] يعني وعد أبي العاص بإرسال زينب وإيفائه إياه.
[٤] ثم قول الترمذي هذا بلفظ: ((والعمل على هذا الحديث إلخ)) وذكر فيهم الشافعي وأحمد
مشكل، فإنهم لم يقولوا بهذا الحديث بل بالآتي، وأوّل كلامه أبو الطيب فقال(٣): ((والعمل =
(١) ((تاريخ الخميس)) (٩١/٢ -٩٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (١٢٠٥).
(٣) («الشروح الأربعة)) (٣٩٧/٢).

٥٥٩
أَبْوَابُ التِكاح
١١٤٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
11 الله
ثَنِي دَاوُدُ بْنُ حُصَيْنٍ(١)، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: رَدَّ النَّبِيُّ
ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتٌّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ، وَلَمْ
يُحْدِثْ(٢) نِكَاحًا.
العدة، وإنما الاختلاف في ابتداء العدة من أيّ حين هو؟ فقلنا: من وقت الانتقال إلى
دار الإسلام، أو الإنكار بعد العرض، وقالت الشافعية: بل بعد الإسلام فحسب، ولا
يفتقر إلى شيء غير ذلك.
قوله: (بالنكاح الأول [١]) أي: بسببه وبحرمته، لما رأى من حسن معاملة أبي
= على هذا)) أي: من حيث إن هذا الحديث يقتضي أن الرد بعد العدة يحتاج إلى نكاح جديد،
فالرد بلا نکاح لا یکون إلا قبل العدة، انتهى.
[١] هذا مختار الشافعية ومن وافقهم، وأجابوا عن الإشكال الوارد عليه من أن بقاء العدة بهذه المدة
مشكل بما قاله الخطابي بأن الحيض قد يبطئ عن ذوات الأقراء لعارضٍ، وبحاصل هذا أجاب
البيهقي، قال الحافظ(٣): وهذا أولى ما يعتمد في ذلك، ومختار الحنفية الحديث السابق بنكاح
جديد، وأوّلوا هذه الرواية بما أفاده الشيخ، قال الحافظ: وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح ما دل
عليه حديث عمرو بن شعيب، وأن حديث ابن عباس لا يخالفه، قال: والجمع بين الحديثين أولى
من إلغاء أحدهما، فحمل قوله: ((بالنكاح الأول)) أي: بشروطه، قال: وحديث عمرو بن شعيب
تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ
بالمحتمل، ويؤيده مذهب ابن عباس المحكي عنه أولَ الباب، وضعّف حديث ابن عباس هذا،
وقال: في حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس، والمثبت مقدم، انتهى.
[١١٤٣] د: ٢٢٤٠، جه: ٢٠٠٩، حم: ١٨٧٦، تحفة: ٦٠٧٣.
(١) في بعض النسخ: ((داود بن الحصين)).
(٢) في نسخة: ((ولم يجدد)).
(٣) «فتح الباري)) (٩/ ٤٢٣-٤٢٤).

٥٦٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثُ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسُ، وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُ وَجْهَ الحَدِيثِ(١)،
وَلَعَلَّهُ قَدْ جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
١١٤٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، نَا وَكِيعُ، نَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ
حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّه
ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدَّهَا
عَلَيْهِ(٢).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ(٣)
.
العاص معها ولم يحدث نكاحاً مع غيره في انتظاره، ولعله علم إسلامه قبل إسلامه
بالوحي أو بقرائن، فانتظر ست سنين ولم يحدث نكاحاً لها بغيره، فاجتمعت الرواية
بالرواية السابقة، وهذا وإن كان لا يتبادر إلى الذهن إلا أنه تحتمله العبارة من غير
شك، فوجب حملُها عليه فراراً عن إلغاء الحديث، واتهام الرواة ليس بأسهل من
توجيه العبارة، قوله: (وجه الحديث) وقد عرفته[١].
[١] قال الحافظ (٤): أشار الترمذي بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث
مشكل؛ لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدةَ، ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة
تحت المشرك إذا تأخر إسلامه حتى انقضت عدتها، ومن نقل في ذلك الإجماعَ ابن عبد البر
وإن تعقب ببعض الخلاف.
[١١٤٤] د: ٢٢٣٨، جه: ٢٠٠٨، حم: ٢٠٥٩، تحفة: ٦١٠٧.
(١) في نسخة: ((وجه هذا الحديث)).
(٢) في بعض النسخ: ((فَرُدَّهَا عَلَيَّ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ)).
(٣) في ((تحفة الأشراف)): ((حسن)) بدل ((صحيح)).
(٤) «فتح الباري)) (٩/ ٤٢٣).