النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
أَبْوَابُ الطّهَارَة
عَمْرٍ و الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَسُولَ الله(١) فَلَ قَاءَ فَتَوَضَّأُ(٢)، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ
فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ(٣) فَقَالَ: صَدَقَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ.
ثم إن التعقيب بالفاء في قوله: قاء فتوضأ، مما يدل على كونه علة له، لترتبه
عليه ترتبَ الأجزية على شروطها، والتقييد بكونه ملأ الفم لتحقق النجاسة إذاً لكونه
منبعثاً من قعر المعدة، وهي محل النجاسة، دون ما إذا كان دون ذلك[١]، ولتخصيص
الروايات بذلك، فإن الروايات في ذلك مختلفة، تدل بعضها على انتقاض الطهارة
= وروى الخلال بإسناده عن ابن جريج، عن أبيه مرفوعاً: إذا قلس أحدكم فليتوضأ، قال ابن
جريج: وحدثني ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعاً مثلَ ذلك (٤)، وأيضاً فإنه قول من سمينا من
الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فيكون إجماعاً، انتهى مختصراً.
[١] قال ابن قدامة(٥): وقد روى الدار قطني بإسناده عن النبي قوله أنه قال: ليس الوضوء من
القطرة والقطرتين، انتهى. قلت: واستدل به صاحب ((الهداية))(٦) أيضاً.
(١) في بعض النسخ: ((النبي)).
(٢) في (م): ((قاء فأفطر فتوضأ))، وفي هامشه: قوله في الأصل: ((قاء فتوضأ)) وهو في نسخة،
والذي في نسخة (ة): ((قاء فأفطر))، وهكذا هذا الحديث بهذا اللفظ معزواً في ((الأطراف))
(٢٣٣/٨) إلى أبي داود والترمذي والنسائي، إلا أن أبا داود والنسائي أورداه في باب الصوم.
(٣) في بعض النسخ: ((فذكرت له ذلك)).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) والدارقطني (١٥٤/١) والبيهقي (١/ ١٤٢) وانظر لزاماً ما
ذكره ابن التركماني.
(٥) ((المغني)) (٢٤٨/١) ولفظه عند الدار قطني (١٥٧/١): ليس في القطرة والقطرتين من
الدم وضوء إلا أن یکون دماً سائلاً.
(٦) ((الهداية)) (١ / ١٧).

٣٤٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ، قَالِ أَبُو عِيسَى: وَابْنُ أَيِي
طَلْحَةَ أَصَحُّ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ لَ ◌ّهُ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ الْوُضُوءَ مِنَ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي
الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ(١)
هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَرَوَى مَعْمَرُ هَذَا
الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِى كَثِيرٍ فَأُخْطَأْ فِيهِ، فَقَالَ: عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ
بالقيء، والبعض الآخر بعدم انتقاضها به، والجمع بينهما[١] حملُ الرواية الأولى
على الكثير، والثانية على القليل، وأيضاً فقد ورد في قول علي رضي الله تعالى عنه:
أو دسعة تملأ الفم [٢].
(وقد جَوَّدَ حسين المعلِّم) إلخ، أي: أورد هذا الحديث جيداً.
وروى (معمر هذا الحديث) إلخ، فيه خطأ من وجهين بل ثلاثة: ترك الأوزاعي،
[١] وبهذا جمع بينهما صاحب ((الهداية))(٢) فقال: وإذا تعارضت الأخبار يُحْمَلُ ما رواه الشافعي
على القليل، وما رواه زفر على الكثير.
[٢] ذكره في ((الهداية)) فقال: وقول علي حين عَدَّ الأحداثَ: أو دسعة تملأ الفم. وذكر الزيلعي(٣)
أنه غريب، ثم قال: وأخرج البيهقي في ((الخلافيات)) عن أبي هريرة مرفوعاً: يعاد الوضوء من
سبع، وعدّ فيها: دسعة (٤) تملأ الفم، ثم قال: وضعّفَ؛ فإن فيه سهل بن عفان والجارود بن
یزید، وهما ضعیفان، انتھی.
(١) زاد في نسخة: ((عن يحيى بن أبي كثير)).
(٢) ((الهداية)) (١ / ١٧).
(٣) ((نصب الراية)) (٤٤/١).
(٤) وفي ((القاموس)) (ص: ٦٥٩): الدسع كالمنع: الدفع، والقيء، والملء.

٣٤٣
أبْوَابُ الطّهَارَة
خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْأَوْزَاعِيَّ، وَقَالَ: عَنْ خَالِدِ بْنِ
مَعْدَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةً(١).
٦٥ - بَابُ(٢) الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ(٣)
٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي فَزَارَةً، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الله
فإنه قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، والثاني وضع خالد بن معدان
موضع معدان بن أبي طلحة، والثالث ترك قوله: عن أبيه.
(٦٥) باب الوضوء بالنبيذ
النبيذ أقسام(١): نقوع التمر غير مطبوخ، ولا امتراء في جواز الوضوء وإن لم
يسلّمه المخالفون، كيف والأخبار فيه مستفيضة، وقال النبي وَله: «تمرة طيبة وماء
طهور))، وهو منادي الصُّمِّ بصوت جهوري أن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه من
الطهورية، سواء كان ذلك الشيء مما يُقْصَدُ به النظافة أو لم يكن، وإنما الخلاف
[١] قال ابن عابدين(٤): محل الخلاف ما إذا ألقي في الماء تميرات حتى صار حلواً رقيقاً غير
مطبوخ ولا مسكر، فإن لم يحْل فلا خلاف في جواز الوضوء به، أو أسكر فلا خلاف في عدم
الجواز، أو طُبِخَ فكذلك في الصحيح، كما في ((المبسوط))، ورجح غيرُه الجوازَ، انتهى. فعلم من
ذلك أن النبيذ أربعة أنواع، ومراد الشيخ القسمُ الأخيرُ من أنواع ابن عابدين المختَلَفُ فيه عند=
[٨٨] د: ٨٤، جه: ٣٨٤، حم: ١ / ٤٠٢، تحفة: ٩٦٠٣.
(١) زاد في نسخة: ((وحسين المعلم هو حسين بن ذكوان)).
(٢) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في)).
(٣) في بعض النسخ: ((من النبيذ)).
(٤) ((رد المحتار)) (٣٨٩/١).

٣٤٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلَنِي النَّبِيُّ ◌َ لَيهِ: (مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟)) فَقُلْتُ: نَبِيذُ، فَقَالَ: ((تَمْرَةُ
طَيِّبَةٌ وَمَاءُ طَهُورٌ)). قَالَ: فَتَوَضَّأْ مِنْهُ.
واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه، وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حد السكر
لكنه صار حلواً، وأما القسم الثالث الذي صار مسكراً فلا يجوز التوضؤ به عندنا
أيضاً، فنقول: لما كان إطلاق النبيذ على النقيع وجب أن يحمل على أحد القسمين
الباقيين، ومن الظاهر أن عبد الله بن مسعود ذلك الفقيه الأجلّ، شأنه أرفع من أن
= صاحب ((المبسوط)) وغيره، وتوضيح ذلك أن الماء إذا ألقي فيه تميرات حتى صار حلواً رقيقاً
غير مطبوخ فيجوز الوضوء به عندنا مطلقاً، سواء وجد الماء أو لا؟ خلافاً لهم، وهذه مسألة
لا خلاف فيها عندنا، وهي مسألة الماء المخلوط بالشيء، وهم لا يجوِّزون الطهارةَ بذلك،
ولذا يؤولون روايات غسل الميت بالماء والسدر، وروايةَ خلط الملح في غسل المستحاضة،
وروايةَ غسل الكافر بماء وسدر، وغسلَه ◌ِّ رأسه بالخطمي والاجتزاءَ بذلك، وغيرَ ذلك من
الروايات الكثيرة، والحنفية قائلون بجواز ذلك لهذه الروايات وغيرها، وهذه المسألة هي التي
قال فيها الشيخ: لا امتراء فيها، ومسألة أخرى هي خلافية بيننا أيضاً، وهي مسألة النبيذ، وهي
الذي قال فيها الشيخ: إنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه.
قال العيني(١): قال ابن بطال: اختلفوا في الوضوء بالنبيذ، فقال مالك والشافعي وأحمد: لا
يجوز الوضوء بِنِيِّه(٢) ومطبوخِه مع عدم الماء ووجوده، تمراً كان أو غيره، وقال أبو حنيفة:
لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء، فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة، وقال الحسن:
جاز الوضوء بالنبيذ، وقال الأوزاعي: جاز بسائر الأنبذة، وروي عن علي أنه كان لا يرى
بأساً بالوضوء بنبيذ التمر، وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ
الحلو أحبّ إلي من التيمم، وجمعهما أحب، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٢/ ٦٨٣) باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا بالمسكر.
(٢) في ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٠): ناءَ: بَعُدَ، واللَّحْمُ يناءُ، فهو نِيءٌ: لم يَنْضَجْ.

٣٤٥
أبْوَابُ الطّهَارَة
قَال أَبُو عِيسَى: وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الله
يأخذ في إداوته ما بلغ الإسكار وصار حراماً، لا سيما وكان مطمح نظره أن يشربه
النبي ◌ِّله، فإنما كان قد أخذ النبيذ الحالي لوفور رغبته مَثّ في شرب الحالي، فلم
يبق المفتقر إلى الإثبات إلا القسم الثاني، وهو ما حصل له بالطبخ تغيرٌ ما، ولم يبلغ
أن يسكر؛ فالتوضؤ بذلك الماء الذي لم يبق ماء مطلقاً وإن لم يَجُزْ نظراً إلى ظاهر قوله
تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ﴾ [المائدة: ٦] لأنه لم يبق ماء مطلقاً، والآية تتناول المطلقَ منه إلا
أن فعله ◌َّ صار تفسيراً للآية، ببيان أن هذا الماء ملحق بالماء المطلق، وتُرِكَ القياسُ في
مقابلة النص، وكيف لا، والحديث(١] صحيح أقرَّ به الترمذي في التفسير [٢]؟.
وأما قولهم: إن ابن مسعود رضي الله عنه لم يكن معه ◌َّ ليلة الجن، مستنداً
بما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: لم يك مع النبي ◌َّ ليلة [٣] الجن منا أحد (١)،
[١] كيف وقد رواه أربعة عشر رجلًا مثلَ ما رواه أبو زيد، بسطها العيني (٢) في شرح البخاري،
وتبعه الشيخ في ((البذل))(٣).
[٢] قلت: الحديث الذي أقرّ الترمذي(٤) بصحته في ((التفسير)) هو حديث: اغتيل أو استطير،
والحديث الذي ذكر فيه كونَ ابن مسعود معه مِثّ، وقال فيه: حسن غريب صحيح من هذا
الوجه، ذكره قبیل «التفسیر)).
[٣] قال ابن رسلان: نقل ابن السمعاني أن ابن المديني نقل باثني عشر طريقاً أن ابن مسعود كان
مع النبي ټ ﴾ ليلة الجن، انتهى.
(١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٩٦).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢/ ٦٨٤).
(٣) ((بذل المجهود)) (١ /٤٥١).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٣٢٥٨).

٣٤٦
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
عَنِ النَّبِيِّ
قَّهِ، وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلُ مَجْهُولُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَا تُعْرَفُ(١) لَهُ
رِوَايَةٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.
فالجواب عنه[١] أن ليلة الجن كانت غير مرة، فإنكار المعية في مرة من تلك المرات
لا يستلزم إنكارَ معيته في التارة الأخرى، أو المعنى أنه لم يكن منا معه في موضع
تعليمه الأحكامَ إياهم، إذ كان النبي ◌َّ قد أجلسه على حدة منهم، وخطّ حوله خطًّا،
ومنعه أن يخرج منه، كما هو مصرَّح في الروايات(٢).
وقوله: (أبو زيد رجل مجهول) قول من غیر بینةٍ ولا دلیل، ليس لمدعیه إلى
[١] جزم بهذين الجوابين العيني(٣) في شرح البخاري، والبيهقي والحافظ بالثاني فقط، على
أن المثبت مقدم على النافي، وقال ابن قتيبة: معناه لم يكن معه غيري، وذكر الشيخ في
((البذل)) (٤) أن ذهاب رسول الله ◌َّل إلى الجن وقع ست مرات، فيمكن أن يكون ابن مسعود
معه في بعضها ولم یکن [معه] في بعضها، وقد ذکر الترمذي کونه معه وصححه، انتھی.
قلت: وهذه المواضع الستة على ما في ((السعاية))(٥) من ((آكام المرجان)) وتلخيصه ((لقط
المرجان)» هكذا: الأولى: هي الليلة التي قيل فيها: إنه اغتيل أو استطير، وكانت بمكة، ولم
يحضرها ابن مسعود معه بال، كما في رواية مسلم(٦) والترمذي في تفسير سورة الأحقاف
وغيرهما، والثانية: كانت بمكة بالحجون: جبل بها، والثالثة: كانت بأعلى مكة، وقد غاب النبي معاليه
فيها في الجبال، والرابعة: كانت بالمدينة ببقيع الغرقد، وفي هذه الليالي الثلاث حضر ابن =
(١) ((تعرف)) كتبت في نسخة بالتاء الفوقية والياء التحتية معاً، وفي نسخة: ((لا نعرف)) بالنون.
(٢) أخرجه البيهقي (٩/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٦٨٥/٢).
(٤) ((بذل المجهود)) (١ / ٤٥٧).
(٥) ((السعاية)) (١ / ٤٧٧).
(٦) ((صحيح مسلم)) (٤٥٠)، ((سنن الترمذي)) (٣٢٥٨).

٣٤٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ(١) وَغَيْرُهُ، وَقَالَ
بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ
إِسْحَاقُ: إِنِ ابْتُلِيَ رَجُلُ بِهَذَا فَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ وَتَيَمَّمَ(٢) أُحَبُّ إِلَيَّ.
قَال أَبُو عِيسَى: وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَقْرَبُ إِلَى الْكِتَابِ
وَأَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
إثباته من سبیل، ولا يجب تسليمه، على أن عدم علم المؤلف بحاله لا يخرجه عن
الشهرة والمعلومية إلى الغربة والجهالة، كيف وقد روى[١] عنه جماعة؟!
(قال أبو عيسى: وقول من قال) إلخ، هذا بظاهره لا يُرَدُّ، لكن الحديث
الصحيح لما أخبره أن النبيذ ملحق بالماء المطلق صار ما قلنا أشبه بكتاب الله تعالی
وأولى به، مع موافقته لفعل النبي ◌َّه.
= مسعود معه ◌َّة، والخامسة: خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام، والسادسة: في بعض
أسفاره حضرها بلال بن الحارث، انتهى.
[١] فقد قال ابن العربي(٣): إن أبا زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان العبسي
وأبو روق، وبهذا يخرج عن حد الجهالة، ولا يُعرَف إلا بكنيته، فيجوز أن يكون الترمذي أراد
به أنه مجهول الاسم، ولا يضر ذلك؛ فإن جماعة من الرواة لا تُعْرَفُ أسماؤهم، وإنما عُرِفوا
بالکنی، قاله العيني (٤).
وفي (البذل)) عن ((البدائع)) (٥): أما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، فكان معروفاً في نفسه =
(١) زاد في بعض النسخ: ((الثوري)).
(٢) في نسخة: ((یتیمم)).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٨/١).
(٤) ((عمدة القاري)) (٢/ ٦٨٤).
(٥) ((بدائع الصنائع)) (٩٧/١)، ((بذل المجهود)» (٤٥٢/١).

٣٤٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٦٦ - بَابُ (١) الْمَضْمَضَةِ مِنَ اللّبَنِ
٨٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(٢)، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله(٣)،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَّ شَرِبَ لَبَنَّا فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ
دَسَمًا)).
[(٦٦) باب المضمضة من اللبن]
وقوله: (باب المضمضة من اللبن) لما كان فيه من الدسومة [١] ما يبقى به
ذائقته في الفم نُدب المضمضة منه لئلا يشغل قلب المصلي في صلاته، وکذلك کل
ما فيه لزج أو دسم.
= وبمولاه، فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته، وأجاب صاحب ((السعاية)) (٤) بأن جهالته لا
تقدح في ثبوت الحديث بعد ورود المتابعات له، فقد تابعه جماعة عن ابن مسعود، انتهى.
قلت: وتقدم أنه روي عن ابن مسعود بأربعة عشر طريقاً.
[١] قال ابن العربي(٥): إسناد الحديث صحيح مروي من طرق في الصحاح، والدسم في اللغة:
ما سدل من أجزاء الطعام أو الودك بيد الإنسان، فيحدث تغير الرائحة، وذلك مكروه شرعاً،
والنظافة محبوبة شرعاً، ولذلك استحبها العلماء ولم يوجبوها، إلا أن تكون غالبة من صناعة =
[٨٩] خ: ٢٢١، م: ٣٥٨، د: ١٩٦، ن: ١٨٧، جه: ٤٩٨، حم: ٢٢٣/١، تحفة: ٢٨٣٣.
(١) في نسخة: ((باب ما جاء في)).
(٢) قال في ((الفتح)) (١ / ٣١٣): هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة وهم الشيخان
وأبو داود والنسائي والترمذي عن شيخ واحد، وهو قتيبة.
(٣) في نسخة: ((عبيد الله بن عبد الله)).
(٤) ((السعاية)) (٤٧٦/١).
(٥) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٠/١ -١٣١).

٣٤٩
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَفِي الْبَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (١) وَأُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى
الإِسْتِحْبَابِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الْمَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ.
وقوله: (هذا عندنا على الاستحباب)، وقوله: (ولم ير بعضهم المضمضةً من
اللبن) إنما هما[١] مذهب واحد لا مذهبان، كما يتوهم من ظاهر العبارة، غاية ما في
= أو ملازمة شعث (كذا في الأصل)، فتكون إزالتها واجبة، والخروج عن الجماعة لأجلها
فرض، كالثوم والبصل يأكلهما المرء فيمتنع من الجماعات والمساجد؛ لئلا تتأذى الملائكة
وعمرة بیوت الله وجلساء المسلمین، انتهى.
قلت: وقد ورد عند ابن ماجه(٢) وغيره الأمرُ بالوضوء، قال الحافظ(٣): والدليل على أن
الأمر فيه للاستحباب ما رواه الشافعي عن ابن عباس - راوي الحديث - أنه شرب لبناً
فتمضمض ثم قال: لو لم أتمضمض ما باليت، وروى أبو داود بإسناد حسن عن أنس: أن
النبي ◌َثّ شرب لبناً فلم يتمضمض ولم يتوضأ، وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس
ناسخاً لحديث ابن عباس، ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى النسخ، انتهى.
[١] أفاد ذلك حضرة الشيخ لما أن عامة نَقَلَةِ المذاهب لا يذكرون في الباب إلا الاستحبابَ،
سيما الحافظين: ابن حجر والعيني(٤)، وغيرهما نفوا الخلاف في ذلك، وتقدم قريباً كلام
الحافظ ابن حجر رادًّا على ابن شاهين أنه لم يذكر من قال فيه بالوجوب.
والأوجه عندي أن الترمذي أراد بذلك اختلاف المذاهب في الباب، ولعله أشار إلى ثلاثة
مذاهب ولا أقل من اثنين، الأول: الوجوب، أشار إليه بقوله: وقد رأى بعض أهل العلم، =
(١) زاد في بعض النسخ: ((الساعدي)).
(٢) ولفظه عند ابن ماجه (٤٩٨): ((إذا شربتم اللبنَ فمَضْمِضُوا فإن له دسماً)).
(٣) ((فتح الباري)) (٣١٣/١).
(٤) انظر: ((عمدة القاري)) (٢/ ٥٨٤).

٣٥٠
الكوكبُ الدُّرِّي
٦٧ - بَابُّ فِي كَرَاهِيَةِ رَدِّ السَّلَامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ
٩٠ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: نَا أَبُو أَحْمَدَ(١)، عَنْ
الباب أن منهم من صرح بذلك فعزاه إليه، ومنهم من لم يوجد في كلامه تصريح بشيء
من ذلك فنسب إليه أنه لم ير ذلك، يعني به لم يُرْوَ عنه شيء في هذا الباب، لا أنه لا
يرى المضمضة جائزة.
(٦٧) باب في كراهية رد السلام غير متوضِّئ
هذا وإن لم يُفْهَمْ من الرواية التي ذكرها[١] هاهنا، إلا أن بقية هذا الحديث
= وبعض آثار السلف يومئ إليه، أخرجها ابن أبي شيبة بلفظ الأمر(٢)، وأخرج عن أبي سعيد:
((لا وضوء إلا من اللبن؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم))، وأخرج عن أبي هريرة: ((لا وضوء إلا
من اللبن))، والثاني الاستحباب، وهو مسلك الجمهور، والثالث: ترك الاستحباب، وإليه أشار
ابن أبي شيبة في تبويبه بلفظ: ((من كان لا يتوضأ ولا يمضمض))، وأخرج فيه عن طلحة (٣).
سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن، قال: من شراب سائغ للشاربين؟! وفي رواية:
كان أبو عبد الرحمن في المسجد فأتاه مدرك بن عمارة بلبن فشربه، فقال: مَضْمِضْ! فقال:
من أي شيء، أمن السائغ الطيب؟! إلا أنه يحتمل كما أفاده الشيخ أن يرجع قولُ الترمذي:
((وهذا عندنا، ولم ير بعضهم)) إلى قول واحد، وهو عدم الوجوب مع بقاء الاستحباب،
فيكون مؤدى كلام المصنف مذهبان: الوجوب، والاستحباب، ويشير إلى الاختلاف تبويب
أبي داود إذبوب أولاً: باب الوضوء من اللبن، ثم عقبه بقوله: باب الرخصة في ذلك، فتأمل.
[١] لأن عدمَ رَدِّه ◌َيّ يحتمل أن يكون لعارض آخر، على أن الترجمة عام بلفظ: غير متوضئ، =
[٩٠] م: ٣٧٠، د: ١٦، ن: ٣٧، جه: ٣٥٣، تحفة: ٧٦٩٦.
(١) زاد في نسخة: ((الزبيري))، وفي بعض النسخ: ((محمد بن عبد الله الزبيري)).
(٢) انظر: ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ٥٧-٥٨).
(٣) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٥٨،٥٩/١).

٣٥١
أبْوَابُ الطّهَارَة
سُفْيَانَ، عَنِ الضَّخَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى
النَّبِيِّ وَ لَّهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَال أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا عِنْدَنَا إِذَا كَانَ عَلَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ
أَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ، وَهَذَا(١) أَحَسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ.
التي لم تُذْكَرْ توضح الترجمةَ، وهي أن النبي ◌َّ لما تفرغ عن حاجته، وكاد الرجل
أن يغيب عن مرأى نظره، تيمَّمَ فرد عليه السلامَ. بقي الجواب من أنه مَّ كيف أخر
الجواب مع وجوبه؟ ويمكن أن يقال: إنه مَّ علم من حال المسلُّم ومن حال نفسه
الشريفة أنه لا يفوته الردُّ عليه، فإنه كان بمحضر منه، وظن أنه لا يغيب عنه إلى أن
يتيمم أحبّ أن يردّ عليه وهو طاهر، مع أن رد السلام على من سلّم على من يقضي
حاجته غير واجب[١]، فكان الردُّ مجردَ فضل ولطف، والتأخير في التفضل لا ضير
= والحديث خاص بالبول، والحديث الذي أشار إليه الشيخ أخرجه أبو داود برواية محمد بن
ثابت عن نافع، عن ابن عمر قال: مر رجل على رسول الله آل# في سكّة من السكك، وقد خرج من
غائط أو بول، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه
على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رَدَّ على الرجل
السلامَ، وقال: ((إنه لم يمنعني أن أرد عليكَ السلامَ إلا أني لم أكن على طهور)) (٢)، فهذا نص في
الباب، والجمع بين قوليهما: ((وهو يبول، وقد خرج من البول)) هَيِّنٌّ بالتعدد والمجاز وغيرهما.
[١] صرح بذلك عامة الفقهاء، وفي ابن ماجه عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً مَرَّ على النبي اَلّ=
(١) في بعض النسخ: ((فهذا)).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٣٠).

٣٥٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ
الْفَغْوَاءِ(١) وَجَابِرٍ وَالْبَرَاءِ.
فيه، وكذلك من سلّم على الآكل والقارئ وغيرهما لم يجب ردُّه، ولو ردّ هؤلاء
على المسَلِّم كان حسناً وإحساناً، وفيه دلالة على استحباب الطهارة للعبادات التي
لا تشترط لها الطهارة، وأن التيمم في مثل هذا جائز مع القدرة على الماء، ولو
استنبط من هذا المقام جواز الاكتفاء بالتيمم لكل قربة خيف [١] فوتُها على انتظار
الماء كالجنائز والأعياد مما يفوت إلى غير خلف لم يبعد أيضاً.
= وهو يبول فسلم عليه، فقال رسول الله بخير: ((إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلِّمْ عليَّ،
فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك))(٢)، وهذا يؤيد ما أفاده الشيخ أن الردّ كان تفضلًا.
[١] وفي (البذل)) عن العيني(٣): استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها،
وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي؛ لأنه لا تيمم في الحضر لأجل فوت الرد، ومنع
مالك والشافعي وأحمد، وهو حجة علیھم، انتھی.
وقال ابن رسلان: استدل به البخاري على جواز التيمم لمن خاف فوتَ الوقت، وحجة لأحد
القولين عن مالك في التيمم للجنازة، انتهى. قلت: وإذا يمكن أن يُستَدَلَّ به على جوازه
لخوف فوت الوقت وهو فوت إلى خلف، فأولى أن يُستَدَلَّ به على جوازه لخوفٍ فوتٍ
الجنازة.
(١) وقع في الأصل: ((الشفواء)): والصواب ((الفغواء))، كما نبّه عليه العلامة الكشميري في
((العرف الشذي)) (١ / ١٢٤).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٣٥٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٠٥/٣)، ((بذل المجهود)) (٥١٠/٢).

٣٥٣
أبْوَابُ الطّهَارَة
٦٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكَلْبِ
٩١ - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ الله الْعَنْبَرِيُّ، نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَال:
سَمِعْتُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّ قَالَ:
(يُغْسَلُ الْإِنَاءُ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ،
وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً)).
(٦٨) باب ما جاء في سؤر الكلب
قد اختلفت الروايات في تطهير سؤر الكلب كما ستقف عليها، ومذهب الحنفية
فيه مثل مذهبهم في سائر النجاسات المغلَّظة من غير تفاوت [١]، إلا أن الأنصار لما
لم يكن فيهم مبالاة بأمر الكلاب لكثرة ملابستهم بأهل الكتاب، وكانوا يتساهلون في
التحامي عنها؛ غَلَّظ فيها في أول الأمر، ويرشدك إليه الأمرُ بقتلها، ثم لما تمكنت
نجاستُها في نفوسهم، ورسخت المنافرةُ عن مخالطتها عاد أمرُ نجاسَتِها إلى ما هو
أمرُ سائرِ النجاسات، وعلى هذا فلا تنافي ما بين تلك الروايات؛ فإن لكل من روايات
الغَسل سبعاً أو ثمانیاً محملاً(٢) صحيحاً لا يخالف روايات الغسل ثلاثاً، وكذلك كل
رواية في ذلك فهي واردة على حسب ما ناسب هذا المقام من التغليظ، هذا عندنا.
[١] جمعاً بين الروايات، كما سيأتي، ولأن أبا هريرة الراويَ رواياتٍ التسبيع أفتى بالثلاث، والآثار
عنه في ذلك صحيحة عديدة، ذكرها النيموي (١)، على أن روايات التسبيع يحتمل الندب، وبعض
الحنفية صرّحوا بندبية التسبيع، ولا إشكال إذ ذاك في اختلاف الروايات، ولا اضطراب.
[٢] وإلا فاضطربت الروايات جدًّا؛ لما فيها من الأمر بالتسبيع، والتثمين، وغيرهما، وتعفير =
[٩١] م: ٢٧٩، ن: ٣٣٨، حم: ٢٥٣/٢، تحفة: ١٤٤٥١.
(١) ((آثار السنن)) (ص: ١٢، ح: ٢٠،١٩)، وانظر لزاماً ((التعليق الحسن)) للنيموي أيضاً.

٣٥٤
الكَوْكَبُ الدُّرِي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ
وَإِسْحَاقَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
نَحْوَ هَذَا، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ: إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ.
وأما مالك (١) رحمه الله فقد يرد عليه في تلك الروايات ما لا يخفى، وذلك لأنه
رضي الله تعالى عنه لم يقل بنجاسة الماء ما لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة، ومن
المعلوم أن شربَ الكلب في ظرف ولو لم يكن الماء فيه كثيراً لا يؤثر فيه تغيراً، فكيف
أُمِرُوا بالغَسل بتلك المبالغة، ورام أصحابه التفصي عنه بأن الأمر بتطهيرِ الأواني وإراقةٍ
الماء بولوغ الكلاب ليس مبنيًّا على نجاسة، وإنما ذلك لضرر فيه مختص بالكلاب من
= الثامنة، والسابعة، وأولاهن، وأخراهن، وإحداهن، وقال ابن العربي(١): ضعَّف مالك غَسلَ
الإناء من ولوغه، فقيل: لأن القرآن عارضه، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]،
ولم يأمر بغسل ما أصاب من لعابه من الصيد، وهذا بين جدًّا، وقيل: ضعّفه؛ لأن وجوب
الغسل لا يظهر فيه لعدم سبب الوجوب لما أذن في اتخاذه، فعارضه حديث الهرة أيضاً،
ويحتمل ضعفه لأجل اختلاف الروايات فيه، ويحتمل ضعفه لأنه لا يتحقق أن غسله
للنجاسة أو العبادة وغير ذلك.
[١] قال ابن قدامة(٢): قال مالك والأوزاعي وداود: سؤر الكلب والخنزير طاهر، يُتَوَضأ به
ويُشْرَب، وإن ولغا في طعام لم يحرم أكلُه، وقال الزهري: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، وقال
عبدة بن أبي لبابة والثوري وابن الماجشون وابن مسلمة: يتوضأ به ويتيمم.
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١ / ١٣٥).
(٢) ((المغني)) (١/ ٦٤-٦٥).

٣٥٥
أبْوَابُ الطّهَارَة
٦٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الهِرَّةِ
٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنٌ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ،
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ ابْنَةٍ(١) عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ،
عَنْ كَبْشَةَ ابْنَةِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِى قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ
عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ(٢) فَأَصْغَى لَهَا
الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ
أخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ فَ لَ قَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجٍَ، إِنَّمَا
هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ(٣) الظَّوَّافَاتِ))(٤).
بين سائر أنواع الحيوانات، هذا وإن المالكية [١] قد وافقونا على أن تطهير بول الكلب
لا يفضل تطهير سائر النجاسات، فنجاسة بوله أدون من نجاسة سؤره الذي سموها
ضرراً بالخاصية، والله أعلم، والشافعية [٢] رجَّحوا بحال الإسناد كما هو دأبهم.
[(٦٩) باب ما جاء في سؤر الهرة]
قوله: (إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) هذه العلة عامة تناولت كل
[١] بخلاف الشافعية والحنابلة؛ فإن حكمَ البول عندهما في الكلب حكمُ السؤر، صرح بذلك
ابن حجر في ((شرح المنهاج)) وابن قدامة في ((المغني))(٥).
[٢] فإن الشافعية رجحوا رواياتِ التسبيع، وبه قال مالك في الواحدة من أربع روايات له، وبه =
[٩٢] د: ٧٥، ن: ٦٨، جه: ٣٦٧، تحفة: ١٢١٤١.
(١) في بعض النسخ: (بنت)) في الموضعين.
(٢) في بعض النسخ: ((لتشرب)).
(٣) في نسخة: ((والطوافات)).
(٤) زاد في نسخة: ((وقد روى بعضهم عن مالك: وكانت عند أبي قتاة، والصحيح ابن أبي قتادة)).
(٥) («المغني)) (٦٤/١).

٣٥٦
الكوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَال أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
ما كان من هذا القبيل مما يكثر ملابسته، وذلك للحرج في التحامي عنه، وهذا الحديث
أصل كبير يتفرع منه أصول: منها[١]: قولهم: الضرر مسقط، والحرج مدفوع، والمشقة
تجلب التيسير، ويؤيد كل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ثم إن في قوله: (فرآني أنظر إليه) إلخ، دلالة على أنها إنما تعجبت لما رأت
ذلك الأمرَ مخالفاً لقاعدة الشرع الذي هو أصل في حرمة السؤر من حرمة اللحم،
= قال أحمد في واحدة من روايته، والرواية الأخرى له المشهورة في الشروح ترجيحُ روايات
التثمين، وفي ((الروض المربع)) (١): يجزئ في غسل النجاسات كلِّها، ولو من كلب أو
خنزير إذا كانت على الأرض غسلة، وعلى غير الأرض سبع، إحداها بالتراب في نجاسة
كلب أو خنزير، وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب، انتهى. والحنابلة والشافعية رجَّحوا
رواياتٍ التتريب إذ قالوا بها، والمالكية لم يقولوا بالتتريب، فتكلموا على هذه الزيادة، كما
بُسِطَتْ في المطولات.
[١] وتحت كل أصل منها فروع كثيرة بسطها صاحب ((الأشباه))(٢) إذ قال: القاعدة الرابعة:
المشقة تجلب التيسير، وبيان ذلك أن أسباب التخفيف سبعة: السفر، والمرض، والإكراه،
والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص، ثم قال(٣): القاعدة الخامسة: الضرر
يزال، وبيان ما يبتنى عليها من أبواب الفقه وما تتعلق بها قواعد؛ الأولى: الضرورات تبيح
المحظورات، إلى آخر ما بسطه.
(١) ((الروض المربع)) (٣٥/١).
(٢) ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم (٢٢٦/١، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٤٣).
(٣) أي: ابن نجيم في «الأشباه)) (١ / ٢٥٠، ٢٥١).

٣٥٧
أبْوَابُ الطّهَارَة
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ(١) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ لَيهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
مِثْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا، وَهَذَا أَحَسَنُ شَيْءٍ (٢)
فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي
ءَ
طَلْحَةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدُّ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ.
فلحم الهرة لما كان معلومَ النجاسة كان سؤره [١] كذلك؛ لما أن السؤر معتبر باللحم،
أو لأنه مَّ لعله أمر بالتحامي عنها أولاً حكماً بنجاسة سؤرها، ثم رخص فيه، فَلَمّا لم
يبلغها نسخ الحرمة تعجبت من فعله المخالفِ لعلمها، أو لأن حرمَتها أو تقذُّرَها كان
مستقرًّا في الطبائع، فرأت فعلهذلك مخالفاًله،فتعجبتْ لأجله.
[١] واختلفت الأئمة في سؤرها، فقالت الأئمة الثلاثة: طاهر، وقال الإمام الأعظم: مكروه
بكراهة تحريمية أو تنزيهية قولان، قال في ((الدر المختار)) (٣): طاهر للضرورة، مكروه
تنزيهاً في الأصح إن وجد غيره، وإلا لم يكره أصلاً كأكله لفقيرٍ، واستدلت الحنفية بروايات
سردها الشيخ في ((البذل))(٤) والطحاوي في ((شرح الآثار)) (٥) فيها الأمرُ بغسل الإناء من
ولوغ الهرة، منها حديث أبي هريرة عند الترمذي: إذا ولغت الهرة غُسِلَتْ مرة، وغير ذلك
من الروايات المرفوعة والموقوفة، ومنها حديث: الهر سبع، وأجاب الطحاوي عن حديث
الباب بأنها محمولة على مماسة الثياب وغيرها؛ لأن المرفوعَ منه قوله ◌ِالثّ: ((ليست بنجس))
لا يُثبِتُ طهارةَ السؤر، والإصغاء فعل أبي قتادة مستدلاً بهذا المرفوع، على أن الحديث أعله
ابن منده وغيره لجهالة كبشة وحميدة، كما في ((الأوجز))(٦)، وحديث الباب في دقيق النظر
يؤيد من قال بالكراهة التنزيهية.
(١) في نسخة: ((أكثر أهل العلم)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((روي)).
(٣) ((رد المحتار)) (٣٨٤/١، ٣٨٥).
(٤) (بذل المجهود)) (٤٢٣/١-٤٢٦).
(٥) راجع ((شرح معاني الآثار)) (١٩/١-٢١).
(٦) ((أوجز المسالك)) (٣٧٩/١).

٣٥٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٧٠ - بَابُ(١) الْمَسْجِ عَلَى الخُقَّيْنِ
٩٣- حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ
الْحَارِثِ قَالَ: بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ:
أَتَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ،فَ لَ يَفْعَلُهُ. قَالَ(٢): وَكَانَ
يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ، لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ(٣).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ وَالْمُغِيرَةِ وَبِلَالٍ وَسَعْدٍ وَأَبِي أَيُّوبَ
وَسَلْمَانَ وَبُرَيْدَةَ وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَأَنَسِ وَسَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ وَعُبَادَةَ
ابْنِ الصَّامِتِ وَأَسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ وَأَبِي أَمَامَةَ وَجَابِرٍ وَأَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (٤).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَرِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٩٤ - وَيُرْوَى عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله تَوَضَّأَ
وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ،وَلَهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ
عَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ(٥) بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ فَقَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا
(٧٠) باب المسح على الخفين
[٩٣] خ: ٣٨٧، م: ٢٧٢، ن: ١١٨، جه: ٥٤٣، تحفة: ٣٢٣٥.
[٩٤] قط: ١ /١٩٤، ق: ١/ ٢٧٣، تحفة: ٣٢١٣.
(١) في بعض النسخ: ((باب في المسح)).
(٢) زاد في نسخة: ((إبراهيم)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((هذا قول إبراهيم يعني كان يعجبهم)).
(٤) زاد في نسخة: ((ابن عمارة)، وفي بعض النسخ: ((وابن عبادة، ويقال: ابن عمارة، وأبي بن عمارة)).
(٥) في بعض النسخ: ((أم)).

٣٥٩
أبْوَابُ الطَّهَارَة
بَعْدَ الْمَائِدَةِ، حَدَّثَنَا(١) بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، نَا خَالِدُ بْنُ زِيَادِ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ
حَيَّانَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَرَوَى(٢) بَقِيَّةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
أَدْهَمَ، عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ حَيَّنَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ جَرِيرٍ، وَهَذَا حَدِيثُ
مُفَسَّرَّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَأَوَّلَ أَنَّ مَسْحَ النَّبِيِّ
صَلَا الله
قوله: (وهذا حديث مفسر) يجوز كونه على زنة الفاعل، فالمعنى أنه مفسِّر
للآية التي يُفْهَمُ منها الغَسلُ، وتفسيره إياها بيانه أن الغسل إنما هو عند عدم التخفف،
أو المعنى أن هذا الحديث مفسر لسائر الروايات المروية عن النبي ◌َّلل في المسح،
فإنها تحتمل أن تكون حكاية لما قبل نزول المائدة لا بعده، فهذا الحديث يبين أنها
حكاية لما قبله وما بعده معاً، لا أنها مقصورة لحكاية مسحه عليه الصلاة والسلام
قبل نزول المائدة، ويجوز كونه على زنة المفعول، والمعنى أن جريراً فَسَّره بكونه
حكاية لفعله مَّيّة بعد المائدة، فليس فيها احتمال النسخ، أو التأويل والتخصيص،
وعلى هذا فالمفسّر مستعمل بالمعنى المصطلح عليه لأهل الأصول.
ثم إن حدیث المسح على الخفین قد بلغ الاشتهار بحسب المعنى، بل ادعى
بعضهم تواتره([١]، ولا يُنْكَرُ؛ فجاز نسخُ عموم الآية بها. وإنما يفتقر إلى القول
[١] صرح به جمع من أهل الأصول، وروي عن أبي حنيفة: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه
مثل ضوء النهار، وقال الكرخي: أخاف الكفرَ على من لم ير المسح على الخفين، وقال أبو
يوسف: خبر المسح يجوز نسخ الكتاب لشهرته، وعن ابن المبارك: ليس في المسح عليهما
عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنه إنكارُه روي إثباتُه، وسئل أنس بن مالك عن =
(١) في بعض النسخ: ((قال: حدثنا)).
(٢) في بعض النسخ: ((ورواه)).

٣٦٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَلَى الْخُقَّيْنِ كَانَ قَبْلَ نْزُولِ الْمَائِدَةِ. وَذَكَرَ جَرِيرُ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ
مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
صَلَا الله
٧١ - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَالمُقِيمِ
٩٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْجَدَلِيِّ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ،
بالنسخ على القول بأن قراءتَي النصب والجر في لفظ ((أرجلكم)) محمولتان على
الغسل، وهو الحق، وأما ما اشتهر بينهم من أن النصب فيه يدل على الغسل عطفاً
على الوجوه، والخفضَ على المسح عطفاً على الرؤوس فلا يفتقر فيه إلى القول
بالنسخ، وإنما حملوا القراءتين على حالتي التخفف وعدمه، لما أن القراءتين في
حكم الآيتين، إلا أن المحققين ردّوا هذا التوجيه فلا ينبغي التعويل [١] عليه، وليس
هذا من مقاصدنا حتى نلتفت إليه، والله ولي التوفيق.
[(٧١) باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم]
علامات أهل السنة والجماعة؟ فقال: أن تحب الشيخين، ولا تطعن الختنين، وتمسح على
=
الخفين، كذا في ((الأوجز))(١).
وقال ابن العربي (٢): هي سنة قائمة وشريعة صحيحة لا ينكرها إلا مبتدع، وقدروي عن مالك
إنكارُها ولم يصح، فلا يُلْتَفَتُّ إليه؛ ما ردها إلا المبتدعة: الخوارجُ والإماميةُ من الشيعة.
[١] لِما أنه يأباه قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]؛ فإن المسح لا يكون إليهما.
[٩٥] د: ١٥٧، جه: ٥٥٤، حم: ٥١٣، تحفة: ٣٥٢٨.
(١) انظر: ((أوجز المسالك)) (٤٣٧/١) و((مرقاة المفاتيح)) (٢١٣/٢) و((عمدة القاري)) (٥٦٨/٢).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١ /١٤٠).