النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ أبْوَابُ الطّهَارَة قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَرَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً (١) وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ هَذَا الحَدِيثَ أَيْضًا، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِئَّارٍ، اِّ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَرَوَاءُ(٢) وَكِيعُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ. وَرَوَى(٣) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ فعل ذلك قبل هذا[١]، إلا أنه خفي على عمر وأصحابه، فأعاد النبي ◌َّةٍ ذاك الفعل، لیکون سنة لهم کافة. [١] قال الطحاوي(٤): يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه خاصة، ثم نُسِخَ يوم الفتح؛ لحديث بريدة، ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز، قال الحافظ (٥). وهذا أقرب، وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان، انتهى. قلت: والمراد بحديث سويد ما في البخاري وغيره قال: خرجنا مع رسول الله ◌َ لّ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء، الحديث(٦)، وفيه: ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. (١) زاد في بعض النسخ: ((قال)). (٢) في نسخة: ((وروی)). (٣) في بعض النسخ: ((قال: وروي))، وفي نسخة: ((ورواه)). (٤) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٤٢). (٥) ((فتح الباري)) (٣١٦/١). (٦) ((صحيح البخاري)) (٢١٥). ٢٨٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي دِثَّارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ مُرْسَلاً (١)، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا، وَإِرَادَةَ الفَضْلِ. وَيُرْوَى عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ (٢)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأْ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ الله لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ)). وَهَذَا إِسْنَادُ ضَعِيفُ(٣). (وهذا إسناد ضعيف) إلا أنه لما توبع عليه صار قويًّا معتبراً به. ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الأول من هذا الباب رواية سفيان عن علقمة بن مرثد، والثاني روايته عن محارب بن دثار، واختلف فيه وكيع وغيره من آخذي رواية سفيان(١)، فرفعه وكيع، وأرسله غيره، فقال الترمذي: وهذا أصح من حديث وكيع، يعني أن إرساله أصح من رفعه؛ لكون من أرسل أوثقَ ممن رفعه وأكثرَ، فيكون الإرسال أعمد، والله أعلم. [١] أي: وصله وأسنده وكيع، والمرفوع قد يطلق بمقابل المرسل أيضاً، وصاحب ((الطيب الشذي)) نقل في شرحه هذا الكلام للشيخ وإن لم يعزه إليه، وأورد عليه بعض من لا نظر له على كتب الأصول، وقد قال السيوطي في ((التدريب)) (٤): المرفوع ما أضيف إلى النبي عليه خاصة متصلاً كان أو منقطعاً، وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعلِه ◌ِ ﴾ أو قولِه، فأخرج بذلك المرسلَ، وقال ابن الصلاح: من جعل من أهل الحديث المرفوعَ فيه مقابلة المرسلِ أي: حيث يقولون مثلاً: رفعه فلان وأرسله فلان، فقد عني بالمرفوع المتصل، انتهى مختصراً. (١) في نسخة: ((مرسل)). (٢) في نسخة: ((غضيف))، وفي ((التقريب)) (٨٣٠٣): قيل: هو غطيف أو غضيف، وهو مجهول. (٣) فى نسخة: ((وهذا حديث ضعيف)). (٤) راجع ((تدريب الراوي)) (١/ ١٨٣ - ١٨٤). ٢٨٣ أبْوَابُ الطّهَارَة صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ صلاالله وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. ٤٦ - بَابُ(١) فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِ الشَّعْتَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهَ لَهُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. (٤٦) باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد لما كانت أمزجة النسوان مائلة لا إلى النظافة الطبيعية أمر النبي ◌َله باجتناب الرجل فضلَ طهور المرأة أن يستعمله؛ لاحتمال أن تقع غسالتها فيه، بخلاف الرجال فإنهم ليسوا كذلك، فلا ضير في استعمال المرأة فضلَ طهوره، وإنما نهى الفقهاء رحمهم الله تعالى عن شرب الرجل فضلَ سؤر المرأة دون العكس(٢)؛ فلأن المرأة مستورة بجميع أجزائها، وشرب المائع سبب لاختلاط شيء من لعابها به، فيكون شرب الرجل إياه استعمالاً لجزئها المستور، وكون الذوق من الحواس لا ينكر، وهذا كله إذا لم يخف الفتنة، وأما إذا خيفت فالنهي عام لكل من الرجل والمرأة. [٦٢] خ: ٢٥٣، م: ٣٢٢، ن: ٢٣٦، جه: ٣٧٧، حم: ٣٢٩/٦، ١٨٠٦٧. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)). (٢) في ((الدر المختار مع رد المحتار)) (١/ ٢٢١): سؤر المرأة للرجل وعكسه مكروه للاستلذاذ، والمراد الأجنبي والأجنبية. ٢٨٤ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ(١)، وَأَسِ، وَأُمَّ هَانِيٍ، وَأُمّ صُبَيَّةً(٢)، وَأُمّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. ثم إن النهي عن استعمال فضل طهور المرأة لما كان مشعراً بالتحريم [١] كما هو الأصل، أظهر النبي ◌َّليه بالغسل والوضوء من فضل طهور بعض أزواجه أن النهي تنزيه، وليس بتحريم، وإنما اختص النهي بما إذا كانت المرأة قد تطهرت بغيبة من الرجل، دون ما إذا تطهرت بمرأى عينه؛ لأنها إذا كانت بمحضر منه فالظاهر أنها تحتاط في أمر الماء، مع أنها لو تبادرت إلى شيء مما يفسد الماء منعه. [١] والمسألة خلافية عند الأئمة، قال النووي(٣): أما تطهر المرأة والرجل من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وأما تطهر المرأة بفضل الرجل فهو جائز بالإجماع أيضاً، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو جائز عندنا ومالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء، سواء خَلَتْ به أو لم تخل، وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمالُ فضلها، انتهى. قلت: وما حكي من الخلاف في المسألتين الأُوْلَيين فشاذ، وأما الثالثة فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما هذه، والثانية يجوز للرجال والنساء. ثم قال النووي: أما الحديث الذي جاء بالنهي، وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها: أنه ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره، الثاني: المراد النهي عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها، والثالث: النهي للاستحباب. = [٦٣] د: ٨٢، ن: ٣٤٣، جه: ٣٧٣، حم: ٦٦/٥، تحفة: ٣٤٢١. (١) في نسخة: ((وعن عائشة)). (٢) زاد في بعض النسخ: ((الجهنية)). (٣) ((شرح صحيح مسلم) للنووي (٢/ ٢٤١). ٢٨٥ أبْوَابُ الطَّهَارَة ٤٧ - بَابُ كَرَاهِيَةٍ فَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ(١) ٦٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ(٢)، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِي حَاجِبٍ، عَنْ رَجُلٍ (٣) مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله حَلَا الله عَنْ فَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ. وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَكَرِهَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ الوُضُوءَ بِفَضْلٍ (٤) طَهُورِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ = وقال ابن العربي(٥): حديث جواز التوضؤ بفضلها فصحيح كلها، وحديث الحكم فقال(٦): الغفاري، لا أراه صحيحاً، وحديثنا أولى لوجهين: أحدهما أنه أصح، الثاني أنه متأخر عنه؛ بدليل أنه يَّ لما أراد أن يغتسل من الإناء قالت ميمونة: إني قد توضأت منه، هذا يدل على تقدم النهي، أو يكون معناه كراهية الوضوء بفضل الأجنبية ليذكرها أثناء الغسل واشتغل البال بها. (١) في بعض النسخ: ((باب في كراهية إلخ))، وفي نسخة: ((باب ما جاء في كراهية إلخ)). (٢) زاد في نسخة: ((ومحمد بن بشار قالا))، قال الشيخ أحمد شاكر: وأخشى أن تكون خطأ. (٣) في هامش (م): هو الحكم بن عمرو الغفاري الآتي في الحديث الثاني. (٤) في نسخة: ((فضل)) بدل ((الوضوء بفضل)). (٥) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٨١). (٦) في العبارة إيجاز يخل بالمعنى فننقل عن ((العارضة)) تمام العبارة، قال ابن العربي: أما حديث الحكم فقد قال البخاري: أبو حاجب، سوادة بن عاصم العنزي - وفي ((العارضة)): الغنوي، وهو تصحيف -، كناه أحمد وغيره، يعدّ في المصريين، فقال - يعني البخاري -: الغفاري، ولا أراه صحيحاً عن الحكم بن عمرو، انظر ((العارضة)) (٨١/١)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري: (٢/٢، ١٨٤، ت ٢٤١٩). ٢٨٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: كَرِهَا فَضْلَ طَهُورِهَا، وَلَمْ يَرَيَا بِفَضْلِ سُؤْرِهَا بَأَسًا. ٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاجِبٍ يُحَدِّثُ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ : نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ عَمْرِو الغِفَارِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ قَالَ: بِسُؤْرِهَا. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ(١)، وَأَبُو حَاجِبٍ اسمُهُ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِيمٍ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ هُ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. ٤٨- بَابُ(٢) الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو الأُخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّوَ لَهُ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ الله(٣) [(٤٨) باب الرخصة في ذلك] وقوله: (الماء لا يجنب) من الإفعال، أي: لا يصير ذا جنابة. [٦٤]د: ٨٢، ن: ٣٤٣، جه: ٣٧٣، حم: ٤/ ٢١٣، تحفة: ٣٤٢١. [٦٥] د: ٦٨، ن: ٣٢٥، جه: ٣٧، حم: ٢٣٥/١، تحفة: ٦١٠٣. (١) قال الحافظ في ((فتح الباري)) (١ /٣٠٨): أما حديث الحكم بن عمرو فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. (٢) في بعض النسخ: ((باب ما جاء)). (٣) في بعض النسخ: ((النبي)). ٢٨٧ أبْوَابُ الطَّهَارَة مَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ (١): ((إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. ٤٩- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءُ ٦٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَالُ(٢)، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا أَبُو أَسَامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! (٤٩) باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء اعلم أن مسألة طهارةٍ الماء ونجاستِه تحيرت فيها آراء ذوي الألباب، ولم يأتوا بشيء وافٍ شافٍ صافٍ في هذا الباب، فنقول - وعلى الله التوكل، وبه الاعتصام، إنه کریم مفضل منعام: فعليك أولاً أن العلماء كافة أجمعوا على أن [١] ملاقاة النجس بالماء الطاهر [١] قال ابن نجيم (٣): إن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أو صافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلاً كان الماء أو كثيراً، جارياً كان أو غير جار، هكذا نُقِلَ الإجماع في كتبنا، وممن نقله أيضاً = [٦٦] ٥: ٦٦، ن: ٣٢٦، حم: ٣/ ٣١، تحفة: ٤١٤٤. (١) في بعض النسخ: ((قال)). (٢) زاد في نسخة: ((الحلواني)). (٣) ((البحر الرائق)) (٧٨/١). ٢٨٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي أَنَتَوَضَّأُ(١) مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِثْرُ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلَابِ، وَالنَّتْزُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءُ)». يفسده، وإنما اختلفوا[١] في مقدار الملاقي في تأثيره ذلك، فتفرقت فيه الأقوال[٢]، أوسعها[٣]: مذهب مالك رحمه الله، ودليله الحديث الوارد في الباب، وقد ورد في بعض طرقه زيادة قوله: ((ما لم يتغير))، فلذلك قيد طهارته بعدم تغير شيء من أحد الأوصاف الثلاثة، فاعتبر غلبة الملاقي بحسب الوصف، فإن غلب الماءُ وصفاً ولم يظهر فيه شيء من أوصاف النجس كان طاهراً، وإن غلب النجس بحسب الوصف وظهر شيء من أوصافه في الماء كان نجساً. = النووي في ((شرح المهذب))(٢) عن جماعات من العلماء، وإن لم يتغير فاتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها، دون الكثير، لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير. [١] أي: وإنما اختلفوا في مقدار الماء الذي يؤثر فيه الملاقي من النجاسة، فاختلافهم في الحد الفاصل بين القليل والكثير من الماء. [٢] ذكر فيها صاحب ((السعاية))(٣) خمسة عشر مذهباً للعلماء، وبسط الكلام على المياه أشد البسط. [٣] أي: أوسع المذاهب في مذاهب الأئمة، وإلا فما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها، وسيأتي قريباً - أوسع من ذلك أيضاً. (١) ضبطه شيخ الإسلام زكريا في حاشيته على ((شرح جمع الجوامع)) للمحلي فقال: بتائين مثناتين خطاب للنبي ◌َّل، فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: مررت بالنبي ◌َّ وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: أتتوضأ منها؟ وهي يطرح فيها ما يكره من النتن، فقال: الماء لا ينجسه شىء، وكذا ضبطه الحافظ ابن سيد الناس فقال: هو بتائين مثناتين من فوق خطاب إلخ، كذا في هامش (م). (٢) انظر: ((المجموع)) (١١٠/١). (٣) ((السعاية)) (٣٧٦/١). ٢٨٩ أبْوَابُ الطَّهَارَة قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أَسَامَةَ هَذَا الحَدِيثَ، و لَمْ يُرْوَ(١) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي بِثْرِ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَعَائِشَةَ. وثانيها: ما روي(١) عن عائشة رضي الله عنها من أن العبرة لغلبة الماء أو النجس بحسب الذات؛ فإن زالت رقة الماء وسيلانه لغلبة النجاسة كان الماء نجساً، وإلا لا، فإن ثبت هذا العزو لعائشة رضي الله تعالى عنها لكان كافياً ومغنياً عن تفتيش غيره من المذاهب لِما فيه من الوسعة، ولِما كانت[٢] من التمكن على المراجعة والبحث في كل ما تشاء إلى النبي مَّي ما لا يستمكنه غيرها، ولِما لها من غزارةٍ العلم، وجودةِ القريحة، وإصابةِ الفهم، وقدم في التفقه راسخة، وأعلام في التحقيق شامخة، فكيف يتوهم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته يخفى عليها مع طول ملابستها بالنبي مَ ثّ، وقلة المياه عندهم الداعية إلى كثرةِ البحث عنه، والعلم بحاله؛ إلا أن رواية هذا المذهب الذي أشرنا إليه لما لم يثبت بإسنادٍ صحيح يعول عليه ولا طريقٍ جيدٍ يطمئن إليه، لزمنا القولُ بتركه، والمصيرُ إلى غيره من المذاهب، ولذا لم يذهب [١] وروي عن غيرها من الصحابة والتابعين وداود الظاهري كما فى ((السعاية))، عن ((البناية))، عن ((المحلى)) لابن حزم(٢). [٢] إلا أن احتمال أنها سمعت قوله مچ﴾: «الماء طهور لا ينجسه شيء)) فحملته على عمومه، لیس بمنتف. (١) في نسخة: ((لم يرو أحد)). (٢) انظر: ((البناية)) (٣٨٥/١) و((المحلى)) (١٦٨/١). ٢٩٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ٥٠- بَابٌ مِنْهُ آخَرُ ٦٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ إليه أحد من الأئمة الأعلام، ولو أنه ثبت لكان قولها هو القول الثابت الراجح، ومذهبها هو المذهب المقبول للكل من غير قادح. والثالث: مذهب الشافعي رحمه الله تعالى من كون الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثاً، إلا أن يتغير شيء من أو صافه الثلاثة؛ فإنه يُفسِده كائناً ما كان، وقد أخذ فيما اختاره بحديث جيد الإسناد قابل للاعتماد، وزاد هذا القيدَ اعتباراً لما في غير هذه الرواية (١): من العبرة بالنجاسة إذا ظهر أثرها في الماء أيضاً؛ فإن الأئمة مجمعون على عبرة النجاسة إذا غلبت، وهذا الثالث هو الذي تخيره الأئمة الآخرون مثل أحمد[١] وإسحاق وغيرهما؛ لموافقته ظاهرَ قول النبي ◌َّ: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً». وأما الإمام الهمام قدوة الأئمة الأعلام فقد ذهب نظراً إلى اختلاف الروايات [١] أي في المشهور عنه، وإلا فعنه في مسألة الماء روايتان، آخرهما كقول مالك، قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): أما ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها، فالمشهور في المذهب أنه نجس، وبه قال الشافعي، وإسحاق وأبو عبيد، وروي عن أحمد رواية أخرى، أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيرَه، روي ذلك عن ابن المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري وغيرهم، وهو قول للشافعي. [٦٧] ٥: ٦٤، جه: ٥١٧، حم: ٢ / ١٢، تحفة: ٧٣٠٥. (١) فعن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً: ((الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»، أخرجه ابن ماجه (٥٢١). (٢) («المغني)) (٣٩/١). ٢٩١ أبْوَابُ الطّهَارَة رَسُولَ اللهِ ﴿ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ، قَالَ(١): ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ))(٢). في ذلك إلى أن الأمر موكول إلى رأي من ابتلي به [١]، فإن ظنه نجساً كان نجساً، وإن [ظنه] طاهراً [فكان] طاهراً، وعلى هذا لا يضره شيء مما ورد في هذا الباب مما أخذ به الأئمة الثلاثة، أو أخذ به مالك رضي الله تعالى عنه. فأما الرواية التي أخذ بها مالك رضي الله تعالى عنه من قوله ◌َّة: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) فلأن السؤال[٢] عن بئر بضاعة قد أخرجه مخرج الجواب، فإنهم لما ظنوا أن البئر إذا تنجس مرة فإنه لا يمكن تطهيره أبداً؛ لملاقاة الماء النجس جدرانَه عند الإخراج، مع أن البئر كيفما أُخْرِج ماؤها فإنه لا يخلو عن بقية من الماء النجس فيها، فكان مظنة أن لا يتطهر فسألوا عنه، ولا يمكن أن يكون السؤال عن الماء النجس القليل حين لم تُخْرَج النجاسة عنه؛ إذ من الظاهر أن الماء القليل [١] ففي (الدر المختار)) (٣): والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأي المبتلى به فيه، فإن غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز وإلا لا، هذا ظاهر الرواية عن الإمام، وإليه رجع محمد، وهو الأصح كما في ((الغاية)) وغيرها، وحقق في ((البحر)) أنه المذهب، وبه يعمل، انتهى. وأكثر ابن نجيم(٤) في النقول عن المشايخ في أن العبرة عند الحنفية لرأي المبتلى به. [٢] ومال إلى ذلك الطحاوي(٥)، وبسط هذا التوجيه. (١) زاد في بعض النسخ: ((فقال رسول الله ◌ِل﴾)). (٢) زاد في بعض النسخ: ((قال عبدة)). (٣) ((الدر المختار)) (٣٤٠/١). (٤) انظر: ((البحر الرائق)) (١ / ٧٨-٧٩). (٥) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (١٢-١٥). ٢٩٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: القُلَّةُ هِيَ الجِرَارُ (١)، وَالقُلَّةُ الَّتِي يُسْتَقَى فِيهَا(٢). الذي وقع فيه شيء من النجاسات لا يسأل عنه عاميّ فضلاً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكذلك لا يشربه مؤمن، فكيف بهذا النبي الأطهر الأكرم؟! فعلم أن منشأ السؤال أن النجاسة إذا أُخْرِجت، واستقي الماء الذي كان فيها وقت الوقوع، فالماء الجديد المجتمعُ فيها ينبغي أن يكون نجساً لملاقاته الجدرانَ النجسةَ، وعلالة الماء النجس، فأجابهم النبي ◌َّ- بأن الماء طهور، بتعريف العهد إذ الجواب على وفق السؤال، والأصل في اللام العهد الخارجي، فما أمكن حملها عليه لم تُحْمَل على غيره، وممن صرح بكون الأصل في اللام هو العهد العلامةُ في (التلويح))(٣)، والشريف الجرجاني في بعض تصانيفه، فإذا كان الأمر كما وصفنا كان المعنى: إن الماء [١] الذي سألتم عنه لا ينجسه شيء مما ذكرتم إذا أُخْرِجت النجاسةُ والماءُ الذي كان ملاقيها، فهذا الذي أخذ به مالك يؤيد ما ذكرنا من إدارة الأمر على رأي المبتلى به، فإنه مَّ لما ظن برأيه الشريف أن الماء لا يتنجس بذلك المذکور کان طاهراً لا یتنجس. وأما رأي الصحابة رضوان الله عليهم فلم يُعتدَّ به على خلاف رأیه، حتى يقال: [١] وما قيل: إن العبرة لعموم اللفظ، هذا إذا كانت الألف واللام للجنس، أما إذا كانت للعهد فلا، كذا في ((البناية)) وغيرِها من شروح ((الهداية))، كذا في ((السعاية)) (٤). (١) في نسخة: ((الجرة)). (٢) في نسخة: ((بها». (٣) انظر: ((التلويح)) للتفتازاني (١٢١/١). (٤) ((البناية)) (١ /٣٧٥) و((السعاية)) (٣٦٥/١). ٢٩٣ أبْوَابُ الطّهَارَة قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا كَانَ إنها كانت نجسة في حقهم، وإنما لم يتنجس الماء فيها لجريانه[١] في البساتين إما بتدارك الاستقاء منها، أو لما في داخلها من كُوّة يخرج منها الماء، كما يشاهَدُ في بعض الآبار. واعترض المخالفون على الواقدي[٢] في قوله في بئر بضاعة: أن ماءه كان جارياً في البساتين(١)، وقالوا: إن البئر كانت كغيرها من الآبار، والسبب في إيرادهم ذلك أنهم فهموا أن مراد الواقدي أن البئر كانت كالنهر، فأوردوا عليه بأنه لم يكن کذلك، و کان کغيره من الآبار. وأنت تعلم أنه بريء من تلك الإرادة (٣)، وإنما أراد أنه كان في حكم الجاري لكثرة ما يستقى منها، وهذا غير خفي على ذي رؤية؛ فإن من البديهي الغير المحوج [١] وبه جزم صاحب ((الهداية))(٢) إذ قال: إن الحديث ورد في بئر بضاعة، وكان ماؤها جارياً في البساتين. [٢] وما قالوا من تضعيف الواقدي ردَّه صاحب ((السعاية))(٣) أحسن الرد، وبسط عليه (٤). [٣] يعني: إيرادهم هذا نشأ عن قلة تدبرهم، إذ حصروا الجريانَ في كون الماء كالنهر والعين، وليس بسديد؛ فإن الجريان بنزع كثيرٍ جريان، هكذا أفاده الشيخ - رحمه الله تعالى - بنفسه في موضع آخر. (١) ذكره الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٢/١) بسنده إلى الواقدي. (٢) ((الهداية)) (١ / ٢١). (٣) ((السعاية)) (٣٦٥/١). (٤) في ((معارف السنن)) (١ / ٢٨٧): وبالجملة فقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون، و كذبه بعض، قال شيخنا: والقول الفصل عندي أنه ليس بكذاب، وهذا الأمر ليس من باب رواية الحديث وإسناده، بل من باب التاريخ والسير والمغازي، انتهى. ٢٩٤ الكَوَكَبُ الدُّرِي الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ، وَقَالُوا: يَكُونُ نَحْوًّا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ. إلى فكر ونظر أن البئر [١] في البستان لا يكون إلا لسقي أشجاره، وقد عُلِم أن بئر بضاعة كانت قليلة الماء، فإذا سقيت منها الأشجار لم يبق فيها شيء من تلك النجاسات ولا هذا الماء، كيف وقد ذكر على ما هو (٢) مذكور في ((سنن أبي داود)»: إني ذهبت في سفري إلى بستان بئر بضاعة فرأيتُها، وذرعتُها، وكان قطرُها ستةَ أذرع، فسألت مالك البستان من تغيرِ بنائها فأنكر، وسألت عن مقدار مائها فقال: إذا كثر فإلى ما فوق السرة، وإذا قَلّ فإلى ركبتيه(١). فكيف يظن أن هذا البئر إذ وقعت فيها نجاسة، ثم استقي منها البستانُ، تبقى فيها النجاسة ولا تخرج، ولا يخرج كل مائها، فأما إذا أُخرِجا كلاهما فأمر طهارتها ظاهر على مذهب الإمام. بقي الجواب عما تمسك به الشافعي رحمه الله من حديث القلتين(٣] فنقول: [١] فقد كانت في بستان بني ساعدة يسقى منها أشجارها. [٢] لخص حضرة الشيخ ما ورد في ((سنن أبي داود)) بإضافة شيء من التوضيح، وسياق كلامه: قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قَيِّمَ بئرِ بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدّرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضُها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إلیه: هل غُيِّ بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، انتهى. [٣] قال ابن القيم في (تهذيبه)): (٢) الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول: صحة سنده، الثاني: ثبوت وصله، وأن إرساله غير قادح، الثالث: ثبوت رفعه، وأن وَقْفَ من وقفه ليس بعلة، الرابع: أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه، الخامس: أن القلتين = (١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٦٧). (٢) ((تهذيب سنن أبي داود)) (١ / ٥٩،٦٠) وما بعدهما. ٢٩٥ أبْوَابُ الطَّهَارَة إنه لا يضر مذهب الإمام شيئاً، فإن مذهبه رضي الله تعالى عنه أن الماء إذا كان أقلّ من قلتين، ولم يقتض رأي المبتلى بتنجسه بوقوع شيء من النجاسات فيه لم يحكم بنجاسته فضلاً عما إذا كان الماء قلتين، كيف وقد جَرَّبه الأستاذ العلامة حين قراءتنا تلك الرواياتِ، فكان قُلَّا الماء قدر غدیر عظيم، لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، وكان نحواً من ستة أشبار في مثلها، ولله الحمد. وعلى هذا يرتفع الخلاف من البين، ويكون مذهبنا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى من غير مين [١]، ويؤول الأمر إلى ما ذكرنا أولاً من إدارة الأمر على رأى المبتلى به، وذلك لأن علماءنا رحمهم الله تعالى لما شاهدوا في مذهب الإمام الذي قَدّمناه اختلافَ أمر العوام لبون بعيد في آرائهم - فمن منجِّسٍ ماءَ البحر بإلقائه يدَه النجسةَ فيه، ومن مجوِّزٍ طهارةَ ماء الكوز إذا وقعت فيه قطرة من البول - حدَّدوا فيه حدوداً ينتظم بها أمرهم، فمنهم من قَدَّره بعشر في عشر، وأصله على ما نقلوا أن محمداً رحمه الله تعالى سئل عن الماء الكثير فقال: نحو مسجدي هذا، فلما خرج ذرعوه، فكان داخله ثمانياً في ثمان، وخارجه = مُقَدَّرَتان بقلال هجر، السادس: أن قلال هجر متساوية المقدار، ليس فيها كبار وصغار، السابع: أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين، وأن قرب الحجاز لا يتفاوت، الثامن: أن المفهوم حجة، التاسع: أنه مقدم على العموم، العاشر: أنه مقدم على القياس الجلي، الحادي عشر: أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت، الثاني عشر: أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، الثالث عشر: الجواب عن المعارض، ومن جعلهما خمس مائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر: وهو أنه يجعل الشيء نصفاً احتياطاً، ومقام خامس عشر: أن ما وجب به الاحتياط صار فرضاً، انتهى. ثم ذكر الأجوبة عن المحدِّدين بالقلتين، وردّها أبسط الرد، فارجع إلیه لو شئت. [١] المَين: الكذب، كما في ((القاموس))(١) وغيره. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٩). ٢٩٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي عشراً في عشر، فأخذوا بالمزيد احتياطاً، ولعل محمداً رحمه الله تعالى إن سئل عن الأقل من ذلك لأجاب بقوله: نعم، فإنه لم يرد بذلك تحديداً بل تقريباً. ومنهم من قدّر الكثيرَ بقوله: هو الغدير [١] العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، ثم اختلفوا فيما بينهم في التحريك المعتبر هل هو باليد، أو بالتوضؤٍ، أو الاغتسال، وإلى كلٍّ ذهب ذاهب، ولا يذهب عليك أن التحرك المعتبر إنما هو التحرك الذي ينشأ في الجانب الآخر ويسري إليه معاً، لا التحرك الناشئ بالتموج وتدريجاً، وهذا القول الأخير يوافق رأي الشافعية في اعتبار الكثرة بالقلتين، فقد ذكرنا أن الأستاذ العلامة جَرَّبه فکان کذلك؛ فإنه - مَدَّ الله ظلال جلاله، وسقی الطلاب وإياي من نمير[٢] نواله- أمر بحفر حفيرة، فألقي فيها الماء مقدار قلتين، ولم يتحرك أحد طرفيها بتحريك الطرف الآخر. [١] ذكره محمد في ((موطئه)) (١) وعزاه إلى أبي حنيفة، وفي ((السعاية)) عن ((فتح القدير)(٢): قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية: يعتبر أكبر رأي المبتلى به، وعنه الاعتبار بالتحريك، على ما هو مذكور في الكتاب أي: ((الهداية)) بالاغتسال، أو الوضوء، أو باليد، روايات، والأول أصح عند جماعة منهم الكرخي، وصاحب ((الغاية)) و((الينابيع))، وغيرُهم، انتهى. وقال ابن عابدين(٣). ثانيها أصح؛ لأنه الوسط، كما في ((المحيط)) و((الحاوي القدسي))، وتمامه في ((الحلية))، انتهى. [٢] على وزن عظيم، قال المجد (٤): النمِرُ، كَفَرِحٍ وَأميرٍ: الزاكي من الماء، ومن الحسب، والكثيرُ، ومن الماء: الناجعُ، عذباً كان أو غیر عذب، انتھی. (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١/ ٢٦٩،٢٦٨). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٨٣). (٣) ((رد المحتار)) (٣٤١/١). (٤) ((القاموس المحيط)) (٤٥٣). ٢٩٧ أبْوَابُ الطَّهَارَة وأما ما طول البحث فيه صاحب ((شرح الوقاية)) من إثبات العشر في العشر فقد ردّه ابن نجيم المصري في بعض تصانيفه[١] حرفاً حرفاً. وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة، فقيل: إسناده ضعيف(٢)، وأن فيه اضطراباً حيث ورد في بعضها: قلتان، [١] قلت: الظاهر أن الشيخ رضي الله تعالى عنه أراد ((البحر الرائق)) (١)؛ فإنه بسط فيه، وتعقب شارحَ ((الوقاية))، ويحتمل أنه أراد غيرَه من تصانيفه الأُخَرِ. [٢] مال إلى هذا الجواب جمع من المشايخ الحنفية وغيرهم، ففي ((البناية))(٢): حديث القلتين ضعفه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، وقال أبو عمر(٣) في ((التمهيد)) (٤) في القلتين: مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت الأثر؛ لأن حديث القلتين قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل. وفي ((فتح القدير))(٥): وممن ضعَّفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وابن العربي المالكيون، وفي ((البدائع)) عن علي بن المديني: لا يثبت حديث القلتين، فوجب العدول عنه. وفي ((البحر الرائق)) (٦): قد بالغ الحافظ أبو العباس بن تيمية في تضعيفه، كذا في ((السعاية)). قلت: وتقدم ما قال ابن القيم أن الاحتجاج به يتوقف على ثبوت خمسة عشر مقاماً ولم تثبت، وقال ابن العربي(٧): حديث القلتين مداره على مطعون عليه، أو مضطرب، أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد [بن كثير]، وهو إباضي. (١) انظر: ((البحر الرائق)) (٨٠/١). (٢) انظر: ((البناية)) (٣٨٠/١). (٣) وفي الأصل: أبو بكر، وهو خطأ. (٤) ((التمهيد)) (٢ /١٠٠). (٥) ((فتح القدير)) (١/ ٨٣). (٦) ((البحر الرائق)) (٨٦/١). (٧) ((عارضة الأحوذي)) (٨٤/١). ٢٩٨ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي وفي البعض الآخر: ثلاث، وفي البعض الآخر: أربع، حتى قيل: وردت فيه الروايات إلى أربعين قلال(١)، وأن القلة غير متعينة المقدار؛ فإنها مختلفة المقادير، فتعذر العمل بأحد معانيها إلى أن يتعين أحد المعاني لدخولها في الإجمال والمجمل، لا يمكن العمل به إلا بعد بيان المجمل. وأنت تعلم أن كل ذلك تعسف، أما الأول فلما فيه من إنكار البداهة؛ فإن صحة روايات القلتين غير منكرة [١]، والروايات الواردة في السنن شاهدُ صدقٍ على ذلك؛ أما الاضطراب فمندفع بحمل تعدد الروايات على تعددِ الواقعات[٢] وكثرة السؤالات، EM فأجاب النبي ◌َّ كلّا من السائلين حسب ما تضمنه سؤاله، فلا اضطراب ولا اختلاف، والأسانيد شافٍ صافٍ، وإلزام الإجمال تحكم، أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانياً فَلِما ورد في بعض الروايات من [١] قلت: وفيه أن من ضعف الحديث وهو جمع من المحدثين أنكر الصحة، قال ابن القيم(٢): أما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، ومنهم ابن عبد البر وغيره، ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحیح جملة، انتهى. [٢] لكنه مشكل في وحدة الرواية ووحدة مخرجها، قال ابن القيم(٣): ومن المعلوم أن هذا الحديث لم يروه غيرُ ابن عمر، ولا عن ابن عمر غيرُ عبد الله وعبيد الله، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير، وأين أهل المدينة وعلماؤهم من هذه السنة التي مخرجها عندهم؟! انتهى. قلت: ولو سُلِّم فالاضطراب في الحديث من وجهين: سنداً، ومتناً، فأين اضطراب السند؟ !. (١) كذا في الأصل، والظاهر: ((قلة)). (٢) ((تهذيب سنن أبي داود)) (٦٣/١). (٣) ((تهذيب سنن أبي داود)): (٦٢/١). ٢٩٩ أبْوَابُ الطَّهَارَة زيادة لفظ يفسر المرادَ ويبين الإجمالَ، وهو قوله: من قلال هجر [١]. بل الجواب [٢] هو الذي أشرنا إليه من أن الأمر موكول إلى رأي المبتلى به، فلا يُحْكَم بنجاسة الماء إذا لم يتنجس الماءُ قدرَ ذلك عنده بوقوع النجاسة فيه. ومعنى قول محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار إلخ أنها تكون صغيرة (٣) وكبيرة تقلها الأرض، ولا يحملها الإنسان لثقلها، ويقلّها الإنسان أي: ما هو آلة للشرب يحملها الإنسان لصغرها. [١] قال ابن القيم(١): أما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح فيه عن رسول الله مَث﴾، وما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله: ((بقلال هجر)) من كلام النبي ◌َّ، ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل، فكيف يكون بيان هذا الحكم الذي يحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع؟! وهذا اللفظ ليس من کلام رسول الله څے، انتھی. [٢] أي: كماله وبديعه، وإلا فقد عرفت أن للحديث أجوبة كثيرة، وبعضها عقيمة عن الجواب، لكن حضرة الشيخ لم يَرْضَ بها؛ لأن جوابه الذي اختاره يناسب طبعه النفيسَ العالي(٢). [٣] قال المجد (٣): القلة بالضم: أعلى الرأسِ والسنامِ والجبلِ، أو كلِّ شيء (أي: أعلى كل شيء) أو الجرةُ العظيمة، أو عامةً، أو من الفَخّار، والكوزُ الصغيرُ، انتهى. (١) ((تهذيب سنن أبي داود)) (١ / ٦٢). (٢) والجواب اللطيف عن روايات القلتين والبضاعة كلها: أنه ليس في طريق واحد منها أنها كانت موجودة فيها، بل الغرض دفع الوسواس، كما هو من دأب الشرع، انظر: ((العرف الشذي)) (ص: ٦٠)، و((بذل المجهود)) (٣٨٢/١). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٨). ٣٠٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٥١- بَابُ(١) كَرَاهِيَةِ البَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ٦٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَاعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ)). (٥١) باب كراهية البول في الماء الراكد هذا بظاهره إثبات(١) لما ذهب إليه الحنفية، كما أن أول الأحاديث لإثبات مذهب مالك مع ما فيه إشارة إلى ما نقلنا أولاً من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها، وذلك لأن الرواية مطلقة عن قيد التغير، والماء ماء ما لم تذهب مائيتُه، وإن غلب عليه النجس وصفاً، وأوسط الروايات مسوق لإثبات ما اختاره الشافعي. [١] قال ابن دقيق العيد(٢): هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين؛ فإن الصيغة صيغة عموم، وأصحاب الشافعي يخصون هذا العمومَ، ويحملون النهي على ما دون القلتين، ولأحمد طريقة أخرى، وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة، وغير ذلك من النجاسات؛ فأما بول الآدمي وما في معناه فينجِّس الماءَ وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، فالحديث المذكور لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد؛ لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس = [٦٨] م: ٢٨٢، د: ٦٩، ن: ٥٧، حم: ٣١٦/٢، تحفة: ١٤٧٢٢. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في)). (٢) «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) (١ / ٧١).