النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
أبْوَابُ الصَّوْم
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أُهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ الإِفْطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى
بِهِ الرَّجُلُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَدْ صَامَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
٧٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: نَاسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيجِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ
صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ(١)، فَقَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَلَيهِ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ
فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ، وَلَا
آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. وَأَبُو نَجِيجٍ: اسْمُهُ يَسَارُ، وَقَدْ سَمِعَ مِنَ
ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٤٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَثِّ عَلَى صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
٤٧ - باب ما جاء في الحثّ على صيام يوم عاشوراء[١]
اعلم أن صيام عاشوراء كانت تصومه اليهود لما أنعم الله عليهم بإنجاء موسى
[١] فيه عدة أبحاث لطيفة مفيدة بسطت في ((الأوجز)(٢)، الأول: في لغته، والثاني: في مصداقه،
والثالث: في وجه التسمية بذلك اليوم، والرابع: في حكم صومه، والخامس: هل فرض
صومه في أول الإسلام، والسادس: وجه تعظيم قريش لذلك اليوم، والسابع: تفصيل ما أكرم
الأنبياء في ذلك اليوم، والثامن: أعمال هذا اليوم غير الصوم، وغير ذلك.
[٧٥١] ن في الكبرى: ٢٨٤٠، حم: ٢/ ٤٧، تحفة: ٨٥٧١.
(١) زاد في نسخة: ((بِعَرَفَةَ)).
(٢) انظر: ((أوجز المسالك)) (١٨٣/٥ -١٩٠).

٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ
ـه
قَالَ: ((صِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)).
وقومه وإغراق فرعون وقومه، فكانوا يصومون فيه شكراً، وكانت قريش تصومه،
ولعل الله أنعم عليهم مثل ما أنعم على بني إسرائيل من إنجاء كبيرهم من شدة أو الإنعام
عليه بنعمة، وكان النبي ◌َ ◌ّ يصومه بمكة حسب ما اعتاده من أول عمره، فلما ورد النبي
◌َّ المدينةَ أُمِر بصيامه(١)، ورأى يهود يصومونه، فسألهم عن سببه، فبينوا، فأمر بصيامه
لا لیوافق به اليهود بل لما أُمِرَ به من قبلُ، وعلی هذا ينبغي أن تحمل الروايات، ولیس
الأمر بالصيام يوم عاشوراء منوطاً ومبنياً على صوم اليهود وسؤاله إياهم عنه، ثم نُسخ
[١] اختلفوا في أن صوم عاشوراء هل كان واجباً في أول الإسلام-كما قال به الحنفية -أو لا؟ وهما
وجهان للشافعية: أشهرهما: أنه لم يزل سنةً من حين شُرع، واختار الحافظ(١) الأولَ، وكذا
ابن القيم في ((الهدي)»(٢) وبه جزم الباجي، قال الحافظ(٣): يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه
كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمرُ بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته
بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرْضِعْنَ فيه الأطفالَ، وبقول ابن مسعود
الثابت في ((مسلم)): «لما فُرِض رمضانُ تُرك عاشوراء)) مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو
باقٍ، فدلّ على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم: المتروك تأكدُ استحبابه والباقي مطلقٌ
استحبابه، فلا یخفی ضعفه، بل تأكد استحبابه باقٍ، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في
عام وفاته بَيَّ حيث يقول: ((لئن عِشْتُ لأصومَنَّ التاسع))، انتهى. هكذا في ((الأوجز)) (٤).
[٧٥٢] تقدم تخريجه في ٧٤٩.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٧/٤).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) (٦٨/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٤٧).
(٤) ((أوجز المسالك)) (١٨٦/٥-١٨٩).

٨٣
أبْوَابُ الصَّوْم
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وَهِنْدِ بْنِ
أَسْمَاءَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَقْرَاءَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ
الخُزَاعِيِّ عَنْ عَمِّهِ، وَعَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، ذَكَرُوا عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ أَنَّهُ حَثَّ عَلَى
صِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: لَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ: صِيَامُ يَوْمٍ
عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، إِلَّا فِي حَدِيثِ أَبِي فَتَادَةَ.
وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةً يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
٤٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
٧٥٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمَ(١) تَصُومُهُ
بعد عام أو عامين وجوبُه، وبقي الأمر[١] على السنة وإحراز الفضيلة، وهذا هو المراد
حيثما وقع التخيير، فقال: ((من شاء صامه ومن شاء أفطر)) يعني ليس بواجب كما كان.
[١] اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال، الأول: فرضيته باقية، قال عياض: كان بعض السلف يقول:
كان فرضاً وهو باقٍ على فرضيته لم ينسخ، والثاني: مقابله وهو ما في (الفتح))(٢):كان ابن عمر
رضي الله عنهما يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القائلون بهذين القولين، وانعقد الإجماع بعد
ذلك على القول الثالث وهو أنه سنة، حكى عليه الإجماع جمعٌ من المحدثين، كما في ((الأوجز))(٣).
[٧٥٣] خ: ١٥٩٢، م: ١١٢٥، د: ٢٤٤٢، جه: ١٧٣٣، تحفة: ١٧٠٨٨.
(١) في نسخة: ((يومًا».
(٢) (فتح الباري)) (٤/ ٢٤٦).
(٣) ((أوجز المسالك)) (١٩٠/٥).

٨٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قُرَيْشُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ،وَ لَيهِ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ،
وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةُ، وَتُرِكَ
عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ،
وَمُعَاوِيَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ،
هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَا يَرَوْنَ صِيَامَ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا، إِلَّ مَنْ رَغِبَ فِي صِيَامِهِ
لِمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ.
٤٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَاشُورَاءَ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟
٤٩ - باب ما جاء في عاشوراء أي يوم [١] هو؟
[١] اختلفت أقاويل السلف والخلف في ذلك: الأول قول الجمهور: أنه اليوم العاشر من
المحرم، قال العيني(١): هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم،
وعدّ أسماءهم، والثاني: أنه اليوم التاسع فاليوم مضاف إلى الليلة الآتية، وقيل: إنما سمي به
اليوم التاسع أخذاً من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا:
أوردنا عشراً بكسر العين، والثالث: أنه اليوم الحادي عشر، قال العيني: اختلفت الصحابة
فيه هل هو اليوم التاسع أو العاشر أو الحادي عشر؟ وفي ((تفسير أبي الليث)): عاشوراء يوم
الحادي عشر، وكذا ذكره المحب الطبري، ملخص ما في ((الأوجز))(٢).
(١) ((عمدة القاري)) (١١ /١١٧).
(٢) ((أوجز المسالك)) (١٨٣/٥-١٨٥).

٨٥
أبْوَابُ الصَّوْم
٧٥٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: نَا وَكِيعُ، عَنْ حَاجِبٍ بْنِ عُمَرَ،
عَنِ الحَكَمِ بْنِ الأُعْرَجِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ وَهُوَ مُتَوَسِّدُ رِدَاءَهُ فِي
زَمْزَمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، أَيُّ يَوْمٍ أَصُومُهُ؟ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ
هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، ثُمَّ أصْبِحْ مِنْ يَومِ التَّاسِعِ صَائِمًا، قَالَ: قُلْتُ(١): أَهَكَذَا
كَانَ يَصُومُهُ مُحَمَّدٌّ ◌َ لِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الوَارِثِ(٢)، عَنْ يُونُسَ(٣)، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ
أورد فيه حديثين عن ابن عباس، والغرض من إيرادهما دفع لما يتوهم في كلام
ابن عباس رضي الله عنهما من تعارض وما يظن أن قوله في الحديث الأول لا يوافق
اللغة ولا الشرع.
فقوله: (أخبرني عن يوم عاشوراء أيّ يوم أصومه؟) ليس المراد بذلك تعيين
يوم عاشوراء؛ فإن هذه المسألة ليست مما يتوقف على ابن عباس؛ لأن كل من له
أدنى شعور يعلمه، فالمراد بذلك السؤال في الأصل سؤال الصوم أيّ يوم هو؟ حتى
يحرز به فضل السنة، كما صرح به في آخر سؤاله فقال: ((أيّ يوم أصومه؟))، فعين له
ابن عباس يوم الصوم، وكان يعلم السائل صوم اليوم العاشر، أو بَيَّنَ له العاشر أيضاً
وتركه الراوي لشهرته، وأما ما قال: ((أهكذا كان يصومه محمد رسول الله مٍَّ؟ قال:
نعم)) فبناء على ما أراد النبي ◌َّ وعزم عليه من أن يصوم التاسع أيضاً؛ لكنه لم يدرك
[٧٥٤] م: ١١٣٣، د: ٢٤٤٦، ن في الكبرى: ٢٨٧٢، حم: ٢٣٩/١، تحفة: ٥٤١٢.
[٧٥٥] تحفة: ٥٣٩٥.
(١) في نسخة: ((فقلت)).
(٢) في نسخة: ((ابن سعيد)).
(٣) وقع في الأصل: ((عبد الوارث بن يونس)) وهو خطأ.

٨٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ابْنِ عَبَّاسِ(١) قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ،فَلَهَ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ العَاشِرِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَسَنُّ صَحِيحُ(٢).
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ التَّاسِعِ،
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ العَاشِرِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّهُ قَالَ: صُومُوا التَّاسِعَ
وَالعَاشِرَ وَخَالِفُوا اليَهُودَ.
وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
٥٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ العَشْرِ
٧٥٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
العام القابل حتى يفعل، فما قالوا من أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع عند ابن عباس
فتوجيه لا يعول عليه وتأويل لا يحتاج إليه.
٥٠ - باب ما جاء في صيام العشر
لما بَيَّنَ النبي ◌َّ ما في صوم هذه الأيام من الفضل لم تبق شبهة في سنيته
ولا الفضل فيه، وأما رؤية عائشة رضي الله عنها المنفية في الحديث فلا تستلزم أن
النبي وَلّه لم يصم فيها، مع أن عدم صومه فيها لعله لغرض آخر، أو لخشية أن تكون
سنة مؤكدة فتحرج بها العباد، والله أعلم.
[٧٥٦] م: ١١٧٦، د: ٢٤٣٩، ن في الكبری: ٢٨٨٥، جه: ١٧٢٩، حم: ٤٢/٦، تحفة: ١٥٩٤٩.
(١) في هامش (م): قوله: ((عن ابن عباس)) ليس في نسخ معتمدة، ولكن ذكر هذا الحديث في
(الأطراف)) في مسند ابن عباس في ترجمة الحسن البصري كما هنا.
(٢) ذكر المزي هذا الحكم في ((الأطراف)) على الإسناد الأول، ولم يذكر أيَّ حكم على الإسناد
الثاني. انظر: ((تحفة الأشراف)» (٥٤١٢، ٥٣٩٥).

٨٧
أبْوَابُ الضَّوْم
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ صَائِمًا فِي العَشْرِ فَظُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ (٢): أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َلَّهُ لَمْ يُرَ صَائِمًا فِي العَشْرِ.
وَرَوَى أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ
فِيهِ: عَنِ الأَسْوَدِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الأَعْمَشِ
أَصَحُّ وَأَوْصَلُ إِسْنَادًا.
قوله: (وقد اختلفوا على منصور) يعني أن تلامذة منصور يروونه مختلفين
كما مر، وأما الآخذون عن الأعمش فقد اتفقوا على إسناد واحد وهو: ((عن إبراهيم
عن الأسود عن عائشة))، واختلاف رواة المنصور بَيَّنه بقوله: ((روى الثوري وغيره هذا
الحديث عن منصور عن إبراهيم: أن النبي (قل إلخ))، فترك الأسود وعائشة، ((وروى
أبو الأحوص)) إلخ، ثم بين أن اختلاف هذين ليس سبباً للاضطراب فيه، بل الاختلاف
ناشئ عن المنصور فإني [١] ((سمعت محمد بن أبان)) إلخ.
[١] بيان لعدم الاضطراب، يعني لما ثبت ترجيحه لذلك لم يبق فيه الاضطراب.
(١) قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (٧١/٨): قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة
صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول،
فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها وهو
يوم عرفة، انتهى.
(٢) زاد في نسخة: ((عن عائشة)).

٨٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ:
الأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ.
٥١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَلِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ
٧٥٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ - وَهُوَ ابْنُ
أَبِي عِمْرَانَ البَطِينُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَله: ( مَا مِنْ أَيَّامِ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ))(١)،
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ هُ: ((وَلَا
الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّ رَجُلُ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَجَابٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
٥١ - باب ما جاء في العمل في أيام العشر
هذا يعم الصيام وغيره، وأراد بذلك أن يثبت فضلها بقوله وملي لما لم يثبت بفعله.
قوله: (إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) أي: أنفق
فيه ماله، وكسر بالضرب سلاحه، وأهلك نفسه وفرسه لمباشرته أشدَّ القتال، ولكن
الفضيلة جزئية.
[٧٥٧] خ: ٩٦٩، د: ٢٤٣٨، جه: ١٧٢٧، حم: ٢٢٤/١، تحفة: ٥٦١٤.
(١) قال ابن الملك في ((شرح المصابيح)) (٢/ ٢٦٤): وإنما كان أحب فيها، لأنها أيام زيارة
بيت الله المحرم والبلد الحرام، والوقت إذا كان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل.
انتھی.

٨٩
أبْوَابُ الصَّوْم
٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُوبَكْرِ بْنُ نَافِعِ البَصْرِيُّ،نَامَسْعُودُ بْنُ وَاصِلٍ،عَنْ نَهَّاسِ
ابْنِ فَهْمٍ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ
صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا صِيَامَ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ
وَاصِلٍ، عَنِ النََّّاسِ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ غَيْرِ
هَذَا الوَجْهِ مِثْلَ هَذَا. وَقَالَ قَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َ ◌ّهِ مُرْسَلُ(١) شَيْءٍ(٢) مِنْ هَذَا (٣).
٥٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ
قوله: (مرسل) أي: من غير توسط أبي هريرة رضي الله عنه.
قوله: (شيء من هذا) أي: لا الحديث بتمامه أي: بجمله الثلاث.
٥٢ - باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال[١]
[١] صيام الستة من شوال مختلفة عند الأئمة، قال النووي(٤): مذهب الشافعي وأحمد وداود
وموافقيهم استحبابُها، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره، قلت: هكذا حكى عن مالكٍ الكراهةَ =
[٧٥٨] جه: ١٧٢٨، تحفة: ١٣٠٩٨.
(١) في نسخة: ((مرسلًا)).
(٢) في نسخة: ((شيئًا)».
(٣) زاد في نسخة: (( وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي نَهَّاسِ بْنِ فَهْمٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ)».
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) (٤/ ٣١٣).

٩٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَاسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ
ابْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ
بِتٌّ(١) مِنْ شَوَّالٍ، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ)).
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَوْبَانَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمُ صِيَامَ سِتَّةٍ (٢) مِنْ شَوَّالٍ لِهَذَا الحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هُوَ حَسَنَّ مِثْلُ صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
قوله: (ثم أتبعه بست من شوال) ثم قيل: يفصل بين هذه الست وبين رمضان
ليبعد عن شبهة الخلط كما في صيام شعبان، وقيل: بل يكفي العيد للفصل؛ فإنه ليس
في شعبان هذا الفصل فيكره الصوم قبيل رمضان ولا كذلك في الصيام بعيده.
= عامةُ شراح الحديث، لكن قال الدردير (٣): تُكْرَه لِمُقْتَدَى به متصلةً برمضان متتابعةً، وأظهرها
معتقداً سنة اتصالها.
قال الدسوقى: فالكراهة مقيدة بهذه الأمور الخمسة، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة، انتهى. وأما
عندنا الحنفية فاختلفت النقلة وأهل الفروع، والمرجّحُ الندبُ(٤)، وما حكي عنهم خلاف
ذلك، إما مرجوح غير رواية الأصول، أو محمول على صوم يوم العيد، كذا في ((الأوجز))(٥).
[٧٥٩] م: ١١٦٤، د: ٢٤٣٣، ن في الكبرى: ٢٨٧٦، جه: ١٧١٦، حم: ٤١٧/٥، تحفة: ٣٤٨٢.
(١) في الأصول الخطية: ((ستًّا)».
(٢) في نسخة: ((ستة أيام)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٥١٧).
(٤) انظر: ((مراقي الفلاح)) (ص: ٥٢٧) و((بذل المجهود)) (٦٤٣/٨).
(٥) ((أوجز المسالك)) (٣٥٥/٥-٣٥٦).

٩١
أبْوَابُ الضَّوْم
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: وَيُرْوَى فِى بَعْضِ الحَدِيثِ: وَيُلْحَقُ هَذَا الصِّيَامُ
بِرَمَضَانَ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَكُونَ (١) سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَامَ سِنَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُتَفَرِّقًا
فَهُوَ جَائِزُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
سُلَيْمٍ، وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ هَذَا.
وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الحَدِيثَ،
وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ
الحَدِيثِ فِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ (٢).
٥٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةٍ(٣) مِنْ كُلِّ شَهْرٍ
٧٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيع،
٥٣ - باب ما جاء في صوم ثلاثة من کل شهر
[٧٦٠] حم: ٢٧٧/٢، تحفة: ١٤٨٨٣.
(١) في نسخة: ((تكون)).
(٢) زاد في نسخة: ((حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، نَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الجُعْفِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ أَبِي مُوسَى، عَنِ
الحَسَنِ البَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ صِيَامُ بِسِنَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَيَقُولُ: وَالله لَقَدْ رَضِيَ الله
بِصِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ عَنِ السَّنَةِ كُلِّهَا)). وكتب في هامش (م): كذا في بعض النسخ، زاد في
نسخة أخرى: وفي سماعنا من المروي: ((لقد تضمن الله لصيام هذا الشهر عن السنة كلها)).
(٣) في أصولنا الخطية: ((ثلاثة أيام)).

٩٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: عَهِدَ إِلَىَّ رَسُولُ اللهِ وَّ ثَلَاثَةً: أَنْ لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ،
وَصَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ(١)، وَأَنْ أُصَلِّيَ الضُّحَى.
٧٦١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ
قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَامٍ(٢) يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنٍ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
ذَرِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: «يَا أَبَا ذَرٍّ؛ إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَصُمْ
ثَلَاثَ عَشْرَةً، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ)(٣).
قوله: (سمعت يحيى بن بسام) بالمهملة بعد الموحدة التحتية، وهذا غلط [١]
والصحيح: ((سام)) من غير ذكر الموحدة قبل السين.
[١] فلم يذكر صاحب ((التقريب)) و((التهذيب)) و((الخلاصة)) أحداً اسمه يحيى بن بسام، وغلط
فيه صاحب ((تحفة الأحوذي)) (٤) أيضاً.
[٧٦١] ن: ٢٤٢٢، حم: ١٥٢/٥، تحفة: ١١٩٨٨.
(١) قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢٣٥/٣): اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام المستحبة
من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر وغيرهم من الصحابة، وجماعة
من التابعين، وأصحاب الشافعي بأيام البيض. ويشكل على هذا قول عائشة المتقدم: ((لا يبالي
من أي الشهر صام)). وأجيب عن ذلك بأن النبي وَليّ لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة
ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، والذي أمر به قد أخبر به أمته
ووصاهم به وعينه له، فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة. انتهى.
(٢) تحرف في الأصل وفي بعض النسخ الخطية إلى ((بسّام)).
(٣) قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢٣٥/٣): فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض، وهي
الثلاثة المعينة في الحديث، وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاث
المذكورة في وسط الشهر، كما حكاه النووي، واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها
ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر. وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.
وحديث أبي ذر وغيره يرد ذلك.
(٤) انظر: ((تحفة الأحوذي)) (٣٩١/٣).

٩٣
أَبْوَابُ الصَّوْم
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةً، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَقُرَّةَ بْنِ إِيَاسِ الْمُؤَنِيِّ،
وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي عَقْرَبٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَعَائِشَةَ، وَقَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ،
وَعُثْمَانَ بْنِ أُبِي العَاصِ، وَجَرِیٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ حَدِيثُ حَسَنُّ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الحَدِيثِ(١): أَنَّ مَنْ صَامَ ثَلاثَةً أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ
كَانَ گَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ.
٧٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ (٢)،
عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهَ: «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ فَذَلِكَ
صِيَامُ الدَّهْرِ))، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَن جَّةَ
بِاَ لْحَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، اليَوْمُ بِعَشْرَةٍ أَيَّامٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي شِمْرٍ، وَأَيِي
التَّيَّاحِ(٣)، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَقَالَ:
قوله: (من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر) لأن الحسنة
بعشر أمثالها، وإنما عَيَّنَ لأبي ذر صيام الثلاثة من وسط الشهر إما لمصلحة فيه له أو
ليحرز فضيلة أيام البيض أيضاً.
قوله: (عن أبي شمر وأبي التياح) يرويان (عن أبي عثمان، وقال) شعبة في
[٧٦٢] ن: ٢٤٠٩، جه: ١٧٠٨، حم: ١٤٥/٥، تحفة: ١١٩٦٧.
(١) في نسخة: ((هذا الحديث)).
(٢) زاد في نسخة: ((النهدي)).
(٣) زاد في نسخة: ((جميعًا)).

٩٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَا الله
وسلم
٧٦٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ،
قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ
كُلِّ شَهْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ مِنْ أَيِِّ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَيَزِيدُ الرِّشْكُ هُوَ يَزِيدُ الضُّبَعِيُّ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ القَاسِمِ وَهُوَ القَسَّامُ،
وَالرّشْكُ هُوَ القَسَّامُ(١) فِي لُغَةِ أَهْلِ البَصْرَةِ.
هذا الإسناد (عن أبي هريرة)[١].
قوله: (كان لا يبالي مِنْ أَيُّه صام) قد سبق منا أن لفظة أيّ إذا أضيف إلى
النكرة، فالغرض التعيين من بين أفراده، وإذا أضيف إلى المعرفة فالتعيين مقصود من
بين أجزائه، وهاهنا كذلك، فإن الشهر لما أعيد إليه الكناية لم يبق نكرة، فافهم.
قوله: (والرّشْكُ هو القسّام في لغة أهل البصرة) أي الرِّشْكُ (٢) لغة أهل
البصرة ومعناه القَسّام.
[١] يعني جعله من مسند أبي هريرة لا أبي ذر.
[٢] أو المعنى أن الرِّشْك معناه عند أهل البصرة القَسّام، وأما عند غيرهم فقال المجد(٢): هو
بالكسر: كثير اللحية، والذي يعد على الرماة في السبق، انتهى.
[٧٦٣] م: ١١٦٠، د: ٢٤٥٣، جه: ١٧٠٩، حم: ١٤٥/٦، تحفة: ١٧٩٦٦.
(١) في نسخة: ((هو القاسم)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٦).

٩٥
أبْوَابُ الصَّوْم
٥٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ
٧٦٤ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى القَزَّازُ البَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ
سَعِيدٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ: كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ
ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ
أَظْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَإِنْ(١) جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلُ وَهُوَ
صَائِمُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ)).
٥٤ - باب ما جاء في فضل الصوم
قوله: (والصوم لي) إذ ليس مدحة للصائم ولا لذة ولا شبهة الرياء. (وأنا
أجزي) بنفسي ثواب صومه كما أخلص لي في هذه الطاعة بحيث لم يطلع عليه
الناس، وأثيبه جزاء عمله بنفسي بحيث لا يطلع عليه الملائكة، وأما ما قالوا من أنه
يجوز أن يكون مبنيًّا للمفعول فصحيح معنىً ودرايةً لا إسناداً ورواية.
قوله: (والصوم جنة من النار) فإنه لما تَحَمَّلَ حرارات الدنيا في صومه
جوزي بالنجاة من حرارات جهنم.
قوله: (ولخلوف فم) إلخ، سبق بيانه غیر بعید.
قوله: (فليقل: إني صائم) هذا القول إما يخاطب به نفسَه: إني صائم، ما
لي وللتنازع والتشاتم، بل الذي ينبغي لي هو الصبر على إيذائه، أو المخاطب به
هو الجاهل عليك، أي: فليقل: إني صائم فلا تتعدّ عليّ إكراماً للصوم، أو لأني لا
[٧٦٤] حم: ٤١٤/٢، تحفة: ١٣٠٩٧.
(١) في نسخة: ((فإن)).

٩٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَسَلَامَةً بْنِ
قَيْصَرٍ، وَبَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَةِ، وَاسْمُ بَشِيرٍ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالخَصَاصِيَةُ هِيَ أُمُّهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٧٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَاأَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ،
عَنْ أَبِي حَازٍِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِّ وَ ◌ِّ قَالَ: ((فِي الجَنَّةِ بَابُ(١)
يُدْعَى الرَّيَّانَ، يُدْعَى لَهُ الصَّائِمُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ دَخَلَهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ
لَمْ يَظْمَأُ أَبَدًا».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ.
٧٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ هِ: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ:
فَرْحَةُ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ)).
أتجاهل بك، وفي الحديث على الاحتمال الأول والثالث إشارة إلى أن من شأن
الصائم احتمال مثل هذه المكاره أيضاً فإنه نوع من الصبر، وعلى الثاني إشارة إلى
أن الناس لا ينبغي لهم المعاداةُ والتمادي على مثل هؤلاء والتفحشُ في الكلام بهم.
(قال: في الجنة باب يدعى الريان) في الحديث إشكال يأتي بيانه مفصلاً
إن شاء الله تعالى.
قوله: (وفرحة حين يلقى ربه) فيجازيه على صومه.
[٧٦٥] خ: ١٨٩٦، م: ١١٥٢، ن: ٢٢٣٦، جه: ١٦٤٠، حم: ٣٣٣/٥، تحفة: ٤٧٧١.
[٧٦٦] خ: ١٩٠٤، م: ١١٥١، ن: ٢٢١٤، جه: ١٦٣٨، حم: ٢٦٦/٢، تحفة: ١٢٧١٩.
(١) في نسخة: ((إن فِي الجَنَّةِ لَبَابًا)).

٩٧
أبْوَابُ الصَّوْم
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٥٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ
٧٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدٍ (١)، عَنْ أبِي قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا
رَسُولَ الله! كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ قَالَ: (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ))، أَوْ «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ
يُفْطِرْ)).
وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ، وَعِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ، وَأَبِي مُوسَى.
٥٥ - باب ما جاء في صوم الدهر
قوله: (لا صام ولا أفطر) سأل السائل عمن صام الدهرَ ولم يَسْتَثْنِ الأيامَ المحرمةَ،
أو سأل عمن صام غيرَ هذه الخمسة الأيام، وسبب النفي على الأول ظاهر؛ لأنه لم يدرك
بصيامه فضيلةً معتدًّا بها، وإن لم يَخْلُ صومُه عن أجرٍ؛ لأنه ارتكب فيه محرماً(١)، وعلى
الثاني النفيُ نفيُ الانتفاع أي: لم ينتفع بصيامه لاعتياده ولا بإفطاره لعدمه.
وقوله: (أو لم يصم ولم يفطر) شك من الراوي، وفي الثاني من التأكيد ما
ليس في الأول.
[١] أي: كراهة تحريم، وقد تقدم من أن المحرم قد يطلق على المكروه التحريمي لقربه منه.
[٧٦٧] تقدم تخريجه في ٧٤٩.
(١) زاد في نسخة: ((الزماني)).

٩٨
الكوكبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ صِيَامَ الدَّهْرِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يَكُونُ صِيَامُ
الذَّهْرِ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَ الفِظْرِ، وَيَوْمَ الأَصْحَى، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَمَنْ أَفْطَرَ هَذِهِ
الأَيَّامَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الكَرَاهِيَةِ، وَلَا يَكُونُ قَدْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ. هَكَذَا
رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَا: لَا يَجِبُ(١) أَنْ يُفْطِرَ أَيَّامًا
غَيْرَ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأَيَّامِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللهِوَ لهُ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ
الأَضْحَى، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
٥٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ
٧٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ◌َ لَّ قَالَتْ(٢): كَانَ يَصُومُ حَتَّى
نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَقْطَرَ، وَمَا صَامَ رَسُولُ اللهِلَّهِ شَهْرًا
كَامِلاً إِلَّا رَمَضَانَ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ، وَابْنِ عَبَّاسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
[٥٦ - باب ما جاء في سرد الصوم]
[٧٦٨] خ: ١٩٦٩، م: ١١٥٦، ن: ٢١٨٣، حم: ٦٢/٦، تحفة: ١٦٢٠٢.
(١) في نسخة: ((لا نحب)).
(٢) في نسخة: ((فقالت)).

٩٩
أبْوَابُ الصَّوْم
٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ
لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا، فَكُنْتَ(١)
لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًّا، وَلَا نَائِمًا إِلَّ رَأَيْتَهُ نَائِمًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٧٧٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِى
ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ:
((أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى)).
قوله: (فكنتَ لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيتَه مصلياً، ولا نائماً
إلا رأيتَه نائماً) هاهنا سؤال عن قيامه في الليل لم يذكره الراوي، والمراد من قولها ذلك
أنه كان في الليل يصلي بعضه وينام بعضه، فأيّ الحالين شئته أن ترى رأيته، وليس المعنى
رؤيته مصلياً ونائماً في زمان واحد، والمقصودُ نفيُّ النوم عنه كلَّ الليل والقيام كلَّ الليل.
والمقصود من الروايات المختلفة في باب الصوم التي أوردها هاهنا إثبات أنه
لا شيء من ذلك مكروهاً أو بدعة.
قوله: (أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم نوماً ويفطر يوماً) هذا
مما يشقّ على النفس الدوامُ عليه؛ لأنه لا يعتاد الصيامَ ولا يعطى له الطعام، فكان
الدوام على هذا لا يتيسر إلا ممن يسهل له مقابلة النفس التي هي أعدى عدوك،
فناسبه قوله: (ولا يَفِرُّ إذا لاقى) يعني أنه لم يكن شديداً في مقابلة نفسه فقط، بل
[٧٦٩] خ: ١١٤١، ن: ١٦٢٧، حم: ١٠٤/٣، تحفة: ٥٨٤.
[٧٧٠] خ: ١١٣١، م: ١١٥٩، ن: ٢٣٩٧، جه: ١٧٠٦، حم: ١٦٤/٢، تحفة: ٨٦٣٥.
(١) في أصولنا الخطية: ((وكنت)).

١٠٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَأَبُو العَبَّاسِ هُوَ الشَّاعِرُ (١) الَأُعْمَى وَاسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا، وَيُقَالُ:
هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ.
٥٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَومَ النَّحْرِ (٢)
٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ عَنْ صِيَامَيْنِ:
صِيَامِ يَوْمِ الأَضْحَى، وَيَوْمِ الفِطْرِ.
وَفِي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،
وَأَنَسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَيْهِ
عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَعَمْرُوبْنُ يَحْبَى هُوَابْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ الْمَازِنِيُّ
الْمَدِينِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسِ.
كان جريئاً شجاعاً في مقابلة الأعداء الأُخَرِ أيضاً.
[٧٧١] خ: ١١٩٧، م: ٨٢٧، د: ٢٤١٧، حم: ٩٦/٣، تحفة: ٤٤٠٤.
(١) زاد في نسخة: ((المكي)).
(٢) قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٥/٨): وقد أجمع العلماء على تحريم صوم
هذین الیومین بکل حال.