النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
منفكاً عن المني وقت خروجه؛ إذ الرواية صرحت بأن المني لا يخرج إلا وقد خرج
المذي قبله، يتحقق للرخصة معنى لعدم مصداقه، ويكون قول عائشة رضي الله
تعالى عنها: ((كنت أفركه من ثوب رسول الله)) وَلّ محتاجاً إلى ضرب من التأويل،
وإلا لزم التطهرُ من غير المني أيضاً، والاكتفاءُ فيه بالفرك.
والجواب أن الإذن بالشيء يستلزم الإذنَ بلوازمه الغيرِ المنفكةِ عنه، فلما كان
البول غيرَ لازم للمني في خروجه، والمذيُ لازماً، وقد عرف الشارع ذلك، ثم أذن
بالاكتفاء بالفرك في المني، عُلِمَ منه أن هذا القدرَ من المذي معفو عنه تبعاً، وإلا
لأورث حرجاً، ولا كذلك إذا كان المذي منفرداً من المني لا معه، فإنه غير معفو عنه
إذ ذاك؛ فلا بد من الغسل إذاً.
ثم لا يذهب عليك أن الإجزاء بالفرك والحتّ وغيره في الغليظ منه، لا الرقيق؛
لأن الفرك فيه لا يأتي بفائدة: من نحو التقليل والقلع، وهو المقصود. ولعلك عرفت مما
هنا أن الشرع إنما رخّص في الاكتفاء بالفرك في المني تخفيفاً منه ورخصةً مع الحكم
بنجاسته، فلا يُفْهَمُ منه طهارته؛ وأما قول ابن عباس [١] رضي الله تعالى عنه فالمراد فيه
= لم أجدها إلا ما ذكره ابن الهمام(١) وغيره من أهل الفروع من كلام شمس الإسلام(٢)، فتأمل.
[١] هو ما ذكره شراح ((الهداية)): المني كالمخاط فَأَمِطْه عنك ولو بإذخر (٣)، انتهى. قلت: وقد
روي بألفاظ مختلفة موقوفاً ومرفوعاً، وحكى الترمذي بلفظ: ((المني بمنزلة المخاط)).
(١) انظر: ((فتح القدير)) (١/ ٢٠٠) و ((رد المحتار)) (٥١٤/١).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر: شمس الأئمة.
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (١٩٩/١) وتكلم عليه ابن الهمام رفعاً ووقفاً.

٤٠٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٨٦ - بَابُ(١) فِي الْجُنُبِ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ
١١٨ - حَدَّثَنَا هَنَّدُ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
التشبيه بما شبهه به في الاكتفاء فيهما بالفرك، أو في زوالهما بالحكّ والحتّ، أو في
تقذر الطبع لهما معاً، لا في الطهارة والنجاسة، كيف وقد أمر هو نفسه بإزالته! وأصل
الأمر الوجوب ما لم تقم قرينة خلافه، فلا يضر قولُه هذا لمن قصد إثباتَ نجاسته شيئاً.
(٨٦) باب الجنب ينام قبل أن يغتسل، إلخ
كأنه جعل النوم قبل الغسل مصدقاً بنوعين، فإن النائم قبل الغسل إما أن لا يتوضأ
أيضاً كما أنه لم يغتسل، أو يكتفي بالوضوء ولا يغتسل، فأورد المؤلف كلَّ من هذين
النوعين في الترجمتين، وهذا بالنظر إلى نفس الروايات التي أوردها. وأما رأيه[١]
رضي الله عنه فلا يوافق إلا وجوبَ الوضوء أو استحبابَه، سيما في نقل فعله
وهذا الذي [٢] ذكره من نسبة الغلط إلى أبي إسحاق دون من أخذ منه مبني على أن
الآخذين من أبي إسحاق كثيرون ممن لا يكاد العقل يجوِّز تطابقَهم في الغلط، مثل
[١] كما يظهر من كلامِه على حديث أبي إسحاق، وترجيحِه حديثَ الوضوء.
[٢] ووافقه على ذلك أبو داود، كما صرح به في ((سننه))(٢)، وغيره أيضاً، كما ذكره الشيخ في
((البذل))(٣)، وقال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من ابن إسحاق، وإن تعقب الحافظ
الإجماعَ كما سيأتي.
[١١٨] د: ٢٢٨، جه: ٥٨١، ن في الكبرى: ٩٠٠٣، حم: ٦٤٣/٦، تحفة: ١٦٠٢٤.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)).
(٢) ((سنن أبي داود)) (ح ٢٢٨).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٠٠/٢-٢٠٢).

٤٠٣
أبْوَابُ الطّهَارَة
يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا
◌َ وٍ(١) صَلَلى بـ
إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ
وَسَيَّام
يَمَسُّ مَاءَ(٢).
١١٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفِيانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ.
قَال أَبُو عِيسَى: وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ
: أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.
وَاحِدٍ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ
شعبة والأعمش والثوري وغيرهم، فكان عزو الغلط إلى أبي إسحاق وحده أهون
منه إلى هؤلاء بأسرهم.
وأنت تعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى كان في سعة من ورُودِ هذا الإشكال
لو فعل؛ إذ الروايتان لا يَرُدُّ صدقُ إحداهما صدق الأخرى، فأية ضرورة إلى القول
بوهم أحد من الرواة مع إمكان الوجه الصحيح، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها
يمكن أنها ذكرت للأسود كلّا من الأمرين، إذ الظاهر أن النبي وَ لَّه وإن كان غالبَ
أحواله النومُ بعد الوضوء، إلا أنه لا يبعد أن يكون فعل هذا[١] أيضاً بياناً للجواز ولو
[١] وهذا هو الصواب كما بسطه الشيخ في (البذل))(٣) وبرهن عليه، وقال النووي (٤): هو عندي
حسن، قلت: ويؤيده ما روى الطبراني عن عائشة: كان ◌ّ إذا جامع بعضَ نسائه، فقبل أن
يقوم ضرب يده على الحائط، وروى البيهقي(٥) عنها: كان ◌َدية- إذا أجنب وأراد أن ينام توضأ
أو تیمم، وإسناده حسن، قاله ابن رسلان.
(١) في بعض النسخ: ((رسول الله)).
(٢) في بعض النسخ: ((لا يمس ماءً)) بإسقاط الواو.
(٣) ((بذل المجهود)) (٢/ ٢٠٢).
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢/ ٢٢٢).
(٥) («السنن الكبرى)) (٢٠٠/١).

٤٠٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَيَرَوْنَ(١) أَنَّ هَذَا غَلَطُ مِنْ أَبِي
إِسْحَاقَ.
مرة أو مرتين، كيف وذكرُ كل من الأمرين لا تتوقّف صحتُه على استغراق عادة هذا
الأمر كل زمان من أزمنته {َ ◌ّ، حتى يلزم التناقض بحمل كل منهما على الصحة [١]،
فقد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في غير موضع من أفعالهمَ لّ وعاداته في
أحواله ما دل على أن الأمر كان واسعاً عنده وَّة، ولم يكن يلتزم شيئاً من أمثال
هذه الأمور؛ خوفاً من أن يثقل على أمته القيامُ به عيناً، فقد قالت في قيام الليل: إنه
كان ينام ويصلي، وفي وتره: أنه أوتر من آخرِ الليل وأوسطِهِ وأولِهِ، وفي نومه بعد
الجنابة: أنه نام قبل الغُسل وبعده، فأية استبعاد على أنه نام قبل الوضوء !.
وهذا هو المذهب عندنا من أن النوم بعد الوضوء وإن كان يتضمن فضلاً ولا
كذلك النوم دونه، إلا أن ذلك لا يوجب إساءةَ وكراهةَ هذا.
قال الشوكاني(٢): ويجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه
أخرج ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) (٣) من حديث ابن عمر أنه سأل النبي التالية:
أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم، ويتوضأ إن شاء)).
[١] على أن الحديث صححه البيهقي، وأبو عبد الله الحافظ، وأبو الوليد، وأبو العباس بن سريج،
كما حكى عنهم الشيخ في ((البذل)) (٤).
(١) في نسخة: ((يرون)) بإسقاط الواو.
(٢) ((نيل الأوطار)) (٣٢٦/١).
(٣) ((صحيح ابن خزيمة)) (٢١١٢) و((صحيح ابن حبان)) (١٢١٦).
(٤) ((بذل المجهود)) (٢٠١/٢).

٤٠٥
أبْوَابُ الطَّهَارَة
٨٧ - بَابُ (١) فِي الوُضُوءِ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ
١٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ
ويحتمل[١] أن يراد بمس الماء المنفي في الرواية: المسُّ الكاملُ الذي
لا يغادر شيئاً من أجزاء جسمه المصدق بالغُسل، لا مطلقُه الشاملُ لكل مسِّ
المصدق بالوضوء والاستنجاء، وعلى هذا فلا تخالف هذه الرواية سائرَ الروايات؛
لأن المنفي فيها حينئذ هو الغُسل لا غير، فلا ينافيه ثبوتُ الوضوءِ ونحوِه في سائر
الروايات، وهذا وإن كان يستبعد فيما يبدو للناظر إلا أنه غير مستبعد نظراً إلى
محاوراتهم، فكثيراً ما يُؤْرَدُ القصرُ على وجه العموم، ولا يراد إلا القصر بالنسبة
إلى من فهمه المخاطب متفرداً بالنسبة أو متشاركاً للمقصور عليه في ثبوت النسبة،
ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((لا وضوء إلا من فساء أو ضراط))،
وقولُهُ مَ له: ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً إلخ))، وقوله: ((إنما الماء
من الماء))، مع اتفاق العلماء قاطبة على وجوب الغسل للحائض والنفساء إلى غير
ذلك، فافهم.
٨٧- باب في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام
[١] هذا توجيه ثان للجمع بين الروايتين، وبهذا جمع البيهقي(٢)، وحكاه عن أبي الوليد، وهو
عن أبي العباس بن سريج، كما في ((البذل))(٣).
[١٢٠] خ: ٢٨٧، م: ٣٠٦، جه: ٥٨٥، حم: ١٦/١، تحفة: ١٠٥٥٢.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)).
(٢) انظر: ((السنن الكبرى)) (٢٠٢/١).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢/ ٢٠١).

٤٠٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
◌َّ: أَيَنَامُ أُحَدُنَا وَهُوَ
صَلَلى
عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ
جُنُبُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأ).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأُمّ سَلَمَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُمَرَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابٍ وَأَصَحُّ، وَهُوَ
قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَلْهِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالُوا: إِذَا أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ
قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.
(أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا) إلخ، وهذا ندب إلى المندوب [١]
المستحب، لا أنه نفي لأصل الجواز، كما قدمنا آنفاً.
[١] أي عند الجمهور، وبه قلنا، وتوضيح مسالك الفقهاء في ذلك كما في ((الأوجز))(١): أن
الظاهرية وابن حبيب من المالكية قالوا بوجوبه، والجمهور والأئمة الأربعة باستحبابه، وما
نقل ابن العربي(٢) عن مالك والشافعي: أنه لا يجوز له أن ينام قبل أن يتوضأ؛ أُنكِرَ عليه، قال
ابن عبد البر(٣): لا أعلم أحداً أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وسائر الفقهاء لا يوجبونه،
وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. قال العيني(٤): وذهب طائفة إلى أن الوضوء
المأمورَ به الجنبُ هو غسلُ الأذى منه، وغسلُ ذكره ویدیه، وهو التنظیف، وذلك یسمی عند
العرب وضوءاً، قالوا: وابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، كما في ((الموطأ)»، وهو
روی الحدیث و علم مخرجه.
(١) ((أوجز المسالك)) (٥١٧/١، ٥١٨).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١ / ١٨٢).
(٣) ((الاستذكار)) (٣/ ٩٧).
(٤) ((عمدة القاري)) (٧٨/٣ عقب حديث ٢٨٧).

٤٠٧
أبْوَابُ الطّهَارَة
٨٨- بَابُ مَا جَاءَ فِي مُصَافَحَةِ الجُنُبِ
١٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، نَا حُمَيْدٌ
الطّويلُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُرَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
النَّبِيَّ لَّهُ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبُ، قَالَ: فَانْخَنَسْتُ(١) فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: ((أَيْنَ
(٨٨) باب ما جاء في مصافحة الجنب
وهذا وإن لم يذكره[١] المؤلف هاهنا إلا أنه مصرح به (٢) في تلك الرواية،
وبه يتم إيراده في هذا الباب، والمنفي في قوله: ((لا ينجس)) نجاسة لا يجوز معها
مخالطةُ الناس، ومصافحتُهم، والتکلمُ معهم، والخروجُ في الأسواق، وغیرُ ذلك من
المقاصد، كما يظنه كثيرٌ من العوام، وليس المنفي النجاسة مطلقاً أعم من الحقيقي
والحكمي، كيف والنجاسة التي حرَّمَتْ عليه قراءةَ القرآن، ومسَّ المصحف،
ودخولَ المسجد غير مُنكَرَةٍ !.
ثم إن النبي و چ وإن كان قد أخذ بيده جنباً ليمشي معه، لكنه رضي الله تعالى
عنه لما علم أنه عليه الصلاة والسلام سيرضى بفعلي الذي أفعله، لعلمه بأن النبي
عليه السلام يحب التطهر ويأمرنا به، لا سيما حين نلقى أحدَ صلحائنا، ذهب من
غير استئذان منه وَ له، ولم يعد هذا عصياناً منه ومخالفةً لأمره عليه الصلاة والسلام،
[١] يعني ذكر المصافحة، فإن الرواية التي ذكرها المصنف في هذا الباب ليس فيها ذكر للمصافحة.
[٢] ففي رواية للبخاري(١): فأخذ بيدي، فمشیت معه حتی قعد، فانسللت، فأتيت، الحدیث.
[١٢١] خ: ٢٨٣، م: ٣٧١، د: ٢٣١، ن: ٢٦٩، جه: ٥٣٤، حم: ٢٣٥/٢، تحفة: ١٤٦٤٨.
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٨٥).

٤٠٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
كُنْتَ أَوْ أَيْنَ ذَهَبْتَ؟» قُلْتُ: إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا، قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ(١) لَا يَنْجُسُ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ(٢).
ويستنبط من القصة وألفاظها مسائلُ:
منها: جواز مصافحة الجنب الذي عُقِدَ البابُ لأجله.
ومنها: أن النجاسة الحكمية لا تؤثر تلويثاً في غيره ولا تنجيساً ما لم يكن ثمة
نجس حقيقي، وإلا لما أمكن أن يعطي أبو هريرة له وَلِّ يَدَه النجسةَ.
ومنها: جواز خروج الجنب لحوائجه في الأسواق والمشاهد[١]؛ إذ لو لم يجز
لأنكر النبي وَ اللّه عليه خروجه من بيته جنباً حين علم به.
ومنها: جواز تأخير الغُسل ما لم تحضر الصلاة.
ومنها: جواز ترك الامتثال لأمر أحد من الأكابر، إذا علم أنه وإن كان أمر بما
أمر به صريحاً، غير أنه لا يسخط على مخالفته ويرتضيه؛ فإن الظاهر أنه عليه الصلاة
والسلام قصد مصاحبته له حين أخذ بيده، لكنه لما علم رضاه في خلافه لم يُبالِ
بمخالفة هذا الأمر، لعلمه أن هذه المخالفة لكونه خلافاً إلى خير لا يعد عصياناً، ولا
يوجب سخطه عليه الصلاة والسلام، ولذا لم ينكر عليه انخناسه(٣). وسؤاله بقوله:
[١] ولذا بوب البخاري في ((صحيحه)) على حديث الباب وغيره: باب الجنب يخرج ويمشي في
السوقِ وغيرِه، واستنبط الحافظان(٤) بنحو هذه المسائل التي أفادها الشيخ.
(١) الانخناس: التأخر، ((تاج العروس)) (١٦/ ٣٧).
(٢) في نسخة: ((المسلم)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((وابن عباس)).
(٤) يعني الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٣٩١/١) والحافظ العينيَّ في ((العمدة)) (٧٥/٣).

٤٠٩
أبْوَابُ الطَّهَارَة
قَال أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً(١) حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَخَّصَ
غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ، وَلَمْ يَرَوْا بِعَرَقِ الْجُنُبِ
وَالْحَائِضِ بَأْسًا(٢).
((أين كنت)) يدل على ما قلنا من كونه قَصَدَ كونَه معه ومصاحبتَه ومماشاته.
ومنها: سؤال الرجل عمن صدر منه ما فیه مساغ للإنکار ◌ُذره فیه ليعتذر لو
معقولاً، ويبينَ له الصوابَ، ويرشدَ إلى الحق، أو يعزز على ما ارتكبه لو افتقر إليه.
ومنها: أن لا يبادر إلى التعنيف ما لم يعلم باعثه على ما فعله.
ومنها: جواز التكلم بين يدي الأكابر والعلماء ولو أئمة وخلفاء بأمثال تلك
الأمور التي لا تُسْتَقْبَحُ شرعاً، كيف ولو سكت أبو هريرة عن ذكره حياء لَعُدَّ هذا عصياناً
منه، حين يسأله النبي وَ لَّه وهو لا يجيبه، وبذلك يُعْلَمُ أن ما شاع في جهلة زماننا مِن عدِّ
أمثال هذه الكلمات مع كبرائهم وقاحة، حتى إن أحدهم يَظَلَّ يومه جنباً، ولا يتمكن من
الغسل حياء من أهل بيته وإن فاتته في ذلك صلاة أو صلوات؛ فإنه يبعد عنه أن يغتسل
وهو بمرأی من أعينهم، أو بحیث یعلمون به ولو غيباً، وكان من قلة حيائه من ربه تعالى
أنه عَدَّ قضاءً فرضٍ صلاته حياء مع أنه ليس في شيء منه، وإنما كان ذلك حيلة من
شيطانه تسبب بها إلى ارتكاب عصیانه، وکاد یبلغ إلی أن یُسْلَبَ عنه نورُ إيمانه.
ومنها: جواز الحكم على الشيء بلفظ أعمَّ من المعنى المقصود إثباته ونفي
الشيء عنه وإن لم ينتف غير نوع منه معلوم، فإن قوله والي: ((إن المؤمن لا ينجس)) مع
(١) زاد في بعض النسخ: ((أنه لقي النبي
هَ اللهِ
وهو جنب)).
(٢) زاد في (م): ((ومعنى قوله: فانبجست يعني: تنحيت عنه))، وفي (ب): ((قَالَ أَبُو عِيسَى:
فانبجست بمعنی: تباعدت وتنحیت)).

٤١٠
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
٨٩- بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ
١٢٢- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أَمُّ سُلَيْمِ ابِنْهُ(١)
ما ثبت له من النجاسة المعتبرة عند الشرع بأنواعها: الحدث، والجنابة، والحيض،
والنفاس، بعضها فوق بعض، حتى إنه حرَّم عليه في كثير منها قيامَه بأكثر القربات
مع تلبسه بها: مشيرٌ إشارةً نابت مناب التصريح بأن الشيء كثيراً ما يطلق على الشيء
والمراد إثباتُ بعضٍ أنواعه له، وأن كثيراً ما ينتفي عنه بانتفاء بعض أنواعه وإن كان
ظاهر اللفظ يدل على العموم، إلا أنه لا ضير فيه بعد حصول المقصود، فإن من
الظاهر الذي لا يكاد يستره ساتر أن المخاطب لا يلتبس عليه المراد بهذا الإطلاق،
وبهذا ينحلّ كثير من الروايات التي تظن أنها تخالف غيرَها، حيث أَثْبِتَ في إحداها
الحكمُ مع نفيه في أخراها، فتلك المخالفة إنما نشأت من حمل كلتيهما على العموم
الجنسي، ولو حملنا على العموم النوعي لم يكن بينهما معارضة.
ومنها: استحباب الطهارة للحضور بين يدي العلماء [و] الصلحاء.
(٨٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي المَرْأَةِ تَرَى مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ
وهذا وإن كانت قد سبقت إليه إشارةٌ مّا إلا أنه كان استطراداً وتبعاً لذكر الرجال،
فأراد الإشارةَ إلى حكمهن أصالة، فإن كان الكلام في الأول مسوقاً للرجال، وهاهنا
لا ذکر لغیرھن أصلاً.
[١٢٢] خ: ١٣٠، م: ٣١٣، ن: ١٩٧، جه: ٦٠٠، حم: ٦/ ٢٩٢، تحفة: ١٨٢٦٤.
(١) في نسخة: ((بنت)).

٤١١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
مِلْحَانَ إِلَى النَّبِيِّ وَ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ اللّه لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،
فَهَلْ عَلَى الْمَزْأَةِ - تَعْنِي غُسْلا(١) - إِذَا هِيَ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ؟
قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ)). قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ لَهَا: فَضَحْتِ
النِّسَاءَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ.
قَال أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ
الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِى الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ فَأَنْزَلَتْ أَنَّ عَلَيْهَا الْغُسْلَ، وَبِهِ
يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ(٢).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ وَخَوْلَةَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسِ(٣).
(إن الله لا يستحيي) إلخ، هذا اعتذار منها عن تبادر مثل ما سَأَلَتْ عنه،
ومعنى قولها: ((إن الله لا يستحيي من الحق))، أنه لا يأمر بها ولا يرتضيها، ثم إن
قول أم سليم: (فضحتِ النساءَ) معناه: أنكِ أعلمتِ النبي وَلَّ بكثرة شهوتهن،
حتى إنهن يرين بأمثال تلك الأحلام، وهذا القول منها جرى على حسب العادة،
وتكلم بما تقتضيه الطبيعة، وإلا فشأنه روسية أرفع من أن يخفى عليه مثلُ هذا الأمر
حتى يعرفه بقولها.
(١) في بعض النسخ: ((الغسل)).
(٢) زاد في (ب): ((وأحمد وإسحاق)).
(٣) زاد في نسخة: ((قَالَ أَبُو عِيسَى: بنت ملحان هي أم أنس بن مالك».

٤١٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٩٠- بَابُ(١) فِى الرَّجُلِ يَسْتَدْفِئُ بِالمَرْأَةِ بَعْدَ الغُسْلِ
١٢٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ حُرَيْثٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ النَّبِىُّ وَلَّ مِنَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأْ بِي،
فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَلَمْ أَغْتَسِلْ.
(٩٠) باب في الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغُسل
وهذا الحديث يدل على طهارة سؤر المرأة المجنبة [١]، كالرجل المجنب،
وكذلك الحكم في الحائض والنفساء؛ فإن نجاسة المذكورين حكمية لا غير،
وكذلك الحكم في العَرق لاتحاد حكمهما لتولدهما من اللحم معاً، فلما استدفأ
النبي ◌َلَّه بها وهي لم تغتسل ولم يكن بد من التماس، وبدنه وَلَّهِ مُبْتَلّ بالماء؛ دل
ذلك على طهارة العَرق والسؤر معاً.
ثم إن الرواية دالة أيضاً على طهارة المستعمل من الماء، فإن الماء المستعمل
هو المنفصل عن عضو المتطهر بعد الطهر، ولا شك أنه وَلّه لما استدفأ بها ينفصل
عن جسده الشريف شيء من البلة، ويبتل بها شيء من ثيابٍ عائشة رضي الله تعالى
عنها وجسدِها، ثم يعود النجس إليه ◌َلله، ولم يثبت في شيء من الروايات الضعيفة
أو القوية أنه كان يعاود إلى غَسل مواضع إصابة هذا الماء، فيثبُتُّ المدعى لا محالة.
[١] إذ لا فرق بين السؤر والعَرق، فقد صرح الفقهاء(١) قاطبة أن عرقَ كل شيء معتبرٌ بسؤره.
[١٢٣] جه: ٥٨، تحفة: ١٧٦٢٠.
(١) فقد قال ابن قدامة في ((المغني)) (١/ ٧٣): كل حيوان فحكمُ جلدِه وشعرِه وعرقِه ودمعِه
ولعابِه حكمُ سؤره في الطهارة والنجاسة.

٤١٣
أبْوَابُ الطّهَارَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسُ(١). وَهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّوَلَّهِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اغْتَسَلَ فَلَا
بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدْفِئَ(٢) بِامْرَأْتِهِ وَيَنَامَ مَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ، وَبِهِ يَقُولُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
(وبه يقول سفيان) إلخ، والاكتفاء بذكر من ذكر إما لعدم ظفره بالتصريح
عن غيرهم، أو لأن ذِكْرَهم يغني [١] عن ذكرهم؛ إذ المخالفة لا بد لها من التنصيص
عليها، وأما الوفاق فلكونه أصلاً لا يتوقف الحكم به على تصريحه به فافهم، ولا
يبعد القولُ بكونه لم يقف على مذهب الآخرين في تلك المسألة لا صراحة ولا
دلالة، والله تعالى أعلم.
[١] قال ابن المنذر (٣): أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت ذلك عن ابن
عمر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم من الفقهاء، كذا في ((الأوجز)) (٤) عن ((المغني)) (٥).
وقال العيني(٦): المؤمن لا ينجس، وإنه طاهر، سواء كان جنباً أو محدثاً، حيّاً أو ميتاً، وكذا
سؤره وعرقه ولعابه ودمعه، وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة، انتهى. وبسط
الكلام علی ذلك، فارجع إلیه إن شئت.
=
(١) قال ابن سيد الناس بعد إيراد كلام الأئمة في حريث: ومن كان بهذه المثابة من الجرح من
غير تعديل يعارضه، ففي ارتفاع البأس نظر، وقال ابن العربي في «العارضة)) (١ / ١٩١):
هذا حديث لم يصح ولم يستقم فلا يثبت شيء. ولكن قال القاري في ((المرقاة)) (٤٣٨/٢):
سنده حسن، والله أعلم.
(٢) في بعض النسخ: ((أن يستدفئ)).
(٣) ((الإجماع)) (ص: ٣٤).
(٤) ((أوجز المسالك)) (٥٤٩/١).
(٥) («المغني)) (٢٨٠/١).
(٦) ((عمدة القاري)) (٧٢/٣).

٤١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٩١ - بَابُ التََّمُّمِ(١) لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ
١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا: نَا أَبُو أَحْمَدَ
الزُّبَيْرِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه(٢) وَ قَالَ: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ(٣)،
(٩١) باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء
(الصعيد الطيب طهور المسلم) إضافته(١) إلى المسلم مع العلم بكونه
محتاجاً إلى إزالة الحدثين الأصغر والأكبر جميعاً، مشعرة بأن التراب مطهر له عن
جنابته كتطهيره له عن حدثه الموجب للوضوء، مع أن المسلم بحسب عادته الجارية
على أكثر أفراده لا يستغني عن الغسل، ولا يكاد يسلم عن موجباته عشر سنين [٢]،
= وقال ابن قدامة (٤): سؤر الآدمي طاهر، سواء كان مسلمًا أو كافراً عند عامة أهل العلم، إلا أنه
حُكِيَ عن النخعي أنه كره سؤرَ الحائض.
[١] يعني أن استدلال المصنف على جواز التيمم للجنابة بأنه تم ◌ّ جعل الصعيد طهوراً له، وهو بعمومه
يتناول الطهور عن الحدثين معاً لعدم التقييد، ولأنه لا بد أن المسلم يحتاج إليهما معاً في عشر سنين.
[٢] واستدل الحنفية ومن معه بذلك الحديث على أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، كما بسط
في ((الأوجز))(٥)، وأيضاً استدل الجمهور خلافاً للمالكية بقوله: ((فَأَمِسَّه جلدَك)) على أن
الدلك لا يجب في الغُسل، كذا في ((الأوجز))(٦).
[١٢٤] د: ٣٣٢، ن: ٣٢٢، حم: ١٥٥/٥، تحفة: ١١٩٧١.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في التيمم)).
(٢) في نسخة: ((النبي)).
(٣) في نسخة: ((وضوء المسلم)).
(٤) ((المغني)) (٦٩/١).
(٥) انظر: ((أوجز المسالك)) (١ / ٥٦١، ٥٦٢).
(٦) انظر: ((أوجز المسالك)) (١ /٤٩٩).

٤١٥
أبْوَابُ الطّهَارَة
وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا(١) وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ
خَيْرٌ)). وَقَالَ مَحْمُودُ فِي حَدِيثِهِ: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
فلا بد من القول بجواز التيمم لإزالة الجنابة، وبذلك يظهر مطابقة الرواية للترجمة.
(فإن ذلك خير) استعمال(١) صيغة التفضيل يشير إلى الخيرية في كليهما،
فإن أصل الفعل ما لم يوجد في الفاضل والمفضول جميعاً لم يَصِحَّ إطلاقُ صيغة
التفضيل، وهذا يستدعي جوازَ الاكتفاء بالتيمم وإن وجد الماءَ، والجواب أما أولاً
فبأنه من قبيل قولهم: ((أعلَمُ من الجدار، وأَفْقَهُ من الحمار))، أو هو مجرد [٢] عن
معنى التفضيل.
وأما ثانياً فبأن المعنى تفضيله عليه، ولكن لا عليه مطلقاً، بل مقيداً بعدم الماء،
والمعنى: فإن استعمال الماء خير من استعمال التراب عند عدم الماء، ولا شك
في ثبوت الخيرية فيه عند ذاك، ولا يلزم منه ثبوته له عند وجود الماء أيضاً، وصار
الحاصل أن الاكتفاء بالتراب وإن كان مجزياً عند عدم الماء إلا أن الطهارة بالماء
[١] فإن الخير يستعمل في الاسم، وبمعنى أفعل التفضيل أيضاً، كما بسطه الراغب(٢)، وقال
النووي في ((لغاته))(٣): فلان خير الناس، ولا تقل: أخير، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه في معنى
أفعل، انتھی.
[٢] كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤]، قاله أبو الطيب(٤).
(١) في بعض النسخ: ((وإذا)).
(٢) انظر: ((المفردات)) (ص: ١٦٧).
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣/ ١٠٠).
(٤) انظر: ((الشروح الأربعة)) (١٤٥/١).

٤١٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِى
قِلَابَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّبُ عَنْ
أبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يُسَمِّهِ.
وَهَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ(١).
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ إِذَا لَمْ يَجِدِ (٢) الْمَاءَ
تَیَمَّمَا وَصَلَّیَا.
وَيُرْوَى(٣) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ
أكمل، وبهذا يُعْلَم أن راجيَ الماء يؤخّر الصلاة إلى آخر وقتها لتقع صلاته بأكمل
الطهارتین، فإن استعمال الماء بعد وجوده خير من الاكتفاء بالتراب عند عدمه.
وأما ثالثاً فبأن التيمم خلف عن الوضوء، وهذا هو المعنى بالخيرية في
الوضوء، فلما كان الوضوء أصلاً والتيمم خلفاً لم يجز الاكتفاء بالتيمم عند قدرته
على الوضوء؛ لِمَا يلزم فيه من العمل بالخلف عند قدرته على الأصل، فافهم.
(ويروى عن ابن مسعود(١] أنه كان لا يرى) إلخ، هذا على ما روى
[١] تيممُ الجنبِ مجمع عليه عند عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، إلا ما =
(١) زاد في نسخة: ((صحيح)، واختلفت نسخ الترمذي ها هنا، فوقع في النسخ الموجودة عندنا: ((هذا
حدیث حسن)، وقال المنذري في ((تلخیص السنن)): قال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى،
وقال ابن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد والترمذي وصححه، انتهى، كذا في
((تحفة الأحوذي)) (١ / ٣٣٠)، وقال الذهبي في («الميزان)) (٣/ ٢٤٧) حسنه الترمذي، ولم يرقه إلى
الصحة للجهالة بحال عمرو، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيحه في ((المستدرك)) (١ /٢٨٤).
(٢) في الأصول الخطية: ((لم يجدا)) بصيغة التثنية، وهو الظاهر.
(٣) في بعض النسخ: «وروي)).

٤١٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
الْمَاءَ. وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فَقَالَ: يَتَيَّمَّمُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَبِهِ يَقُولُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
بعضهم منه مذهبه ظاهر، إلا أنه يبعد من هذا البحر المدرَهِ (١) النِّحْرِيرِ أن يخفى
عليه هذا الحكم الذي لا يكاد يخفى على جليل ولا حقير؛ كيف! ومن أهل
التفسير من ذهب إلى أن المراد باللمس في الآية هو الوطء لا المس، ويروى
هذا التفسير عن ابن مسعود أيضاً، فالحق أنه رضي الله تعالى عنه لم ينكر أصلَ
شرعية التيمم للجنب ومن في حكمه، وإنما أراد رَدَّ العوام عما هم عليه من
المبادرة إلى التيمم بأدنى ما يعتري لهم من المرضِ وغيرِه وإن لم يبلغ إلى حد
يبيح التيممَ، وهذا الذي ذكرنا هو الظاهر لمن تتبع آثارَه وأقواله، وجعل يتفحص
أحواله وأفعاله، ثم في صنيعه رضي الله تعالى عنه دلالة على أن بعض المسائل
الشرعية يجوز أن يخفى عن العوام إذا تضمن إظهارُه عليهم مفسدة، أو كان في
إخفائه عنهم مصلحة مرصدة، فافهم.
= روي عن عمر وابن مسعود والنخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن الأولين رجعا عن
ذلك، قال ابن العربي(٢): حكي عن ابن مسعود أنه لم يره، وانعقد الإجماع بعد ذلك على
جوازه للنصوص، كذا في ((الأوجز))(٣)، قلت: والأوجه في سبب إنكارهما ذلك ما أفاده
الشیخ، ويؤيده ما ورد عنهما من الآثار.
(١) قال ابن الأثير في ((النهاية)) (٣١٠/٤): المِدْرَهُ: زعيمُ القوم وخطيبُهم والمتكلّم عنهم،
والذي يرجعون إلى رأيه.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١ / ١٩٢).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٥٧٤/١).

٤١٨
الكَوْكَبُ الدُّرِي
٩٢- بَابُ(١) فِي الْمُسْتَحَاضَةِ
١٢٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ وَعَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابِنَةُ(٢) أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِّ ◌َ
(٩٢) باب في المستحاضة [١]
اعلم أن مسألة المستحاضة قد تحيرت فيها الأفهام(٢)، وزلّت فيها الأقدام،
قد تشتت فيها أراء العلماء، واختلفت فيها أقوال الفقهاء، وقد قرر الأستاذ العلامة
والبحر النحرير الفهّامة هاهنا تقريراً يشفي البالَ، ويذهب البلبال، فنلقيه عليك كما
ألقاه علينا، ونفيده لك كيما تقر عيناً(٣].
[١] أصلها من الحيض، لحق الزوائد للمبالغة، وقيل: للتحول من دم الحيض إلى غير الحيض،
ولا يستعمل فعلُها إلا ببناء المجهول، يقال: استُحِيضَتِ المرأةُ فهي مستحاضة، وحكمها
حكم الطاهرات في العبادات إجماعاً، وكذا في الوطء عند الجمهور، هكذا في ((الأوجز))(٣).
[٢] قد أقر العلماء الفحول بالتحير فيها، وأفردوا التصانيف فيها، ومع ذلك كله لم تُفْتَحْ بَعدُ
مقفّلاتُها، ولم تَنْحَلَّ مشكلاتُها، قال ابن العربي (٤): وما أبصر بصري وبصيرتي في إقامتي
ورحلتي من يقوم على مسائل الحيض إلا واحداً من علمائنا، وهو أبو محمد إبراهيم بن
أمدية المقدسي، فإنه كان جعلها سميرَ عينيه ولديمَ فكره حتى استقل بأعبائها، وفتح
مقفّلاتها، وحصّل فروعها، غير أن أحاديثها والقولَ عليها ربما قصر فيها، انتهى.
[١] أي: كي تقر بهذا التقرير عينكَ.
[١٢٥] خ: ٢٢٨، م: ٣٣٣، د: ٢٨٢، ن: ٢١٧، جه: ٦٢١، حم: ٦/ ٤٢، تحفة: ١٧٠٧٠.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)).
(٢) في بعض النسخ: ((بنت)).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٦٠٣/١، ٦٠٤).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ١٩٩).

٤١٩
أبْوَابُ الطّهَارَة
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي امْرَأَةً أُسْتَحَاصُ فَلَا أَظْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: ((لَا،
إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقُ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أُقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا
أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلَّي)).
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ: تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ
الْوَقْتُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمَّ سَلَمَةً.
فنقول: إن المؤلف - رحمه الله تعالى، جزاه الله عنا وعن سائر أصحاب
المذاهب خيراً - عقد لبيان هذه المسألة أربعة أبواب؛ لما فيها من الاختلاف الوافر،
والأحاديث التي كل منها يقضي على خلاف الآخر فيما يبدو للناظر، فالباب الأول
معقود لبيان أن المستحاضة ليست في حكم الحائض حيث لا تمنعها الاستحاضةُ
صوما١ً]، ولا صلاة ولا غيرَها، بخلاف الحائض، وهذا الباب وإن كان المقصود
عنه ما ذكرنا، إلا أنه ذكر فيه بعض أحكام المستحاضة الجارية عليها عند قوم، ولكن
هذا الذکر تبع واستطراد.
والباب الثاني معقود لبيان حكم المستحاضة عند قوم[٢]، وهو أنها تتوضأ لكل
[١] وتقدم قريباً أنه إجماع، ولم يختلفوا في ذلك إلا في الوطء، فكذلك عند الجمهور منهم
الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، وفي أخرى له: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك، وفي رواية:
لا يجوز إلا أن يخاف زوجُها العنتَ، كذا في ((الأوجز))(١).
[٢] وهم الجمهور، مع الاختلاف فيما بينهم أنها تتوضأ لكل فرضٍ صلاةٍ، أو لكل وقتٍ صلاةٍ،
وتوضيح ذلك أن الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن المستحاضة لا يجب =
(١) ((أوجز المسالك)) (٦٤٠/١).

٤٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِي
قَال أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ(١) حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ
وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِىُّ: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا جَاوَزَتْ أَيَّامَ
أَقْرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
صلاة، ومستندهم في ذلك ما رواه في هذا الباب من أنها تغتسل وتتوضأ عند كل
صلاة.
والباب الثالث لما رُوي من حكم المستحاضة في رواية أخرى، وهو الجمع
بين الصلاتين: الظهر والعصر في غسل، وبين المغرب والعشاء في غسل، وإفراد
صلاة الفجر بغسل، وهو متمسك لقوم أيضاً، كما سيذكره.
والباب الرابع لبيان حكمها عند آخرين، واستدلالهم بحديث أم حبيبة المروي
في هذا الباب.
هذا، وقد اختار إمامنا الأعظم الهمام القدوة الأفخم روايةَ ((الوضوء لكل
صلاة)) بحمل اللام فيها على الوقت، كما هو الشائع فيها لوقوعه مفسراً[١] في
= عليها الغُسل إلا مرة واحدة عند انقضاء حيضها إلا المتحيرة، ثم بعد الغسل اختلفوا في
الوضوء، فقالت المالكية: لا ينقض وضوؤها بدم الاستحاضة للعذر، وما ورد في الروايات
من الوضوء محمول عندهم على الندب، وقالت الأئمة الثلاثة: يجب عليها الوضوء. ثم
اختلفت الثلاثة في وقت وجوب الوضوء، فقالت الشافعية: يجب عند كل صلاة، وقالت
الحنفية والحنابلة: عند وقت كل صلاة، ووهم من حكى مسلكَ الحنابلة موافقاً للشافعية،
كما بسط في ((الأوجز))(١).
[١] فقد روى إمام الأئمة أبو حنيفة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي وَل قال =
(١) ((أوجز المسالك)) (١/ ٦٣٦، ٦٣٧).