النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
أبْوَابُ الحَجّ
١٠٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي إِحْرَامِهِ مَا عَلَيْهِ؟
٩٥٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ(١)، وَابْنِ
أَبِي نَجِيجِ، وَحُمَيْدِ الأَعْرَجِ، وَعَبْدِ الكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ مَرَّ بِهِ وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ
يَدْخُلَ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ،
الفاء تعقيبية [١]، ذكرها لإثبات فضيلته حسب، والجملة بيان لفضيلته وفضل من مات
في عمل صالح أنه يبعث في حاله التي مات عليها، فكأنه حرّضهم على ارتكاب
الخيرات والاجتناب عن المعاصي والسيئات؛ فإن المرء لا يدري أنى تلتقمه
الأجداث، ومتى تغوله الدواهي والأحداث، ومن المسلّم بين الفريقين: الناس
يحشرون يوم القيامة فيما ماتوا فيه من الأحوال والأعمال، وإذا كان كذلك لم يكن
بعثه يوم القيامة ملبياً متوقفاً على عدم التخمير؛ فإنه يبعث ملبياً في كل حالة، أفترى
رجلاً مات في سجدته لا يبعث ساجداً، فهلا لنا أن لا نضجعه في قبره ضرورة أنه
يبعث ساجداً، أفيترك على هيئته تلك، ولم يقل به أحد فكذلك هاهنا، وحاصله أن
أحكام الدنيا لا تكاد تقاس بالأحكام الأخروية، فهذه القضية الشخصية لا تكاد ترفع
عموم تلك القضية الكلية مع ما فيها من الاحتمالات التي لا تكاد تُنْكَر.
١٠٥ - باب ما جاء في المحرم يَحْلِق رأسه في إحرامه ما عليه؟
[١] يعني لمجرد الترتيب الذكري، وإلا فالمقصود منه إظهار الفرح لموته بهذا الحال؛ فإنه يبعث
ملبياً، لأن كل ابن آدم يُبْعَث على ما يموت عليه، لكن لا يلزم بهذا البعث تغير في أحكام الدنيا.
[٩٥٣] خ: ١٨١٤، م: ١٢٠١، د: ١٨٥٦، ن: ٢٨٥١، حم: ١٨١٠١، تحفة: ١١١١٤.
(١) زاد في نسخة: ((السَّخْتِيَانِيِّ)).

٣٢٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَقَالَ: ((أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟)، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «احْلِقْ، وَأَطْعِمْ فَرَقًّا بَيْنَ سِتَّةٍ
مَسَاكِينَ))، وَالفَرَقُ: ثَلَاثَةُ آصُعِ، ((أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أُو انْسُكْ نَسِيكَةً)) قَالَ ابْنُ
أَبِي نَجِيجٍ: (أَوَ اذْبَحْ شَاةً».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
ظاهر ألفاظ الباب يشتمل ما إذا حَلَق رأسه بعذر أو حلق رأسه بغير عذر،
إلا أن المراد هاهنا الأول بقرينة الحديث[١] الذي أورده فيه، وليس حكم القسمين
واحداً حتى يترك على عمومه.
(فقال: أتؤذيك هوامُّك؟) هذا لا ينافي ما ورد في بعض الروايات من سؤال
كعب بن عجرة عن هوام رأسه قبل أن يبتدئ النبي ◌َّه بذكرها ويفتشه عن أحوالها؛
فإن الروايات لما كانت بالمعاني، وحاصل كل ذلك يؤول إلى معنى واحد، اجتمعت
الروايات كلها من غير ارتكاب تكلف مستغنى عنه، وكانت إجازته للحلق (٢) لكثرة
[١] وبسط العيني(١) في ذكر ما يستنبط من الحديث مع اختلاف العلماء في ذلك، ولخصه
الشيخ في ((البذل)»(٢).
[٢] وهل شعور غير الرأس أيضاً في حكمه؟ قال العيني(٣): قد أوجب العلماء الفديةَ بحلق سائر
شعور البدن؛ لأنها في معنى حلق الرأس، إلا داود الظاهري فقال: لا تجب الفدية إلا بحلق
الرأس فقط، وحكى [الرافعي] عن المحاملي أن في رواية لمالك: لا تتعلق الفدية بشعر
البدن، كذا في ((البذل)» (٤).
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٦٢/٧-٤٦٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٤٨/٧-٢٥١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٦٢/٧).
(٤) ((بذل المجهود)) (٢٤٩/٧).

٣٢٣
أبْوَابُ الحَجّ
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ لَ﴿ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ
الْمُحْرِمَ إِذَا حَلَقَ(١)، أَوْلَبِسَ مِنَ القِّيَابِ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْبَسَ فِي إِحْرَامِهِ،
أَوْ تَطَيِّبَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ بِمِثْلٍ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَا الله
وت
ما كان يكابد منها، فكان يضطر إليها، ولذلك (١) خيره النبي وَلة بين الثلاثة المذكورة
من الصيام وغيره، ولو حلق من غير عذر لتعين عليه الدم، وبذلك يعلم أن
إجازة الشرع بشيء ورفع الإثم عنه لا يستدعي ارتفاع الكفارة ودم الجناية عليه،
وعلى(٢) هذا فمعنى قوله: ((لا حرج)) في تقديم بعض المناسك على بعض [رفع
الإثم لا ارتفاع] وجوب الكفارة، ثم اعلم أن النبي مَثّ إنما رخص له في الحلق
لما لا يعلم امتداد أيام الإحرام إلى متى تنجر، وإلا فقد وقعت المصالحة بالكفار
بعد ذلك بقليل.
[١] قال العيني(٢): إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامداً من غير ضرورة فقد حكى ابن عبد البر
في ((الاستذكار)) عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور: أن عليه دماً لا غير، وأنه
لا يخيَّر إلا في الضرورة، وقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية وهو مخير فيها، وحكى
زين الدين [العراقي] عن الشافعي وأصحابه: المعروف عنهم وجوب الفدية كما جزم به
الرافعي، كذا في ((البذل)) (٣).
[٢] تأييد من الحديث المذكور لمسلك الحنفية في الأحاديث المشهورة التي ورد فيها السؤالُ
عن تقديم بعض الأفعال وتأخيرها، وأجاب فيها النبي وَ ل بـ((افعل ولا حرج)).
(١) زاد في نسخة: ((رأسه)).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٦٢/٧).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٤٩/٧).

٣٢٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
١٠٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِى الرُّخْصَةِ لِلرُّعَاةِ(١) أنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا
٩٥٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ(٢)، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ:
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َـهِ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةً. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ(٣)، عَنْ أَبِي البَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٌّ، عَنْ
أبِيِهِ. وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أُصَحُ.
١٠٦ - باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوماً إلخ
قوله: (ورواية مالك) رحمه الله (أصح) لما أنه يلزم[١] على ظاهر عبارة ابن
[١] ما أفاده الشيخ - رحمه الله - أوجه مما فسر الزرقاني، وجه الأصحية بوجه آخر فقال: اختُلِف
فيه على سفيان، فعند أبي داود والترمذي: عن سفيان عن عبد الله ومحمد بن أبي بكر عن
أبيهما عن أبي البداح، ورواه النسائي عن سفيان عن عبد الله وحده، ورواه ابن ماجه عن
سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبي البداح، ولذا قال الترمذي:
رواية مالك أصح، وأما زعم أن تصحيحه لقول مالكٍ ((ابن عاصم)) و[ردَّه] لقول سفيان ((ابن
عدي))، والرد على الترمذي بأن النسبة إلى الجد سائغ؛ فليس بشيء، إذ هذا لا يخفى على
الترمذي، وكونه لم يذكر الاختلاف لا يدل على أنه لم يره (٤)، انتهى.
=
[٩٥٤] د: ١٩٧٥، ن: ٣٠٦٨، جه: ٣٠٣٦، حم: ٢٣٧٧٤، تحفة: ٥٠٣٠.
(١) في نسخة: ((للرعاء)).
(٢) في نسخة: ((سفيان بن عيينة)).
(٣) في نسخة: ((عن أبيه أبي بكر)).
(٤) ((شرح الرزقاني)) (٢/ ٣٧١).

٣٢٥
أبْوَابُ الحَجّ
وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لِلرُّعَاءِ(١) أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًّا،
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
٩٥٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّالُ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَالِكُ بْنُ أُنَسِ
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي البَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ
عَدِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِوَ لَه لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُونَةِ أَنْ يَرْمُوا
يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُونَهُ(٢) فِي أَحَدِهِمَا،
عيينة أن يكون أبو البداح روى هذا الحديث عن عدي مع أنه لم يروه إلا عن عاصم،
وإنما نسبه إلى جده من قال له ابن عدي، وإنما هو ابن عاصم بن عدي.
قوله: (ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما) وهذا
= قلت: هذا محتمل لكن ما نسب إلى الترمذي ليس في النسخ التي بأيدينا، بل فيها: عبد الله بن
أبي بكر بن محمد، نعم ما عزا إلى أبي داود وابن ماجه يوجد فيها، وهذا يكفي للاختلاف، لكن
صنيع المحدثين عامتهم في ذكرهم الاختلاف بين روايتي سفيان ومالك يؤيد كلام الشيخ وكلام
الحافظ، كما لا يخفى. ويؤيد [ما أفاده الشيخ] صنيعُ الحافظ في ((التلخيص)) إذ قال(٣): رواه
الترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ورواه مالك فقال: عن أبي البداح بن عاصم بن عدي،
وحدیث مالك أصح، وقال الحاكم: من قال: عن أبي البداح بن عدي فقد نسبه إلى جده، انتهى.
فهذا يدل على أن الاختلاف بينهما عند الحافظ أيضاً في نسبة أبي البداح إلى عاصم أو عدي.
[٩٥٥] انظر ما قبله.
(١) في نسخة: ((للرعاء)).
(٢) في نسخة: ((فیرموه)).
(٣) ((تلخيص الحبير)) (٢٦٢/٢ -٢٦٣، رقم: ١٠٦٥).

٣٢٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ مَالِكُ: لَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
يتصور على وجهين [١]: يقيموا بعد يوم النحر حتى يرموا الحادي عشر فيذهبوا، ثم
يأتوا الثالث عشر فيرموا رمي الثاني عشر والثالث عشر في الثالث عشر، والثاني أن
يذهبوا بعد رمي النحر حتى يأتوا في الثاني عشر فيرموا رمي الحادي عشر والثاني
عشر، ثم يقيموا ثمة حتى يرموا الثالث عشر رمي هذا اليوم.
قوله: (قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما [٢] ثم يرمون يوم النفر)
هذا ما نقله المؤلف من مقولة مالك - رحمه الله-، وقد بين مالك - رحمه الله - ظَنَّه هذا
[١] هكذا فسر الحديث بهذين الاحتمالين أكثر شراح الحديث كالشوكاني(١) وغيره، وهاهنا
احتمال ثالث، وهو أن يرموا الحادي عشر له وللثاني عشر بجمع تقديم، لكنهم لم يختاروه
لأن الجمهور أنكروا جمع التقدیم.
قال الطيبي: رخّص لهم أن يرموا العيد جمرة العقبة فقط، ثم لا يرموا في الغد بل يرموا بعد
الغدرمي اليومين القضاءَ والأداءَ، ولم يجوِّز الشافعي ومالك أن يقدِّموا الرمي في الغد، قال
القاري: وهو کذلك عند أئمتنا، انتھی.
[٢] اختلفت الروايات في هذا اللفظ كما في ((مسند أحمد))، وفي رواية له: قال مالك: ظننت
أنه في الآخر منهما، وعلى هذا فلا مخالفة بينه وبين تفسير ((الموطأ»، ولا يحتاج إلى توجيه
الشيخ، وأما على لفظ الترمذي فيحتاج إلى التوجيه، ويمكن أيضاً أن يوجَّه أن ما في الترمذي
رأي شيخه، وما في ((مسند أحمد)) و((الموطأ)) رأي الإمام مالك بنفسه، فتأمل.
وكتب مولانا محمد حسن المكي عن القطب الكنكوهي في تقريره على الترمذي أن قوله:
((في الأول منهما)) بيان لليوم المتروك لا ليوم الرمي، ولفظه: أما قول مالك في بيان معنى
الحديث ((ظننت إلخ)) فلا يجوز أن يكون («في الأول منهما)» تفسيراً لقوله: ((في أحدهما»، =
(١) ((نيل الأوطار)) (٤٣٩/٣).

٣٢٧
أبوَابُ الحَجّ
في ((موطئه))(١) بأوضح من هذا وأبين، فينبغي أن يحمل ما عزاه المؤلف إليه على ما هو
مصرح به، فيقال في توجيهه: إن ((أول)) أفعل تفضيل و((مِنْ)) صلة له، وليس بتبعيضية،
فلا يكون مصداق الأول داخلاً فيما دخل عليه من الجارة، وهو ضمير التثنية، فيكون
المراد بالأول حينئذ يوم النحر، وبالنفر النفر الأول، وهو الثاني عشر من ذي الحجة،
فيكون المعنى أنهم يرمون في يوم النحر، ثم يرمون في النفر الأول رمي يومين رمي
الحادي عشر الذي تقدم والثاني عشر الذي هو موجود، أو يقال في توجيهه: إن لفظة
((مِنْ)) تبعيضية، وعلى هذا فلا يعتبر في ((الأول)) معنى التفضيل، و((أول)) داخل في
مدخول ((من))، ولا ذكر هاهنا لرمي يوم النحر لكونه في وقته لا محالة، فإنما هو ذكر
= ويكون قوله: ((ثم يرمون يوم النفر)) خارجاً عن تفسيره، وإلا يلزم تقديم الرمي على يومه،
وهذا لا يجوز عند أحد من الأئمة الأربعة، بل قوله: ((في الأول منهما)) مع قوله: «ثم يرمون
يوم النفر) بمجموعهما تفسير لقوله: («فيرمون في أحدهما»، فقوله: ((في الأول منهما)) متعلق
بالترك المستفاد من قوله: ((في أحدهما» لأن المستفاد منه أمران: الرمي في يوم والترك في
يوم، فلما تعين الرمي في تفسير مالك ليوم النفر أي: الثاني عشر تعين ترك الرمي لليوم الأول
أي: الحادي عشر، فكان قوله: ((في الأول منهما)) متعلق بالترك، وحاصل المعنى: ((ظننت
أنه قال:)) يتركونه («في الأول منهما ثم يرمون يوم النفر» الأول، انتهى مختصراً.
[١] ولفظه: قال مالك: وتفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله مثل لرعاء الإبل في رمي
الجمار فيما نرى - والله أعلم - أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر
رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه
لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم
النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغدرموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا(١)، انتهى بلفظه.
(١) («الموطأ)) (٥٩٩/٣، رقم: ١٥٤٠).

٣٢٨
الكوكبُ الدُّرِّي
وَهُوَ(١) أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
١٠٧ - بَابٌ (٢)
٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي (٣)، نَا سَليمُ بْنُ حَيَّنَ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الَأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ
عَلِيًّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ لَه مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ(٤): بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا
أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِوَلَيهِ، قَالَ: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي هَدْيًا لأَحْلَلْتُ)).
لرمي ما بعد يوم النحر، فمصداق ((الأول منهما)) هو اليوم الحادي عشر، فيرموا فيه
ثم يروحوا إلى مراعيهم، حتى إذا أتى يوم النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر من ذي
الحجة رجعوا فجمعوا رمي يومين: هذا والنفر الأول الذي كان غداً.
قوله: (وهو أصح) ولقد بينا لك وجه الصحة فيما تقدم من كونه لا يوهم ما
يوهمه حديث سفيان بن عيينة من رواية أبي البداح عن عدي مع أنه رواه عن أبيه
عاصم لا عن جده عدي.
١٠٧ - باب
قوله: (لولا أن معى هدياً لأحللتُ) إنما قاله لئلا يظن بنفسه أنه سيحلّ كما
[٩٥٦] خ: ١٥٥٨، م: ١٢٥٠، حم: ١٢٩٢٧، تحفة: ١٥٨٥.
(١) في نسخة: ((وهذا)).
(٢) في بعض النسخ: ((باب إهلال الرجل كإهلال النبي
(٣) في نسخة: ((نا أبي)).
(٤) في نسخة: ((قال)).

٣٢٩
أبواب الحَجّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ(١) غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ
حلّ سائر أصحابه ◌َّثية، ولئلا ينكر على فاطمة - رضي الله عنها - تحللها، وليعلم
عليًّا أن من ساق هدياً لا يحلّ ومن لم يسق فلقد حلّ إلى غير ذلك من الفوائد،
وعلم بحديث علي هذا أن من أحرم بحجة وعزم عليه وأحال صفة من صفاته على
غيره (١] مثل كونه متعةً أو قراناً فهو جائز، ولا يجوز مثلُ ذلك في الصلاة (٢) والصوم
وغيرها.
[١] قال الحافظ(٢): الإحرام على الإبهام جائز، ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه محدث﴾ لم ينه عن
ذلك، وهذا قول الجمهور، وعن المالكية: لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين،
قال ابن المنير: و کأنه مذهب البخاري، انتھی.
قلت: ومذهب الحنفية كما في ((شرح اللباب))(٣): ومن نوى الإحرام من غير تعيين حجة
أو عمرة صح، ولزمه المضيُّ في أحد النسكين، وله أن يجعله لأيهما شاء قبل أن يشرع في
أعمال أحدهما، فإن لم يعين حتى طاف ولو شوطاً صار إحرامه للعمرة، أو وقف بعرفة قبل
الطواف فصار إحرامه متعيناً للحجة وإن لم يَنْوِ، انتهى.
[٢] أي: أن يعلِّق صلاته على صلاة غيره، لكنه إن علّق على صلاة الإمام يصح، ففي ((شرح
المنية)) (٤): إن نوى الشروع في صلاة الإمام فقد اختلف المشايخ، والأصح أنه يجزيه،
قال قاضي خان: لأنه لما نوى الشروع في صلاة الإمام صار كأنه شرع فرض الإمام مقتدياً
به، انتھی.
(١) زاد في نسخة: ((صحيح)).
(٢) ((فتح الباري)) (٤١٦/٣-٤١٧).
(٣) ((شرح لباب المناسك)) للقاري (ص: ١٠٧).
(٤) ((غنية المستملي في شرح منية المصلي)) (ص: ٢٢٠).

٣٣٠
الكوكبُ الُّرِّي
١٠٨ - بَابٌ(١)
٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ، نَاأبِى، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأَكْبَرِ، فَقَالَ: ((يَوْمُ النَّحْرِ)).
٩٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ
الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَوْمُ الحَجّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَهَذَا أَصَحُ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةً مَوْقُوفُ أَصَحُ مِنْ
رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَرْفُوعُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفَّاظِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا (٢).
[١٠٨ - باب]
قوله: (يومُ الحج الأكبر يومُ النحر) اختلفوا في ذلك، فقيل: يوم الحج
الأكبر يوم عرفة؛ لما أن الوقوف بعرفة فيه، والحج العرفة، وقيل: بل النحر لما أن
معظم أفعال الحج فيه، مثلُ الوقوفِ بالمزدلفة بعد ما صلوا الصبح بغلس، ورمي
جمرة العقبة، والذبح، والحلق، وطوافٍ الزيارة.
[٩٥٧] ش: ١٥١٠٩، تحفة: ١٠٠٤٩.
[٩٥٨] انظر ما قبله.
(١) في نسخة: ((بَابُ مَا جَاءَ فِي يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ)).
(٢) زاد هناك في نسخة: ((وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ، عَنِ
الحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ مَوْقُوفًا».

٣٣١
أَبْوَابُ الحَجّ
١٠٩- بَابٌ(١)
٩٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا جَرِيرُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ
ابْنِ عُمَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ
النَّبِيِّ نَّهَ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،وَ لَّهِ يَقُولُ:
((إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ بِهَذَا البَيْتِ سُبُوعًا (٢)
فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِثْقِ رَقَبَةٍ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا
حَظّ الله عَنْهُ بِهَا خَطِيئَتَهُ وَكُتِبَتْ(٣) لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ)).
[١٠٩ - باب]
قوله: (أن ابن عمر کان یزاحم علی الرکنین) إلخ، لم يُرِدْ بالزحام ما يتبادر
منه من الزحام الذي يتأذى به الناس لأنه منهي عنه، كيف وقد ارتكبه من سلم فقاهته
بين الأصحاب، وتوافقت على كونه ثقةً أربابُ الألباب، مع أنه لا يظن به إلا ارتكاب
ما ليس محظوراً شرعاً، إنما المراد بالازدحام ما يلزمه من احتمال أذى الناس في
تزاحمهم وطول تلبثه منتظراً وقت تفاقمهم.
قوله: (إنّ مَسْحَهما كفارةُ للخطايا) ولا ريب في أن من لم يستلمه لعذر
ازدحام الناس، واكتفى باستقباله، فإنه يكفر خطاياه، إلا أنه لا يخفى التفاوتُ بين إتيان
[٩٥٩] حم: ٤٤٦٢، تحفة: ٧٣١٧.
(١) في بعض النسخ: ((بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِلاَمِ الرُّكْنَيْنِ)).
(٢) كذا في أكثر النسخ الموجوة، وفي المجمع (٣٠/٣): طاف أسبوعاً أي: سبع مرات،
والأسبوع الأيام السبعة، و(سبوع)) بلا ألف لغة. (س).
(٣) في نسخة: (كَتَبَ)).

٣٣٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ
ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنْ أَبِيِهِ. وَهَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
١١٠ - بَابٌ(١)
٩٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا جَرِيرُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاؤُوسِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ
تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ(٢) إِلَّا بِخَيْرٍ)).
الطاعة نفسها، وبين أن يؤتى للرجل ثوابُها منةً منه سبحانه وفضلاً، فكان ابن عمر أشار
بذلك القول إلى فضل الحجر، فيتضح بذلك وجهُ مقاساته الشدائدَ في الوصول إليه.
[١١٠ - باب]
قوله: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه) إلخ،
استدل بذلك من قال: إن الطهارة شرط للطواف[١]؛ فإن التشبيه عنده مبنيّ على ذلك،
[١] قال القاري في ((شرح النقاية))(٣): الطهارةُ له من الحدثين وسترُ العورة واجبات عندنا لا
شرائط، كما قال مالك والشافعي لحديث الباب، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِاَلْبَيْتِ
اٌلْعَنِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو في اللغة عبارة عن الدوران حول البيت، فمن شَرَطَ الطهارةَ
زاد على النص، وهو لا يجوز بخبر الواحد، فإن قيل: فِعْلُهُ مَِّ الطوافَ بطهارةٍ كان بياناً =
[٩٦٠] دي: ١٨٥٤، خزيمة: ٢٧٣٩، ك: ١٦٨٦، تحفة: ٥٧٣٣.
(١) في نسخة: ((بَابُ مَا جَاءَ فِي الكَلَامِ فِي الطَّوَافِ)).
(٢) في نسخة: ((فلا يتكلمن)).
(٣) ((فتح باب العناية)) (٦١٤/١-٦١٥).

٣٣٣
أبْوَابُ الحَجّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ طَاوُوسِ وَغَيْرِهِ، عَنْ طَاؤُوسِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ
فِي الطَّوَافِ إِلَّا لِحَاجَةٍ، أَوْ بِذِكْرِ الله تَعَالَى، أَوْ مِنَ العِلْمِ.
١١١ - بَابٌ(١)
٩٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا جَرِيرُ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمِ (٢)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ
وليس بسديد؛ فإن التشبيه إن كان مناطه الشركة في جميع ما يشترط للصلاة لزم اشتراطُ
الاستقبال وسترةُ العورة والكفّ عن الحركة الكثيرة والمشي إلى غير ذلك، وقد أجمعوا على
أنه غير مشترط، وإن اختص الاشتراط في الطواف بالطهارة لهذا الحديث لزم الترجيحُ ولا
مرجِّحَ، فالحق أن المراد بذلك هو الاشتراط والمشابهة في الأجر والمثوبة، ولذلك اختلف
العلماء في تفضيل أحدهما على الآخر، وآل الأمر إلى أن الصلاة للمكي في أيام الحج أفضل
من الطواف، ولغيره الأمر بالعكس، أو يقال: إن[١] التشبيه في ثبوت الأمرين بكتاب الله.
[١١١ - بَابُ]
للأمر فى حق الطهارة، قلنا: إنما يقال: إنه بيان إذا كان النص يحتمله بوجه، والأمر بالطواف
=
لا يحتمل الطهارة فيصير زيادة لا محالة، والزيادة قد يكون لتعلق أصل الجواز، وقد يكون
لتعلق الكمال، فلا يتعلق به الجواز للاحتمال، فعلى هذا أمر الطواف بقدر ما يدل عليه
فرض، وما زيد عليه بالسنة واجب، انتهى ملخصاً.
[١] أو يقال: التشبيه في نوعية الأجر، أو اعتبار بعض الأحكام، على أن الحديث متكلَّم فيه.
[٩٦١] جه: ٢٩٤٤، حم: ٢٢١٥، تحفة: ٥٥٣٦.
(١) في نسخة: ((بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ)).
(٢) زاد فى نسخة: ((وهو عبد الله)).

٣٣٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَ فِي الحَجَرِ: ((وَالله لَيَبْعَثَنَّهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ
لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٌّ)».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
.... (١).
...
قوله: (والله ليبعثه الله يوم القيامة) إنما حلف النبي ◌َّ في إخباره بذلك
لما كان المخبر به مستبعداً في الجملة، فكأنه نَزَّلَهم منزلة المنكرين، فأكّد الكلام
باللام والقسم لدفعه، ووجه الاستبعاد كثرةُ المشهودين عليهم مع كون الشاهد لا
یسمع فیما یبدو للناظرين ولا يبصر، وليس له لسان ينطق به.
وقوله: (يشهد على من استلمه بحق) لفظ ((على)) ليس للضرر وإنما هو
مثل قوله تعالى(١].
وقوله: (بحق) متعلق بالاستلام، والمراد به ما ليس فيه شائبة رياء ولا سمعة،
ويعلم بذلك حال المستلم بغير حق، وشهادته عليه مقايسةً ودلالةً، ولو جعل متعلقاً
بالشهادة لكان صحيحاً أيضاً لكنه ليس يفيد كثيراً، ولا يبعد أن يقال في توجيهه غيرُ
ذلك، ولكن الأستاذ-أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمین بره ورفدہ۔لم يزد
على الذي ذكرنا.
[١] بياض في الأصل بعد ذلك، ولعله - رحمه الله - أراد كتابة آيات وقعت في القرآن المجيد
بالشهادة على شيء ولا يراد فيها الضرر، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وفي قوله: ﴿لِّنَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ونحو ذلك.
(١) زاد في بعض النسخ: ((باب ادهان المحرم بالزيت)).

٣٣٥
أبوَابُ الحَجّ
٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلَّهُ كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ
مُحْرِمُ غَيْرِ الْمُقَتَّتِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: مُقَتَّتُ: مُطَيِّبُ. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ
حَدِيثٍ فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ تَكَلّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي
فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ النَّاسُ.
قوله: (كان يَدَّهِن بالزيت وهو محرم غير المقَتَّت) هذا ينافي مذهب
الإمام(١) في نهيه عن استعمال الدهن أيه كان لإزالته الشعث، وفيه من الارتفاق ما
[١] الظاهر أنه وقع فيه شيء من سهو الناسخ، فإن التفريق بين الرأس وغيره لم يذكره أهل الفروع
من مذهب الصاحبين، بل ذكروه من مذهب الشافعي - رحمه الله -، ففي ((الهداية))(١): إن
ادهن بزيت فعليه دم عند أبي حنيفة، وقالا: عليه الصدقة، وقال الشافعي: إذا استعمله في
الشعر فعليه دم لإزالة الشعث، وإن استعمله في غيره فلا شيء عليه لانعدامه، ولهما أنه من
الأطعمة، إلا أن فيه ارتفاقاً بمعنى قتل الهوام وإزالة الشعث فكانت جناية قاصرة، ولأبي
حنيفة أنه أصل الطيب، ولا يخلو عن نوع طيب، ويقتل الهوام ويلين الشعر، ويزيل التفث
والشعث، فيتكامل الجناية بهذه الجملة، فیوجب الدمَ، وكونه مطعوماً لا ينافيه كالزعفران،
وهذا الخلاف في الزيت البحت، أما المطيب منه كالبنفسج يجب باستعماله الدمُ بالاتفاق
لأنه طیب، انتھی.
فقد علم منه أن الحديث مخالف لمسلك الإمام وصاحبيه معاً، والفرق في موجب الجزاء
هل هو دم أو صدقة، فما أجاب به الشيخ - رحمه الله - من جهة الإمام هو جواب عن الإمام
وصاحبيه كلهم، وتوجيه استعماله فى غير الرأس توجيه من جهة الشافعي، ولذا بوب البيهقي =
[٩٦٢] خ: ١٥٣٧، جه: ٣٠٨٣، حم: ٤٧٨٣، تحفة: ٧٠٦٠.
(١) ((الهداية)) (١ / ١٥٧).

٣٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
لا يخفى، وجَوَّز الصاحبان استعماله في غير الرأس، فلا ينافي في مذهبهما إذا أريد
بقوله: ((كان يدهن)) استعماله في غير الرأس، وأما إذا كان فيه طيب فلا يجوز أصلاً
عند أحد من الفقهاء، وظاهر أنه ليس هاهنا كذلك لتصريحها بكونه غيره مُقَتَّتٍ، وهو
المطيب من القت وهو الكسر لما أنه يكسر فيه أشياء ذات طيب كالورد والياسمين
وغيرها، فمحمل الحديث على مذهب الإمام أن هذا بيان لتطبيبه مق لي بعد غسل
الإحرام وهو آخذ في أن يحرم، فكان قوله هذا في أن المراد بهما واحد كقول عائشة
- رضي الله عنها -: ((طيبت رسول الله مَّ: لحله ولحرمه))(١)، فكان هذا بيان منه
للوقت الذي لم يوجد فيه مطيب الدهن، فكان إذا ادهن بدهن غير مطيب استعمل
الطيب على حدة، وإذا وجد الدهن المطيب اكتفى به، وفيه خدشة وهو أن النبي مَلآ
لم يحج معها إلا مرة، فأنى يستقيم الترديد، وكذلك الظاهر من حال ابن عمر أنه
لم يكن معه بَّ إلا في حجة الوداع، ويدفع بأنه ادهن في الشعر وتطيب في الفرق
وغيره من المواقع، فإن قلت: قد بينت حال تطييبه فيها عائشة - رضي الله عنها - بما
= على الحديث ((المحرم يدَّهن جسده غير رأسه ولحيته بما ليس بطيب))(٢)، وأجاب العيني
عن الحنفية في ((البناية))(٣) وصاحب ((الجوهر النقي)) (٤): أن فرقداً ضعيف، وحكيا تضعيفه
عن جماعة، وحَمله صاحب ((البدائع))(٥) على الضرورة، وقال أيضاً: ليس في الحديث أنه
لم یکفر فیحتمل أنه فعل و کفر، انتهى.
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٧٥٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٥٨/٥).
(٣) ((البناية)) (١٨٦/٤).
(٤) الجوهر النقي على ((السنن الكبرى)) (٥٨/٥).
(٥) ((بدائع الصنائع)) (٤١٦/٢-٤١٧).

٣٣٧
أبْوَابُ الحَجّ
١١٢ - بَابٌ(١)
٩٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا خَلَّادُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ، نَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ
وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ كَانَ يَحْمِلُهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ينافي هذا الذي ذكر هاهنا فكيف التوفيق؟ قلت: التوفيق ممكن بأن العضو الذي
استعمل فيه الزيت غير الذي استعمل فيه الطيب، ولا يبعد أن يكون استعمال الدهن
في غير الرأس مما ليس فيه إزالة الشعث، وعلى هذا لا يحتاج إلى كونه قبل الإحرام.
[١١٢ - باب]
قوله: (كانت تحمل) إلخ، فيه دليل على جواز ذلك(٢)، ولا يقاس عليه غيرُه
الذي ينتقص بالأخذ، وفيه ضرر لمكة أو لأهلها كالتراب، فإن في أخذ التراب نقصاً
بالأماكن فتصير حدوراً[١].
[١] هذا بيان للنقص بالأماكن، أي: إن أخذ الحجاجُ الترابَ كلَّهم تصير الأماكن كلها حفرات،
قال المجد (٣): الحدر: الحطّ، وبالتحريك: مكان يُنْحَدَرُ منه، كالحَدور والأحدور إلخ.
[٩٦٣]ع: ٤٦٨٣، ك: ٤٨٥/١، ق: ٢٠٢/٥، تحفة: ١٦٩٠٥.
(١) في نسخة: ((باب ما جاء في حمل ماء زمزم)).
(٢) ومن فضائل شرب زمزم قبول الدعاء عند شربه، وقد عقد ابن الهمام فصلًا طويلًا نفيسًا
في فضل مائها، وذكر عن جماعة من العلماء أنهم شربوه لمقاصد فحصلت. انظر: ((معارف
السنن)) (٤٢٥/٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٣).

٣٣٨
١١٣ - بَابُ
٩٦٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الوَزِيرِ الوَاسِطِيُّ - الْمَعْنَى
وَاحِدُ - قَالَا: نَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ
رُفَيْعٍ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ(١): حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَهِ، أَيْنَ صَلَّى
الظُهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنَّى. قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ:
بِالأَبْطَجِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ
الأَزْرَقِ(٢)، عَنِ الثَّوْرِيِّ.
آخِرُ أَبْوَابِ الْحَجّ.
[١١٣ - باب]
قوله: (افعل كما يفعل أمراؤك) يعني يترك المستحبُّ مخالفةَ الشقاق.
هذا آخر أبواب الحج.
[٩٦٤] خ: ١٦٥٣، م: ١٣٠٩، د: ١٩١٢، ن: ٢٩٩٧، حم: ١١٩٧٥، تحفة: ٩٨٨.
(١) زاد في نسخة: ((ابن مالك)).
(٢) في بعض النسخ: ((إسحاق بن يوسف الأزرق)).

أبَوَابُ الجَنَّائِزِ