النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ أبْوَابُ الطَّهَارَة قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ. ووجه إثبات مذهب الأحناف بهذه الرواية أن النهي مطلق عن قيد القلة والكثرة، ثم وصف الماء بكونه راكداً، ولا يصدق الركود على ما أعطي له حكم الجاري، إذ لا ركود بعد كونه جارياً، لما بينهما من المنافاة الظاهرة، ثم قوله عليه الصلاة والسلام: ثم يتوضأ منه، وفي بعضها: ثم يغتسل منه، يبين أن المراد بذلك الماء ما هو أزيد من القلتين بل فوق القلال؛ فإن الغسل في ماء القلتين أو التوضؤ منه من دون أخذ الماء على حدة مستبعد عادة، والنهي أصله التحريم، كما أن الأمر أصله الوجوب، لاسيما وقد أُكِّد بنون التأكيد، وعمم الحكم بذكر الاغتسال من الجنابة إزالةَ الحدث والخبث، فَعُلم من مجموع ذلك أن البول في الماء الذي ليس جارياً، ولا في حكم الجاري محرم، كالغسل فيه، وإن كان فوق القلتين، ويفسد الماء ببوله فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة، وهذا لأن تغير هذا المقدار من الماء الذي يغتسل فيه ويتوضأ عادة ببول رجل أو باغتساله فيه مشكل، فهذه الرواية ظاهرة علی مذهب الإمام، فإن المبتلی به یعده نجساً بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيراً، وإن كان قليلاً لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجُسُه عنده ظاهر. وأما مالك والشافعي رحمهما الله تعالى فمحمل الحديث عندهما الكراهة = إلا بالتغير، ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المستبحر الكثير جدًّا بالإجماع، فيبقى ما عداه على حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعي: خرج الكثيرُ المستبحر بالإجماع، والقلتان فما زاد بالحديث، فيبقى ما نقص عن القلتين داخلاً تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد: خرج ما ذكر تموه إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي. ٣٠٢ الكَوْكَبُ الدُّرِي ٥٢- بَابُ(١) فِي مَاءِ البَحْرِ أَنَّهُ طَهُورُ ٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، حَ وَحَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنٍ التنزيهية، أو هو محمول على ما إذا كان الماء أقل من القلتين، أو يتغير بذلك شيء من أو صافه الثلاثة، وأنت تعلم ما فيه، فالأول عدول عن الأصل - وهو التحريم - من غير ضرورة إليه، والثاني عدول عن الظاهر الذي ينبغي التعويل عليه، والله تعالى أعلم. (٥٢) باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور لما كان النبي ◌َّ قال لماء البحر [١]: إنه نار؛ لما ينشأ منه آثار النار مثل الجرب والييس وغيرِ ذلك، فهم منه بعض أصحاب النبي ◌َّل أن الغسل والوضوء لا يجوزان به، فلذلك سألوه عنه، فدفعه النبي م چ بأن الذي ذكرنا ليس في باب الطهورية، [١] فقد أخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((لا يركب البحرَ إلا حاج، أو معتمر، أو غازٍ في سبيل الله؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)(٣). وأخرج ابن عبد البر عن ابن عمر قال: لا تتوضأ بماء البحر؛ لأنه طبق. وأخرج أحمد في ((الزهد)) (٤) عن سعيد بن أبي الحسن قال: البحر هو طبق جهنم، وغير ذلك من الآثار في الباب، وهي مما لا يدرك بالقياس، فمرفوعة حكماً. [٦٩]د: ٨٣، ن: ٥٩، جه: ٣٨٦، ط: ٢٣/١، حم: ٢/ ٢٣٧، تحفة: ١٤٦١٨. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)). (٢) زاد في نسخة: ((إسحاق بن موسى)). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٤٨٩). (٤) ((الزهد)) (١٦٦٤). ٣٠٣ أبْوَابُ الطّهَارَة الأَزْرَقِ(١)، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةً وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلُ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأَنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنَ الْبَحْرِ(٢)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ(٣) مَيْتَتُهُ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَالفِرَاسِيِّ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسِ، لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بِمَاءِ البَحْرِ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الوُضُوءَ بِمَاءِ البَحْرِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو: هُوَ نَارُ. والكلام[١] في ميتة البحر سيأتي في موضعه، غير أن المراد بها السمك عندنا، وأعم منه عند الشافعي رحمه الله. [١] وفي الحديث عدة أبحاث لطيفة بُسِطَتْ في ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك))(٤) لم تُذْكَرْ هاهنا تبعاً لكلام الشيخ رضي الله عنه روماً للاختصار، وقال ابن العربي(٥): فيه ثمان مسائل، ثم بسطها، فارجع إليهما لو شئت التفصيلَ والتوضيحَ. (١) في نسخة: ((بني الأزرق)). (٢) في نسخة: ((من ماء البحر)). (٣) في بعض النسخ: ((والحل)). (٤) ((أوجز المسالك)) (١٠/ ٩٧ -١٠٢). (٥) ((عارضة الأحوذي)) (٨٨/١). ٣٠٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٥٣- بَابُ (١) التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ ٧٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، وَقُتَيْبَةُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: نَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ قَال: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ، عَنْ طَاؤُوسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَّهِ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِ﴾(٢) مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). (٥٣) باب التشديد في البول إلخ أي: التغليظ في أمر نجاسته؟ كي يستبرئوا منه ويستنزهوا، ولا يعدوه سهلاً 13 . فيعذَّبوا بسببه[١]. (وما يعذَّبان في كبير) ليس المعنى أنهما ليسا كبيرين في نفس الأمر، وفي أنفسهما، إذ ليس التعذيب إلا على الكبيرة، بل المعنى أنهما لم يكونا كبيرتين عندهما، أو المعنى لا يعذّبان في أمر يكبر ويشق على المرء أو عليهما خاصة التحرزُ عنهما والتنزهُ منهما. قوله: (من بوله) وفي بعض الروايات: ((من البول))، فيجب حمل كل منهما على حسب مقتضاه، فالمطلق يجري على إطلاقه كالمقيد على تقييده، والقائلون [١] وفي الحديث إثبات عذاب القبر، وهو ثابت عند أهل السنة خلافاً للمبتدعة، بُسِطت المسألة في محلها. [٧٠] خ: ٢١٦، م: ٢٩٢، د: ٢٠، ن: ٣١، جه: ٣٤٧، حم: ٢٢٥/١، تحفة: ٥٧٤٧. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)). (٢) في (م): ((لا يستتر))، وفي هامشه: قال الشيخ: هكذا في المسموع، والصواب: ((يستنزه). ٣٠٥ أبْوَابُ الطّهَارَة وَفِي الْبَابِ(١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي بَكْرَةً، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَيِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَرَوَى مَنْصُورُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بحلٍّ بول مأكول اللحم وطهارته حملوا الروايتين معاً على معنى واحد بحمل اللام على العهد، قلنا: لا حاجة إليه لاحتمال تعدد الوقائع، مع أن الذي ذكر الإطلاقَ من الروايات لم يأت بالمطلق إلا لفهمه الإطلاقَ من قرائن هذا المقام، على أن القصة [١] التي كانت سبب قوله مَّثة: ((استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)) تُعَیِّنُ الذي أردنا من المعنى، فإنه ګ﴾ قاله في رجل کان یرعی غنماًله، وكان لا يستتر من أبوالها، فكيف يسوغ لهم حمل البول هاهنا على بول نفسه؟! (وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد) إلخ، اعلم أن مجاهداً وطاوساً أكثر [١] وبهذا جزم غير واحد، كصاحب ((نور الأنوار)) (٢): إذ قال بعد ذكر حديث العرنيين: وعندهما أي: أبي حنيفة وأبي يوسف هو منسوخ بقوله مَالثّة: ((استنزهوا من البول))، وهو عام لمأكول اللحم وغيره، فقد نُسِخَ الخاص بهذا العام، وقصة هذا الحديث الناسخ ما روي أنه مَّ لما فرغ من دفن صحابي صالح ابتلي بعذاب القبر جاء إلى امرأته فسألها عن أعماله، فقالت: كان يرعى الغنم ولا يتنزّه من بوله، فحينئذ قال عليه السلام: ((استنزهوا من البول)) الحديث، فهو بحسب شأن النزول أيضاً خاص ببول ما يؤكل لحمه، كما كان المنسوخ خاصًّا به، لكن العبرة لعموم اللفظ، انتهى. وذكر محشيه: الحديث الناسخ رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح، واتفق المحدثون على صحته، كذا فى ((تنوير المنار))، انتهى. (١) في بعض النسخ: ((وفي هذا الباب)). (٢) ((نور الأنوار)) (١/ ٣٠٩-٣١١). ٣٠٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي فِيهِ: عَنْ طَاوُوسٍ. وَرِوَايَةُ الأَعْمَشِ أَصَحُ. وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ(١) يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: الأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ. ما يأخذان عن ابن عباس، وقد يأخذ أحدهما عن الآخر، وهذا الحديث من هذا القبيل، فقد أخذه مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، فرواية منصور في هذا لا يصح (١)، لأنه لم يذكر فيها طاوساً، ثم أراد توثيق الأعمش بنسبته إلى المنصور ليعتمد على روايته بمقابلته، فقال: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، ولما ثبت ذلك في إسناده عن إبراهيم كان الأمر في غير إسناد إبراهيم كذلك أيضاً، ما لم تقم قرينة خلافه، أو يُعْلَم اختصاصُه بهذا المقام، فهذا إثبات للمرام بقرينة القياس والبناء على ما هو الظاهر من حفظ الحافظ حيثما كان، ومن ليس بحافظ في موضع فهو كذلك في غيره، وهذا هو الوجه في تعرض المؤلف لإسناد إبراهيم، وإن لم يكن إبراهيم مذكوراً هاهنا، فافهم وتشکر. [١] يعني على ظاهر صنيع الترمذي إذأخرج طريق الأعمش، ووجَّه ترجيحَه، لكن البخاري أخرج الحديث من الطريقين(٢) معاً، قال العيني(٣): وإخراجه بالوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده، فيحمَلُ على أن مجاهداً سمعه من طاوس عن ابن عباس، وسمعه أيضاً عن ابن عباس بلا واسطة، أو العكس، ويؤيد ذلك أن في طريق مجاهد عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين (٤) معاً، وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح، وقال أيضاً في ((العلل))(٥): سألت محمداً: أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح. (١) زاد في بعض النسخ: ((البلخي مُسْتَمْلِي وكيع)). (٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (٢١٦، ٢١٨). (٣) ((عمدة القاري)) (٢/ ٥٩٣). (٤) يقول ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٠٠/٧، ح: ٣١٢٨،٣١٢٩) بعد إخرج الحديث من الطريقين: سمع هذا الخبر مجاهد عن ابن عباس، وسمعه عن طاوس عن ابن عباس، فالطريقان جميعاً محفوظان. (٥) ((العلل الكبير)) (١/ ١٤٠). ٣٠٧ أبْوَابُ الطّهَارَة ٥٤- بَابُ مَا جَاءَ فِي نَصْحِ بَوْلِ الغُلَامِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ ٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ (٥٤) باب ما جاء في نضح بول الغلام [١] قبل أن يطعم ليس المراد بالنضح هو الرش (٢)، بل المراد به ههنا الغسل الخفيف الذي [١] اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه للشافعية، الصحيح المختار عندهم يكفي النضحُ لبول الصبي دون الجارية، بل لا بد من غسل بولها كسائر النجاسات، وبه قال الإمام أحمد وإسحاق وداود، وروي عن أبي حنيفة، وروي عن مالك أيضاً، لكن قال أصحابه: إن هذه رواية شاذة؛ والثاني يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك والشافعي؛ والثالث أنهما سواء في وجوب الغسل، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأتباعهما وسائر الكوفيين. قال ابن العربي(١): الصحيح أنه لا يُفَرَّق بينهما وأنه يُغْسَلُ؛ لأنه نجس داخل تحت عموم إيجاب غسل البول، وما ورد في الأحاديث لا يمنع غسله، وإنما هو موضوع لبيان الغسل، وإنما سقط العَرْكُ لأنه لا يحتاج إليه، انتهى. وهذا الخلاف في تطهير ما أصابه البول، وأما نفس البول فنجس عند الجميع، حتى نقل عليه الإجماعَ جماعة، إلا ما نُقِلَ عن داود الظاهري، وما نقل بعضهم عن الشافعي ومالك قولاً بطهارته غلط، رد عليه النووي(٢) والزرقاني(٣) وغيرهما، وكأن القائل استنبط من قولهما بالنضح، كذا في ((الأوجز))(٤). [٢] قال ابن العربي(٥): النضح في كلام العربي ينقسم إلى قسمين: أحدهما الرشَّ، والثاني صبّ = [٧١] خ: ٥٦٩٣، م: ٢٨٧، د: ٣٧٤، ن: ٣٠٢، جه: ٥٢٤، حم: ٢٢٥/١، تحفة: ١٨٣٤٢. (١) ((عارضة الأحوذي)) (١ /٩٤). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٩٨/٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١ / ١٣٠). (٤) ((أوجز المسالك)) (٦٤٣،٦٤٤/١). (٥) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٩٣). ٣٠٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُثْبَةً، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِّ ◌َ﴿ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ(١)، وَعَائِشَةَ، وَزَيْنَبَ، وَلُبَابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ(٢) وَهِيَ أُمُّ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، وَأَبِي السَّمْجِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي لَیْلَى، وَابْنِ عَبَّاسِ. قَالَ أَبُوعِيسَى: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ(٣) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّلَهُ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلا جَمِيعًا. ليس فيه كثير عصر ولا مبالغة في الدلك، وهذا لأنه لما كان لطيفاً غيرَ لَزِج لحرارة مزاجه دون الجارية لم يحتج إلى كثير معالجة في إخراجه من الثوب، وأما إذا جعلا يطعمان لم يبق بين بولهما فصل؛ لغلبة أثر الغذاء على ما لهما من الطبيعة. = الماء الكثير، وقوله: ((فنضحه)) يريد: فصبّه عليه، بدليل رواية ((الموطأ)) بلفظ: فأتبعه إياه، وقوله: ((لم يغسله)) إشارة إلى أنه لم يَعْرُكْه بيده(٤). (١) حديث علي يأتي في آخر كتاب الصلاة. (٢) في بعض النسخ: ((ولبابة هي ابنة الحارث)). (٣) زاد في بعض النسخ: ((من أهل العلم)). (٤) قال صاحب ((البذل)) (٦٠٣/٢): وقوله: ((ولم يغسله)) محمول على المبالغة في الغسل، لئلا يتعارض القولان، وليس هذا خلاف الظاهر. ٣٠٩ أبْوَابُ الطَّهَارَة ٥٥- بَابُ مَا جَاءَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَّلُ لَحْمُهُ ٧٢- حَدَّثَنَا الحَسَنُّ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا عَقَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَا حُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَثَابِتُ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَبَعَثَّهُمْ رَسُولُ اللهِ لَ له فِي إِبِلِ الصَّدَقَّةِ، وَقَالَ: ((اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا))، فَقَتَلُوا رَاعِيَ (١) رَسُولِ اللهِ لَ ◌ّهِ، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، وَارْتَدُوا (٥٥) باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه فيه مذاهب ثلاثة [١]: طهورُه وحلُّه مطلقاً، وذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق ومحمد من أئمتنا الثلاثة، ونجاسته وحله للتداوي لا مطلقاً، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف، ونجاسته مع حرمته مطلقاً إلا إذا أخبر حاذق من الأطباء بانحصار المعالجة فيه، وهذا مذهب الإمام رحمه الله تعالى، فجواز استعماله إذاً ليس إلا كجواز أكل [١] قال ابن قدامة(٢): بولُ ما يؤكل لحمه وروثُه طاهر، هذا مفهوم كلام الخرقي، وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك، وعن أحمد أن ذلك نجس، وهو قول الشافعي وأبي ثور، ونحوه عن الحسن؛ لأنه داخل في عموم قوله مَله: (تَنزَّهوا من البول)) انتهى. فعلم أن لأحمد في ذلك قولين، والمشهور هو الأول، وقال صاحب ((الهداية))(٣): بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده، نجس عندهما، له حديث العرنيين، ولهما قوله ◌َّر: ((استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه)) من غير فصل، وتأويل ما روي أنه عرف شفاءهم وحياً، ثم عند أبي حنيفة لا يحل شربه للتداوي، وعند أبي يوسف يحل للتداوي، انتهى مختصراً. [٧٢] د: ٤٣٦٧، ن: ٤٠٣٢، جه: ٢٥٧٨، حم: ١٠٧/٣، تحفة: ٣١٧. (١) الراعي الذي قتله العرنيون اسمه: يسار، انظر: ((عمدة القاري)) (٢٤/ ٦٣). (٢) («المغني)) (٢/ ٤٩٢). (٣) ((الهداية)) (٢٤/١). ٣١٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي عَنِ الإِسْلَامِ، فَأَتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَسَمَرَ(١) أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ بِالحَرَّةِ، قَالَ أَنَسَّ: فَكُنْتُ(٢) أَرَى أَحَدَهُمْ يَكُدُّ الأرْضَ بِفِيهِ، حَتَّى مَاتُوا. وَرُبَّمَا قَالَ حَمَّادُ: يَكْدُمُ الأَرْضَ بِفِيهِ حَتَّى مَاتُوا. الميتة والخمر أوانَ الاضطرار، وأورث اختلاف العلماء فيه تخفيفاً عنده أيضاً حتى لا يحكم عنده بنجاسة الأرض والثوب ما لم يفحش، وإن كان الماء يفسد بوقوع قلیله فيه؛ استدلال أصحاب المذهبين الأوَّلین بحديث الباب ظاهر. وجواب الإمام قد ذُكِرَ عن قريب، فإن عموم قوله مَّيَ(١]: ((استنزهوا من البول)) ينادي بأعلى الصوت على نسخ ما هاهنا، أو يرجع(٢) فيه إلى تأويل أنه اَليها. [١] قال الحافظ(٣): والتمسك بعموم حديث أبي هريرة الذي صححه ابن خزيمة وغيره مرفوعاً بلفظ: ((استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه))، أولى؛ لأنه ظاهر فى تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد، انتهى. واستدل ابن عابدين(٤) بقوله مَثّ: «اتقوا البول، فإنه أول ما يحاسَبُ به العبدُ في القبر))، رواه الطبراني(٥) بإسناد حسن، وبُسِط شيء من الدلائل في ذلك في ((الأوجز))(٦)، فارجع إليه. [٢] مال إلى هذا التأويل الحافظ في ((الفتح)) وبسط الكلام عليه، وقال(٧): قد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعاً: أن في أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم، والذرب: فساد المعدة، انتهى . = (١) قال صاحب ((تحفة الأحوذي)): وفي نسخة صحيحة قلمية: ((وسمل)). (٢) في بعض النسخ: ((وكنت)). (٣) ((فتح الباري)) (٣٣٦/١). (٤) (رد المحتار)) (٣٥٠/١). (٥) ((المعجم الكبير)) (١٣٣/٨، ح: ٧٦٠٥). (٦) انظر: ((أوجز المسالك)) (٥١٠/٣). (٧) ((فتح الباري)) (٣٣٩/١). ٣١١ أبْوَابُ الطَّهَارَة قَال أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ(١). وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: لَا بَأْسَ بِيَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. علم انحصار شفائهم فيه، مع أن فعله ◌َّ لا يعارض قوله فيه، مع أن واقعة معاذ[١] فيها ما يؤيد مذهب الإمام، فإنه مَّ حين فرغ من دفن معاذ رؤيت عليه آثار الحزن، فسأل امرأته عن بعض ما كان يقترفه فقالت: كان لا يستنزه من أبوال الغنم، فقال النبي ◌َّ: ((استنزهوا من البول)) إلخ، ففيه دلالة ظاهرة على عموم النهي. وأيضاً = وفي العيني (٢): قال ابن حزم: صحّ يقيناً أن رسول الله مَثّ إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي، انتھی. [١] هكذا في الأصل، والظاهر أنه سقط منه لفظ ((ابن)) فإني لم أجد لمعاذ هذه القصة، نعم يوجد لسعد بن معاذ قريب من هذا، قال صاحب ((إشراق الأبصار)) (٣): أما القصة فلم أجدها بهذا اللفظ، ولكن روى البيهقي (٤) من طريق ابن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله: ما بلغكم من قول رسول الله في هذا؟ أي ضم سعد بن معاذ في القبر، فقال: ذُكِرَ لنا أن رسول الله وَ ﴿ سئل عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول، وأخرج هناد بن السري في ((الزهد))(٥) عن الحسن أن النبي ◌َّ قال حين دُفِنَ سعد بن معاذ: أنه ضُمَّ في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستنزه من البول، وفي رواية ابن سعد(٦): لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمَّ ضمة اختلفت فيها أضلاعه من أثر البول، انتهى .= (١) زاد في بعض النسخ: ((غريب)). (٢) ((عمدة القاري)) (٦٤٩/٢، ٦٥٠). (٣) ((إشراق الأبصار)) (ص: ٨). (٤) ((إثبات عذاب القبر)) (ح: ١١٤). (٥) ((الزهد)) لهناد بن السريّ (رقم: ٣٥٧). (٦) انظر: ((الطبقات الكبرى)) (٣٩٨/٣، ت١٠٩). ٣١٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٧٣ - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ(١)، نَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، نَايَزِیدُ بْنُ زُرَيْعِ، نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَعْيُنَهُمْ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ. ففيه دلالة على نسخ حكم حديث العرنيين، فإن قدوم العرنيين [١] لا يرتاب في كونه قبل موت معاذ[٢]، فإن موت معاذ رضي الله تعالى عنه كان في آخر الإسلام، فهذا العامُّ لو لم يُنْظَر إلى خصوص الواقعة حكم بنجاسة بول مأكول اللحم، وإن نُظِرَ إلى = قلت: هذا كله على تقدير صحة التسمية، والأوجه عندي أن القصة ليست لمعاذ ولا لابن معاذ، بل لصحابي صالح لم يسم، كما تقدم في الباب السابق. [١] قال الحافظ (٢): ذكر ابن إسحاق أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الأخرى سنة ست، وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، انتهى. قلت: وهم متفقون في قدومهم سنة ست كما عرفت، والاختلاف في الشهر. [٢] قد عرفت أن القصة لم أجدها لمعاذ لقصور نظري القاصر، والمسمى بمعاذ في الصحابة جماعة، والمعروف معاذ بن جبل رضي الله عنه، تأخر وفاته عن وفاته وَثَّه بكثير، وأما سعد بن معاذ فتوفي سنة خمس، وقد عرفت أن الأوجه عندي أن القصة لصحابي لم يُسَمَّ، نعم هي مؤيَّدة بما روي في قصة سعد بن معاذ المذكورة. قال صاحب ((نور الأنوار))(٣): والذي يدل على كون حديث العرنيين منسوخاً بهذا الحديث أن المثلة التي تضمنها حديث العرنيين منسوخة بالاتفاق؛ لأنها كانت في ابتداء الاسلام، انتهى. [٧٣] م: ١٦٧١، ن: ٤٠٤٣، تحفة: ٨٧٥. (١) زاد في بعض النسخ: ((البغدادي)). (٢) ((فتح الباري)) (١/ ٣٣٧). (٣) ((نور الأنوار)) (ص: ٦٨). ٣١٣ أبْوَابُ الطّهَارَة قَال أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ(١) غَيْرَ هَذَا أن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد كان شمولُه له أظهر، مع أنه مؤيّد بفهم الصحابية أيضاً، إذ لو لم يكن بوله نجساً عندها لما ذكرته في موضع التفتيش عما أوجب تضييقاً عليه رضي الله تعالى عنه. ثم إن صنيع المؤلف رضي الله تعالى عنه من إيراده هذا الباب بعد ((باب التشديد في البول)) مشير إلى أن هذا التشديد عنده إنما هو في غير هذا النوع من البول، لكونه مأكولاً طاهراً عنده، ولذلك تراه تعرض للجواب عن المثلة المذكورة في رواية الباب، ولم يتعرض للجواب عن البول حيث أمر النبي ◌َّ بشربه، وذلك لأنه طاهر عنده، فلا حاجة إلى الجواب. ثم إن سمر (١) أعين العرنيين مشكل على مذهب الإمام، فإنه لا يرى القود إلا [١] قال العيني(٢): السؤال الثاني: ما وجه تعذيبهم بالنار؟ وهو تسمير أعينهم بمسامير محمية، وقد نهى النبي ◌ّ عن التعذيب بالنار؟ والجواب أنه كان قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ، وإنما فعل قصاصاً لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه ولم يذكره البخاري؛ لأنه ليس على شرطه، لكنه بَوَّب ((باب إذا حَرَّق المشرك: هل يُحْرَق؟)) قال ابن المنير: كأن البخاري جمع بين حديث: ((لا تعذِّبوا بعذاب الله)) وبين هذا بحمل الأول على غير سبب، والثاني بمقابلة السيئة، وقيل: إن النهي عن المثلة تنزيه لا تحریم، انتهى. وبسط الكلام عليه الحافظ، وقال(٣): يدل على النسخ ما رواه البخاري في ((الجهاد)) من = (١) في بعض النسخ: ((رواه). (٢) ((عمدة القاري)) (٢/ ٦٥١). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤١/١). ٣١٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعِ(١). وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِّ وَلَّ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ(٢). بالسيف، والجواب أنه كان تعزيراً وتغليظاً لا تشريعاً، أو كما قال ابن سيرين: إنه كان قبل نزول الحدود، فإن قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥] أوجب مساواة بينها، ولم يمكن ذلك في العين وأمثالها، فوجب القول بانتساخ ما وقع ذلك. وأما ما يتوهم من خلافه لقول النبي بَّه: ((لا تُمَثَّلوا)) فمدفوع بحمله على النسخ، أو بأن مثلتهم كانت قصاصاً وأمكن هناك، أو بأنه كان تغليظاً، والنهي عن المثلة حيث لا يفتقر إليها، وفيه ما فيه. حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي = هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد حضر الإذن والنهي، وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، ولموسى بن عقبة في ((المغازي)): ذكروا أن النبي ◌َ ي﴾ بعد ذلك نهى عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي. واستشكل القاضي عياض عدمَ سقيهم [الماء] للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمْنَع، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمره مج لّة، قال الحافظ: وهو ضعيف، لأنه محلّ اطلع عليه، وسكوته كافٍ، وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له، وقال الخطابي: إنما فعل لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل غير ذلك. (١) زاد في نسخة: ((عن سليمان التيمي عن أنس)). (٢) زاد في (ب): «وروي سمر وسمل، وكلاهما واحد)). ٣١٥ أبْوَابُ الطَّهَارَة ٥٦- بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ(١) ٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادُ،(٢) نَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: ((لَا وُضُوءَ إِلَّ مِنْ صَوْتٍ أوْ رِیچٍ)). (٥٦) باب ما جاء في الوضوء من الريح الريح المذكورة هاهنا في الترجمة معناها الهواء([١]، والمذكور في الحديث بمعنى الرائحة، أي: ما يُدْرَك بالشم، والحصر في قوله: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) إضافي، والمعنى لا وضوء في الريح الخارجة إلا إذا وجد[٢] رائحةً أو صوتاً، فلا يرد فساد الوضوء بالدم، والقيء، أو البول وغيره من نواقض الوضوء. [١] لله در الشيخ ما أجاد، وذلك لأن الريح في الحديث مقابل للصوت، فينبغي أن يراد به الرائحة، وأما في الترجمة فينبغي أن يراد الأعم ليشمَلَ كِلا نوعي الريح الذي يكون بالصوت أو بدون الصوت. [٢] والمراد العلم بوجودهما بالعلم اليقيني، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوتَه، والأخشم الذي راحت(٣) حاسّةٌ شمه لا يشمه أصلًا، كذا أفاده الشيخ في ((البذل)) (٤). قال ابن قدامة (٥): من تيقن الطهارة وشَكَّ في الحدث، أو تيقن الحدث وشَكَّ في الطهارة؟ = [٧٤] جه: ٥١٥، تحفة: ١٢٦٨٣. (١) في نسخة: ((باب في الوضوء من الريح)). (٢) زاد في نسخة: ((قالا)). (٣) أي: ذهبت وزالت. (٤) ((بذل المجهود)) (٣٥/٢). (٥) («المغني)) (٢٦٢/١). ٣١٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَالْ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ. ٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَيهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رِيحًا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». ٧٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرُ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّوَلَ قَالَ: ((إِنَّ الله لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثُ(١) حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ(٢) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَعَلِيٍّ بْنِ طَلْقٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ(٣)، وأپِي سَعِيدٍ. فهو على ما تيقن، بهذا قال أهل العراق والشافعي والأوزاعي وسائر أهل العلم فيما علمنا، = إلا الحسن ومالكاً، فإن الحسن قال: إن شك في الصلاة مضى، وإن كان قبل الدخول في الصلاة توضأ، وفَرَّق مالك بين المستنكِح (٤) وغيره، انتهى مختصراً، قلت: ذكر ابن = [٧٥] م: ٣٦٢، د: ١٧٧، جه: ٥١٥، حم: ٤١٠/٢، ١٢٧١٨. [٧٦] خ: ٥٩٥٤، م: ٢٢٥، د: ٦٠، حم: ٣٠٨/٢، ١٤٦٩٤. (١) زاد في بعض النسخ: ((غریب)). (٢) في هامش (م): قوله: ((وفي الباب عن عبد الله)) إلى آخر الباب مقدم على قوله: ((حدثنا محمود بن غيلان)) إلى قوله: ((قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح)) الأول. (٣) زاد بعده في بعض النسخ: ((وابن مسعود)). (٤) من الاستنكاح، وهو الغلبة والتسلّط، يقال: استنكح النعاسُ عينَه: غَلَبها. انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٧). ٣١٧ أبْوَابُ الطّهَارَة قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَهُوَ قَوْلُ العُلَمَاءِ: أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَسْمَعُ صَوْنًا أَوْ يَجِدُ رِيحًا. وقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ(١): إِذَا شَكَّ فِي الحَدَثِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، حَتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقَانًا يَقْدِرُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ الرِّيحُ(٢) وَجَبَ عَلَيْهَا الوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ. والمراد بقوله: (يقدر أن يحلف عليه) غالب الظن، فإن اليمين سائغة على غالب الظن أيضاً، كما هي سائغة على اليقين، فأما الريح الخارجة من قُبُل[١] المرأة وَذَكَرِ المرء فلا تنقض الوضوء؛ لعدم انبعاثها من محل النجاسة، فإن المثانة لبعدها لا تصل ريحها إلى خارج، وتتلاشى فيما بين ذلك وتتحلل، بخلاف الدودة الخارجة من دبرهما فإنها ناقضة؛ لأنها وإن لم تكن نجاسة (٢) إلا أن ما عليها من = العربي(٣) للمالکیة فیه خمسةً أقوال، فارجع إليه. [١] ولا يرد عليه الحديث؛ لأن الوارد فيه ((فوجد ريحاً بين أليتَيْه)) فهو ساكت عن ريح القبل والذكر، والمطلق عندهم محمول على المقيد، واختلفت الروايات عند الحنفية في نقض الوضوء منه، كما بُسِطَ في محله، والمشهور ما أفاده الشيخ، وبَيَّنَ وجهه أنها لا تنبعث من محل النجاسة، وبهذا عَلَّلَه صاحب ((الهداية)) (٤)، وعَلَّلَه غيره بأنه اختلاج، وليس بريح. [٢] وتوضيح ذلك أن الآية التي ذُكِرَتْ فيها موجباتُ الوضوء اختلفت الأئمة في تعليلها على ثلاثة أقوال، فقال قوم: سبب الوجوب خروج النجس، فأوجبوا الوضوء في كل خارج نجس من المخرج المعتاد أو غير المعتاد، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد = (١) في بعض النسخ: ((عبد الله بن المبارك)). (٢) في نسخة: ((ريح)). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (١٠٠/١). (٤) ((الهداية)) (١٨/١). ٣١٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ٥٧- بَابُ (١) الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى(٢) وَهَنَّادُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْمُحَارِبِيُّ النجاسة ناقض وإن قَلَّ، ولا كذلك الدودة الخارجة من القبل والذكر، فإن المثانة لحدتها لا يمكن تَكَوُّنُ الدود فيها، فلا يكون إلا من جرح ثَمَّه، والقليل من غیر السبيلين لا يكون ناقضاً، ولعله السبب في حرمة المثانة دون الأمعاء. (٥٧) باب الوضوء من النوم لا خلاف في أن النوم ليس سبباً لنقض الوضوء بنفسه، وإنما القول(١) بانتقاض وجماعة، ولهم من الصحابة سلف، فقالوا: كل نجاسة تخرج من الجسد يجب منها الوضوء، = كالدم والرعاف والفصد وغير ذلك، وقال آخرون: العلة الخروج من المخرج المعتاد، فقالوا: كل ما يخرج من السبيلين فهو ناقض، من أي شيء خرج، من دم أو حصاً أو غير ذلك، كان خروجه على سبيل الصحة أو المرض، وممن قال بذلك الشافعي وأصحابه ومحمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، وقال آخرون: العبرة للخارج والمخرجِ وصفةِ الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين، مما هو معتاد خروجه كالبول والغائط والودي والريح، إذا كان خروجه على سبيل الصحة، فهو ينقض وإلا فلا، فلم يروا في الحصاة والدود وضوءاً، ولا في السلس(٣) [وممن قال بهذا القول مالك وجل أصحابه]، قاله ابن رشد في ((البداية)) (٤). [١] اختلفوا في انتقاض الوضوء من النوم على ثمانية مذاهب، ذكرها النووي(٥)، وتبعه الشیخُ = [٧٧] د: ٢٠٢، حم: ٢٥٦/١، تحفة: ٥٤٢٥. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في)). (٢) زاد في بعض النسخ: ((كوفي)). (٣) في الأصل: ((السلسل)) وهو خطأ. (٤) انظر: ((بداية المجتهد) (١/ ٣٤). (٥) ((المجموع)) (١٥/٢-١٧)، و((بذل المجهود)) (١٣٩/٢-١٤١). ٣١٩ أبْوَابُ الطّهَارَة الْمَعْنَى وَاحِدُ - قَالُوا: نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ (١)، عَنْ أَبِي خَالِدِ الدَّالَانِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ لَلَِّ نَامَ وَهُوَ سَاجِدُ، حَتَّى غَطَ أَوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي(٢)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ، قَالَ (٣). ((إِنَّ الوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)). الطهارة بالنوم مبني على كونه علة للاسترخاء الداعي للخروج، وإنما الخلاف بينهم في المقدار المعتبر في ذلك الاسترخاء، وهو الغلبة على العقل، فكل منهم عَبَّر عنه بما كان معتبراً عنده في الغلبة على العقل، فالاختلاف في تحديد النوم المعتبر في نقض الطهارة اختلاف تجربة وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. وأما جوابه مَثّل عن نوم نفسه الشريفة فكان ممكناً بأنه لا ينام قلبه اليقظان، وإن نامت فيما يبدو لنا العينان، غير أنه مَّثية لم يجبه به إفتاء للسائل بجواب عام يشمل = في ((البذل)) وغيرُه، وهذه المذاهب كلها ترجع إلى ثلاثة، قال ابن العربي (٤): اختلف الناس في النوم على ثلاثة أقوال: الأول: إن قليل النوم وكثيره ينقض الوضوء، قاله إسحاق وأبو عبيد قاسم بن سلام والمزني، الثاني: إن النوم لا ينقضه بحال، ويُؤْثَرُ ذلك عن أبي موسى الأشعري، وأبي مجلز بن حميد من التابعين، والثالث: الفرق بين قليل النوم وكثيره، وهو قول فقهاء الأمصار والصحابة الكبار والتابعين، انتهى. قلت: وهذا هو قول الأئمة الأربعة مع الاختلافِ الكثيرِ وتعدُّدِ الأقوال لهم في التفريق بين القليل والكثير، فجعل ابن العربي للنوم إحدى عشر حالاً، وبسطها. (١) زاد في بعض النسخ: ((الملائي)). (٢) في نسخة: ((فصلى)). (٣) في بعض النسخ: ((فقال)). (٤) ((عارضة الأحوذي)) (١٠٤/١). ٣٢٠ الكَوَكَبُ الدُّرِي قَالَ أَبُوعِيسَى: وَأَبُو خَالِدِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١). وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. ٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ. قَال أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. كل مكلَّفٍ نائم، ولولا أنه أجاب بذلك، بل أدار الأمر على الفرق بينه وبين الآخرين لما أفاد إفادة جوابه هذا الذي ذكر هاهنا، ثم إن مسألة ابن عباس هذا إما لعدم علمه بذلك الاختصاص الحاصل له مَليّة، أو يكون قد علم بذلك، غير أنه اعتراه ذهول عند ذاك، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. (كان أصحاب النبي ◌ُ لّ ينامون ثم يقومون) إلخ، هذا ظاهر على ما مَهَّدْنا، فإن الرطوبة لم تكن قد غلبت على معداتهم حتى يستغرقوا في النوم استغراقَ أهل زمننا، والغلبة على العقل هو المِلَاكُ في ذلك، وعلى هذا لا تخالف بين الأقوال التي ذكرها الترمذي ههنا، فإن الغلبةَ على العقل، وذهابَ الاستمساك جَرَّبه بعضهم بالرؤيا، وبعضهم بالاضطجاع، والمعنى المقصود واحد، لكن ينبغي لأحناف زماننا [٧٨] م: ٣٧٦، د: ٢٠٠، حم: ٢٧٧/٣، تحفة: ١٢٧١. (١) قال في (التلخيص)) (١ / ٣٣٦): وضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في ((العلل المفرد))، وأبو داود في ((السنن)) والترمذي وإبراهيم الحربي في ((علله)) وغيرهم. وقال البيهقي في ((الخلافيات)): تفرد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه جميع أئمة الحديث، وقال في ((السنن)): أنكره عليه جميع الحفاظ، وأنكروا سماعه من قتادة، ثم ساق قول الترمذي الآتي، وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة إلخ.