النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ أبْوَابُ الصَّلاَة الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ (فقد أدرك العصر) غرض الترمذي من عقد هذا الباب هو التنبيه على ما سبق من أن النائم والناسيَ إذا استيقظ أو ذكر فليصل إذا ذكرها؛ فإن ذلك هو وقتها، ومعنى هذا الحديث هو أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وتمت صلاته. والذي ذهب إليه الأحناف هو الفرق بين العصر والفجر في ذلك الحكم، ومستَدَلَّهم في ذلك ما ذكروه من أن حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة لما عارضه هذا الحديثُ المذكورُ في الباب رجعنا إلى القياس؛ إذ هو المصير عند تعارض الآثار وتناقضِ الأخبار، فالقياس يرجِّح حديثَ النهي في صلاة الفجر، وحديثَ الإدراك في صلاة العصر؛ إذ الواجب في صلاة العصر هو الناقص، لِما أن الوجوب يضاف إلى آن الشروع، وذلك الوقت ناقص، فإذا اعترض الفساد بغروب = وأما عند الحنفية فاختلف أهلُ الفروع، كما أفاده الشيخ، واختار صاحبُ ((الدر))(١) وغيرُه الكراهةَ، وابنُ الهمام(٢) الإباحةَ، والجملة أن الأئمة الأربعة متفقة على عدم الاستحباب مع اختلافهم في الكراهة. (١) انظر: ((الدر المختار)) (٣٧٦/١). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤٥/١). ٥٤٢ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ الْعُذْرِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ(١) أَوْ يَنْسَاهَا فَيَسْتَيْقِظُ وَيَذْكُرُ(٢) عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ(٣) غُرُوبِهَا. الشمس لم تَصِرْ صلاتُه أدنی مما وجبت عليه، فكان المؤدى مثلَ الواجب، بخلاف وقت الفجر، فإن كله تام حتى يبدو حاجب الشمس، وبعد ذلك لم يبق، فليس في ذلك الوقت جزء هو ناقص نسبة إلى الباقي، فالآن المضاف إليه الوجوب لما كان كاملاً وجبت صلاته كاملة، فإذا اعترض الفساد بطلوع الشمس لم يبق المؤدى على الصفة التي وجب عليها فكان باطلاً، هذا ما قالوا. وأنت تعلم ما فيه من الاختلالِ وتزويقِ المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي (١) بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعَبَدَة الشمس، فادّعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قُطِعَ النظرُ عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجوازِ في العصر؛ فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بعد أداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقتُ المشروطُ لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة إذ ليس ذلك إلا قولاً بعدم اشتراط الوقت؟! فعلى هذا يلزم[٢] عليهم جوازُ صلاة من شرع في الصلاة و ثوبه نجس بقدر [١] قلت: لكن للكلام فيه مجال يظهر من ملاحظة كتب الأصول والفقه. [٢] قلت: إلا أن بين الشرطين فارقاً، فإن الوقت ليس بشرط لصحة الصلاة بل لأداء الصلاة، فإذا فات فلا شك في أنه لا يبقى أداء؛ بخلاف الحديث، فإن الطهارة شرط لصحة الصلاة، فتدبر. (١) في بعض النسخ: ((عن صلاته)). (٢) في بعض النسخ: ((فیذکر)). (٣) في بعض النسخ: ((أو عند)). ٥٤٣ أبْوَابْ الصَّلاَة الدرهم أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئاً نجساً ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين بال أو تغوط، أَوَ ليس نظير ما قالوا؛ فإنه أدّى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه. وحاصله أنكم لم تفترقوا (١) بين الفساد والبطلان، فلزمت عليكم مفاسد جمة، والفرق بينهما ظاهر، فوقت اصفرار الشمس وقت الفساد، وبعد الغروب ليس [١] الوقت أصلاً، فكيف القول باتحاد الفساد فيهما كما ادعيتم! بل إطلاق الفساد على الثاني بمعنى البطلان، لعدم فرقهم بين الفساد والبطلان في باب العبادات، فلعلهم قاسوها على المعاملات، وليت شعري إذا خرج وقت العصر، فأي شيء يقتضي صحة تلك الصلاة حتى تصح ولا تبطل؟! فالفرق بين الفجر والعصر بالتقرير الذي سبق منّا لا يجدي نفعاً؛ إذ بعد ما شرع مصلي العصر في أداء الصلاة التي وجبت ناقصة، لو غربت الشمس، فالوقت الذي بعد الغروب إذا سُلِّم أن كراهتَه ليست إلا مثلَ كراهة وقت الغروب، فما معنى قضاء العصر بعد غروب الشمس، إذ هذا الوقت على ما ذكرتم ليس إلا مثل الوقت الذي هو وقت الغروب، ولا قائل بقضاء العصر إذا لم تغرب الشمس كلُّها. [١] هذا صحيح أن بعد الغروب لم يبق له الوقت أصلًا، إلا أن الوقت لما لم يكن من شرائط الصحة بل من شرائط الأداء، فبفوته فات الأداء، لكن الأداء بنية القضاء، وكذا العكس لما كان صحيحاً لم تبطل الصلاة، كمن شرع الظهر في وقته، ثم خرج حتى دخل وقت العصر، فتفكر. (١) أي: لم تفرقوا ولم تميزوا. ٥٤٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وما قيل[١] من أن بين وقت العصر الذي في وقت الغروب والذي بعده، تجانساً بالنسبة إلى صلاة العصر، فإن كلا الوقتين مكروه لها، ولا كراهة في ذات الوقتين، بل الكراهة لهما عارضية في الأول بسبب تشبه عبدة الأوثان، وفي الثاني بسبب كون ذلك الوقت معيناً لغير تلك الصلاة، وهو صلاة المغرب، بخلاف وقت الفجر، فإنه كامل، وبعد الطلوع لعل النقصَ ذاتي له، ولذلك لم يُشْرَعْ في ذلك شيء من الصلوات المفروضة، فاعتراض الفساد بالغروب يغاير اعتراضَ الفساد بالطلوع، ففي الأول لا تبطل الصلاة؛ إذ وقت المؤداةِ مثلُ وقت المفروضة في كونهما فاسدين وصفاً، وفي الثاني تبطل؛ إذ المفروضة كاملة، والمؤداة مؤداة في وقت النقص ذاتي له، فتطويل(١) من غير طائل؛ إذ الأوقات التي عُيِّنَتْ للصلوات إنما هي أسباب لوجوب أدائها، كما أنت تعلمه، فإذا كان كذلك فبعد خروج الوقت - سواء كان في الفجر أو العصر- لا يؤديه العبد إلا من عنده، فيستويان في أن كلّ منهما من عنده، فإن الوقت بعد الطلوع وقبل الزوال إنما هو حق العبد، كما أن أوقاتَ سائر الصلوات حق العبد، غير وقت أداء فريضة ذلك الوقت، فكيف يقال بأن الوقت الذي بعد الغروب غيرُ الذي بعد الطلوع؛ إذ هما من حق العبد؟ ونسبة كل وقت لغير [١] ونظري القاصر لم يصل إلى من فرَّق بذلك، بل المذكور في كتب القوم أن الفرق بينهما باعتبار ما قبل الطلوع والغروب، فإن الأول لما كان كاملاً فاعتراء النقص عليه مبطل، بخلاف الثاني، فإن وقت الاصفرار لما كان ناقصاً في نفسه فاعتراء الغروب عليه ليس بمنافٍ له، غاية ما فيه أنه أنقص من الأول، ولا خير فيه، فَفَتِّشْ، نعم فَرَّقوا بينهما بأن ما بعد الغروب وقت صالح للصلاة، ولذا وجبت صلاة المغرب، بخلاف ما بعد الطلوع فإنه وقت الكراهة حتى ترتفعَ الشمسُ؛ فتفارقا. (١) هذا خبر، والمبتدأ هو: وما قيل من أنَّ بَيْن إلخ. ٥٤٥ أبْوَابُ الصَّلاَة صلاة ذلك الوقت لا تفريق بينهما في أن تكون فيه شرعية صلاةٍ أخرى أولا، فبطل الفرق الذي بینه، فافهم، فلعل ذلك البحث دقیق. فلما لم يتعين عند الأحناف معنى الحديث على الوجه الذي ذُكِرَ كما بَيَّنّا، فالمراد بالإدراك ليس هو الإدراك على سبيل الإحاطة، وإلا لزم جواز الصلاة بالاقتصار على ركعة، فإنه لما أريد بالإدراك في الموضعين هو الإحاطة صار المعنى: من صلى ركعة قبل الطلوع أو الغروب فقد صلى الصلاة كلّها، وهذا باطل لم يقل به أحد، فَعُلِمَ أن الإدراك ليس هاهنا بمعنى الإحاطة، وإنما معناه اللحوق، فإنه كما يُطْلَقُ على الإحاطة كما في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] كذلك يُطلَقُ على اللحوق، تقول: أدركت زيداً: إذا لحقته؛ فالمعنى أن من لحق بركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجرَ، بمعنى أن النائم مثلاً والساهيَ أو المقصرَ إذا شرع في الصلاة والباقي من الوقت لم يكن إلا قدر ركعة، لو صلى وأتم صلاته جازت صلاته، وأما إن صلاته هل هي مكروهة أو لا؟ فأمر آخر لم يبحث عنه هاهنا. وحاصله أن هذه الرواية تنبئ عن فراغ الذمة لمن صلى في شيء من هذين الوقتين، وإن لم يَخْلُ فعلُه ذلك من كراهة، ولا يعارضه حديث النهي عن الصلاة في الوقتين؛ لأن النهي عن الأفعال الشرعية لما كان هو المنبئ عن صحتها كان مؤدى الروايتين هو الجواز، غير أن الرواية الأولى لم تتعرض عن القبح المجاور، بخلاف الثانية؛ فإنها أظهرت صفة الصلاة في هذين الوقتين، أو يقال: ((مَنْ)) هاهنا ليست للجنس بل هي هاهنا للنوع، يعني: إذا أدرك الصبي، أو أسلم الكافر، أو طهرت الحائض والنفساء، والوقت من الفجر والعصر باقٍ مقدارَ التحريمة، أي: التمكن فيه ٥٤٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي (٢٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ١٨٧- حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بَيْنَ الظُهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، من التحريمة بعد الطهارة؛ فقد أدرك هؤلاء الجماعةُ الفجرَ والعصرَ فوجبت عليهم، هذا ولعل الله يحدث [١] بعد ذلك أمراً. (٢٥) باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين قوله: (جمع رسول الله عليه بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر) الحديث، هذا الحديث مما اضطرب فيه الفقهاء والمحدثون، وتحيّر فيه العلماء المتقنون، حتى قال الترمذي(٢]: لم يعمل على هذا الحديث أحد من أهل المذاهب المشهورة(١)، واختلفوا في توجيه المراد [١] قلت: والحديث يحتمل عدة وجوه غير ما أفاده الشيخ، كما بسطت في ((الأوجز))(٢)، فارجع إليه لو شئت التفصيل، وأيضاً لَمّا كان حديث الإدراك محتملاً للوجوه، وأحاديث النهي محكمة لا تحتاج إلى التأويل، فتقدم عليه، إلا أنهم استثنوا عصر اليوم لعارض. [٢] وفي ((الأوجز))(٣) عن ((الفتح)): ذهب جماعة من أهل العلم إلى الأخذ بظاهر الحديث، فجّوَّزوا الجمعَ في الحضر للحاجة مطلقاً، بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقاً وعادة، وممن قال به ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وغيرهم. [١٨٧] م: ٧٠٥، د: ١٢١١، ن: ٦٠٢، حم: ٢٨٣/١، تحفة: ٥٤٧٤. (١) انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (ص: ٣٥). (٢) انظر: ((أوجز المسالك)) (٢٧٩/١-٢٨١). (٣) ((أوجز المسالك)) (١٣٤٢/٣). ٥٤٧ أبْوَابُ الصَّلاَة قَالَ: فَقِيلَ لِاِبْنِ عَبَّاسِ: مَا أَرَادَ بِذَلِكَ؟ قَالَ (١): أَرَادَ أَنْ لَا تَحْرُجَ أُمَّتُهُ (٢). وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، رَوَاهُ(٣) منه، فقال الإمام، قدوة العلماء الأعلام، سند الفقهاء والمحدثين، رأس الجهابذة العلماء والمتكلمين، إمامنا الأعظم الكوفي - نور الله ضريحه -: المراد بالجمع الجمع الصوري (١) لا الحقيقي؛ إذ الاحتمالات في الجمع ثلاثة: جمعهما في وقت الظهر، وجمعهما في وقت العصر، والجمع بينهما بحيث يقع كل منهما في وقته، وهذا الثالث هو المراد هاهنا، وهذا كما بينّا لك في حديثِ العلاء بن عبد الرحمن، وصلاة العصر في دار أنس بالبصرة، فلا يلزم على ذلك شيء من المعارضات، ولا يحتاج إلى شيء من الأجوبة التي تُذْكَرُ هاهنا. وأما الآخرون فعارضوا هذا الحديثَ بالحديث الآتي ذكرُه، وهو قوله عليه [١] وهو الحق الذي لا يُعْدَلُ عنه في هذا الحديث، وهو مختار الحافظ في ((الفتح))، والعيني في ((البناية))، والشوكاني في ((النيل))، والشيخ في ((البذل))، والأبي في ((الإكمال)) (٤)، قال الحافظ: استحسنه القرطبي، ورجَّحه إمام الحرمين، وجزم به من القدماء: ابنُّ الماجشون والطحاوي، إلى آخر ما بُسِطَ في ((الأوجز))(٥). (١) في بعض النسخ: ((فقال)). (٢) في بعض النسخ: ((يُحرج أمته)) بضم الياء المثناة التحتية، و((أمته)) بالنصب. (٣) في بعض النسخ: ((وقد رواه)). (٤) انظر: ((فتح الباري)) (٢/ ٥٨٠) و((عمدة القاري)) (١٥٢/٧) و((نيل الأوطار)) (٢٥٨/٣) و (بذل المجهود)) (٢٨٦/٦) و((الإكمال)) (٣٥٥/٢). (٥) ((أوجز المسالك)) (١٤٧/٣). ٥٤٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ الله بْنُ شَقِيقِ الْعُقَيْلِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ نَلِّ غَيْرُ هَذَا. ـَلَا الله ١٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَصْرِيُّ، نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَتَشْ هَذَا هُوَ أَبُو عَلِيِّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ حَنَشُ(١) بْنُ قَيْسٍ، السلام: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر) إلخ، وهذا الحديث مع ضعفه (٢) لما تأيد بقبولِ المجتهدين وعملِهِم عليه صار معارضاً لذلك الحديث [١] القوي الذي مَرَّ ذكره. [١] ولذا احتاجوا إلى التأويل فقيل: كان الجمع لمطر، وهو مختار مالك في ((الموطأ))، ووافقه على ذلك جماعة، ويأباه ما ورد في الروايات: من غير مطر، وقيل: كان لمرض، وقوّاه النووي(٣)، قال السيوطي(٤): هو مختار السبكي، والبلقيني، والأسنوي، وهو اختياري، انتهى. وقيل: كان غيم فانكشف، فبان أنه دخل وقت العصر، وقيل: الصواب في الرواية: في سفر سافرها؛ الرواية الأكثر، والبسط في ((الأوجز))(٥). [١٨٨] قط: ٣٩٥/١، ك: ٢٧٥/١، ق: ١٦٩/٣، تحفة: ٦٠٢٥. (١) في نسخة: ((حسين))، وذكر في ((التقريب)) (١٣٤٢): أن اسمه الحسين وأن حنشاً لقبه. (٢) قال السيوطي في ((قوت المغتذي)) (١٣٢/١): هذا الحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وأعله بحنش، وقد أخرجه الحاكم وقال: حنش ثقة، وأخرجه البيهقي، وله شاهد موقوف على عمر بن الخطاب، أخرجه البيهقي (١٦٩/٣) وآخر عن أبي موسى الأشعري أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢١٢/٢)، انتهى. (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥/ ٢١٨). (٤) ((تنوير الحوالك)) (ص: ١٦٣). (٥) انظر: ((أوجز المسالك)) (٣/ ١٤٣-١٤٧). ٥٤٩ أبْوَابُ الصَّلَة وَهُوَ ضَعِيفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَا فِي السَّفَرِ أَوْ بِعَرَفَةَ. وَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ النَّبِعِينَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمَرِيضِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. (٢٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَدْءِ الْأَذَانِ ١٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، نَا أَبِي، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ(١) التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَا(٢) رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَإِنَّهُ أَنْدَى وَأَمَدُ(٣) صَوْتًا مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا (٢٦) باب ما جاء في بدء الأذان قوله: (لما أصبحنا) هذه قطعة من حديث طويل لم يذكره هاهنا [١] اختصاراً. قوله: (فإنه أندى وأمدّ صوتاً منك) في هذا التعليل إشارة إلى أن من هدي [١] وذكر أبو داود في «سننه)) بتمامه مع اختلاف طرقه. [١٨٩] د: ٤٩٩، جه: ٧٠٦، حم: ٤ / ٤٢، ٤٣، تحفة: ٥٣٠٩. (١) زاد في نسخة: ((ابن الحارث)). (٢) في نسخة: ((أتيت)). (٣) في نسخة: ((أو أمد)). ٥٥٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قِيلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بِذَلِكَ))، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِدَاءَ بِلَالٍ بِالصَّلَاةِ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَّهِ، وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَنَّكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي قَالَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَذَلِكَ أَتْبَتُ)). وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَتَّمَّ إلى خير فهو أحق به، وإلى أن المؤذن يستحب أن يكون رفيعَ الصوت. قوله: (فذلك أثبت)[١] أي: لما علم رسول الله وَّل أن الموفقين لرؤيا حقٍّ كثيرون في أمته حمد الله، وأثنى عليه وقال: هذا الأمر أثبت لقلبي، وليس المراد ما سبق إلى بعض الأوهام من أن رؤياك يا عمر! أثبت، إذ لم يَيْنِ أمر الأذان على [١] وقال ابن العربي(١): رؤيا الأنبياء حق من جملة شرائع الدين، ورؤيا غيرهم في الدين ليست بشيء، إلا أن هذه الرؤيا من غير الأنبياء استقرت في الدين لوجوه: أحدها: يحتمل أنه قيل للنبي وَالّ: ((أنفذها)) وحياً فأنفذها، أو كانت مما يتشوف إليها، ويميل إلى العمل بها، فأُمر بها حتى يُقرَّ عليها، أو يُنْهى عنها على القول بجواز الاجتهاد له، وعلى أن يُبَيِّنَ أن هذه المسألة من مسائل القياس، أو لأنه رأى نظماً لا يستطيعه الشيطان، ولا يدخل في جملة الوسواس والخواطر، وروي أن النبي پ﴾ رأى الأذانَ ليلة الإسراء وسمعه، ولم يؤذن له فيه عند فرض الصلاة حتى بلغ الميقات، وفي قول النبي ◌ُ ◌ّ لعمر: ((فذلك أثبت)) دليل على ترجيح أحد الاحتمالين: الثاني والثالث [على الأول]، انتهى. (١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٠٧/١، ٣٠٨). ٥٥١ أبْوَابُ الصَّلاَة مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَظْوَلَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْإِقَامَةِ مَرَّةً مَرَّةً. وَعَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ. وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْدِ رَبِّ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ عَنِ النَّبِّيلَ شَيْئًا يَصِحُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي الْأَذَانِ، وَعَبْدُ الله ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الْمَازِيٌّ لَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِّ وَ لَ، وَهُوَ عَمُّ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ. ١٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ، نَا الْحَجَّاجُ(١) بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَا نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّئُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدَ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا رؤياهم، وإنما كان أوحي إلى النبي بَّهِ صفته، فلم يكن بَيَّنَها للأصحاب حتى تبادر[١] إليه عبد الله بن زيد بقَصِّ رؤياه عليه. (فَيَتَحَيَّنون) أي: يُوَقِّتون [٢] على تخمينهم. [١] ويؤيده ما في ((القوت))(٢): ذكر أبو داود في ((مراسيله)): أنّ عمر لما رأى الأذان في المنام، أتى ليُخبر به النبيَّ بَّه - وقد جاء الوحي بذلك -، فما رأى ثمة إلا بلالاً يؤذن، فقال له النبي مل﴾: «سبقك بذلك الوحي))، انتهى. [٢] وفي ((المجمع)) (٣) أي: يُقَدِّرون حينَها ليدركوها في وقتها ليس ينادى لها، بفتح دال، انتهى. [١٩٠] خ: ٦٠٤، م: ٣٧٧، ن: ٦٢٦، حم: ١٤٨/٢، تحفة: ٧٧٧٥. (١) في نسخة: ((حجاج)). (٢) ((قوت المغتذي)) (١ / ١٣٤). (٣) «مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٩٦). ٥٥٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ(١): أَوَلَا تَبْعَثُونَ(٢) رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَ﴾: «يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (٢٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ ١٩١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةً قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي وَجَدِّي جَمِيعًا، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ (ينادي بالصلاة) ليس المراد [٣] بذلك التأذين، بل قولهم: الصلاة الصلاة، أو الصلاة جامعة. (٢٧) باب ما جاء في الترجيع في الأذان[١] ووجهه على ما روي في ابن ماجه(٣) والنسائي: أن النبي عليه السلام كان ينزل [١] واختلفت الأئمة في الترجيع، فذهب مالك والشافعي إلى سنيته، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى عدمه، وذهب جماعة من المحدثين إلى التخيير، قال ابن قدامة (٤): وجملة ذلك أن اختيار أحمد من الأذان أذان بلالٍ وعبدِ الله بن زيد، وهو خمسَ عشرةَ كلمةً، لا ترجيعَ فيه، وبهذا قال الثوري وإسحاق [وأصحاب الرأي)، والأخذ به أولى؛ لأن بلالاً كان يؤذن = [١٩١] د: ٥٠٤، مطولاً، ن: ٦٢٩، تحفة: ١٢١٦٩. (١) في بعض النسخ: ((عمر بن الخطاب)). (٢) في نسخة: ((أو لا تبعثوا)). (٣) ((سنن ابن ماجه)) (٧٠٨) و((سنن النسائي)) (٦٣٢). (٤) (المغني)) (٥٦/٢). ٥٥٣ أبْوَابُ الصَّلاَة رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ أَقْعَدَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ الْأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا. = به مع رسول الله ◌َ له دائماً، سفراً وحضراً، وأقرّه النبي ◌ِ لّه [على أذانه] بعد أذان أبي محذورة، كذا في ((الأوجز))(١)، وبُسِطَ فيه في الدلائل، قال ابن الجوزي: حديث عبد الله بن زيد أصل في التأذين، وليس فيه ترجيع، فدلّ على أن الترجيع ليس بمسنون، قلت: وكذلك أذان بلال، وقد أَذَّن في حياته ◌َ ثة، ثم أذن بين يدي أبي بكر في زمان خلافته، وهو رئيسُ المؤذنين وقدوتُهم، وقد اتفقوا على أن لا ترجيع في أذانه، ولم يختلف فيه أحد، صرّح به ابن الجوزي وغيره، والبسط في ((الأوجز))(٢). تنبيه: لم أجد الكلام على الإقامة في هذا التقرير، ووجدت في تقرير مولانا رضي الحسن ما مُعَرّبُه: إن الروايات فى إقامة بلال مختلفة فأخذت الحنفية بالتكرار، انتهى. قلت: وتوضيح ذلك أن الأئمة الثلاثة قالوا بإفراد الإقامة إلا التكبيرَ في أولِها وآخِرِها، ولفظَ: قد قامت الصلاة؛ فإنها مثنى مثنى خلافاً لمالك في المشهور عنه، وقديم قولي الشافعي أن لفظ: قد قامت الصلاة، أيضاً يقال مرة، وقالت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة: إن الإقامةَ مثلُ الأذان مع زيادة ((قد قامت الصلاة)) مرتين، كذا في ((البذل))(٣)، واستدلوا على ذلك بعدة روايات بسطت في ((الأوجز)) (٤). منها: ما روي عن عبد الله بن زيد بتنظير الإقامة للأذان، وبما قاله الطحاوي(٥): تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامةَ حتى مات، وبروايات أبي محذورة المفصلة جلّها على تثنية الإقامة وغير ذلك، وبعد ثبوت الروايات الكثيرة في تكرار الإقامة لا احتياج لتوجيه إيتار بلال، ومع ذلك وُجِّه في ((البذل))(٦) وغيره بعدة توجيهات، والأوجه عندي: أن قوله: أُمِرَ بلال (١) ((أوجز المسالك)) (٣٩/٢). (٢) ((أوجز المسالك)) (٢/ ٤٢). (٣) ((بذل المجهود)) (٢٤٩/٣). (٤) ((أوجز المسالك)) (٤٤/٢، ٤٥). (٥) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (١٣٥/١). (٦) ((بذل المجهود)) (٢٥١/٣-٢٥٢). ٥٥٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مِثْلَ أَذَانِنَا. قَالَ بِشْرُ: فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْ عَلَىَّ، فَوَصَفَ الْأَذَانَ بِالتَّرْجِیع. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْأَذَانِ حَدِيثُ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ١٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَاعَفَّانُ، نَاهَمَّامُ، عَنْ عَامِرٍ(١) الْأَحْوَلِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُخَيْرِيٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَ عَلَّمَهُ الْأُذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو مَحْذُورَةَ اسْمُهُ: سَمُرَةٌ ابْنُ مِعْيَرٍ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا فِي الْأَذَانِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْرِدُ الْإِقَامَةَ. في منزل(٢) فَأَذِّنَ، فلما رأى صبيانُ القرية أخذوا في نقل الأذان، وجعلوا يقولون: الله أكبر، الله أكبر، كما هو دأب الصبيان، فأمر النبي ◌َ ل بهم فأتوا فقال: مَن الذي كان ينادي منكم بصوت رفيع، وأيكم أحسن صوتاً وأندى؟ فأشاروا إلى أبي محذورة، وكان الأمر كذلك، فأمره النبي ◌َّيّ أن يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فقال كذلك، ورفع = إلخ قضيتان مهملتان في حكم الجزئية، والمراد أذانُ الصبح وإقامتُه، والمعنى: يَشْفَعُ أذانَه بأذان أم مكتوم، ويتولى الإقامة مفرداً، واستثناء الإقامة على هذا التوجيه مدرج من بعض الرواة، كما هو عند المالكية، ولو سُلِّم الإيتارُ فهو لبيان الجواز، كما في الحاشية عن ((مواهب الرحمن)). [١٩٢] م: ٣٧٩، د: ٥٠٢، ن: ٦٣٠، جه: ٧٠٩، حم: ٤٠٩/٣، تحفة: ١٢١٦٩. (١) زاد في نسخة: ((ابن عبد الواحد)). (٢) فقد ورد في ((سنن النسائي)) (٦٣٢) أن أبا محذورة قال: خرجت في نفر فكنّا ببعض طريق حنين مقفَلَ رسول اللهِّه من حنين، فَلَقِيَنا رسولُ الله ◌َله في بعض الطريق فَأَذَّن المؤذن، الحديث. ٥٥٥ أبْوَابُ الصَّلاَة (٢٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الإِقَامَةِ ١٩٣- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالٍِ قَالَ: أُمِرَ بِلَالُ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ لَهُ وَالتَّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. (٢٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الإقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى ١٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، نَاعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللهِ،فَ لَّهِ شَفْعًا شَفْعًا، فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ رَوَاهُ وَكِيعُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ صوته، ثم أمر أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال كذلك إلا أن ذلك لما كان مخالفاً لما يعتقده قومُه ونفسُه خفض بذلك صوتَه، فقال النبي ◌َّ: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ورفع النبي قال﴾ بذلك صوتَه، ورفع أبو محذورة صوته، فثبت الإيمان في قلبه، فاستمر الأمر عند أبي محذورة على هذا، وكان [١٩٣] خ: ٦٠٦، م: ٣٧٨، د: ٥٠٨، ن: ٦٢٧، جه: ٧٢٩، حم: ١٠٣/٣، تحفة: ٩٤٣. [١٩٤] قط: ١ / ٢٤٠، ش: ١/ ٢٠٦، تحفة: ٥٣١١. ٥٥٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلِى (١): أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، وقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرََّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَ، قَالَ: ثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ(٢) وَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ رَأَى الْأَذَانَ في الْمَنَامِ، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ زَبْدٍ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ مَثْتَى مَثْنَى، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ(٣). (٣٠) بَابُ مَاجَاءَ فِي التَّرَسُّلِ فِي الأَذَانِ ١٩٥- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، نَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ صَاحِبُ السِّقَاءِ، نَايَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ (٤): أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ لِبِلَالٍ: «يَا بِلَالُ، إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)). ١٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمُنْعِمِ نَحْوَهُ. ذلك تعليماً منه لخصوصية ذلك الوقت، فظنه داخلاً في الأذان. [١٩٥]ك: ٢٠٤/١، تحفة: ٢٢٢٢. (١) زاد في بعض النسخ: ((قال: حدثنا أصحاب محمد ◌َ (٢) في نسخة: ((أصحاب محمد))، وزيادة: ((أصحاب رسول الله وَلَ)) هنا خطأ صرف، قاله الشيخ أحمد شاكر (٣٧١/١). (٣) زاد هناك في نسخة: ((قَالَ أَبُو عِيسَى: ابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كان قاضي الكوفة، ولم يسمع من أبيه شيئاً، إلا أنه يروي عن رجل عن أبيه)). (٤) في بعض النسخ: ((جابر بن عبد الله)). ٥٥٧ أبْوَابُ الصَّلَة قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرِ هَذَا حَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ إِسْنَادُ مَجْهُولُ (١). (٣١) بَابُ مَا جَاءَ فِي إِدْخَالِ الإِصْبُعِ الأُذُنَ(٢) عِنْدَ الأَذَانِ ١٩٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَاعَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَاسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالَا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ، وَيُتْبِعُ فَاهُهَا هُنَا وَهَا هُنَا [٣١ - باب ما جاء في إدخال الأصبع الأذن عند الأذان] قوله: (ويدور، ويتبع [١] فاه ها هنا وها هنا) هذا بيان للفظة ((یدور))، فالمراد به إدارة عنقه لا غير، فإن كانت المنارة غير متسعة لم يحتج إلى نقل الخُطى عن مقامه، وكفى إدارة الرأس من غير انتقال، وإن كان متسعة بحيث لا يمكن له إخراج الوجه بعد قيامه مقاماً منها جاز له الانتقال إلى جوانبها، فأما إذا أحاطت به الجدر من كل جانب حتى لا يخرج الصوت منها إلا عند إخراج الوجه من كَوَّاتِها؛ جاز [٢] لهذلك، وما يلزمه من تحويل الصدر معفو ضرورة أنَّ التأذين لا یفید دونه، والاحتیاج [١] قال أبو الطيب(٣): روي من الإفعال، والفاعل ضمير لبلال، و(«فاه)) مفعوله، و((هاهنا)) ظرف. [٢] ففي ((البحر)) (٤): إن لم يَتِمَّ الإعلامُ بتحويل وجهه مع ثبات قدميه، فإنه يستدير في المئذنة. [١٩٧] خ: ٣٧٦، م: ٥٠٣، د: ٥٢٠، ن: ٧٧٢، جه: ٧١١، حم: ٤ / ٣٠٧، تحفة: ١١٨٠٦. (١) زاد في بعض النسخ: ((وعبد المنعم شيخ بصري)) قوله: ((وهو إسناد مجهول)) قال في (الفتح)) (٢/ ١٠٦): إسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، وكلها واهية. (٢) في بعض النسخ: ((في الأذن)). (٣) انظر: ((الشروح الأربعة)) (٢٢١/١). (٤) ((البحر الرائق)) (١/ ٢٧٢). ٥٥٨ الكَوْكَبُ الدُّرِي وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ، وَرَسُولُ الله ◌َيّهَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ - أُرَّاهُ قَالَ: مِنْ أَدَمِ - فَخَرَجَ بِلَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا بِالْبَطْحَاءِ، فَصَلَّى إِلَيْهَا رَسُولُ الله يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ، وَعَلَيْهِ حُلَّةُ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ، قَالَ سُفْيَانُ: نُرَاهُ حِبَرَةً. إلى المنارات في التأذين إنما هو حيث يشتد الحر أو البرد، والله أعلم بالصواب. قوله: (إصبعاه في أذنيه) وقال بعضهم: في الإقامة [١] أيضاً يُدْخِلُ أصبعيه في أذنيه، ولا منع عنه عند الاحتياج إلى رفع الصوت بكثرة المصلِّين. (قال سفيان: نُراه حِبَرَةً) لما كان النبي عليه السلام قال في الحمرة ما قال احتاجوا إلى جواب ما ورد في هذا الحديث من لفظة: حلة حمراء، فأجاب بعضهم بأن لبسه هذا كان قبل النسخ، ثم نهي عنه، ولا يخفى ما في هذا الجواب من البُعد؛ فإن هذه القصة كانت في حجة الوداع، وقَضَى النبيِّ بعده بقليل، فَأَيَّانَ نُسِخَ؟ !. والجواب على ما قال سفيان: أن إطلاق الأحمر على ما فيه خطوط بيض وسود، وحمر وصفرة، لكن الغالب الخطوط الحمر غير قليل، كما أن إطلاق الأسود على ما فيه غلبة السواد غير قليل، والحبرة كذلك، فإنه نوع من الثياب مخطط، وتوصف بصفة الخطوط الغالبة. والمذهب(٢) في لبس الحمرة والصفرة أن المزَعْفَرَ والمعَصْفَرَ ممنوع عنه [١] كما حكاه الترمذي عن الأوزاعي. [٢] وفي ((الدر المختار))(١): كُرِهَ لبسُ المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال، مفاده أنه لا يكره للنساء، ولا بأس بسائر الألوان، وفي («شرح النقاية)) وغيرِه: لا بأس بالثوب الأحمر، ومفاده أن الكراهة تنزيهية، وصرح في ((التحفة)) بالحرمة، فأفاد أنها تحريمية، وهي المحمل عند الإطلاق، وللشرنبلالي فيه رسالة نقل فيها ثمانية أقوال، منها: أنه مستحب، انتهى. (١) ((رد المحتار)) (٥١٥/٩، ٥١٦). ٥٥٩ أبْوَابُ الصَّلَة قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي جُحَيْقَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤَذِّنُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَفِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أَذُنَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ اسْمُهُ: وَهْبُ (١) السُّوَائِيُّ. (٣٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّثْوِيِبِ فِي الفَجْرِ(٢) ١٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَاأَبُو إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله . (لَا تُتَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةً. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ بِلَالٍ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ أَبِي إِسْرَائِيلَ الْمُلَائِيِّ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. قَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. وَأَبُو إِسْرَائِيلَ اسْمُهُ: إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَلَيْسَ بِذَلِكَ(٣) الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. الرجال مطلقاً، والحمرة والصفرة غير ذلك، فالفتوى على جوازهما مطلقاً، لكن التقوى غير ذلك، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [(٣٢) باب ما جاء في التثويب في الفجر] [١٩٨] جه: ٧١٥، حم: ١٤/٦، تحفة: ٢٠٤٢. (١) في بعض النسخ: ((وهب بن عبد الله). (٢) في نسخة: ((بالفجر)). (٣) في (م): ((وليس بذاك))، وفي هامشه: ((وليس هو بذلك)). ٥٦٠ الكوكبُ الدُّرِّي وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ التَّثْوِيبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّثْوِيبُ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي التَّثْوِيبِ غَيْرَ هَذَا، قَالَ:(١) هُوَ شَيْءُ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ النَّبِّ ◌َ لِّ، إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَاسْتَبْطَأَ الْقَوْمَ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِسْحَاقُ هُوَ التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ(٢) أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالَّذِي أَحْدَثُوهُ بَعْدَ النَّبِّوَهِ وَالَّذِي فَسَّرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ أَنَّ التَّغْوِيبَ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَهُوَ قَوْلُّ صَحِيحٌ، وَيُقَالُ لَهُ: التَّثَوُّبُ(٣) أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي قوله: (فقال بعضهم: التثويب) إلخ، اختلفوا في كراهته واستحبابه، واختلافهم هذا مبني على اختلافهم في تفسيره، وجملة الأمر أن التكاسُلَ والتهاونَ في أمر الصلاة مكروه، فما أفضى إليه كُرِهَ، وما لا فلا، فمن فَسَّره بتثويب الفجر، وهو زيادة: الصلاة خير من النوم، استحبه، ومن فسّره بالإعلام بعد التأذين كرهه، وهو المذهب عندنا؛ إلا أن أبا يوسف خَصَّ منهم المشتغلَ بأمر المسلمين كالسلطان، والقاضي، ومن اشتغل بالفتوى؛ فإن في انتظارهم الصلاةَ في المسجد إضراراً بالمسلمين، وذلك لما ثبت أن بلالاً كان يُعْلِمُ النبي ◌َّ بعد الأذان لاشتغاله بشيء من الأمور (٤). قوله: (فاستبطأ القومَ)[١] أي: علم المؤذنُ وَظنَّ بُطْءَ القوم. [١] وجملة الكلام أن التثويب - وهو الإعلام بعد الإعلام - يطلَقُ على الإقامة أيضاً كما ورد = (١) زاد قبله في بعض النسخ: ((التثويب المكروه)). (٢) في نسخة: «قد کرهه)). (٣) في بعض النسخ: ((التثويب)) وهو الصواب. (٤) قال في ((أوجز المسالك)) (٢/ ٥٠): قد ثبت إعلام بلال رضي الله عنه للنبي وق ليلة إلى الصلاة بأحاديث، منها ما روي في الصحاح: أن بلالاً كان يؤذن، ثم يأتي رسولَ الله مَّيّ على باب الحجرة فيؤذنه لصلاة الصبح فيخرج، وسيأتي من أثر عمر رضي الله عنه أن المؤذن يأتي عنده يخبره بصلاة الصبح.