النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
أبْوَابُ الحَجَ
...
الرواية بتمامها[١] أينما تذكر أن الردّ على العالم وإن كان أدون من الرادّ رتبةً ينبغي أن
يكون بأحسن وجه، كما فعلته عائشة رضي الله عنها فإنها بَيَّنَتْ فضلَه أولاً بأنه لم يتخلف
عنه ◌ِّ في عمرة حتى يظنّ به الجهلُ عن حاله ◌ِِّ، ثم بينت أنه اعتراه(٢] في ذلك سهوٌ،
وكيف ترى الرادّ[٣] على ابن عمر حين رأى نفسه أدون من ابن عمر، ورأى ابن عمر
على خطأ(٤) في قوله ذلك، رَدَّ أمرَ الردِّ على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حتى
قالت ما قالت، ولم يسبق إلى أن يردّ على ابن عمر قولَه مع كونه على خبرة في ذلك.
[١] فقد أخرج البخاري ومسلم في ((صحيحهما))(١) عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير
المسجدَ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة
الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، ثم قال له عروة: كم اعتمر النبي ◌َالثّ؟ قال:
أربع، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نردّ عليه، قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في
الحجرة، فقال عروة: يا أماه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت عائشة: ما يقول؟
قال: يقول: إن رسول الله ◌ِّيّ اعتمر أربع عمرات، إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا
عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط.
[٢] كما يدل عليه قولها: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن)) وفي رواية لمسلم: ((يغفر الله لأبي عبد
الرحمن»، وغير ذلك من الروايات، قال الحافظ(٢): دَعَتْ له إشارةً إلى أنه نسي.
[٣] مثل مجاهد وعروة كما عرفت من رواية البخاري المذكورة.
[٤] كما يدل عليه لفظ البخاري: ((فكرهنا أن نردّ عليه)) زاد إسحاق: ((ونكذبه))، كذا في ((الفتح))(٣)،
فإنهما مع كونهما على خبرة من ذلك لم يردّا بأنفسهما، بل أحالا الردّ على عائشة رضي الله
عنها.
(١) ((صحيح البخاري)) (١٧٧٥) و((صحيح مسلم)) (١٢٥٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٠١/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٦٠١/٣).

٣٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ. سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: حَبِيبُ بْنُ
أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
٩٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَاشَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٩٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عُمْرَةِ ذِي القَعْدَةِ
٩٣٨ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
صَلَكَ الله
السَّلُولِيُّ الكُوفِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ: أنَّ النَّبِيَّ
وشيكم
اعْتَمَرَ فِي ذِي القَعْدَةِ.
قوله: (حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير) غرضه بهذا النقل
إثباتُ الانقطاع في الرواية، أو المراد في الرواية بعروة هو عروة المزني لا عروة بن الزبير،
يعني أنه لما لم يسمع من عروة بن الزبير وجب حملُ الرواية على أن المراد فيها هو المزني،
وقد بينا لك فيما سلف أن أبا داود أثبت في ((صحيحه)) سماع عروة لحبيب(١)، فافهم.
[٩٢ - باب ما جاء في عمرة رمضان]
قوله: (اعتمر في ذي القعدة) هذا هو الحق، فإن عمره مّثي كلها في ذي
القعدة باعتبار الابتداء والأخذ فيها، وأما إتمامها فإن إتمام العمرة التي كانت مع
[٩٣٧] خ: ١٧٧٥، م: ١٢٥٥، حم: ٦١٢٦، تحفة: ٧٣٨٤.
[٩٣٨] خ: ١٧٨١، حم: ١٨٦٣٥، تحفة: ١٨٠٣.
(١) كذا في الأصل، والظاهر: سماع حبيب لعروة.

٣٠٣
أبْوَابُ الحَجّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَفِي البَاب عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
٩٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ
٩٣٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَعْقِلٍ، عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ، عَنِ النَّبِيِّ
الله
قَالَ: ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً)).
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَجَابٍِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَوَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُقَالُ: هَرِمُ بْنُ خَنْبَشٍ. قَالَ بَيَانُ وَجَابِرُ: عَنِ الشَّعْبِيِّ،
عَنْ وَهْبٍ بْنِ خَنْبَشٍ. وَقَالَ دَاوُدُ الأَوْدِيُّ: عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ هَرِمُ بْنِ خَنْبَشٍ.
حجته كان في ذي الحجة، ثم قد ورد في بعض الروايات عدد العمر أربعاً، وفي
بعضها ثلاثاً، وفي البعض اثنين، والكل صحيح، فمن قال أربعاً اعتبر الشروع فعدّ
عمرة الحديبية، ومن قال ثلاثاً لم يعدّها منها واعتبر التمام، ومن روی اثنين اعتبر
الاستقلال، فلم يعدّ فیها عمرته(١) مع حجته.
٩٣ - باب ما جاء في عمرة رمضان
[١] أو لم يعلم بعمرة الجعرانة، فإنها كانت بليل، وخفيت على الناس كما تقدم في رواية
الترمذي، وعلى هذا فالمراد بالعمرتين عمرة القضاء وعمرة الحجة، وعلى ما أفاده الشيخ -
رحمه الله - عمرة الجعرانة وعمرة القضاء، ورواية أبي داود عن عائشة بلفظ ((عمرتين: عمرة
في ذي القعدة، وعمرة في شوال)) تؤيد مختار الشيخ.
[٩٣٩] د: ١٩٨٨، حم: ٢٧١٠٦، تحفة: ١٨٣٦٠.

٣٠٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَوَهْبُ أَصَحُ. وَحَدِيثُ أُمِّ مَعْقِلٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَالَ
أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً. قَالَ
إِسْحَاقُ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَرَّأَ:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ فَقَدْ قَرَأْ ثُلُثَ القُرْآنِ)).
٩٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُهِلُّ بِالحَجِّ فَيُكْسَرُ أَوْ يَعْرَجُ
٩٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نَا حَجَّاجُ الصَّوَّافُ،
نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ:
قوله: (قال إسحاق: معنى هذا الحديث) يعني أنها لا تكاد تجزئ عن
حجة الإسلام، فإن الثواب شيء، وإسقاط الفرض عن الذمة وفراغها شيء آخر، فلا
یلتبس علیك بون بينهما.
٩٤ - باب ما جاء في الذي يهلّ بالحج
(فيُكْسَرُ) متعدياً مجهولاً (أو يعرج) لازماً معروفاً.
الحديث الوارد في الباب صريح في أن الإحصار لا يختص بالعدو، كما ذهب
إليه (١] الشافعي -رحمه الله -.
[١] قال العيني(١): اختلفوا في الحصر بأيّ شيء يكون؟ وبأيّ معنى يكون؟ فقال قوم - وهم عطاء
ابن أبي رباح وإبراهيم النخعي والثوري -: يكون الحصر بكل حابسٍ من مرض، أو غيره من
عدو، أو كسر، وذهاب نفقة مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول الحنفية، وروي ذلك عن
ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت، وقال آخرون-وهم الليث ومالك والشافعي وأحمد =
[٩٤٠] د: ١٨٦٢، ن: ٢٨٦١، جه: ٣٠٧٧، حم: ١٥٧٣١، تحفة: ٣٢٩٤.
(١) ((عمدة القاري)) (٤٤٦/٧).

٣٠٥
أبْوَابُ الحَجّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)). فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لأُبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، فَقَالًا: صَدَقَ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ، عَنِ
الحَجَّاجِ مِثْلَهُ، قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَهِ يَقُولُ.
قوله: (فقد حلّ) ليس المراد أنه حلّ بنفس العرج والكسر، وإنما المراد أنه
استحق التحلل[١]، وجاز له أن يتحلل بطريقه المذكور في مقامه.
قوله: (وسمعت رسول الله صَ لّ) هذا بيان الفرق بين رواية إسحاق بن منصور
عن روح بن عبادة وروايته عن محمد بن عبد الله، بأن الحجاج قال في هذه: سمعت
رسول الله ◌َخله، كما قال في الأولى لفظة: قال رسول الله وَله
= وإسحاق -: لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض، وهو قول ابن عمر،
انتهى. وهو أحد الأبحاث العشرة المفيدة التي بسطت في ((الأوجز))(١) في ((باب الإحصار)).
[١] كما في قوله {مَ ثّر: ((إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم))(٢)،
قال الشوكاني(٣): تمسك بظاهر الحديث أبو ثور وداود فقالا: يحل في مكانه بنفس الكسر
والعرج، وأجمع بقية العلماء على أنه يحلّ من كسر أو عرج، لكن اختلفوا فيما به يحل؟
وعلى ما يحُمَل هذا الحديث؟ فقال أصحاب الشافعي: يُحْمَل على ما إذا شرط التحللَ
به، فإذا وجد الشرط صار حلالاً ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره: يحل بالطواف بالبيت
لا يحله غيره، ومن خالفه من الكوفيين [يقول]: يحل بالنية والذبح والحلق، كذا في
((البذل)) (٤).
(١) ((أوجز المسالك)) (٢٢٦/٧-٢٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٨٨٦) ومسلم (١١٠١) والترمذي (٦٩٨).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٤٥٠/٣).
(٤) (بذل المجهود)) (٢٦١/٧).

٣٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ(١).
وَهَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الحَجَّاجِ الصَّوَّافِ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَى مَعْمَرُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِّ وَ لَِّ هَذَا
الحَدِيثَ. وَحَجَّاجُ الصَّوَّافُ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ عَبْدَ الله بْنَ رَافِعِ، وَحَجَّاجُ
ثِقَةُ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.
وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَمُعَاوِيَّةَ بْنِ سَلَّامِ أَصَحُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ◌َّ نَحْوَهُ.
٩٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِشْتِرَاطِ فِي الحَجِّ
٩٤١ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ، نَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ
خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ أَتَتِ النَّبِيَّ
- كا الله
ونتـ
قوله: (وحجاج ثقة حافظ) فلا يضر تركُه راوياً، ولا ينسب بذلك إلى الوهم،
غاية الأمر أنه أرسله، ولعل الترمذي أراد بذلك مخالفة محمد في تصحيحه، فليسأل.
٩٥ - باب ما جاء في الاشتراط في الحج
قوله: (أن ضُبَاعَةَ بنتَ الزبير) هذا الزبير غير الزبير بن العوام، فإن ضُبَاعة
[٩٤١] م: ١٢٠٨، د: ١٧٧٦، ن: ٢٧٦٧، حم: ٢٢٨٧، تحفة: ٦٢٣٢.
(١) زاد في بعض النسخ: ((صحيح)).

٣٠٧
أبوَابُ الحَجّ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، أَفَأْشْتَرِطُ؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَتْ: كَيْفَ
أَقُولُ؟ قَالَ: ((قُولِي لَبَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، مَحِلِّي مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي).
وَفِي البَابِ عَنْ جَابٍِ، وَأَسْمَاءَ(١)، وَعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الإِشْتِرَاطَ فِي الحَجِّ،
وَيَقُولُونَ: إِنِ اشْتَرَطَ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضُّ أَوْ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ وَيَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِهِ،
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الإِشْتِرَاطَ فِي
الحَجِّ، وَقَالُوا: إِنِ اشْتَرَطَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِهِ وَيَرَوْنَهُ كَمَنْ لَمْ يَشْتَرِظُ.
هذه بنتُ عم رسول الله ◌َلَه بنتُ الزبير بن عبد المطلب[١].
قوله: (أفأشترط؟ قال: نعم) استدل بذلك الشافعية في قولهم بسقوط دم
الإحصار إذا اشترط، وأنت تعلم أن الرواية ساكتة عن ذكر الدم، وإنما رخص لها
في الاشتراط تطبيباً لقلبها، لئلا تيئس من أول الأمر فلا تروح معه فتحرم عن الخير
الكثير، فلا قوة في الحديث بمرتبة تخص بها عموم قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
اُلْهَدِيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله عليه السلام: ((من كُسِرَ أو عَرِجَ))، والحكم لا يختص
بالكسر والعرج لعموم العلة، وهي عدم التمكن من الأداء.
قوله: (ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الإحرام) أي: مفيداً ومانعاً دَمَ
[١] صرح بذلك في رواية أبي داود(٢).
(١) في نسخة: ((أسماء بنت أبي بكر)).
(٢) انظر: ((سنن أبي داود)) (١٧٧٦).

٣٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٩٦ - بَابٌ مِنْهُ
٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرً،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الإِشْتِرَاطَ فِي الحَجّ، وَيَقُولُ:
أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ.
الإحصار، وإلا فنحن لا ننكر أنه لو قال ذلك لم يكن له ضرر بقوله وإن لم يستفد به فائدة.
[٩٦ - باب منه]
قوله: (أليس حَسْبُكم سنةَ نبيكم) فإنه ◌ِّ حين اعتمر الحديبية لم يكن في أمنٍ
من أن يحصره الأعداء ويمنعوه وصولَ مكة، كيف وفيهم كثرةٌ وَلغيظهم على أهل الإسلام
شدة، ومع ذلك لم يشترط لما لم ير الاشتراط ينفع شيئاً، بل الذي اشترط كمن لم يشترط في أنه
لا يتحلل إلا بعد بعث الهدي، إلا أن للمخالف أن يقول: إنما لم يشترط لما أنه كان أتى بالهدي،
فلا فائدة له في التحلل من غير بعث الهدي كما هو الحكم للمشترط عندهم، وأما أمر القضاء
فكانوا على يقين من دخول مكة أنى تيسر لرؤيته مَ ل ذلك في المنام، وليس هذا لغيره ◌َّ﴾،
فلعله لا یتیسر له أن يقضي عمرته، وليس عنده ما يبعث به الهدي(١) فليسأل.
[١] فينبغي للعلماء إذا تحقق ذلك وآن الاضطرار عندهم أن يفتوا بقول أبي يوسف (١) - رحمه الله-،
كما بسطه القاري في ((شرح اللباب))(٢) في آخر ((فصل في الهدي)) فارجع إليه.
[٩٤٢] خ: ١٨١٠، ن: ٢٧٦٩، حم: ٤٨٨١، تحفة: ٦٩٣٧.
(١) في ((البناية)) (٤ /٤٤٨): وعن أبي يوسف - رَحِمَهُ الله -: أن عطاء قال: للمحصر إذا لم يجد
الهدي، قوم الهدي طعامًا يتصدق به على المساكين، فإن لم يكن عنده طعام صام لكل
نصف صاع يومًا، وقال أبو يوسف: قول عطاء أحب إلي.
(٢) انظر: ((مناسك الملا علي القاري)) (ص: ٤١٩).

٣٠٩
أبْوَابُ الحَجّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٩٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
٩٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذُكِرَ (١) لِرَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ حَاضَتْ فِي
أَيَّامِ مِنَّى، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟)، قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ الله
له
IF
وشتا
((فَلَا إِذَا)).
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا طَاقَتْ طَوَافَ الإِفَاضَةِ(٢)
ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنَّهَا تَنْفِرُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
[٩٧ - باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة]
قوله: (فلا إذاً) أسقط النبي ◌َّ هذا أي: طوافَ الصدر عن هذه الطائفة في
هذه الحالة، فلا دم فيه ولا قضاء.
[٩٤٣] خ: ٣٢٨، م: ١٢١١، د: ٢٠٠٣، حم: ٢٤١١٣، تحفة: ١٧٥١٢.
(١) في نسخة: ((ذكرت)).
(٢) في نسخة: ((الزِّيَارَةِ)).

٣١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٩٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ (١)، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ الله (٢)، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ إِلَّ الحُيَّضَ،
وَرَخَّصَ(٣) لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
٩٨ - بَابُ مَا جَاءَ مَا تَقْضِي الحَائِضُ مِنَ الْمَنَاسِكِ
٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا شَرِيكُ، عَنْ جَابِرٍ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ
الجُعْفِيُّ-، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأُسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حِضْتُ
فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ أَقْضِيَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، إِلَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ
الْحَائِضَ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَا خَلَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا
الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا.
٩٤٥م - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَامَرْوَانُ بْنُ شُجَاعِ الجَزَرِيُّ،عَنْ خُصَيْفٍ،
[٩٤٤] جه: ٣٠٧١، ن في الكبرى: ٤١٩٦، تحفة: ٨٠٨١.
[٩٤٥]خ: ٢٩٤،م: ١٢١١، د: ١٧٨٢، ن: ٢٧٩٥، جه: ٢٩٦٣، حم: ٢٤١٠٩، تحفة: ١٦٠١٣.
[٩٤٥م] د: ١٧٤٤، حم: ٣٤٣٥، تحفة: ٥٨٩٣، ٦٠٦٧، ٦٣٩٢.
(١) في نسخة: ((الحسين بن حريث)).
(٢) في نسخة: ((عبيد الله بن عمر)).
(٣) في نسخة: ((فرخص)).

٣١١
أبْوَابُ الحَجّ
عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، رَفَعَ الحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ
حكا الله.
((أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالحَائِضَ تَغْتَسِلُ، وَتُحْرِمُ، وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لَا
تَطُوفَ بِالبَيْتِ حَتَّى تَظْهُرَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٩٩ - بَابُ مَا جَاءَ مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ
٩٤٦ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، نَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الحَجَّاجِ
ابْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُغِيرَةً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَوْسِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
صَلَا الله
F
يَقُولُ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ))، فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ: خَرِرْتَ مِنْ يَدَيْكَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِوَ لَّهِ وَلَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ؟!
[٩٩ - باب ما جاء من حج أو اعتمر إلخ]
قوله: (عن عبد الرحمن بن البيلماني)[١] وما وقع في بعض النسخ ((ابن
السلماني)) فغلط من النساخ.
قوله: (خررتَ(٢] من يديك) دعاء عليه لتبادره إلى السؤال مع علمه
[١] قال صاحب ((الخلاصة))(١): بفتح الموحدة ثم تحتانية ساكنة وفتح اللام.
[٢] قال السيوطي(٢): بكسر الراء: سقطت، كناية عن الخجل، قال أبو الطيب(٣): لكن الظاهر =
[٩٤٦] د: ٢٠٠٤، حم: ١٥٤٤١، تحفة: ٣٢٧٨.
(١) ((خلاصة الخزرجي)) (ص: ٢٢٥). وقال في ((التقريب)) (٣٨١٩): ضعيف من الثالثة.
(٢) ((قوت المغتذي)) (٣٦٥/١)، وانظر: ((الشروح الأربعة)) (٢٥١/٢).
(٣) «الشروح الأربعة)) (٢٥١/٢).

٣١٢
الكوكبُ الدُّرِي
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أوْسِ حَدِيثُ غَرِيبُ،
وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ خُولِفَ
الحَجَّاجُ فِي بَعْضِ هَذَا الإِسْنَادِ.
بالمسألة عمن هو أفضل من عمر وأعلم، ولما أنه سأل عن عمر ولم يعرض عليه ما
سمعه من النبي ◌َّة، وقد كان سأل عمر عمن حج ولم يطف طواف الصدر، فكان
= أنه دعاء عليه، وليس المقصود حقيقته، وإنما نسبة الخطأ إليه في تأخير التبليغ كأنه بذلك
استحق أن يدعی علیه بهذا الدعاء، انتهى.
قلت: ويوضح المراد رواية أبي داود فإنها مفصلة، فقد أخرج عن الحارث بن عبد الله بن
أوس قال: ((أتيتُ عمرَ بنَ الخطاب فسألتُه عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض،
قال: ليكن آخرُ عَهْدِها بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله مَثّ، قال: فقال
عمر: أرِبْتَ عن يديك، سألتني عن شيء سألتَ عنه رسول الله ◌َّ لكي ما أخالِفَ))(١)، فعلى
هذا وضح ما أفاده الشیخ رحمه الله.
قال الحافظ عن ابن المنذر(٢): قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت
طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا
كانت حائضاً لطوائف الوداع، وقد ثبت رجوعُ ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي
عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد:
كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغَتْ إلا عمر، فإنه كان يقول:
يكون آخر عهدها بالبيت، وقد وافق عمرَ على رواية ذلك عن النبي ◌َّ غیرُه، ثم ذكر حديث
الحارث المذكور، ثم قال: واستدل الطحاوي بحديث عائشة وبحديث أم سليم على نسخ
حديث الحارث في حق الحائض، انتهى.
=
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٢٠٠٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٧/٣).

٣١٣
أبْوَابُ الحَجّ
١٠٠ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ القَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا
٩٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ ﴿ قَرَنَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا.
يحتمل أن يجيب عمر على خلاف مقتضى الحديث فيأثم بذلك الحارث، والمعنى
سقطت باختيارك وبأيدي نفسك؛ لأنك سألت عمن يحتمل قولُه الخطأ بعد العلم
بمقولة من لم يحتمل قولُه الخطأً.
١٠٠ - باب ما جاء أن القارن يطوف طوافاً واحداً(١]
أما ما ورد في ذلك من أحاديث فعله بمَّ كذلك، فالجواب عنه أن أكثر
أصحاب النبي بَ ل# كانوا بعيدين منه، وإنما كانوا يتناوبون عليه وقتاً فوقتاً، طائفة
= قلت: المراد بحديث عائشة ما تقدم في الترمذي (١) في قصة صفية، أخرجه البخاري وغيره،
وبحديث أم سليم ما أخرجه البخاري عن عكرمة: ((أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة
طافت ثم حاضت، قال لهم: تنِفِرُ، قالوا: لا نأخذ بقولك ونَدَعُ قولَ زيد، قال: إذا قدمتم المدينة
فاسألوا، فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أمُّ سليم، فذكرتْ حديثَ صفية))(٢).
[١] اختلفت الأئمة في طواف القارن، فقالت الأئمة الثلاثة: إنه يطوف طوافاً واحداً أي: للفرض،
ويسعى سعياً واحداً، وقال الأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد وابن أبي ليلى وغيرهم
وأبو حنيفة وأصحابه: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، كذا في ((البذل))(٣) عن العيني(٤).
[٩٤٧] م: ١٢١٥، ن: ٢٩٣٤، جه: ٢٩٧٣، حم: ١٤٤١٤، تحفة: ٢٦٧٧.
(١) تقدم برقم (٩٤٣) وأخرجه البخاري (٢٠٩) ومسلم (٣٨٤).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (١٧٥٨).
(٣) ((بذل المجهود)) (١١٠/٧).
(٤) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٩/٧).

٣١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَاب عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َلَّهِ وَغَيْرِهِمْ
قَالُوا: القَارِنُ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ
بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَهُ وَغَيْرِهِمْ: يَطُوفُ طَوَافَيْنٍ، وَيَسْعَى
سَعْيَيْنٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.
٩٤٨ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ البَغْدَادِيُّ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ ﴾: ((مَنْ
أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدُ، وَسَعْيُ وَاحِدُ مِنْهُمَا، حَتَّى يَحِلَّ
مِنْهُمَا جَمِيعًا)).
بعد طائفة لكثرة الناس يومئذ، فلعل الرواة الذين رووا طوافاً واحداً[١] وسعياً واحداً
لم يصلوا إليه مَّة إلا وقد فرغ من طوافه الأول وسعيه الأول، أو انفصلوا عنه ولم
يأخذ النبي ◌ِّله بعدُ في الطواف الثاني، وأما رواة الطوافين وكذا السعيين فلا يتوهم
بهم أنهم رووا كذلك بمحض القياس أو التوهم؛ إذ لو حمل على ذلك لكان كذباً،
فلم ينقلوا عنه ذلك إلا وقد رأوه أنه طاف طوافين وسعى سعيين، وأما الحديث
[١] اعلم أن ما ورد في الروايات من قولهم: ((طاف لها طوافاً واحدا)) مؤول إجماعاً؛ فإنه ◌َّ
طاف أولاً عند قدومه مکةً، کما في حدیث جابر الطويل(١) وغيره، ثم طاف بعد رجوعه من
منى يوم النحر مع الاختلاف في الروايات في صلاته وَلّه الظهرَ كانت بمكة أو منى كما =
[٩٤٨] جه: ٢٩٧٥، حم: ٦٧/٢، تحفة: ٨٠٢٩.
(١) حديث جابر هذا أخرجه مسلم (١٢١٨).

٣١٥
أبواب الحَجّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، تَفَرَّدَ بِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ
عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرٌ وَاحِدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنٍ عُمَرَ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ وَهُوَ
صَحُّ
١٠١ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّ مُكْثَ(١) الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدْرِ ثَلاَثًا
٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
القولي فإما ضعيف أو مؤوَّل؛ جمعاً بين الأحاديث، فمن ذلك قولهم الآتي عنه مَثّ:
((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد))، فالصحيح أن [كونه]
مرفوعاً غير صحيح، وإنما هو موقوف، وإن سُلُّم رفعُه فالواو فيه بمعنى ((أو))،
وهو كثير شائع، ولفظة ((جميعاً)) وإن كان الغالب استعمالها فيما وجودها مجتمع،
ولكنها كثيراً ما يستعمل فيما لم تجتمع وجوداتها، وذلك لاعتبار الاجتماع في
نفس الوجود، وإلا لزم التعارض بين قوله وفعله بَّه، ولا يجوز أن يحمل فعلُه
على العزيمة وقولُه هذا على الرخصة؛ لأن هذا لا يقوله أحد، فمن قال بالطوافين
لم يقل بإجزاء واحد، ومن قال بطواف لم يقل بشرعية التكرار.
١٠١ - باب ما جاء أن مكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثًا
= في حديث جابر المذكور وغيره من عدة روايات، فلا يشك أحد فضلاً عن الأئمة في هذين
الطوافين، فلا بد من التأويل لكل واحد فيما ورد من لفظ ((طوافاً واحداً))، فهم يقولون: طاف
للفرض طوافاً واحداً، والطواف الأول كان للقدوم، ونحن نقول: طاف للحلِّ من الإحرامين
طوافاً واحداً، والطواف الأول كان للعمرة.
[٩٤٩] خ: ٣٩٣٣، م: ١٣٥٢، د: ٢٠٢٢، ن: ١٤٥٤، جه: ١٠٧٣، حم: ١٨٩٨٥، تحفة: ١١٠٠٨.
(١) في نسخة: ((أن يمكث)).

٣١٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ(١) السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ يَعْنِي مَرْفُوعًا،
قَالَ: يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا
الوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْفُوعًا.
قوله: (يمكث المهاجر بعد قضاء نُسُكه بمكة ثلاثاً) وإنما رخص
لهم ذاك دون الزيادة؛ لأن في الإقامة هناك تعريضاً لثواب الهجرة على التقليل،
فيكره؛ وذلك لأنها وإن لم تبق دارُ الكفر غير أن إقامتها نقضٌ بحسب الصورة لما
عاهدوا الله به من مفارقة الأهل والمال ومتاركة الوطن وإن لم يكن نقضاً حقيقةً،
ولذلك يقلّ ثوابُ الهجرة إن مات أحد من الذين هاجروا في الدار التي هجرها أولاً
وإن لم يكن من عزمه القيام هناك، بل كان على قصد الرجوع، ولذلك قال النبي ◌َّه.
((لكن البائس سعد بن خولة))(٢)، وأما لو حان في أيام أداء نسكه فله في ذلك فضل
كثير، ولا يتناقص بذلك أجره شيئاً؛ لأنه ليس بمقيم إلا لأداء نسكه بعدُ، ولا يبعد
أن يقال - وإن لم يَرِدْ بذلك تصريحٌ فيما بلغني من الروايات -: إن الميت بمكة من
المهاجرين وإن كان ينتقص من أجر هجرته شيء إلا أنه يثاب ثواب موته بمكة كما
يؤتاه غيرُ المهاجر، وإن كان الظاهر من قوله ◌َثيّة: (لكن البائس سعد)) أن ما أوتي من
الثواب لا يوازي ما نقص من ثواب هجرته ولا يكافيه؛ إذ لو كان موافياً له أو زائداً
عليه بشيء لم يكن ثمة بؤس.
ثم إن الرخصة في إقامة الثلاثة لما يحتاج إليه من دفع التعب والكلال وإصلاح
شأنه وشراء بعض ما يضطر إليه في سفره إلى غير ذلك، والله أعلم.
(١) في نسخة: ((سمع)).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٩٥).

٣١٧
أبْوَابُ الحَجّ
١٠٢ - بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ القُفُولِ مِنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
٩٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوَةٍ أَوْ حَجّ أَوْ عُمْرَةٍ فَعَلَا
فَدْفَدًا مِنَ الأَرْضِ أَوْ شَرَفًا كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ (١)، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ
سَائِحُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ)).
[١٠٢ - باب ما جاء ما يقول عند القفول من الحج والعمرة]
قوله: (وهزم الأحزاب وحده) هذا ليس حالاً من فاعل ((هزم))، وإنما هو مفعول
مطلق لفعل محذوف[١]؛ لأن الحال تكون نكرة وهذا معرفة، ولما يوهمه ظاهر اللفظ على
[١] اختلفت النحاة في تركيب قولهم: ((وحده)) على أقوال، قال صاحب ((الكافية)) وشارحها(٢):
شرط الحال أن تكون نكرة، و((مررت به وحده)) ونحوه متأول بالنكرة، فلا يرد نقضاً على
القاعدة، وتأويلها على الوجهين: أحدهما: أنها مصادر لأفعال محذوفة أي: ينفرد وحده، أي:
انفراده، فالجملة حال والمصدر منصوب على المصدرية، وثانيهما: أنهما معارف موضوعة
موضع النكرات أي: منفرداً، ونحوه، فالصورة وإن كانت معرفة فهي في التقدير نكرة، انتهى.
وقال صاحب ((المتن المتين)): هي نكرة دائماً وغير الكوفية نحو مررت به وحده، انتهى. وفي
هامشه: يعني لم يدخل الكوفية هذا النحو في الحال أصلاً، إذ المنصوب في هذا عندهم على
الظرفية كما في قولهم: جاؤوا معاً، بخلاف البصرية إذهو منصوب على الحال عندهم، انتهى.
[٩٥٠] خ: ١٧٩٧، م: ١٣٤٤، د: ٢٧٧٠، سي: ٥٣٩، حم: ٤٤٩٦، تحفة: ٧٥٣٩.
(١) زاد في نسخة: ((يحيي ويميت)).
(٢) ((الكافية في علم النحو)) (ص: ٢٤).

٣١٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنِ البَرَاءِ، وَأَنَسِ، وجَابٍِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
١٠٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُحْرِمِ يَمُوتُ فِي إِحْرَامِهِ
٩٥١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كُنَّ مَعَ النَّبِيِّ نَ لَهُ فِي سَفَرٍ، فَرَأى
هذا التقدير من اقتصار التوحد على حين الهزم مع أن توحده لهزم هؤلاء ليس بصفة
كمال له[١]، فلا يفيد إفادة قوله: ((أُوحِّده توحيداً»، ولأن ((وحده)» على تقدير الحالية لا
يكون إلا متعلقاً بالكلام السابق، وعلى تقدير كونه مفعولاً مطلقاً يكون كلاماً مستقلاً
في إفادة التوحيد، وإن كان يجوز أن يكون حالاً أيضاً باعتبار صحة المعنى في نفسه.
١٠٣ - باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه
اختلف العلماء[٢] فمنھم - ومنهم الشافعي رحمه الله - من قال ببقاء إحرامه،
ومنهم - ومنهم الإمام - من قال بتمامه بالموت، واستدل الشافعي - رحمه الله - ومن
دان دينه بهذا الحديث؛ فإن النبي بَلّ نهى أن يخمَّرَ رأسُه، وعلّله بأنه يُبْعَث يوم
[١] أي: باعتبار التوحيد المطلق، فإن التوحيد على الإطلاق أفيد وأعلى من التوحيد في وقت خاص.
[٢] فقال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق: إن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم
سترُ رأسه وتطييبُه، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: إنه يُصْنَع به ما يُصْنَع بالحلال، وهو
مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس، كذا في ((البذل))(١).
[٩٥١] خ: ١٢٦٥،م: ١٢٠٦،د: ٣٢٣٨، ن: ١٩٠٤، جه: ٣٠٨٤، حم: ١٨٥٠، تحفة: ٥٥٨٢.
(١) ((بذل المجهود)) (١٠/ ٥٣٢).

٣١٩
أبْوَابُ الحَجّ
رَجُلاً سَقَطَ (١) عَنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله
٥
((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ
القِيَامَةِ يُهِلُّ أَوْ يُلَبِّي)».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
(٢) وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُ
أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ انْقَطَعَ إِحْرَامُهُ، وَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِغَيْرِ الْمُحْرِمِ.
١٠٤ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمُحْرِمَ (٣) يَشْتَكِي عَيْنَهُ فَيَضْمِدُهَا بِالصَّبِرِ
٩٥٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى،
عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ الله بْنِ مَعْمَرِ اشْتَكَى عَيْنَيْهِ(٤) وَهُوَ
القيامة يهلّ ويلبي، وقال الإمام ومن قال كقوله: إن إحرامه ينقطع في حق أحكام
الدنيا لعموم قوله عليه السلام(١): ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث:
صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، وأما هذه الوقعة فمحتمل
[١] قال الزيلعي(٥): رواه مسلم وأبو داود والنسائي في ((الوصايا)) والترمذي في ((الأحكام)).
[٩٥٢] م: ١٢٠٤، د: ١٨٣٨، ن: ٢٧١١، حم: ٤٢٢، تحفة: ٩٧٧٧.
(١) في بعض النسخ: ((قد سقط)).
(٢) زاد قبله في نسخة: ((وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ)).
(٣) في بعض النسخ: ((في المحرم)).
(٤) في نسخة: ((عینه)).
(٥) ((نصب الراية)) (١٥٩/٣)، وانظر: ((صحيح مسلم)) (١٦٣١) و((سنن أبي داود)) (٢٨٨٠)
و((النسائي)) (٣٦٥٣) و((الترمذي)» (١٣٧٦).

٣٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
مُحْرِمٌ، فَسَأَلَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ
ابْنَ عَفَّانَ، يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِلَهَ يَقُولُ: ((اضْمِدْهَا بِالصَّبِرِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَتَدَاوَى الْمُحْرِمُ
بِدَوَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِیهِ طِيبُ.
كونه لخصوصية في الرجل[١]، لا لأن إحرامه لم ينقطع، وقد تأيد ذلك بقوله عليه
السلام في الحديث الذي استدلوا به على مرامهم: ((اغسلوه بماء وسدر))؛ فإن السدر
مما لا يستعمله المحرم[٢] لإزالته الشعثَ وقتلِه هوامَّ الرأس وتليينه الشعر، ففيه من
الارتفاق مالا يخفى، وأما ما فهموا[٣] من قوله: ((فإنه يبعث يوم القيامة يلبي)) أنه
علة للنهي عن تخمير رأسه لكونه محرماً، فغير ظاهر، ليس لهم على ذلك من دليل، بل
[١] قال ابن بزيزة: أجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل؛ لأن
إخباره ◌ِّ بأنه يُبْعَثُ ملبياً شهادةٌ بأن حجَّه قُبِل، وذلك غير محقق لغيره، كذا في (الفتح))(١)،
وما تعقب عليه ابن دقيق العيد ليس بوجيه، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله.
[٢] هكذا قاله العيني(٢)، لكنه لا يرد على الشافعية فإنهم أباحوا للمحرم الغسل بالسدر، كما في
((شرح الإقناع))(٣).
[٣] كما مال إليه ابن دقيق العيد متعقباً على قول ابن بزيزة(٤).
(١) ((فتح الباري)) (٣/ ١٣٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٧١).
(٣) ((شرح الإقناع)) (٢/ ٣٧١).
(٤) حكاه الحافظ في ((الفتح)) (١٣٧/٣).