النص المفهرس
صفحات 141-160
أثَوَابُ الحَةْ ١٤٣ ٩ - أَبْوَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله لله وَسَتـ ١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةٍ (١) مَكَّةَ ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْجِ العَدَوِيِّ، ٩- أبواب الحجّ عن رسول الله صلا الله وشي (١) باب ما جاء في حرمة مكة لما كانت شرافة هذه البقعة الشريفة وكرامة تلك الأماكن اللطيفة تستدعي زيارتها من غير افتقار إلى وجوب الحج وفرضيته؛ أشار إلى ذلك أولاً، ثم ذكر بعده ما هو بصدده من ذكر الحج وأركانه وشرائط وجوبه وأدائه، لتستقر في القلوب بسبب وفور الرغبات إلیه. قوله: (عن أبي شريح العدوي) نسبة إلى عدي قبيلة من (بياض)(١) ....... [١] بياض في الأصل، قال المجد(٢): عديّ، كغنيٌّ: قبيلة، وهو عدويّ وعديّ، وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): قوله: (أي البخاري): ((عن أبي شريح العدوي)) كذا وقع هاهنا وفيه نظر؛ لأنه = [٨٠٩] خ: ١٠٤، م: ١٣٥٤، ن: ٢٨٧٦، حم: ١٦٣٧٣، تحفة: ١٢٠٥٧. (١) في نسخة: ((حرم)). (٢) ((ترتيب القاموس المحيط)) (١٧٥/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٤٢/٤). ١٤٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: صحابيّ (١)، (لعمرو بن سعيد) وكان مقعداً زَمِناً عاملاً ليزيد بن معاوية، أرسله على مدينة النبي ◌َّة، فلما فرغ من تخريبها وقتل أهلها وفعل ما فعل، وحصل قتلُ الحسين رضي الله عنه أرسله إلى مكة لقتل عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الزبير هذا قد أخذ البيعة من أهل مكة ومن حواليها بعد موت معاوية رضي الله عنه، فذهب إليه عمرو بن سعيد، وهذا الذي أشار إليه(٢) في هذا الحديث بقوله: ((وهو يبعث البعوث إلى مكة)). ثم اعلم أن عمرو بن سعيد هذا أقام على مكة مدة يجادل ويقاتل ويرمي على خزاعي من بني كعب بن ربيعة بطن من خزاعة، ولهذا يقال له: الكعبي أيضاً، وليس هو من = بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر، فلعله كان حليفاً لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عدي، انتهى. [١] صفة لأبي شريح فهو صحابي مشهور، قال العيني(١): اختلف في اسمه، والمشهور خويلد بن عمرو، أسلم قبل الفتح، وسكن المدينة، ومات بها سنة ٦٨ هـ، انتهى. [٢] أشار الشيخ بغاية الإجمال إلى شرح قوله: ((وهو يبعث البعوث)) أي: يرسل الجيوش إلى مكة لقتال ابن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، قال الحافظ(٢): والقصة مشهورة، وملخصها أن معاوية عَهِد بالخلافة بعده ليزيدَ ابنه، فبايعه الناسُ إلا الحسين رضي الله عنه وابنُ الزبير رضي الله عنه، فأما ابن أبي بكر رضي الله عنه فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر رضي الله عنه فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين رضي الله عنه فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم بالحرم وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا إليه الجيوش. (١) ((عمدة القاري)) (٥١٠/٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٨/١). ١٤٥ أبوَابُ الحَجّ اثْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ الله، أهل مكة بالمجانق والنيران، حتى احترقت وانهدمت أستارُ الكعبة - حرسها الله - وجدارنُها، ولكنه لم يقدر على قتل ابن الزبير إلى أن وصلت إليه بشارة نعي يزيد، فانصرف عنها خائباً خاسراً، ثم ولي الخلافة بعده معاويةٌ بن يزيد فجمع الناس وقال لهم: اعلموا أن هذه الخلافة قد ارتكب فيها جدي ما لم يكن له أن يرتكب مع ما ناله من شرف الصحبة مع النبي ◌َّة، وقد رأيتم من يزيد ما فَعَلَها من سوء صنيعته بأهل بيت النبي ◌َّل وأصحابه، وإني لا آمن على نفسي أن أنال بها مكروهاً في ديني فخلع الخلافة عن نفسه، وقال: ولّوا من شئتم، فتولى مروان فلم يتيسر له قتلُ ابن الزبير رضي الله عنه، ثم لما وصلت النوبة إلى عبد الملك بن مروان، وطلب الحجاج وجعله عاملاً قَتَلَ ابن الزبير - رضي الله عنه- في زمنه. قوله: (ائذن لي أيها الأمير) يعلم من هاهنا أن الأمر بالمعروف مقيد بما لو رجا الآمر القبول، ولم يخف على نفسه، وأنه يجب أن يكون على حسب منزلة المقول له، فإن أبا شريح مع كونه صحابيًّا لم يقله لعمرو بن سعيد إلا بعد استئذانه منه. قوله: (سمعته أذناي) دفع بذلك ما يتوهم من أنه لعله سمعه بواسطة أحد من أصحاب النبي ◌َّةِ، (ووعاه قلبي) دفع بذلك شبهةَ النسيانِ والغلطِ وعدم فهم معنى كلامه ◌ِّ عن نفسه، (وأبصرته عيناي حين تكلم به) أي: كان بمرأى مني ومسمع، فلا يتوهم أني ظننت غير النبي ◌َّ إياه، ولا أني لبُعدي منه اشتبهتُ[١] في شيء من كلامه. [١] يقال: اشتبه في الأمر: إذا شك فيه، واشتبه عليه الأمر: إذا خفي عليه والتبس. ١٤٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَلَا يَحِلُّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًّا، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أُحَدُّ قوله: (إن مكة حرّمها الله ولم يحرِّمها الناس) الجملة الثانية مؤكّدة للأولى، والغرض من قوله هذا أن تحريمها(١) لما كان منه سبحانه وتعالى كان قطعيَّ العمل، يخاف من هتك حرمتها ما يخاف من ارتكاب المنهيات الأخر، وأما لو كان التحريم من الناس لم يكن في هتكها بأس فإنهم ناس ونحن أناس. قوله: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله) أشار بذلك إلى أن هتك حرمة البيت ليس من شأن المؤمن؛ فإنه إذا كان مؤمناً بالله وبشهوده بين يديه يوم القيامة كيف يتيسر له أن يهتك حرمة بيته؟ وهذا الإقدام منه مشعر بقلة استيقانه وضعف إيمانه. قوله: (أن يسفك بها) الأولى أن يكون الدم هاهنا عامًّا يشمل جميعَ ما له (٢] [١] ويشكل عليه ما ورد عند الشيخين وغيرهما من قوله مالية: ((إن إبراهيم حرّم مكة وإني حرّمتُ المدينة)) الحديث، ويجاب عنه بأن نسبة الحكم إلى إبراهيم عليه السلام على معنى التبليغ، وأن إبراهيم حرم بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّمها، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها أو أول من أظهر بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة ابتداءً من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله: ((ولم يحرمها الناس))، والمراد أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل: معناه أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي حديثة، كذا في ((الفتح)(١). [٢] لا يقال: يجوز فيها ذبحُ الحيوانات كالأنعام، وقتلُ الفواسق من الغراب والحديّا وغيرهما، = (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٣/٤). ١٤٧ أبْوَابُ الحَجّ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِنَ ◌ّهَ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: (إِنَّ اللّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ ،فَلَّهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنَ نَهَارٍ(١)، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)) فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ يَا أبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًّا، وَلَا فَارَّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُرْوَى بِخِزْيَةٍ (٢). روح، وقيل: بل المراد به دمُ الإنسان، وسائر الحيوانات تبع له أو مقیس عليه. قوله: (ساعة من نهار) والمراد بها[١] مطلق الوقت، لا الساعة العرفية، وهي في يوم فتح مكة. قوله: (بالأمس) المراد بالأمس الزمانُ المتقدم مطلقاً، ولا يبعد أن يراد به الأمس بالنسبة إلى ساعة التحليل. قوله: (أنا أعلم منك بذلك) إنما قال له ((أعلم)) نسبة إلى أبي شريح لأنه لم يستثن منه ما كان يجب استثناؤه، ولعله لم يستثن إما لعدم صدق الاستثناء هاهنا؛ لأن ابن الزبير لم يكن عاصياً ولا فارًّا بدم ولا خربة؛ لأنه لم يخالف إمامَ حقٍّ، وسيجيء بعض = وإقامةُ الحدود والقصاص من القتل ونحوه؛ فإن أمثال هذه الأمور مستثناة بالبداهة والنصوص، والمراد غير ما استثني. [١] وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): مقدارها ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر. (١) في أكثر النسخ: ((من النهار)). (٢) في بعض النسخ: ((ولا فارًّا بخزية)). (٣) ((فتح الباري)) (٤٤/٤). ١٤٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنٍ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي شُرَيْجِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَأَبُو شُرَيْحِ الخُزَاعِيُّ: اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو العَدَوِيُّ الگعْبِيُّ. بيانه عند سرد[١] هذه الرواية، أو لأن مذهبه كان مثل مذهبنا في أن من فرّ إليها بدم أو خربة [٢] أو كان عاصياً لا يجوز قتلُه هناك، بل يضيق عليه حتى يخرج فينتقم لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ, كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومذهب عمرو بن سعيد إما أن يكون مثل مذهب (٣) الشافعي - رحمه الله تعالى-، وظن ابنَ الزبير عاصياً في نفس الأمر، أو يكون هذا أيضاً من مفاسد طويته وخبث نيته، ومن ثم قيل لكلام عمرو بن سعيد [١] يحتاج إلى تفتيش ولم أجده، ولا يبعد أنه رحمه الله أراد الكلام عليه في موضع آخر فلم يتفق له. [٢] قال أبو الطيب(١): بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء بعدها موحدة، وقد حكي فيها ضمُّ الخاء، قال عياض: أراه وهماً، وقال ابن العربي(٢): وفي بعض الروايات بكسر الخاء وزاي ساكنة بعدها مثناة تحتية، أي: ولا فارًّا بشيء يخزي أي: يستحيي منه، وعلى الأول هي السرقة، وقيل: الخيانة، وقيل: الفساد في الدين، وقال الطيبي: أصلها سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة، وفي ((صحيح البخاري)): أنها البلية، وقال الخليل: هي الفساد في الدين، من الخارب وهو اللصّ المفسد في الأرض، وقيل: هي العيب، انتهى. [٣] قال العيني(٣): حكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم أنه يُقَاد منه، وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه، عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه، قال العيني: ومذهب مالك والشافعي: يقام عليه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنعَ، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، انتهى. (١) «الشروح الأربعة)) (١٥٥/٢). (٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٥/٤). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٠٢/٢). ١٤٩ أبوَابُ الحَجّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ((وَلَا فَارَّا بِخَرْبَةٍ))، يَعْنِي: جِنَايَةً، يَقُولُ: مَنْ جَنَى جِنَايَةً، أَوْ أَصَابَ دَمًّا، ثُمَّ جَاءَ(١) إِلَى الحَرَمِ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. ٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوَابِ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ٨١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ قَالَا: نَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِوبْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ(٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : ((تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ الذي أجاب بها أبا شريح: إنها كلمة حق أريد بها الباطل؛ لأنه لا يصدق على ابن الزبير. ثم اتفقوا على إقامة الحدود والقصاص فيمن ارتكب الجناية ثمة، إنما الخلاف بيننا وبين الشافعي - رحمه الله - فيمن جنى ثم دخل مكة، وكذلك ما دخل في الحرم من صيد غیر الحرم، فإن الشافعي-رحمه الله-یخرج جمیعَ ذلك من الأمن ونحن على خلافه، والاستثناء المتفق عليه بما ورد من العمومات في إقامة الحدود والقصاص، وبما ثبت من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وسيجيء بعض بيانه حیث تیسر. [(٢) باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة] قوله: (تابعوا) إلخ، والمراد بقوله: ((تابعوا بين الحج والعمرة)) الحثّ على موالاتهما، والترغيبُ في الدوام على إتيانهما، لا أن يقتصر على الفريضة فحسب ولا يرغب في النافلة. [٨١٠] ن: ٢٦٣١، حم: ٣٦٦٩، تحفة: ٩٢٧٤. (١) في نسخة: ((لجأ)». (٢) في بعض النسخ: ((عبد الله بن مسعود)). ١٥٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابُ إِلَّ الجَنَّةُ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةً، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَجَابٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ. (٨١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهَ: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). قوله: (وليس للحجة المبرورة) وهو [١] ما ليس فيه رفث ولا فسوق ولا غيرهما من ترك الواجب أو ارتكاب المنهيِّ عنه. (ثواب إلا الجنة) ليس المراد بذكرها نفي ما سواها، إنما ذكر أعظم أجزيتها ليدخل فيه ما دونها كنفي الفقر والذنوب إلى غير ذلك، والصغائر مغفرة لا محالة، ولا ضير (٢) في العموم؛ فإن الاستغفار والندامة لازمة. [١] إشارة إلى أن قوله: ((فلم يرفث إلخ)) في الحديث الثاني تفسير لقوله: ((الحجة المبرورة))، والفسوق مطلق المعاصي، والرفث ذكر الجماع بمحضر من النساء، كذا أفاده في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قلت: هذا هو المشهور في تفسير الرفث، وذكر أصحاب الفروع له تفسيرين آخرين، ففي ((الهداية))(١): الرفث الجماع، أو الكلام الفاحش، أو ذكر الجماع بحضرة النساء، انتهى. [٢] كما سيأتي البسط في ذلك في ((كتاب الأمثال)) في ((باب مثل الصلوات الخمس)». [٨١١] خ: ١٥٢١، م: ١٣٥٠، ن: ٢٦٢٧، جه: ٢٨٨٩، تحفة: ١٣٤٣١. (١) ((الهداية)) (١ /١٣٥). ١٥١ أبْوَابُ الحَجّ قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَأَبُو حَازِيمٍ كُوفِيٍّ وَهُوَ الأَشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأَشْجَعِيَّةِ. ٣ - بَابُ مَا جَاءَ مِنَ(١) التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الحَجِّ ٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى القُطَعِيُّ البَصْرِيُّ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ البَاهِلِيّ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلَّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ [(٣) باب ما جاء من التغليظ في ترك الحج] قوله: (من ملك زاداً وراحلة تبلغه(١) إلى بيت الله) زاد هذه الصفة [٢] لئلا يتوهم وجوب الحجة على من ملك زاداً وراحلة دون ذلك، وحيث أطلق ولم يوصف فالمراد به هو هذا، والمراد بالزاد هو الذي يعتاده في الحضر، فلا يجب عليه [١] بالتشديد والتخفيف من التفعيل والإفعال. [٢] يعني أن قوله: ((تبلغه)) زيد لإخراج من ملك زاداً وراحلة قليلًا بحيث لا تبلغه إلى المقصود، ثم اتفقت الأئمة الثلاثة على أن الاستطاعة في الآية مفسَّرة بالزاد والراحلة، وملكُهما شرط لوجوب الحج، والحديث حجة لهم، وخالف في ذلك المالكية إذ فسروا الاستطاعة بإمكان الوصول إمكاناً عاديًّا كما جزم به الدردير (٢) وغيره حتى قالوا: من كان عادته السفر ماشياً يلزمه الحج وإن لم يجد راحلة. [٨١٢] هب: ٣٦٩٢، تحفة: ١٠٠٤٨. (١) في بعض النسخ: ((في)). (٢) انظر: ((الشرح الكبير)) (٦/٢). ١٥٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾)) [آل عمران: ٩٧]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ. ٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِيجَابِ الحَجِّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لو ملك أدونَ من ذلك، وكذلك المراد بالراحلة هي الراحلة في جميع السفر ذهاباً وإياباً، وترك ذكر المصير اتكالاً على الفهم. قوله: (فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا) لأنه لما فعل فعلهم فإن لم يعتقد وجوب الحج فهو ظاهر، وإن اعتقد ولم يحج فقد تشبه بهم، وكان مثلهم في كفران نعمة الإسلام، أو صار كواحد منهم لأنهم لا يعتقدون الحج؛ لأنهم إنما يعظِّمون بيت المقدس لا الكعبة. (وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه) إلخ، استدل بالكتاب على كلا الأمرين[١] اللذين بَيَّنَهما بقوله: ((من ملك زاداً إلخ)). وقوله: (فلا عليه أن) إلخ، وتمام الآية دال على الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ﴾ [آل عمران: ٩٧] إلخ، كما أن أول الآية دالٌ على الأمر الأول، وهو تعليق الوجوب باستطاعة السبيل زاداً وراحلةً. [(٤) باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة] [١] المذكور في الحديث أمران: وجوبُ الحج باستطاعة، وهي ملك الزاد والراحلة، والثاني كفر من لم يحجّ، فنبه عليهما بجزئي الآية. ١٥٣ أبْوَابُ الحَجّ ٨١٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، نَا وَكِيعُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ یَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّصَ لَفَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُ(١). وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَجَبَ قوله: (الزاد والراحلة) تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فحسب يفيد أن أمن [١] الطريق ووجود المحرم للمرأة شرط لوجوب الأداء لا نفس الوجوب؛ لأن السكوت[٢] في موضع البيان بيان، فتجب الوصية بالحج لو لم يتيسر بهذين، وكذلك من وجدالزاد والراحلة ولم يقدر على الركوب، أو كان أعمى أو زمناً وجب عليه الإيصاء بالحج عنه عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، ورجّحه في ((الفتح))(٢). [١] ففي ((الهداية))(٣): ولا بد من أمن الطريق؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه، ثم قيل: هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الإيصاء وهو مرويّ عن أبي حنيفة، وقيل: هو شرط الأداء دون الوجوب؛ لأن النبي ◌ّ فسّر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير، انتهى. [٢] يعني أنه قَليل لما لم يذكر في تفسير الاستطاعة إلا الزاد والراحلة كما يظهر من جوابه ◌َ ل لمن سأل: ما يوجب الحجَّ؟ عُلِم أنهما تفسير الاستطاعة لا غيرهما؛ لأن السكوت في موضع البيان بيان، فعلم منه أن وجودَ المحرم وأمْنَ الطريق وغيرهما ليست من شرائط الوجوب، فتجب الوصية إن لم تتيسر لأحد هذه الأمور التي هي شروط للاداء، وسيأتي من الكلام على الحديث في ((التفسير)). [٨١٣] جه: ٢٨٩٦، تحفة: ٧٤٤٠. (١) الظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده. (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٢٢/٢). (٣) ((الهداية)) (١/ ١٣٣). ١٥٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي عَلَيْهِ الحَجّ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ هُوُ: الخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (١) مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. ٥ - بَابُ مَا جَاءَ كَمْ قُرِضَ الحَجُّ؟(٢) ٨١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، نَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ كُوِيٌّ، عَنْ عَلِيٍّ ابْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ اُلْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قَالُوا(٣): يَا رَسُولَ اللهِ، أَفِى كُلِّ عَامِ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفِى كُلِّ (٥) باب ما جاء كم فُرِضَ الحجُّ؟ فرض ماضٍ مجهولٌ، والمراد كم مرةً فُرض الحج واحدة أو أكثر؟. قوله: (لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ إلخ، قالوا: يا رسول الله) إلخ، ليس المراد ترتُّبَ القول على نزول الآية ترتُّبَ الأجزية على شروطها؛ لأن نزول الآية كان قبل السؤال[١] بأعوام، بل المراد بَعديّةُ السؤال عن نزول الآية أينما كانت، فالمراد أنهم لما سمعوا في خطبته ◌َّ التي خطب بها الناس في حجة الوداع بيانَ وجوب الحج، وكانوا قد قرؤوا من قبلُ قولَه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ فتردّدوا [١] فإن سورة آل عمران التي فيها الآية عُدَّتْ في أوائل السور التي نزلت في المدينة المنورة. [٨١٤] جه: ٢٨٨٤، تحفة: ١٠١١١. (١) في نسخة: ((أهل الحديث)). (٢) زاد في نسخة: ((على الإنسان في عمره)). (٣) القائل: أقرع بن حابس، (س). ١٥٥ أبْوَابُ الحَجّ عَامٍ؟ قَالَ: (لَا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ))، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ(١)، وَاسْمُ أَبِي البَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ. في أن الوجوب هل هو في العمر مرة أو في كل عام؟ فسألوا النبي ◌َّ عنه فأجابهم بقوله: ((لا))، ولو أجابهم بقوله: ((نعم)) لوجب في كل عام، ووجه الوجوب بقوله اَ ل أنه سبحانه تعالى كان جعل١٦] أمر الحج في تعيين مراتٍ وجوبه في يده ووقفه على اختياره، فما أوجبه وجب، وقد يكون[٢] للعبد مع مولاه وللخادم مع مخدومه وللولد مع والده وللمحكوم مع حاكمه شأن وتقرُّبٌ ينسب فيه كلّ ما يصدر من هذا القبیل إلیه، وللواجب سبحانه شؤون، فتارةً یحکم بقهره، فلا يمكن لأحد من [١] هذا عند من لم يقل باجتهاده بِّيّة، ولأهل الأصول في المسألة أربعة أقوال: نعم، ولا، والثالث: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، والرابع: الوقف، كذا في ابن رسلان(٢)، ووجّهه شيخ مشايخنا الدهلوي - نور الله مرقده - في ((حجة الله))(٣) بتوجيه لطيف فقال: سره أن الأمر الذي يعد لنزول وحي الله بتوقيت خاص هو إقبالُ القوم على ذلك وتلقي علومهم وهممهم له بالقبول، وكونُ ذلك القدر هو الذي اشتهر بينهم وتداولوها، ثم عزيمةُ النبي ◌ِّ وطلبُه من الله، فإذا اجتمعا لابد أن ينزل الوحي على حسبه، انتهى. [٢] هذا هو الوجه الثاني الذي سيأتي الإشارة إليه في بيان الفرق بين الوجهين. (١) زاد في بعض النسخ: ((سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا)). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٨/٧). (٣) ((حجة الله البالغة)) (١٦٢/٢). ١٥٦ الكوَكَبُ الدُّرِّي الأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين إلا الخوف والخشية، وتارةً هو في أردية لطفه ورحمته، فلا أحد من الطاغي والعاصي إلا وهو يرجو من نواله، فيمكن أن يكون للنبي ◌َّ مثل ذلك فقال: كنتُ حينئذ بحيث ما أوجبتُه وجب وما حرّمتُه حرم، فلو قلت: نعم لوجب في كل عام، والفرق بين الوجهين أن في الوجه الأول وُكِّلَ إليه ◌ِ لّ تعيينُ مرات وجوب الحج فحسب بخلاف الثاني فإنه عام لكل حكم. ثم قد نشأ من جميع ذلك أن النبي ◌َّ أنكر على السائل سؤالَه ولم يرض به، ولم يكن لذلك الإنكار وجه في الظاهر، فوجه الإنكار بقوله: إذ كان الله [١] تعالى أنزل عليهم من قبلُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، والفاء في قوله: ((فأنزل الله)) ليست لتعقيب النزول بالمسألة؛ لأن آية النهي عن المسألة كان نزولها قبل (٢] السؤال الوارد في الحج، بل الفاء للعلية أي: إنما أنكر ذلك لأن الله تبارك وتعالى كان قد أنزل النهي عن المسألة، أو يقال: فيه حذف، والمعنى: فقد كان أنزل الله قبلَ هذا نهياً عن السؤال، فكان إنكاره ◌َ ليل على سؤاله مطابقاً لأمره سبحانه وتعالى. [١] ليس في الحديث لفظ: إذ كان الله، بل فيه: ((فكان الله)) وعبره الشيخ بلفظة إذ إشارة إلى أن الفاء تعليلية كما سيصرح بها. [٢] فإن صاحب ((الجمل)) (١) ذكر نزول هذه السورة في منصر فه مثل من الحديبية إلا قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقد نزل في حجة الوداع، وإلا قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] فقد نزل في غزوة الفتح، ثم لا يذهب عليك أن الأقوال في سبب نزول آية النهي عن السؤال مختلفة، ذكر الحافظ في ((الفتح)) (٢) خمسة أقوال والجمع سهل، ليس هذا محل تفاصيله، سيأتي إجمالها في ((كتاب التفسير)). (١) ((حاشية الجمل)) (٤٥٥/١-٤٥٦). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨١/٨-٢٨٢). ١٥٧ أتْوَابُ الحَجّ ٦ - بَابُ مَا جَاءَ كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ صھا الله﴾ وستلم ٨١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أبِي زِيَادٍ(١)، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله: أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ حَتّ لا يقال: يمكن أن يستنبط من سؤالهم هذا اقتضاءُ الأمر[١] التكرارَ، ولو لم يَقْتَضِ لما سألوا عنه ذلك، وإنما جاء عدمُ التكرار من قوله عليه السلام، لا مِنْ أن الأمر لا يقتضي التكرار. قلنا: لم يكن لهم ارتياب في أن الأمر لا يقتضي التكرار، وكانوا على يقين من أنه يتكرر بتكرر السبب كما هو المسلم، فخالج قلبهم أن السبب هل هو يوم عرفة حتى يتكرر وجوبُ الحج بتكرره، أم هو البقعة لئلا يتكرر لأنها واحدة لا يتكرر، فبيَّنَ النبي ◌َّله أن السبب هو الثاني دون الأول، والقرينة عليه إضافةُ الحجة إلى السبب دون الوقت، كما يضاف في الصلاة فيقال: صلاة الفجر. (٦) باب ما جاء كم حج النبي الله؟ قوله: (حجّ ثلاث حجج: حجتین قبل أن يهاجر) هذا لا يصحّ لأنه ێ حجّ [١] هذا من مسائل الأصول بسطها أصحاب الفن، ففي ((نور الأنوار))(٢) وحواشيه: أن الأمر لا يقتضي باعتبار الوجوب التكرار، كما ذهب إليه قوم منهم أبو إسحاق الإسفرائيني من أصحاب الشافعي، ولا يحتمله كما ذهب إليه الشافعي، واستدل الأولون بهذا الحديث لأن أقرع بن حابس من أهل اللسان، ففهم التكرار، ثم لما علم فيه حرجاً عظيماً أشكل عليه، والجواب عن الحنفية أن الأقرع عرف سائر العبادات تتعلق بالأسباب كالصلاة بالمواقيت والصوم بالشهر، ورأى أن الحج يتعلق بالوقت أي: اليوم حتى لا يصح قبله ويفوت بفوته وهو متكرر، ويتعلق بالبيت وهو غير متكرر، فاشتبه عليه الأمر فسأله، وليس سؤاله بفهمه التكرار من الأمر كما قلتم، انتهى بزيادة. [٨١٥] جه: ٣٠٧٦، تحفة: ٢٦٠٦. (١) زاد في نسخة: ((الكوفي)). (٢) ((نور الأنوار)) (ص: ٣٣-٣٥). ١٥٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ثَلَاثَ حِجَجٍ، حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، مَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ قبل الهجرة كثير مرة، فقيل: قال ذلك لعدم علمه رضي الله عنه إلا بذلك، وهذا[١] بعيد؛ لأنه رضي الله عنه(٢) لو لم يسمع بالأول لما حضر في الثاني، وحضوره في الثالث متواترة عليه الأخبار، كيف وقد حضر الحجة الأولى أخوه(٣]، فهل ترى [١] لكنه أجاب بهذا الجواب جمع من السلف والخلف، وتبعهم شيخنا في ((البذل))(١). [٢] فقد أخرج البخاري في ((باب المبعث)) من ((صحيحه))(٢) عن جابر رضي الله عنه يقول: شهد بي خالاي العقبةَ، وعن عطاء قال: قال جابر: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة، انتهى. قلت: والمراد بيعة العقبة الكبرى، فإن ابن هشام(٣) وغيره عدّوا عمرو بن حرام في جملة النقباء التي عينهم رسول الله بَليّة في بيعة العقبة الكبرى وهي التي سموها العقبة الثانية، وقالوا: هي الثالثة حقيقة؛ فإن حضورهم لدى النبي ﴾ كان ثلاث مرات: الأول في السنة الحادية عشرة من النبوة، وكان ابتداء إسلام الأنصار، فأسلم ستة نفر كلهم من الخزرج، وجعلوا موعدهم العام القابل، والثاني في السنة الثانية عشرة وتسمى بيعة العقبة الأولى، حضر فيها اثنا عشر رجلاً: خمسة من الستة المذكورين وسبعة من غيرهم، والثالث في السنة الثالثة عشرة حضر الموسم قريب من خمسمائة نفر ولاقى رسول الله بج ثة منهم سبعون، وقيل بأكثر منها إلى ثلاث وسبعين رجلاً، وامرأتان، وهذه هي العقبة الكبرى، والعقبة الثانية وهي في الحقيقة الثالثة، كذا في ((الخميس)) (٤). [٣] يحتاج إلى تحقيق، ولم أعرف من أخوه الذي حضر الأولى. (١) ((بذل المجهود)) (٦/٧). (٢) ((صحيح البخاري)) (٣٨٩٠-٣٨٩١). (٣) ((السيرة)) (٣٩٩/١) وفيه: عبد الله بن عمرو بن حرام، وهو الصواب؛ فإن عمرو بن حرام لم يدرك الإسلام، كما فى ((الإصابة)) (١٧٦/٥، رقم: ٦٨٣١). (٤) ((تاريخ الخميس)) (٣٠٦/١-٣١٦-٣١٧). ١٥٩ أبوَابُ الحَجّ ثَلَاثَةً(١) وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَجَاءَ عَلِيٍّ مِنَ اليَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا فِيهَا جَمَلُ لأَبِي جَهْلِ فِي أَنْفِهِ بُرَةً مِنْ فِضَّةٍ فَنَحَرَهَا (٢)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهُ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَطُبِخَتْ، فَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا. جابر بن عبد الله لم يعلم بحال أخيه وأصحابه الآخرين حضروا بيعة العقبة الأولى، بل الجواب[١] أن ذكر العدد الخاصّ لا ينفي ما فوقه. قوله: (فيها جمل لأبي جهل) هذا لا يصحّ [٢] فإن جمل أبي جهل نُحِر في عمرة الحديبية [٣]، ولو سُلُّم ففي عمرة القضاء، ولم تصل نوبة بقائه إلى حجة الوداع [١] وقال الشيخ محب الدين الطبري: لعل جابراً أشار إلى حجتين بعد النبوة، وقال ابن حزم: حج واعتمر قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججاً وعمراً لا يعلمها إلا الله، كذا في ((الخميس)) (٣)، قلت: لكنهم لا خلاف بينهم في أنه مُّ﴾ لم يحج بعد الهجرة إلا مرة واحدة. [٢] كما بسط الكلام على ذلك في ((الأوجز)) (٤). [٣] فقد أخرج أبو داود(٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله قال: أهدى عام الحديبية في هداياه جملاً كان لأبي جهل)) الحديث، وكذا ذكر أصحاب السير من ((الخميس)) (٦) وغيره، ومعنى قوله: لو سُلِّم، يعني لو سلم أنه لم ينحر في الحديبية، ولعل وجهه ما في كتب السير من ((الخميس)) وغيره أن جمل أبي جهل هذا ندّ من بين الهدايا وذهب مكة ودخل داره، فتعاقبه جمال رسول الله الله فأراد سفهاء قريش أن لا يردّوه فمنعهم سهيل بن عمرو وهو المؤسس لبنيان الصلح فنحره أيضاً، انتهى. فلعل منشأ قوله: لو سُلِّم، ندُّه وذهابه إلى مكة لكنه نحر أيضاً، فتأمل. (١) في نسخة: ((ثلاثاً)). (٢) زاد في بعض النسخ: ((رسول الله ◌ُ لَ)). (٣) ((تاريخ الخميس)) (١٤٨/٢). (٤) ((أوجز المسالك)) (٤٩٠/٧-٤٩٢). (٥) ((سنن أبي داود)) (١٧٤٩). (٦) ((تاريخ الخميس)) (٢٣/٢). ١٦٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، وَرَأيْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ فِي كُتُبِهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي زِيَادٍ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَلَيهِ، وَرَأَيْتُهُ لَا يَعُدُّ(١) هَذَا الحَدِيثَ مَحْفُوظً، وقَالَ: إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلُ(٢). التي نحر فيها النبي وَ ليّ مائة من الإبل، وهذه المائة [١] التي أتى بها علي قيل: كانت مشتركة بينهما، وقيل: بل خاصة بالنبي ◌ّ، وكانت بدنات علي رضي الله عنه علاوةً[٢] عليها، وكان اشترى بدناتِ النبي وَ لّ من بيت المال(٣] لأنه كان عاملاً على اليمن، فلا جواب(٤) إلا بإرجاع الضمير إلى مطلق الهدايا التي نحرها النبي ◌َّ في زمان من الأزمنة [١] نسبة الإتيان بمائة إلى علي رضي الله عنه مجاز؛ فإنه رضي الله عنه أتی ببعضها كما في حديث الباب وغيره. [٢] قال المجد(٣): العلاوة بالكسر: أعلى الرأس، وما وُضِع بين العدلين، ومن كل شيء ما زاد علیه، انتهى. [٣] يعني اشتراها بماله ◌َثية من بيت المال كما صرح به في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قال النووي (٤): ما أهدى به علي اشتراه لا أنه من السعاية على الصدقة. [٤] وأجاب عنه أبو الطيب(٥) بأنه أهدى لأن يذبح بمكة ولم يدخلوا مكة فلم يذبحوه فأهدى في حجة الوداع، انتھی. (١) في بعض النسخ: ((لم يعدّ)). (٢) في نسخة: ((مرسلًا)). (٣) ((ترتيب القاموس المحيط)) (٣٠٥/٣). (٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤٢٥/٤). (٥) («الشروح الأربعة)) (١٦٠/٢).