النص المفهرس

صفحات 101-120

أبْوَابُ الصَّلاَة
١٠١
سَلَّم من صلاته: ((إنما جُعِلَ الإمام ليؤتَمَّ به)) إلخ، وقال: ((وإذا قرأ فأنصتوا، وقد
تكلم البخاري[١] في زيادة تلك الكلمة وقال: تفرد بها سليمان التيمي ولم يَرْوها
عن أبي هريرة غيرُه مع كثرة من روى عنه هذه الروايةَ، قلنا: لا يضر [٢] تفرُّدُه فيها
بعد كونه ثقة، وقد وثَّقه مسلم(٣)، فكان ذلك نهياً عما رخصه من قَبْلُ، وفي ذلك
رسالة[٤] للأستاذ العَلّام، قدوةِ العلماء الأعلام -أدام الله عُلُّوَّه ومجدَه، وأفاض
على العالمين بِرَّه وَرِفْدَه- فلذلك تركنا التطويل في بيان هذا التقرير؛ معتمداً على
اشتهار ذلك التحرير.
[١] وبسط الشيخ في ((البذل)) (١) على تصحيح هذه الروايات، وذكر لسليمان التيمي عدة
متابعات، ولا يُلْتَفَتُ إلى كلام الإمام البخاري بعد ما صححه شيخه الإمام أحمد بن حنبل
وغيره.
[٢] أي: على تسليمه، وإلا فقد ثبت أنه ليس بمتفرد، كما بُسِطَ في ((البذل))، مع أن سليمان
التيمي وثّقه جماعة من أئمة الحديث، وهو من رواة الستة، ووثقه ابن معين والنسائي
والعجلي وابن سعد وابن حبان، وقال الثوري: حفاظ البصرة ثلاثة، وذكره منهم، وكذا
ذكره فيهم ابنُ علیة.
[٣] فقال في جواب من تكلم في الحديث: أتريد أحفظَ من سليمان التيمي(٢)؟! قاله النيموي.
[٤] في اللسان الهندية سميت بـ((هداية المعتدي في قراءة المقتدي))، فأجاد الشيخ رحمه الله
البحثَ فيه بالإيجاز، لابد لطالب الحديث من النظر إليه.
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٥٠٩/٣).
(٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (٤٠٤).

١٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَ الَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ
خِدَاجُ (١) ،َغَيْرُ تَمَامٍ))، فَقَالَ لَهُ حَامِلُ الْحَدِيثِ: إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ؟
قَالَ(٢): اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ.
قوله: (فقال له حامل الحديث) أي: الذي يحتمل الحدیثَ منه، وهو
التلميذ: (إني أكون أحياناً وراء الإمام) وهذا دليل على أن عملَهم اليوم كان على
ترك القراءة، وإلا لم يكن لهذا الاستبعاد والسؤال وجه.
قوله: (اقرأ بها في نفسك) أنت تعلم أن القراءة في النفس لا تُسَمّى قراءة،
فكيف يتمّ الاستدلال بها على الوجوب؟! وظاهر معنى القراءة في النفس إنما
هو التدبر[١] في معنى الآية، وأما إرادة القراءة الخفية - فمع أنها ليست مما يدل
عليه اللفظ - يردها أن السائل لم يكن استبعد إلا إسرارَه بها دون الجهر بها؛ إذ(٣)
لم يكن أَمَرَه أبو هريرة إلا بالقراءة السرية، وإذا كان كذلك لم يكن جوابُه على
ما زعمتم شافياً لِبَاله، ولا كاشفاً غُمَّةَ بلباله (٤)، بل ولا مطابقاً لسؤاله، مع أن مراد
أبي هريرة لو سُلُّم أنه هو الذي زعمتم لا ما أردنا: فليس اجتهادُ الصحابي-سيما
[١] وبه فَسَّر عيسى وابن نافع معنى القراءة في النفس، كما في ((الأوجز))(٥)، وسيأتي ما يتعلق
بتفسير هذا الحديث من كلام الشيخ قُدِّس ◌ِرُّه في ((أبواب التفسير)).
(١) ((فهي خداج)) مكرر في نسخة.
(٢) في نسخة: ((فقال)).
(٣) وفي الأصل: ((إذا)) والظاهر ما أثبتُّه.
(٤) البَلْبَالُ، والبَلْبَالَةُ: شِدَّةُ الهَمِّ والوساوس، كما في ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩١).
(٥) ((أوجز المسالك)) (١٧٣/٢، ١٧٤).

١٠٣
أبْوَابُ الصَّلاَة
وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: أَمَرَنِيِ النَّبِيُّ ◌َّ أَنْ أُنَادِيَ
أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِقِرَاءَةٍ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
ولم يُعَدَّ(١) من فقهاء الصحابة- واجباً تسليمُه إذا خالف اجتهادَ غيره من الفقهاء،
بل ومخالفاً للروايات الصحيحة أيضاً، فقد ورد في بعض الروايات(٢) أن أبا هريرة
حين سأله السائل عن حالة الاقتداء: هل يأتي فيها بالقراءة أم لا؟ استدل بما ورد
في الصحيح من قوله تعالى على لسان نبيه ◌َّثية: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
نصفين)) الحديث، فلما كان أُطْلِقَ عليها لفظُ الصلاة فكانت هي عينَ الصلاة، لا تتم
صلاة دونها، وهذا الاستدلال مع إمكان التفصي عنه بوجوهٍ غيرٍ قليلةٍ، منادٍ على أن
أبا هريرة لم يكن عنده رواية هي نص في أداء المعنى المقصود(٣)، حتى التجأ إلى
هذا الاستدلال الذي غير لازم ولا ملزم، وهذا يغنينا عن قبول قوله رضي الله عنه
مخالفاً لأقوال المجتهدين من الصحابة الكرام والفقهاء من الأئمة الأعلام.
قوله: (أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب) ولم يذكر(٤] لفظ
[١] كما قاله بعضهم، وإن كان من أحفظ الصحابة، كان يلزم رسول الله وَ الل قانعاً بالشبع، وكان
متقناً متیناً مثبتاً ذكيًّا، ذا صيام وقيام وذكر وتسبيح وتهليل، رضي الله عنه وأرضاه.
[٢] فقد أخرج أبو داود(١) وغيره هذه الروايةَ مفصلًا.
[٣] يعني أن أبا هريرة استدل على أمره بالقراءة في النفس بالحديث القدسي: ((قسمتُ الصلاة
بيني وبين عبدي)) الحديث، ولا يتمّ التقريب كما لا يخفى، ولما ذكر مستندَه ومأخذَه عُلِمَ أن
قوله هذا من اجتهاده، فلم يبق في الرفع الحكمي أيضاً، فلم يبق إلا اجتهادُ صحابيٍّ مخالفٌ
لأقوال الصحابة والروايات المرفوعة.
[٤] وهذا بعيد من مثل الإمام الترمذي، وللعذر وسعة، ثم الرواية أخرجها أبو داود(٢) بطريقين : =
(١) سنن أبي داود: (٨٢١) وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣٩٥).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٨١٩، ٨٢٠).

١٠٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَاخْتَارَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَقْرَأَ الرَّجُلُ إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ،
وَقَالُوا: يَتَّبِعُ (١) سَكَتَاتِ الإِمَامِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ﴿ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِهِ يَقُولُ
مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ(٢)، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالنَّاسُ يَقْرَؤُونَ إِلَّا قَوْمًا مِنَ
الْكُوفِيِّينَ، وَأَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْرَأُ صَلَاتُهُ جَائِزَةً. وَشَدَّدَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي
تَرْكِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالُوا: لَا تُجْزِئُ صَلَاةً إِلَّا
بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَحْدَهُ كَانَ أَوْ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَذَهَبُوا إِلَى مَا رَوَى عُبَادَةُ
وَقَرَّأَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدَ النَّبِيِّ وَلَّهِ خَلْفَ
اشتـ
ابْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ
الْإِمَامِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِّ ◌َهِ:((لَا صَلَاةَ إِلَّ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، وَبِهِ يَقُولُ
الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ :
صَلَاالله
الحدیث کاملاً، وقد کان: إلا بفاتحة الكتاب وما زاد، كما رواه أبو داود، فلما كان
كذلك لم يضرّنا، بل كان لنا بعد ما كان لهم، وصار عليهم بعد صيرورته علينا؛
إذ مقصودنا وهو تسوية الفاتحة بالسورة حاصل، ومرادهم وهو إثبات التأكد في
الفاتحة فوقه في السورة لم يحصل.
= إحداهما بلفظ: قال: قال رسول الله وَ له: «اخرُجْ فنادٍ في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآنٍ ولو
بفاتحة الكتاب فما زاد))، وثانيتهما بلفظ: ((أمرني رسول الله وَ ليل أن أنادي أنه لا صلاة إلا
بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد».
(١) في نسخة: ((يتتبع).
(٢) في نسخة: ((وبه يقول مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك)).

١٠٥
أبْوَابُ الصَّلَة
(لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرِ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ، إِلَّا
أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ. قَالَ أَحْمَدُ (١): فَهَذَا رَجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َهْ تَأَوَّلَ
قَوْلَ النَّبِيِّ وَّهِ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ وَحْدَهُ،
وَاخْتَارَ أَحْمَدُ مَعَ هَذَا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَأَنْ لَا يَتْرُكَ الرَّجُلُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ
وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
قوله: (احتج بحديث جابر بن عبد الله) إلخ، وأنت تعلم أنه مما لا يُدْرَك
إلا بالنص، فكان له حكم المرفوع من كل وجه، سيما وقد تأيد ذلك بموافقة النص،
ومتابعةِ الروايات، وعملِ الصحابة، وقد روي مرفوعاً أيضاً كما ذكره الطحاوي(٢)[١].
[١] أي: بهذا اللفظ الذي ذكره الترمذي، وأما حديث جابر المشهور مرفوعاً: ((من كان له إمام فقراءة
الإمام له قراءة)) رواه الحافظ أحمد بن منيع في ((مسنده))، ومحمد بن الحسن في ((الموطأ))(٣)
والطحاوي (٤) والدار قطني(٥)، قال النيموي(٦): إسناده صحيح، ثم بين تصحيحه، وهذا
الحديث مشهور روي عن جمع من الصحابة غير جابر. منهم أبو سعيد الخدري وأبو هريرة
وابن عباس وأنس بن مالك، بسطت طرقها في المطولات(٧).
(١) في بعض النسخ: ((أحمد بن حنبل)).
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (٢١٨/١).
(٣) ((التعليق الممجد)) (ح ١١٧، ١١٨).
(٤) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٢١٧).
(٥) ((سنن الدار قطني)) (١/ ٣٢٣).
(٦) ((آثار السنن)) (١١٣).
(٧) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤١٦/١ - ٤١٩).

١٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣١٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ، نَا مَالِكُ، عَنْ أَبِي
نُعَيٍْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ
يَقْرَأْ فِيهَا بِأَمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
(١١٨) بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ المَسْجِدَ(١)
٣١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِئْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةً
الْكُبْرَى قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَ﴿ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ
[١١٨- باب ما يقول عند دخوله المسجد]
قوله: (كان إذا دخل المسجد صلى على محمد) وفي وضع العَلَم موضعَ
ضمير المتكلِّم تفاؤل، وإشارةٌ إلى محموديته، وهو مستحب للأمة لما أن النبي ◌َّ
هو الذي فتح أبوابَ الفضل والرحمة، وأجرى هذه الرسوم للأمة، والصلاة رحمة
خاصة كما يدل عليه العطف في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن زَّبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] فلا يجوز على غيره مَّةٍ إلا تبعاً، وأما ما روي أنه وَِّ صَلّى
على غيره كقوله: ((اللهم صَلُّ على آل أبي أوفى))(٢) فمن خصوصياته، وهذا عند
الفقهاء، وتَرَخَّصَ المحدثون فَرَخَّصوا لغيره أيضاً.
[٣١٣] ط: ١ / ٨٤.
[٣١٤] جه: ٧٧١، تحفة: ١٨٠٤١.
(١) في نسخة: ((دخول المسجد)).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٩٧) ومسلم (١٠٧٨).

١٠٧
أَبْوَابُ الصَّلاَة
وَسَلَّمَ، وَقَالَ:((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَاقْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ)). وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى
عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَاقْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ)).
٣١٥ - وقَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الله
ابْنَ الْحَسَنِ بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي بِهِ،.
قوله: (رَبِّ اغفِرْلي ذنوبي، وافتح لي أبوابَ رحمتك) هذا إما أن يكون
تخصيصاً بعده تعميم، إذ المغفرةُ أخصُّ من مطلق الرحمة، أو يقال: الأول إشارة
إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل، وقولُه وقت الخروج: ((أبواب
فضلك)) إشارة إلى التوفيق بامتثال ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾[١]
حيث عَقَّبَه بذكر الصلاة.
والصلاة على النبي ◌َّ لما كانت من الدعاء منزلةَ الجناحَيْنِ من الطائر، فإن
الطيران لا يتم إلا بهما، ذكر الصلاة مع الدعاء في الوقتين ليكون أقرب إلى الإجابة؛
ولأن الصلاة من أهم العبادات، والخروجُ من المسجد إنما الغالب أن يشتغل
بعده بالمعاملات، وإن كان يثابُ فيها ثوابُ العبادات والقربات إذا نوى بها خيراً،
والنوعان بأسرهما إنما عُلِمَ صلاحُهما وفسادُهما، وطريقُ الفوز فيهما، والتمكن من
إتيانهما على الوجه الذي يرضى به الخالقُ والمخلوقُ جميعاً بتعليمه بَِّ، وحسنِ
تربيته، وتقنينه القوانينَ، وترتيبه الشرائع، فكان الدعاء(١) في الأمرين معاً شكراً له
على ما اجتهد في ذلك وثناء عليه على بليغ سعيه، ليكون أقر لقلبه مماثلة ..
قوله: (فلقيتُ عبدَ الله بنَ الحسنِ) أي: بعد ما كنتُ أخذتُ منه ذلك
[١] وتمام الآية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُ واْفِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ الآية، [الجمعة: ١٠].
(١) أي: فكانت الصلاة عليه السلام عند الدخول والخروج معاً شكراً له، إلخ.

١٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِي
قَالَ(١): كَانَ إِذَا دَخَلَ قَالَ: ((رَبِّ افْتَحْ أَبَوابَ رَحْمَتِكَ))(٢)، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: ((رَبِّ
افْتَحْ لِي أَبَوابَ فَضْلِكَ))(٣).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَأَبِي أُسَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ فَاطِمَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.
وَفَاطِمَةُ ابْنَةُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، إِنَّمَا (٤) عَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ
النَّبِيِّ وَ أَشْهُرًا.
الحديث بواسطة الليث أردتُ أن أشافِهَه به.
{وَ لَّه) وكان عمرُ الحسين وقتَ وفاة
قوله: (وإنما عاشت فاطمة بعد النبي
النبي ◌َّ سبعَ سنين، فأنى لابنته فاطمة رواية عن أمه فاطمة(٥)؟ ولا يخفى عليك
أن الحديث مع انقطاعه حَسَّنه الترمذي؛ لما علم من اتصاله بطريق آخر، فَعُلِم أن
المنقطعَ إذا عُلِمَ [١] اتصاله يبلغ درجةَ الحسن، وهذا أصل كبير يتفرع منه الجواب
عن كثير من مطاعن المخالفين بأن أكثر أحاديث الإمام تكون منقطعاتٍ، والجواب
أنّها لا ضير في ذلك لما عُلِمَ اتصالُها.
[١] أو وُجِدَ له شاهد أو متابع يرتقي إلى درجة الحسن، بل قد يرتقي لكثرة الطرق إلى الصحيح
أيضاً، كما بُسِطَ في الأصول.
(١) في نسخة: ((فقال)).
(٢) في نسخة: ((باب رحمتك)).
(٣) في نسخة: ((باب فضلك)).
(٤) في نسخة: ((وإنما)).
(٥) أي: فكيف تروي فاطمةُ بنتُ الحسين عن أم أبيها فاطمةَ الكبرى.

١٠٩
أبْوَابُ الصَّلَة
(١١٩) بَابُ مَا جَاءَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
٣١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ عَبْدِ الله
ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
(إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)».
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةً، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَكَعْبِ بْنِ
مَالِكِ.
[١١٩ - باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين]
قوله: (فليركع ركعتين)(١) هذا مسلّم بين الفريقين[١] في عدم الجواز في
أوقات النهي، لكن الشافعيَّ استثنى زوالَ يوم الجمعة، وسيجيء الكلامُ في ذلك ثمةَ.
[١] أي: الحنفية والشافعية كما يدل عليه السياق، ثم ما حكي من الاتفاق هو على قولٍ للإمام
الشافعي، لكن المرجَّحَ عندهم الجوازُ، قال النووي(٢): هي سنة بالإجماع، فإن دخل وقتُ
الكراهة يُكْرَه له أن يصلّي في قول أبي حنيفة وأصحابه، وحكي ذلك عن الشافعي، ومذهبُه
الصحيحُ أن لا كراهة، انتهى. قال الحافظ(٣): هما عمومان تعارضا: الأمرُ بالصلاة لكل
داخل، والنهيُ عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين، =
[٣١٦] خ: ٤٤٤٠، م: ٧١٤، د: ٤٦٥، ن: ٧٣٠، جه: ١٠١٣، تحفة: ١٢١٢٣.
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) (٥٣٧/١): واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب،
ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه، ومن أدلة عدم
الوجوب قوله {# للذي رآه يتخطى: ((اجلس فقد آذيت))، ولم يأمره بصلاة، كذا استدل به
الطحاوي و غيره، وفيه نظر.
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٤٤/٣).
(٣) (فتح الباري)) (٥٣٨/١).

١١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةً حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ. وَرَوَى سُهَيْلُ(١) بْنُ أَبِي صَالِحٍ
هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرٍ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ
حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: اسْتَحَبُّوا إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ
الْمَسْجِدَ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرُ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ
قوله: (وهذا حديث غيرُ محفوظ) أي: وضعُ جابرٍ مكان أبي قتادة؛ لأن
عمرو بن سليم [١] لم يثبت لقاؤه عن جابر، ولأن أكثرَ من رواه[٢] إنما روى عن أبي
قتادة دون جابر.
= فذهب جمع إلى تخصيصِ النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع
إلى عكسه، وهو مذهب المالكية والحنفية، انتهى. قلت: وهو مذهب الحنابلة، كما في
((الأوجز)) (٢) عن ((نيل المآرب))، ولابد من التخصيص عند الشافعية أيضاً؛ لأن الداخلَ
- والإمام يصلي المكتوبةَ- لا يصلي عند أحد، وكذا الداخل في آخر الخطبة وغير ذلك
والخطيب عند الشافعية إذا دخل للخطبة، كما في ((الأوجز))(٣).
[١] ولم يذكر الحافظ جابراً في مشايخه، ولا عمراً في تلامذة جابر.
[٢] أي: بهذا السند، وإن روي عن جابر أيضاً بغير هذا السند.
(١) في نسخة: «وروي عن سهيل)).
(٢) ((أوجز المسالك» (٣٥٥/٣).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٣٥٥/٣).

١١١
أبْوَابُ الصَّلاَة
الْمَدِينِيِّ: وَحَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ خَطَأُ، أَخْبَرَبِي بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ.
(١٢٠) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدُ إِلَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ
٣١٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ(١) قَالَا: نَا
عَبْدُ الْعَزِيزِبْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: ((الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدُ إِلَّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابٍِ، وَابْنِ
عَبَّاسِ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَنَسِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي ذَرِّ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ قَالَ: ((جُعِلَتْ
لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَظَهُورًا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ
رِوَايَتَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهَذَا حَدِيثُ فِيهِ
[١٢٠ - باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة(٢) والحمام]
(إلا المقبرة والحمام) وفي الحمام كشفُ الستر والتشبهُ لوجود التصاوير والتلوثِ
وتشتتِ البال وعدمالحضور، ومع ذلك كلهفلو صلى مستجمعاً شرائطها جازت صلاته،
[٣١٧] د: ٤٩٠، جه: ٧٤٥، حم: ٣/ ٨٣، ٩٦، تحفة: ٤٤٠٦.
(١) زاد في بعض النسخ: ((المروزي)).
(٢) في ((بذل المجهود)) (٢٢٧/٣): اختلفوا في أن النهي بالصلاة في المقبرة هل هو للتنزيه أو
للتحريم؟ قال ابن حجر: ومذهبنا الأول، ومذهب أحمد التحريم، بل وعدم انعقاد الصلاة،
لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة. وقال شارح ((المنية)) (ص: ٣٦٣):
وفي ((الفتاوى)): لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيها قبر.

١١٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
اضْطِرَابٌ: رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ
ڪَـ
مُرْسَلاً، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ
النَّبِيِّ ◌َّ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَكَانَ
عَامَّةُ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِّلَّهِ. وَلَمْ يَذْكُرْفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ(١). وَكَأَنَّ
رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّه أَثْبَتُ وَأَصَحُ(٢).
ويقاس عليهما ما وُجِدَ فيه ما وُجِدَ فيهما من التشبهِ، أو شبهةِ التلوث، أو حقيقةِ التلوث
إلى غير ذلك من وجوه الحرمة، وقد وقع التصريح ببعضها في بعض الروايات(٣).
قوله: (ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى، عن أبيه) أي: لم
یذکر فیه عن أبي سعيد.
قوله: (وكان عامةُ روايته) أي: رواية عمرو بن يحيى عن أبي سعيد، وهذا
بیان لمنشأ غلطِ مَنْ رَفَعَه، وأدخل فيه أبا سعيد.
(١) زاد في بعض النسخ: ((عن النبي ◌ِّ
صَلِلٍّ) .
(٢) زاد في نسخة: ((مرسلًا)).
قال السهار نفوري في ((بذل المجهود)) (٢٢٨/٣): هذا الذي قاله الترمذي غير موافق لأصول
المحدثين، فكما أن الثوري أرسل هذا الحديث رواه حماد بن سلمة موصولاً، وقد تعاضد وصله بما
رواه عبد الواحد عن عمرو بن يحيى في رواية أبي داود، وأما محمد بن إسحاق فقال الترمذي: كان
روايته عن أبي سعيد عن النبي ◌َّة، وهذا أيضاً يؤيد الوصل، فكيف يمكن أن يرجح الإرسال على
الوصل على أن في الوصل إثباتاً للزيادة، وقول المثبت للزيادة أولى بالقبول، لأنه يدل على العلم،
وقد حكى القاري عن ميرك، وقد رواه أبو داود مسنداً، والذي وصله ثقة، فلا يضره إرساله.
(٣) فقد أخرج المصنف فيما يأتي (٣٤٦) عن ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َل﴾ نهى أن
يصلّ في سبعة مواطن: في المَزْبَلَةِ، والمَجْزَرَة، والمُقْبَرَة، وقارعةِ الطريق، وفي الحمّامِ،
وَمَعَاطِنِ الإبل، وفوقَ ظَهْرِ بيت الله.

١١٣
أبْوَابُ الصَّلاَة
(١٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
٣١٨ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله(١) ﴾
ـلَآ ابتهـ
يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى لله مَسْجِدًا بَنَى الله لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)).
[١٢١ - باب ما جاء في فضل بنيان المسجد]
قوله: (من بنى لله مسجداً بنى الله له) بيتا١ً] (مثله في الجنة) المماثلة في
الإخلاص، وعلى هذا فزيادة الأجر بزيادة الإخلاص، وإن لم يَزِدْ مقدارُ ما أنفق فيه،
أو يكون المراد[٢] أن نسبة المسجد إلى أبنية هذه الدار الدنيا توجب إيتاءَ ما يناسب
المسجدَ نسبته إلى دور تلك الدار الآخرة. وكان السبب في رواية عثمان هذا الحديثَ
أن أبا بكر وعمر لم يكونا تَصَرَّفا في المسجد النبوي إلا قليلاً من إصلاح ما وَهَنَ منه،
[١] وبنحو ذلك استدل من قال: أن الجنة لم يكمل بناؤها، كما بسطه صاحب (اليواقيت
والجواهر))(٢)، ويؤيد ذلك ما في ((المشكاة)(٣) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ◌َ ثّل: ((لقيتُ
إبراهيمَ ليلةَ أسري بي فقال: يا محمد، اقرأ أمتَكَ مني السلامَ، وأخبرهم أن الجنةَ طيبةُ التربة،
عذبةُ الماء، وأنها قيعان، وأن غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، انتهى.
[٢] يعني أن الثواب الذي يُعطَى على بناء المسجد يكون فضلُه على دور الآخرة والجنة كفضل
المسجد على دور الدنيا، أو المعنى أن الثواب الذي يعطَى على بناء المسجد يكون تزايدُه
على دور الآخرة مثلَ تزايد حسنٍ جودة بناء المسجد على جودة بنائه دور الدنيا.
[٣١٨] خ: ٤٥، م: ٥٣٣، جه: ٧٣٦، تحفة: ٩٨٣٧.
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) انظر: ((اليواقيت والجواهر)) (٥٣١/٢).
(٣) ((مشكاة المصابيح)) (٢٣١٥).

١١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمِّرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَسِ،
وَابْنِ عَبَّاسِ، وَعَائِشَةَ، وَأَمِّ حَبِيبَةً، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، وَوَائِلَةً بْنِ
الْأَسْفَعِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٣١٩ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّبَ لَهَ قَالَ (١): ((مَنْ بَنَى الله مَسْجِدًا، صَغِيرًا
كَانَ أَوْ كَبِيرًا، بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَانُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى
قَيْسٍ عَنْ زِيَادِ النُّمَيْرِيِّ، عَنِ أَنَسِ، عَنْ النَّبِيِّ لَهُ بِهَذَا.
وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌َ لِّ، وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَدْ رَأى
النَّبِيَّ ◌َِّ، وَهُمَا غُلَامَانِ صَغِيرَانِ مَدَنِيَّانِ.
وكان عمر زاد فيه، ولم يغيِّرْه عن هيئته التي كانت له في زمنه ◌َّة، وأن عثمان جمع
الحجارةَ وسائرَ ما يحتاج إليه في تشييده، فأنكر عليه الصحابة صنيعه ذلك لِمَا لم يُسْبَقْ
عليه فيه، فاعتذر من ترك الشيخين إياه على حاله بأنهما لم يجدا ما يستعينان به على
ذلك، وأما أنا فقد آتاني الله من المال ما أقدِرُ به على ذلك، وبَيَّنَ الحديثَ، وكان بناؤه
المسجدَ من خالص ماله الذي آتاه الله، لا من بيت مال الله الذي للمسلمين، وذلك
جائز لمن أراد، وموجِبُ أجرٍ إذا أصلح النيةَ مالم يجعل فيه ما يلهي عن الصلاة.
قوله: (قد أدرك) إلخ، قد أدرك النبي ◌َّ وقد رآه، واحد إلا في الأعمى، فإنه
ليس فيه إلا الإدراك دون الرؤية.
[٣١٩] تحفة: ٨٣٩.
(١) في بعض النسخ: ((أنه قال)).

١١٥
أبْوَابُ الصَّلَة
(١٢٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِداً
٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ،
عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ لَ لَّ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ
وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرَُ.
[١٢٢ - باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجداً]
قوله: (لعن رسول الله وَ الله زائراتِ القبور والمتخذين عليها المساجدَ
والسُّرُجَ) أما مسألة زيارة النساء القبور[١] فمذهب حنفاء الله فيه أن النهيَ الواردَ
في الزيادة كما نُسِخَتْ(٢) في حق الرجال نُسِخَتْ في حق النساء أيضاً؛ لأنهن تبع
[١] وفي ((الدر المختار)) (١): ولا بأس بزيارة القبور ولو للنساء لحديث: ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور، ألا، فزوروها))(٢)، قال ابن عابدين: قوله: ((بزيارة القبور)) أي: لا بأس بل تندب، كما
في ((البحر)) عن ((المجتبى))، فكان ينبغي التصريح به للأمر بها، وقوله: ((ولو للنساء)) وقيل:
تحرم عليهن، والأصح أن الرخصة ثابتة لهن، وجزم في ((شرح المنية)) بالكراهة، وقال الخير
الرملي: إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جَرَتْ به عادتُهن فلا تجوز،
وعليه حُمِلَ حديثُ: (لعن الله زائراتِ القبور))، وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء،
والتبركِ بزيارة قبور الصالحين، فلا بأس إذا كُنَّ عجائزَ، ويُكْرَهُ إذا كُنَّ شوابً، کحضور
الجماعة في المساجد، وهو توفيق حسن، انتھی.
[٢] هكذا في الأصل، وحق العبارة التذكيرُ، فتأمل.
[٣٢٠] د: ٣٢٣٦، ن: ٢٠٤٣، جه: ١٥٧٥، حم: ٢٢٩/١، تحفة: ٥٣٧٠.
(١) ((رد المحتار)) (١٥١،١٥٠/٣).
(٢) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (٣٢٣٥)، وابن ماجه في ((سننه)) (١٥٧١).

١١٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنُ(١).
للرجال في الخطابات، وأما قوله عليه السلام: ((لعن الله زائراتِ القبور)) فكان في
وقت النهي، ولَمَا رَخّصهم في الزيارة بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا
فزوروها)» رَخَّصَ للنساء أيضاً، وسيجيء بعض بيانه في بيان الأحاديث التي وردت
في ذلك، وهذا وإن كان هو الحق لكن لا ينبغي أن يشاع ويرخّصَ لهن في الزيارة؛
لما أَحْدَثْنَ في زماننا، وقد كُنَّ يُمْنَعْنَ من الخروج في زمان النبي ◌ِّ، لا لأجل النهي
عن زيارة القبور بل لمفاسد أخرى، وكذا في زمان الخلفاء الراشدين، ومما يدل على
حَقِّيَّةٍ ما ذهبت إليه الأحناف زيارةٌ عائشة [١] أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر.
وأما الذين منعوها عن الزيارة فمبناهم أن قوله عليه السلام: ((لعن الله زائراتٍ
القبور)) خبر لا يتطَرَّق إليه النسخُ، وزيارةُ عائشة فإما لكونها محرمةً، أو لكونها مَرَّة،
والنهي إنما هو عن زيارةٍ غير المحرم، والزيادة [٢] فيها حتى يبلغ حَد التكرار، وأجاب
[١] بل روي عنها: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من
المؤمنين، الحديث في ((جمع الفوائد))(٢) عن مسلم والنسائي.
(٣)
[٢] كما يدل عليه صيغة المبالغة فيما ورد من قوله: زَوَّاراتِ القبور
(١) زاد في بعض النسخ: ((وأبو صالح هذا: هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، واسمه باذان،
ويقال: باذام أيضاً)).
(٢) ((جمع الفوائد)) (٢٦٦١) وهو في ((صحيح مسلم)) برقم (٩٧٤) وفي ((سنن السنائي)) برقم
(٢٠٣٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٤، ١٥٧٥، ١٥٧٦).

١١٧
أبْوَابُ الصَّلاَة
بعضهم بأن ذلك كان اجتهاداً منها، لا يتمشى الاستدلالُ بفعلها لكونه غيرَ مستنٍ إلى
حجة ودليل، وأنت تعلم ما في تلك الوجوه من الخلل.
أما قولهم: إنها كانت محرمةً له، فمن المعلوم أنها لم تكن محرمةً لكل من دُفِنَ
هناك، ولم يكن قبرُ عبد الرحمن في موضع خال. وأما النهي عن التكرار دون أصل
الزيارة فإما ترجيح [١] من غير مرجِّح، أو رجوع إلى ما كُنّا ذهبنا إليه من أَنَّ نفسَ الزيارة
ليس فيها شيء من الكراهة، وإنما الكراهة عارضة لها من خارج، فحيث وُجِدَتِ الكراهةُ
من خارج كُرِهَت الزيارةُ، وحيث لم تُوجَدْ لم تُكْرَه، فكانت الزيارةُ جائزةَ الأصل.
وأما قول من قال: ((إن ذلك كان اجتهاداً منها من غير أن يستند إلى حجة
ودليل)) فحطيطٌ لشأن الأصحاب رضي الله عنهم عن مراتبهم، لا سيما عائشةَ أفقه
النساء، بل وأفضل في التفقه من أكثر الرجال، فكيف يُظَنُّ بها أنها ارتكبت ذلك دون
استنادٍ إلى حجة وبرهان؟ إذ لو سُلِّم هذا لارتفع الأمان من سائر الأصحاب مع أن
القدوة بهم في تلك المسالك، ودون التقفي بهم مفاوزُ وَعْرِ ومهالكُ، مع أن مسألة
زيارة القبور ليست مما يَنْدُرُ وقوعُها حتى يُظَنَّ أنها لم تعلم جوازَها عن حرمتها.
ومن تشبّث بكون هذا خبراً لم يأتِ بمقنع؛ لأنه وإن كان خبراً لفظاً لكنه إنشاء
معنى، وكثير من الأوامر والنواهي أَنْزِلَتْ بصورة الإخبار لفوائد مختلفة ونكت بليغة
مؤتلفة مع جواز النسخ عليها، وليس بفرق بين الأوامر التي في صورة الإخبار، والتي
في صورة الإنشاء بجواز النسخ على الثاني دون الأول، مع أن الإخبار لو سُلّم لفظاً
ومعنى لم يضرَّ؛ لأن الإخبار عن شيء هو موقوف وجوداً وعدماً على وجود غيره
[١] لِمَا ورد في بعضها من غير المبالغة.

١١٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
وعدمِه ليس بمستدع أن يبقى المخبرُ عنه موجوداً وإن تبدل الذي توقَّفَ الخبرُ عنه
عليه، بل الإخبار إنما ثَمَّةَ موقوف على وجود المتوقف عليه؛ وإذا كان كذلك فاعلم
أن الإخبار عن وجود اللعن عليهن فإنما ذلك لارتكابهن منكراً شرعيًّا، فلما ارتفع
النهي، ورَخَّصَ الشرع في فعله لم يبق منهيًّا عنه حتى يلزم اللعن بفعله، والتخلف عن
ذلك لا يسمَّى كذباً حتى يلزم المحال الذي بنى المستَدِلَّ عليه استحالةَ النسخ.
وأما اتخاذ المساجد عليها فَلِمَا فيه من الشِّبْهِ باليهود في اتخاذهم مساجدَ على
قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت، وَشِبْهِ بعبدة الأصنام لو كان القبر
في جانب القبلة. وكراهةٌ كونه في جانب القبلة أكثرُ من كراهة كونه يميناً أو يساراً،
وإن كان خلف المصلي فهو أخفُّ كراهةً من كل ذلك، لكن لا يخلو عن كراهة [١]،
وأما بعد ما طُمِسَ القبرُ فلم يَبْقَ له علامة ولا أثر، أو كان تحت قدميه، أو كان بينه
وبينه حائل فلا كراهة حينئذ(١).
[١] فإن أهل المتون صرَّحوا بكراهة الصلاة في المقبرة، قال ابن عابدين(٢): واختُلِفَ في علته، فقيل:
لأن فيها عظام الموتى وصديدَهم، وهو نجس، وفيه نظر، وقيل: لأن أصلَ عبادة الأصنام
اتخاذُ قبور الصالحين مساجدَ، وقيل: لأنه تَشَبُّهُ باليهود، وعليه مشى في ((الخانية))، ولا بأس في
الصلاة فيها إذا كان فيها موضع أُعِدَّ للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة ولا قبلته إلى قبر، انتهى.
والمسألة خلافية بين الأئمة جدًّا، فاختلفوا في فساد الصلاة والإباحة والكراهة، واختلفوا في
المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة، واختلفوا في مقابر المسلمين والكفرة، والبسط في ((الأوجز))(٣).
(١) في ((البذل)) (٥٢٨/١٠): وأما من اتخذ في جوار صالح لقصد التبرك لا للتعظيم ولا
للتوجه إليه فلا يدخل في هذا الوعيد، وقال جماعة بالكراهة مطلقاً.
(٢) ((رد المحتار)) (٣٨٠/١).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٥٤٢/٣-٥٤٤).

١١٩
أبْوَابُ الصَّلَة
(١٢٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ
٣٢١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَنَامُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله (١) ﴿ فِي الْمَسْجِدِ
وَنَحْنُ شَبَابٌ.
وأما اتخاذُ السُّرُج عليها (٢) فمع ما فيه من إسرافِ ماله المنهيِّ عنه بقوله تعالى:
﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧]: تَشَبُّهُ باليهود،
فإنهم كانوا يُسْرِ جُونَ المصابيحَ على قبور كبرائهم، وتعظيمٌ للقبور، واشتغالٌ بما لا يعنيه
إن اعتقد أن أصحاب القبور ليس لهم حاجة في ذلك، ولا هم به منتفعون، وعملٌ
باعتقادِه الباطلِ وزعمِه الكاذبِ إن كان ظَنَّه ما ظَنَّه بعضُ الجهلة أنهم وقتَ غلقِ الباب
من خارج، وكذلك في غير البناء إذا تخلّوا يخرجون من مقابرهم، ويتحاورون ويكالمون
فيما بينهم، ولذلك ترى هؤلاء الأغمارَ إذا أرادوا الدخولَ في مكان فيه قبر لكبيرِ صَفَّقوا
بأيديهم من خارج، ليسمعوا ويعلَموا فيدخلوا في بيوتهم، أي: الأحداث، أفرأوهم نسوة،
أو ظنّوهم عراةً، فَصَدَقَ عَّ من قائل: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُسَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨].
١٢٣ - باب ما جاء في النوم في المسجد
قوله: (كنا ننام على عهد رسول الله ﴿اليه في المسجد ونحن شباب) هذا
[٣٢١] خ: ٤٤٠، ن: ٧٢٢، تحفة: ٦٩٦٠.
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) في ((العرف الشذي)) (١/ ١٦١): السراج على الميت لإفادة الزائرين أباحه العلماء، قال
شيخنا الكاندهلوي في هامش ((البذل)» (٥٢٦/١٠): ويؤيده ما تقدم في ((باب الدفن
بالليل)»، وما في ((جمع الفوائد)) (٢٦٠٧) من السراج عند الدفن.

١٢٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ:
لَا يَتَّخِذُهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا. وَقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبُوا (١) إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسِ.
ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى [١] التحرزُ عن مثل ذلك، إلا إذا
اضطر إليه، كما فعله بعض أصحاب النبي ◌َّل بعده من بناء الصُّفّة في المسجد لمثل
هذه الحوائج، وأما قول عبد الله بن عمر هذا فإنما كان لضرورة له؛ إذ لم يكن له
مبيت، مع فيهم من قلة كُلِّ ما يوجب التلوثَ لقلة أطعمتهم وكثرة جهدهم، كيف
وفي زماننا لا يمكن لأحد أن يجلس في مسجد زماناً ولا يحدث، وقد ثبت تأذي
الملائكة بالحدث. وكذلك الكلام بما ليس فيه مصلحة دينية، وإن لم يكن في
المسجد حراماً لكنه يوجب شيئاً من التزوُّلِ، ولتبدُّلِ الزمان، وتغيُّرِ الوقت، وارتفاع
ما كان مجوِّزاً للمبيت في المسجد، قال ابن عباس وغيره: ((لا يتخذه مبيتاً ومقیلاً))،
لكن هذا اللفظ كما ترى إنما يمنع الدوامَ والاستقرارَ على ذلك، فإن الاتخاذ لا
يصدق دونه، وعلى هذا فلا فرق بين القولين[٢].
والحاصل من هذين القولين اللذين ذكرهما الترمذي إنما هو الرخصة في
[١] فقد عَدَّ صاحب ((الدر المختار))(٢) فيما يُكْرَهُ في المسجد: النومَ لغير المعتكف.
[٢] إلا أن عامة شراح الحديث ونقلةِ المذاهب كالحافظين: ابنِ حجرٍ (٣) والعينيِّ وغيرهم، ذكروا
في المسألة قولين: الإباحة والكراهة، والثالث: الإباحة لمن لم يكن له مبيت، فالظاهر أن
الفرق بين القولين حقيقي، وإن يمكن تأويلُ قول ابن عباس إلى ما أَوَّله الشيخ.
(١) في نسخة: ((وذهب قوم من أهل العلم)).
(٢) ((رد المحتار)) (٤٣٥/٢).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٥/١، ٥٣٦) و((عمدة القاري)) (٤٦٢/٣).