النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
أَبْوَابُ السَّفَر
ابْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َيِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله،
إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةِ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ
الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا،
وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ
عَبْدِكَ دَاوُدَ، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي جَدُّكَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
◌َّ سَجْدَةً، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا
فَقَرَأَ النَّبِىُّ
ـات
أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ(١) غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنٍ عَبَّاسِ، لاَ نَعْرِفُهُ
إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٥٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، نَا خَالِدُ الحَذَّاءُ،
عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهَ﴿ يَقُولُ فِي سُجُودِ القُرْآنِ
بِاللَّيْلِ: (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (يقول في سجود القرآن بالليل) تخصيص الليل ليس إلا لأنها لم
تسمعها إلا باللیل، ولیس هاهنا حکم النهار على خلافه.
[٥٨٠]د: ١٤١٤، ن: ١١٢٩، حم: ٣٠/٦، تحفة: ١٦٠٨٣.
(١) زاد في بعض النسخ: ((حسن)).

٤٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(١٨) بَابُ مَا ذُكِرَ(١) فِيمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ بِالنَّهَارِ
٥٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ(٢)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ(٣)،
أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، وَعُبَيْدَ اللهِ(٤)، أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِيِّ
قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ،
أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأْهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ الُهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأُنَّمَا
قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
١٨ - باب ما ذکر فیمن فاته حزبه(٥) من اللیل فقضاه بالنهار
المراد بذلك تفسير ما ورد في الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ
أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَشُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] يعني أن كلّ منهما خلف للآخر، فكان
العملُ في أحدهما ينوب عنه في الآخر، ولا يكون ذلك قضاءً لعدمه في النوافل، وإنما
المعنى بذلك حصول هذا الثواب، وتسميتُه قضاءً باعتبار تعيينه، وهذا فضل منه سبحانه
وتعالى ومنة على عباده، وإلا فالفضل الذي كان للعمل في وقته ليس له في غير ذلك
الوقت، لكنه لما كان يريد أن يؤديه في وقته الذي عينه يثاب على القدر الذي كان يثاب
[٥٨١] م: ٧٤٧، د: ١٣١٣، ن: ١٧٩٠، جه: ١٣٤٣، حم: ٣٢/١، تحفة: ١٠٥٩٢.
(١) في نسخة: ((باب ما جاء)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((ابن يزيد)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((الزهري)).
(٤) زاد في نسخة: ((ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود)).
(٥) الحزب: النوبة في ورود الماء، وهو هاهنا ما يجعله على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد.
(بذل المجهود)) (٥/ ٥٥٥).

٤٨٣
أبْوَابُ السَّفَر
وَأَبُو صَفْوَانَ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ الْمَكَّيُّ، وَرَوَى عَنْهُ الحُمَيْدِيُّ
وَكِبَارُ النَّاسِ.
(١٩) بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ
٥٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ أَبُو
في سائر الأيام. والتقييد في الحديث بأحد الشقين في قوله: ((من فاته حزبُه من الليل
فقضاه بالنهار)) دون أن يذكر الثاني أيضاً، وهو من فاته حزبه من النهار فقضاه بالليل،
ليس لمغايرة بين حكميهما، بل لما أن أكثر أوراد أكثر الأصحاب كانت معينة في الليل،
والحكم في أوراد النهار يعلم بالمقايسة، وصرح بذكر ما هم إليه يحتاجون في الأكثر.
١٩ - باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام[١]
جوزي هذا الرجل بتبديل رأسه[٢] رأسَ حمارٍ لما له من المناسبة بالحمار
[١] أي: من الركوع والسجود، وقال الحافظ(١): ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل
الإمام(٢)، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله یأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر:
تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وكذا أهل الظاهر، بناء على أن النهي يقتضي الفساد، انتهى.
قلت: هذا في الأركان التي في أثناء الصلاة، وأما التقدم على الإمام في التحريمة والسلام
فمختلف عند الأنام جدًّا، بسطت في ((الأوجز))(٣).
[٢] وقال الشيخ في ((البذل))(٤): وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، انتهى.
[٥٨٢] خ: ٦٩١، م: ٤٢٧، د: ٦٢٣، ن: ٨٢٨، جه: ٩٦١، حم: ٢٦٠/٢، تحفة: ١٤٣٦٢.
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ١٨٣).
(٢) رفع الرأس قبل الإمام مكروه تحريمًا عندنا، وكذلك عند بقية الأئمة. ((معارف السنن)) (٩٢/٥).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٢٦٢/٢-٢٦٥).
(٤) ((بذل المجهود)) (٥٥٤/٣).

٤٨٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
الْحَارِثِ البَصْرِيُّ ثِقَةٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُّ ◌َّهِ:(أَمَا يَخْشَى الَّذِي
يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟!».
قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادُ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ: إِنَّمَا قَالَ: ((أَمَا يَخْشَى)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هُوَ بَصْرِيُّ ثِقَّةٌ، يُكْنَى أَبَا الحَارِثِ.
في فعله هذا، فإنه فعل فعل المتبوع مع كونه ليس بالمتبوع بل من الأتباع، ولما له
من الحمق في سوء صنيعته تلك، أوَ ليس يدري أن تعجيله ذلك ليس يفيده شيئاً ولا
يمكنه الفراغ عن الصلاة إلا وقت فراغ الإمام، فكان جهده ذلك لغواً وعبثاً.
وما يتوهم من أنه ينافي [١] إخباره ◌َ له ودعاءه في هذه الأمة بعدم المسخ فساقط،
إذ العدم إنما هو تعلق المسخ بجماعة كما كان يوجد في بني إسرائيل لا مسخ واحد أو
[١] هذا إذا حمل المسخ على ظاهره، وإلا فإنهم اختلفوا في معنى الوعيد المذكور فقيل: يرجع
ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب
عليه، وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية
أو هما معاً، وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، والدليل على جواز
وقوع المسخ في هذه الأمة ما ورد في حديث أبي مالك الأشعري فإن فيه: ((ويمسخ آخرين
قردة وخنازير)) إلى آخر ما أفاده الشيخ في ((البذل))(١)، قلت: الأوجه أن هذا جزاء الفعل أعمّ
من أن يعاقبه الله في الدنيا أو الآخرة، أو عفا عنه بفضله (٢).
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٥٥٤/٣).
(٢) قال العيني (٢٢٤/٥): وسمعنا من الثقات أن جماعة من الشيعة الذين يسبون الصحابة قد
تحولت صورتهم إلى صورة حمار وخنزير عند موتهم، وكذلك جرى على من عق والديه، =

٤٨٥
أبْوَابُ السَّفَر
(٢٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُ النَّاسَ بَعْدَ ذَلِكَ (١)
٥٨٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَاڕٍ، عَنْ جَابِرِ
ابْنِ عَبْدِ الله: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِوَ لَّهِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ
يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
اثنين أيضاً، فلما كان المسخ ممكناً في حق كل فرد من المصلين وجب الخشية حقًّا.
٢٠ - باب ما جاء في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك
إطلاق المغرب [١] على العشاء في هذا الباب مجاز، واستدل.
[١] يعني أن الحديث المذكور في هذا الباب بلفظ المغرب، فإن القصة في الروايات الشهيرة
وقعت لصلاة العشاء، وأشار الشيخ في ((البذل))(٢) إلى أن لفظ المغرب وهم، وقال ابن
رسلان: لعل منشأ الوهم إطلاق الأعراب العشاء على المغرب كما ورد: ((لا يغلبنكم الأعراب
على اسم صلاتكم المغرب فإنهم يقولون العشاء))(٣)، انتهى. قلت: ومال الحافظ في =
[٥٨٣] خ: ٧٠٠، م: ٤٦٥، د: ٦٠٠، ن: ٨٣٥، جه: ٩٨٦، حم: ٣٠٨/٣، تحفة: ٢٥١٧.
= وخاطبهما باسم الحمار أو الخنزير أو الكلب، انتهى. قال القاري (٨٧٩/٣): وقال ابن
حجر: يحتمل أن يكون على حقيقته، ويؤيده ما حكي عن بعض المحدثين أنه رحل إلى
دمشق لأخذ الحديث عن شيخ مشهور بها، فقرأ عليه جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه
حجابًا ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمته له رأى حرصه على الحديث كشف له الستر،
فرأى وجهه وجه حمار، فقال له: احذر يا بني أن تسبق الإمام، فإني لما مربي في الحديث
استبعدت وقوعه فسبقت الإمام فصار وجھی کما تری، انتھی.
(١) في (م): ((بعد ما صلى))، وفي هامشه: ((بعد ما صلى فريضته)).
(٢) ((بذل المجهود)) (٤٨٤/٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٣).

٤٨٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا
أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَقَدْ كَانَ صَلّاهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ مَنِ اثْتَمَّ بِهِ
القائلون [١] بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل بحديث معاذ هذا، فأجاب عنه
بعض علمائنا[٢] بأن ذلك كان في زمان تصلَّى الفريضة مرتين، ثم لما نُسِخ هذا نُسِخ
ذلك، وأجابوا أيضاً بأن آخر الحديث يدلّ على أن النبي ◌َلّ لم يقرره على ذلك، ولا
يكون فعل الصحابة رضي الله عنهم حجة إلا إذا ثبت أنه يَّ قررهم عليه ولم ينههم
عنه، وهاهنا قد ثبت أنه عليه السلام أمر معاذاً بترك ذلك بقوله: ((أفتان أنت يا معاذ))؟
ثم قال: ((إما أن تصلي معي)) أي: فلا تصلُّ بالقوم، ((وإما أن تخفف عن قومك)) (١)
أي: إن لم تصلُّ معي وصليتَ بهم فعليك بالتخفيف.
لكنه يرد على ذلك أن النبي ◌ّ لما لم يأمرهم أن يعيدوا صلواتهم عُلِم أن أمره
إياه بذلك إنما كان للتخفيف عليهم، أو الترديد على سبيل منع الخلو أي: لا تترك
= ((التخليص))(٢) إلى التعدد، وحكاه عن ابن حبان.
[١] وهم الشافعية خلافاً للحنفية قولاً واحداً، والمالكية في المشهور، والحنابلة في الرواية
المختارة لأكثر أصحابهم، كذا في ((الأوجز))(٣).
[٢] منهم الطحاوي كما ذكره في ((شرح معاني الآثار)) (٤)، وما أورد عليه وجوابه مبسوط في
((البذل)»(٥).
(١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ /٤٠٩).
(٢) ((التخليص الحبير)) (١٥٩/٢، رقم (٥٩٢).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٥٥/٣).
(٤) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٤٠٩-٤١٠).
(٥) ((بذل المجهود)) (٤٨٦/٣ -٤٩٢).

٤٨٧
أبْوَابُ السَّفَر
هذين الأمرين: الصلاة معي والتخفيف على قومك، ولا يضرّك جمعُهما بأن تصلي
معي ثم تؤمّ قومَك وتخفّف عليهم، والجواب أن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوجود.
ومنشأ الخلاف بيننا وبين الشافعي أنه يقول: صلاة الجماعة صلاة على سبيل
الاجتماع، وليس يبني المأموم على صلاة الإمام صلاته، ومعنى قوله: ((الإمام ضامن))(١)
ليس إلا أنه ضمن لهم قراءة ما دون الفاتحة، وعندنا ليس الأداء على سبيل الجماع فقط،
بل المؤتم يبني صلاته على صلاة الإمام، ومعنى قوله مّثية: (الإمام ضامن)) أن الإمام
تضمنت صلاته صلاة المأموم، فلا تكون أقل حالاً من صلاته ولا غيرها[١]، فلا يجوز
اقتداء المفترض بالمتنفل ولا بمفترض آخر، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاته؛
لما أنها كانت مبنية على صلاته، والشافعي يخالفنا في جميع ذلك.
ويبتني على ذلك الأصل المختلف فيه بيننا وبينه ما قال من جواز اقتداء
الرجال بالصبي، واستدل[٢] على ذلك بحديث عمرو بن سلمة قال: ((أممتُ على عهد
رسول الله ◌َله وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين))، وهذا لأن صلاة الصبي لا تكون إلا
[١] عطف على قوله: أقل، أي: لا تكون صلاة الإمام أقل حالًا من صلاة المأموم، ولا تكون
صلاته غير صلاته كمفترض الظهر خلف المتنفل أو خلف مفترض العصر مثلاً.
[٢] أي: استدل الإمام الشافعي على أصله بحديث عمرو بن سلمة، قلت: واستدل الحنفية على
أصلهم غير ما تقدم بقوله مخ لة: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الحديث، قال ابن عبد البر في
(الاستذكار))(٢): زاد معن في ((الموطأ)) عن مالك: ((فلا تختلفوا عليه»، ففيه حجة لقول =
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢/ ٢٨٤، ح: ٧٨٠٥).
(٢) ((الاستذكار)) (٣٨٥/٥).

٤٨٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
جَائِزَةٌ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
نافلة، والحديث مع ما ضعّفه الكبار[١] مثل الحسن وأحمد ففيه ما قال عمرو الراوي:
((وكنت إذا سجدتُ خرجت استي))، وهذا غير جائز اتفاقاً بيننا وبينه، ولكنه يرد عليه
أن هذا جائز على أصله الذي مَهَّده بأن فساد صلاة الإمام لا يؤثر(٢) في صلاة المقتدين،
فيجوز أن تكون صلاتهم جائزة وصلاته فاسدة، ولصباه لم يؤمر بالإعادة.
قوله: (واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح)
أما صحة الحديث فغير مفيدة مع أنها لا ننكرها، وأما الاحتجاج به فدونه خرط
= مالك والثوري وأبي حنيفة وأكثر التابعين أن من خالفت نيته نية إمامه بطلت صلاة المأموم،
إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال، وفي ((التمهيد)) (١): روى
الزيادة ابن وهب ويحيى بن مالك وأبو علي وجماعة، قال الأبي في ((شرح مسلم)(٢): ففيه
حجة لمالك والجمهور في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام سيما مع زيادة قوله: (فلا
تختلفوا علیه»، كذا في ((الأوجز))(٣).
[١] قال الخطابي (٤): كان الحسن يضعِّف حديث عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء
بين، قال أبو داود: وقيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا، كذا في ((البذل))(٥).
[٢] قلت: هذا ليس بمطرد في مذهب الشافعية فكم من مسائل صرحوا فيها فساد صلاة المأموم
بفساد صلاة الإمام، قال الشافعي: لو أن إماماً صلى ركعة، ثم ذكر أنه جنب فخرج واغتسل،
وانتظره القوم وبنى على الركعة الأولى، فسدت عليه وعليهم صلاتهم، لأنهم يأتمون به =
(١) ((التمهيد)) (٣٦٧/٢٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٦٨/٣).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٥٤/٣-٥٥).
(٤) ((معالم السنن)) (٢٢٤/١).
(٥) «بذل المجهود)» (٤٥٨/٣).

٤٨٩
أَبْوَابُ السَّفَر
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عَنْ جَابٍ، وَرُوِي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ
رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالقَوْمُ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ،
فَائْتَمَّ بِهِ(١)، قَالَ: صَلَاتُهُ جَائِزَةُ.
القتاد،[١] فأي دليل لهؤلاء على أن الصلاة التي كانت بالنبي بس لو كانت بنية
الفريضة، والتي كانت في مسجده كانت نافلة، بل الأمر كان بالعكس، وأما التي
ورد فيها من زيادة ((وهي له نافلة))، فلم يثبت (٢) عن الثقات، إنما زاده بعض الرواة
ظنًّا منه ذلك، ولا يتوقف على مراد معاذ رضي الله تعالى عنه من غير أن يبين
بلسانه ولم يثبت.
قوله: (وروي عن أبي الدرداء) إن كان المراد بذلك أن مطلق صلاته جائزة
= عالمين أن صلاته فاسدة، كذا في ((الأوجز)) (١)، وصرح أصحاب الفروع الشافعية أنه لا
يصح الاقتداء بمن يعتقد بطلان صلاته، ففي هذه القصة لما رأوا فساد صلاة إمامهم الصبي
لكشف العورة کیف صح اقتداؤهم؟.
[١] قال المجد(٣) خَرَطَ الشجرَ: انتزع الورقَ منه اجتذاباً، والعُودَ: قَشَرَه، والقتاد: شجر صلب له
شوك كالإبر، انتهى. ويراد بهذا الكلام الأمر الذي يحول إلى الوصول إليه موانع كثيرة صعبة.
[٢] بل تكلموا فيها فزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعّف هذه الزيادة وقال: أخشى
أن لا تكون محفوظة؛ لأن ابن جريج يزيد فيها كلاماً لا يقوله أحد، وقال ابن الجوزي: هذه
الزيادة لا تصح، ولو صحت لكانت ظنًّا من جابر، وبنحوه ذكر ابن العربي في ((العارضة))
هكذا في ((البذل)) (٤).
(١) ((أوجز المسالك)) (٥٢٦/١).
(٢) في نسخة: ((بهم)).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٢، ٢٩٢).
(٤) ((بذل المجهود)) (٤٨٩/٣)، وانظر: ((عارضة الأحوذي)) (٦٥٣/٣).

٤٩٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِذَا انْتَمَّ قَوْمُ بِإِمَامٍ وَهُوَ يُصَلِّ العَصْرَ وَهُمْ
يَحْسِبُونَ أَنَّهَا الُهْرُ فَصَلَّى بِهِمْ، وَاقْتَدَوْا بِهِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةُ إِذَا
اخْتَلَفَ نِيَّةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
(٢١) بَابُ مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ
٥٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبُ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ
لا الفريضة، وفي الفاسدة يراد فساد الفريضة لا مطلق الفساد، لا يحتاج إلى جواب
إذ هو عين مذهبنا، وإن كان مراده أن صلاته تلك كافية عن فرضه، فقول الصحابي
في مقابلة الحديث[١] غير واجب العمل، ولقائل أن يقول في الجواب عما ذكر:
وجب حملُ الحديث على معنى (٢) لا ينافي قول الصحابي إذا كان يمكن ذلك كما
فعله الشافعي هاهنا.
٢١ - باب ما ذكر من الرخصة في السجود على الثوب في الحر والبرد
[١] وهو الذي ذكره الشيخ سابقاً من قوله مثل: ((الإمام ضامن))، كما ذكر في تقرير مولانا الحاج
رضي الحسن المرحوم، قلت: ويخالف الحديث الآخر أيضاً، وهو قوله: ((إنما جعل الإمام
لیؤتم به))(١).
[٢] قلت: لكن لم ترتفع المنافاة لا سيما من حديث ((لا تختلفوا عليه)).
[٥٨٤] خ: ٥٤٢، م: ٦٢٠، د: ٦٦٠، ن: ١١١٦، جه: ١٠٣٣، حم: ١٠٠/٣، تحفة: ٢٥٠.
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٤١٤).

٤٩١
أَبْوَابُ السَّفَر
ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ وَ لَهُ بِالَّهَائِرِ (١) سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا
اتّقَاءَ الحَرِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَبَّاسِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ وَكِيعُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
(٢٢) بَابُ مَا ذُكِرَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ (٢) مِنَ الجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ
بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
قوله: (سجدنا على ثيابنا) أي: التي كنا لابسيها، إذ جواز السجدة على غيرها
كان[٣] معلوماً.
(اتقاء الحر) يمكن أن يكون في غير موضع مسقف، ولا يبعد بلوغ الحر
إلى ذلك الحد في مسجده ◌َّة، إذا لم يك سقفه إذ ذاك حاجزاً وحصيناً يمنع وصول
أثر الشمس إلى الأرض، وكان قريباً، وأما السجود على كور العمامة فإن كان مانعاً
وصولَ الجبهة على الأرض فغير جائز، وإلا فحكمه حكم غيره من الثياب الملبوسة.
٢٢ - باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد
بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
[٣] وأما جواز السجدة على الثوب المتصل فمختلف فيه، أباحه الحنفية والجمهور خلافاً
للشافعي، كما حكاه الحافظ(٣) عن النووي.
(١) جمع ظهيرة، كشعائر جمع شعيرة، وهي الهاجرة. ((قوت المغتذي)) (١/ ٢٨٠).
(٢) في بعض النسخ: ((باب ذكر ما يستحب)).
(٣) ((فتح الباري)) (١/ ٤٩٣).

٤٩٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٥٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ(١)، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَهَ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ قَعَدَ فِي مُصَلّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ البَصْرِيُّ،نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
مُسْلِمٍ، نَا أَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ له: «مَنْ صَلَّى الفَجْرَ(٣)
فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ فَعَدَ يَذْكُرُ اللهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ
ـو
كَأُجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»،
في وضع الباب إشارة إلى دفع ما يتوهم من عدم جواز الجلوس فيه نظراً إلى
أمر النبي ◌َّه بالتطوع في البيت، وما يتوهم من عدم الأجر في القعود في المسجد
بعد صلاة الصبح؛ لأن الأجر موقوف على كون الجلوس بانتظار الصلاة ولا صلاة
بعد الصبح ينتظرها، بأن الأجر في الجلوس بعد الصبح مأمول، وانتظار الصلاة عام
للفريضة والنافلة، وأداء النافلة في المسجد مشروع.
قوله: (كانت له كأجر حجة وعمرة) الواو إما لأصل معناه، وهو الجمع،
فيكون وعداً بإيتاء ثواب هذين لكل جالس، أو بمعنى ((أو))، فيكون تفاوت الأجر
بتفاوت حال الأجير في إخلاص نيته وصفاء طويته، والمناسبة بين هذين والجلوس
في المسجد غير خفية، فإن الحاج المعتمر حابسُ نفسَه في ضيافة الله وبيته الشريف
[٥٨٥]م: ٦٧٠، د: ١٢٩٤، تم: ٢٤٧، ن: ١٣٥٧، حم: ٨٦/٥، تحفة: ٢١٦٨.
[٥٨٦] شرح السنة: ٧١٠، تحفة: ١٦٤٤.
(١) زاد في بعض النسخ: ((ابن حرب)).
(٢) في بعض النسخ: ((أنس بن مالك)).
(٣) في نسخة: ((الغداة).

٤٩٣
أبْوَابَ السَّفَر
كما أن الحابس في مسجده حابس نفسه في بيته فیضاف ضيافته.
وهاهنا نكتة لطيفة ينحل بها كثير من المشكلات الواردة في الأحاديث، وهو
أن لكل عمل من أعمال الخير ثواباً عند الله وأجراً عَيَّنَه لذلك العمل، ولنفرض لذلك
مثالاً في عرفنا، وهو أن ثواب الحج نفسه مثلاً الذي عيّنه للحج ألف قنطار من الثواب،
ثم إن لكل عمل فضلاً وإنعاماً عند الله عيّنه منةً منه على العباد وإحساناً، وهو للحج
مثلاً ألف ألف قنطار مثلاً، إذ ليس تضعيف الحسنات عند الله واقفاً عند حدٍّ، فقد ورد
في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها، وقد ورد: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْنَةُ حَّةٌ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]
وهكذا في غير الصدقة من الأعمال، فعلى هذا كان مقدار الإنعام على كل حسنة كثيراً
من كثير، ولقد تبين بذلك أن ثواب العمل [١] نفسه -وهو الأجر الحاصل بذلك العمل -
أكثر بكثير من ثواب نفس العمل، وهو ماعين له علاوة من الإنعام، فبناء على هذا ثواب
نفس الحج من غير أن ينعم عليه يساويها ثواب الركعتين عند الطلوع، وأما إذا حج
فثوابه (٢) أزيد بكثير من ذلك، وبذلك يستنبط المراد من قوله: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإخلاص: ١] يساوي ثلث القرآن))(١)، و((قراءة يس يساوي قراءة القرآن عشر مرات))(٢)
إلى غير ذلك، فإن هذا كله يساوي ثواب القرآن الذي كان أجر نفس القرآن، وأما إذا قرأ
القرآن نفسه فثوابه يشمل كل ذلك ويفضل عليه كثيراً، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[١] وهو الذي يسميه المشايخ في تقاريرهم بالأجر الإنعامي.
[٢] أي: ثواب نفس الحج، وأما ملحقاته من النفقة والمشي والنظر إلى بيت الله والصلوات في
المسجد الحرام وغير ذلك مما لا تعد، فلا تحصى أجورُها.
(١) أخرجه مسلم (٨١٢) والترمذي (٢٨٩٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٨٧).

٤٩٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: ((تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ(١).
وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي ظِلَالٍ؟ فَقَالَ: هُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ،
قَالَ مُحَمَّدُ: وَاسْمُهُ هِلَالُ.
(٢٣) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الإِلِتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
٥٨٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا الفَضْلُ بْنُ
قوله: (تامة تامة تامة) لما كان هذا الثواب الكثير يستبعد على هذا العمل
القليل، كان لمتوهم أن يتوهم أن هذه الحجة والعمرة لعلهما ناقصتان، وليستا
باللتين ورد في فضلهما ما ورد، دفع هذا بقوله: ((تامة تامة تامة)).
قوله: (وسألت محمداً) إلخ، هذا أيضاً بناء على الاستبعاد، فلعل الرواة نسوا
في ذلك شيئاً فدفعه، فلذلك أقرّ المؤلف أولاً بحسنه.
٢٣ - باب ما ذُكِر في الالتفات في الصلاة
الالتفات [١] على ثلاثة أقسام: أن يكون بمؤخر العين، أو بلفت[٢] الوجه، أو
[١] ففي ((الدر المختار))(٢): يكره الالتفات بوجهه كله أو بعضه للنهي، وببصره يكره تنزيهاً،
وبصدره تفسد، انتھی.
[٢] قال المجد(٣): لفته يلفته: لواه، انتهى.
[٥٨٧] ن: ١٢٠١، حم: ١ / ٢٧٥، تحفة: ٦٠١٤.
(١) في بعض النسخ: ((حسن صحيح غريب)).
(٢) ((رد المحتار)) (٤٠٩/٢ -٤١٠).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٠).

٤٩٥
أَبْوَابُ السَّفَر
مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِبْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ كَانَ يَلْحَظُ (١) فِ الصَّلاَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا،
الصدر، ولما (١) قال النبي مَثّ: ((يا بني إياك والالتفات في الصلاة))، وقال أيضاً حين
سئل عنه: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل))، وكان الاختلاس على
أقسام: اختلاس الشيء نفسه، فلا يبقى عندك منه شيء، والاختلاس بحيث لا يذهب
منه شيء، والاختلاس بحيث يبقى أكثره، وكان المراد في أكثر الأمر عن الشيء إذا
أطلق الفرد الكامل منه، فكان يظن بمفهوم هذين الحديثين فساد الصلاة بالالتفات، إذ
الكامل من الاختلاس هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها، ويظن أيضاً
حرمة الالتفات في الصلاة نظراً إلى قوله: ((يا بني إياك والالتفات في الصلاة)) دفع هذا
كلَّه بالالتفات في الصلاة فثبت بفعله ذلك أن المراد بالاختلاس ليس هو القسم الأول
منه، وأن الالتفات في الصلاة ليس إلا منافياً لخشوعه وخضوعه، وهذا إذا لم يكن معه
تحويل للصدر عن القبلة، ولا يبعد أن يقال: حكم الاختلاس على الالتفات مشعر
بزيادته ونقصه، فإن كان الالتفات بالغاً نهايته كان الاختلاس كذلك، فَعُلم بذلك فسادُ
الصلاة بتحويل الصدر عن القبلة، وإن لم يبلغ الالتفات نهايته بأن اكتفى بلفت الوجه
لم تبلغ الخلسة غايتها وينتفي الحضور.
ثم للحضور وعدمه مراتب كما للالتفات وعدمه، ومع ذلك فقد ثبت منه وَلا
بعضُ أقسامه، فكان تصريحا٢ً] بما عُلِم من تلك الجزئيات بهذه الكلية، والذي
[١] حرف شرط جزاؤه قوله: فكان يظن.
[٢] هكذا في الأصل، والظاهر أن اسمه ضمیر یرجع إلى ما ثبت عنه بقێ، فکان ما ثبت تصریحًا
بهذه الكلية لما علم من هذه الجزئيات.
(١) في نسخة: ((يلحظني))، بفتح الحاء المهملة وبالظاء المعجمة: وهو النظر بطرف العين الذي
يلي الصَّدغ. ((قوت المغتذي)) (١ / ٢٨١).

٤٩٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ.
وَقَدْ خَالَفَ وَكِيعُ الفَضْلَ بْنَ مُوسَى فِي رِوَايَتِهِ.
لم يثبت منه مِّ من أنواع الالتفات يرجع فيه إلى قواعد أخر أيضاً، حتى يعلم أن
المرتب على هذا النوع من الالتفات أيّ نوع من الاختلاس، فرأينا أن من لوى عنقه
بحيث لم يتحول صدرُه عن القبلة، فإن التفاته وإن كان غير قليل لكنه لما لم يفوِّتْ
فرضَ الاستقبال لا تفسد صلاته.
وقوله: (لا يلوي عنقه خلف ظهره) هذا اللي لا يمكن إلا إذا تحول الصدر
عن القبلة، وأما مطلق اللي فممكن بدون التحويلة كمن ينظر إلى يمينه ويساره، وأما
كماله وهو المعبر عنه بالليّ خلف الظهر فلا، ولما لم يثبت هذا القسم منه مَثّا بل
نفاه الراوي كان مفسداً للصلاة، وكان القسمان الأولان من الالتفات غير مفسدين
لها، ويمكن أن يقال: إن الراوي لما نفى عنه اللي كان تحويل الصدر أنفى منه، غير
أن الفساد لعدم الاستقبال إذن.
قوله: (وقد خالف وكيع الفضل) الراوية المتقدمة كانت للفضل والآتية
لوكيع، والمخالفة بينهما بوجهين، [١] قال الفضل: عن ثور بن زيد، وقال وكيع: عن
بعض أصحاب عكرمة، وذكر الفضلُ ابنَ عباس ولم يذكره وكيع.
[١] حاصلهما أن الحديث اختلف في وصله وإرساله، وحكى الحافظ في ((الدراية))(١) عن =
(١) ((الدراية)) (١/ ١٨٢).

٤٩٧
أبْوَابُ السَّفَر
٥٨٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابٍ ◌ِكْرِمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لِ كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ،
فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ، وَعَائِشَةَ.
٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمِ البَصْرِيُّ أبو حَاتِمِ، نَامُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله
الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَنَسِ
قَالَ (١): قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالإِلتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ
الإِلِتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الفَرِيضَةِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ(٢).
قوله: (فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة) وسّع في النوافل ما لم
الترمذي ترجيح الإرسال، فتأمل(٣).
=
[٥٨٨] حم: ١/ ٢٧٥، تحفة: ٦٠١٤.
[٥٨٩] طس: ٥٩٩١،ع: ٣٦٢٤، تحفة: ٨٦٥.
(١) في نسخة: ((قال: قال أنس بن مالك)).
(٢) زاد في نسخة: ((صحيح))، وفي بعضها: ((حسن غريب)).
(٣) قال الترمذي في ((العلل الكبير)): ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد
مسندًا مثل ما رواه الفضل بن موسى، انتهى. ورواه أيضا الدار قطني في ((سننه))، وقال: تفرد
به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد به متصلاً، وغيره يرسله، وقال ابن القطان في
((كتابه)): هذا حديث صحيح، وإن كان غريبًا، لا يعرف إلا من هذه الطريق، فإن عبد الله بن
سعید وثور بن زيد ثقتان، وعكرمة احتج به البخاري، فالحدیث صحیح، والله أعلم. كذا
في ((نصب الراية)) (٨٩/٢-٩٠). وانظر: ((معارف السنن)) (١١٩/٥).

٤٩٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٥٩٠ - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الله، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي
الشَّعْتَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ لَ لَّهِ عَنِ
الإِلِتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسُ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ(١).
(٢٤) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ سَاجِداً (٢) كَيْفَ يَصْنَعُ؟
٥٩١ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الكُوفِيُّ، نَا الْمُحَارِيُّ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ
أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ(٣)، عَنْ عَلِيٍّ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنٍ
يوسع في الفرائض، إذ التضييق في النوافل محرجة، إذ لا وقت لها بخلاف الفرائض.
٢٤ - باب ما ذكر في الرجل يدرك الإمام ساجداً(٤) كيف يصنع؟
قوله: (حدثنا هشام بن يونس الكوفي، نا المحاربي، عن الحجاج بن
أرطاة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة) وهاهنا[١] تحويل لم يذكره: حدثنا هشام بن
[١] حاصل ما أشار إليه الشيخ: أن السند من المصنف إلى المحاربي مشترك، وبعده إلى الصحابيين =
[٥٩٠] خ: ٧٥١، د: ٩١٠، ن: ١١٩٦، حم: ١٠٦/٦، تحفة: ١٧٦١.
[٥٩١] شرح السنة: ٣٨١/٣، تحفة: ١٠٣٠٦، ٠١١٣٤٥
(١) هذا الحديث لم يذكره في ((الأطراف)) عن الترمذي، وإنما عزاه إلى البخاري وأبي داود
والنسائي. وقال في ((معارف السنن)) (١٢١/٥): والحديث أخرجه البخاري في ((صحيحه))
من طريق مسدد عن أبي الأحوص، فهو صحيح ألبتة، وصالح بن عبد الله شيخ الترمذي ثقة
أيضاً، فهو على سنده أيضاً صحيح، والله أعلم. وأخرجه النسائي وأبو داود في سننيهما، انتهى.
(٢) في نسخة: ((وهو ساجد)).
(٣) في بعض النسخ: ((هبيرة بن یریم)).
(٤) مدرك الركوع مع الإمام مدرك عند جمهور الأمة. ((معارف السنن)) (١٢١/٥).

٤٩٩
أَبْوَابُ السَّفَر
أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله(١) ◌َ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ
الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ)».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّ مَا رُوِيَ
مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ سَاجِدُ
فَلْيَسْجُدْ وَلَا تُجْزِتُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الإِمَامِ، وَاخْتَارَ عَبْدُ الله
ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الإِمَامِ. وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ
مِنْ(٢) تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ.
يونس الكوفي، نا المحاربي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى إلى آخر ما قال.
قوله: (فليصنع كما يصنع الإمام) هذا يعم قبل(١) الافتتاح وبعده، يعني ليس
له أن ينتظر قيام الإمام قبل الافتتاح ولا بعده، بل يكبر كما جاء ويشرع مع الإمام في
الذي يصنعه، لأن في قيامه هناك منتظراً له مخالفة المسلمين وتأخير العبادة، ولذلك
قال بعضهم: لعله لا یرفع رأسه حتى يغفر له، ووجه ما ورد من عدم الاعتداد بما
دون الركوع أن أركان الصلاة هي القيام والقراءة وهما كالواحد في أن إدراكهما معاً
وفوتهما معاً، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، والركوع والسجود، وإذا فاته اثنان من
= مختلف، فالمحاربي يأخذ عن الحجاج وعمرو بن مرة، هكذا مؤدّى ما أفاده الشيخ، لكن
الحافظ ذكر في الآخذين عن عمرو بن مرة أبا إسحاق السبيعي دون المحاربي، فليفتش.
[١] أي: افتتاح المؤتم الصلاةَ، يعني لا ينتظر قيام الإمام لافتتاحه الصلاةَ ولا بعد الافتتاح.
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) في نسخة: ((في)) بدل ((من)).

٥٠٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(٢٥) بَابُ كَرَاهِيَةٍ أنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
٥٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مَعْمَرُ، عَنْ
يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي فَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
((إِذَا أَقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ)).
وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ، وَحَدِيثُ أَنَسِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةً حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَنْتَظِرَ
هذه الثلاثة لم يدرك الأكثر فلم يعتدّ، وأما إذا عدّت السجدتان رکنین، فلأن الأكثر
حينئذ أيضاً غير مدرك، لأنه لم يدرك من الأربعة إلا الاثنين، ويمكن جعلُه جواباً
عمن قال: إن السجدتين لما لم يعتد بهما إلا وأن تكونا مع الركوع، فماذا يجدي
الاشتراك مع الإمام فيهما فدفعه بقوله: ((فلیصنع)).
٢٥ - باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام عند افتتاح الصلاة
لما أن ذلك يثقل على الإمام لما فيه من تقاضي [١] خروجه حسب ما يفهم من
ظاهر صورة القيام، ويكون عند قيامهم منتظرين له تأخيرُ الإمام في الخروج ثقيلاً
عليهم، ولأن قيامهم هذا يخلّ بقيامهم في الصلاة لكونهم قد حسروا قبله.
[١] أي: المطالبة، فقد بوّب البخاري في (صحيحه): حسن التقاضي، وفسره العيني (١) بحسن المطالبة.
[٥٩٢] خ: ٦٣٧، م: ٦٠٤، د: ٥٣٩، ن: ٦٨٧، حم: ٢٩٦/٥، تحفة: ١٢١٠٦.
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٨/٩).