النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ أبْوَابُ الطَّهَارَة وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو وَابْنٍ عَبَّاسِ وَعُبَيْدَةَ - وَيُقَالُ: عَبِيدَةُ - بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشِ(١) وَأَنَسِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيُّ، وَهُوَ ثِقَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. أثر منه في قلبه وعلى وجهه، تراه الأرواح المطهرة والملائكة وإن لم نشاهده، والمراد بالخطايا هي كل ما اقترفه من الصغائر والكبائر وحقوق الله، وأما حقوق العباد فيغتفر بالندم ما فيه من الذنب والإثم، وأما نفس حقه فلا يغتفر بنفس الندم، والتوبة لما كانت هي الرجوع عما اكتسب، فالتوبة من حقوق العباد إنما هو إيتاءُ حقوقهم وردُّها إليهم، فكيف يكتفى بمجرد الندم، ولا يذهبن عليك الفرقُ بين الإثم والحق، وهما موجودان في أخذ حقوق العباد والتعدي عليهم، والأول لما كان حقه تعالى اغتفر بالندم والاستغفار، دون الثاني، فاحفظ، وبالله التوفيق. قوله: (يقال: عَبِيدَة) بفتح العين المهملة مكبراً ككريمة، والأول مصغر، ومما[١] أنسانيه الشيطان. [١] كان هذا في الأصل على الحاشية بطريق الترك. (١) زاد في بعض النسخ: ((الحضرمي)). ٢٦٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٤٠- بَابُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ (١) ٥٣- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ (٢)، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، [(٤٠) باب المنديل بعد الوضوء] حديث المسح بالمنديل: واختلفت فيه أقوال العلماء[١]، وجملة الأمر عندنا أن مسحه مَّ كان لبيان الجواز، وبثوبه الذي كان لا بسه لبيان الجواز، وإظهار أن المستعمل من الماء لا يكون نجساً ولا منجساً، غاية الأمر أنه لا يبقى مطهِّراً للنجس الحكمي، ويكون اختلاطه بالماء غير المستعمل منافياً للتنظيف فقط، لا [١] قال ابن العربي(٣): اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: إنه جائز في الوضوء والغسل، قاله مالك والثوري، الثاني مكروه فيهما، قاله ابن عمر وابن أبي ليلى، واختاره أبو حامد من أصحاب الشافعي، الثالث كرهه ابن عباس في الوضوء دون الغسل، وقال الأعمش: إنما كره في الوضوء مخافةَ العادة، والصحيح جواز التنشف بعد الوضوء، ثم ذكر الآثارَ المؤيِّدةَ لذلك، ثم قال: وما روى الترمذي من الكراهية لأن الوضوء يُوْزَن؛ ضعيف؛ لأن وزنه لا یمنع من مسحه، انتھی. وذكر صاحب ((الدر المختار)) التمسُّحَ بمنديل في الآداب، وبسطه ابن عابدين (٤)، وقال النووي(٥): اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه: أشهرها أن المستحب تركه، وقيل: مكروه،= [٥٣] ق: ١٨٥/١، ك: ١٥٤/١، تحفة: ١٦٤٥٧. (١) في نسخة: ((باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء)). (٢) زاد في نسخة: ((ابن الجراح)). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٦٩ -٧٠). (٤) ((رد المحتار على الدر المختار)) (٢٥٦/١-٢٥٧). (٥) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٣٦/٢)، و ((فتح الباري)) (٣٦٣/١). ٢٦٣ أبْوَابُ الطّهَارَة عَنْ أبِي مُعَاذٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ(١) لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَُّ خِرْقَةٌ يَنْتَشِفُ(٢) بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. مورثاً للتنجيس فيه ما لم يغلب، والسبب فيه أن النجاسة الظاهرة لا توجب حكماً[١] باطناً، والنجاسة الباطنة لا تورث حكما ظاهراً، فالماء المستعمل لما لم يخالطه شيء من النجاسات التي نجاساتها ظاهرة لم يحكم بنجاسته بحسب الظاهر، بل يجوز به إزالة النجاسات الظاهرة، وأما في الباطن الغيب عنا فقد أزيلت به نجاسة الآثام، فلا يتصور إزالة النجاسة كذلك به ثانياً، كما لا يتصور إزالة النجاسة الحقيقية ثانياً بالماء الذي أزيلت هي به مرة، وهذه هي الرواية المعتمدة من مذهب الإمام التي ينبغي أن يعتد بها من أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر، فيجوز استعماله في إزالة النجاسات الحقيقية دون الحكمية، فيكتفى به حيث يكون المناط إزالتها عن محالها، بخلاف ما لا يكتفى فيه بذلك. = وقيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه في الصيف، مباح في الشتاء، انتهى. وبسط العيني(٣) في روايات المنديل. [١] قلت: وعلى هذا فينبغي أن يجوز الوضوء بماء خالطته نجاسة ظاهرة، والأمر ليس كذلك؛ اللهم إلا أن يقال: إن ذلك لعارض، وهو أن ماء الوضوء يحتاج إلى الطهارة عن النجاسة الحقيقية والحكمية معاً، كما يحتاج إلى الخلو عن الجامدات المخرجة له عن طبع الماء. (١) في نسخة: ((كان)). (٢) في نسخة: ((ينشف)) وفي أخرى: ((يستنشف)). (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٩/٣-١٠). ٢٦٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٥٤- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِیَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله(١) قَ لَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ. قَال أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمِ الْإِفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُوعِيسَى(٢): حَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، وَلَا يَصِحُ عَنِ النَّبِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَأَبُو مُعَاذٍ يَقُولُونَ: هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ صَلَا الله عَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمُّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله وتـ (وقد رخص قوم) إلخ، هذه الفرقة لا ترى بأساً ولا كراهة، بخلاف الآتين [١] ذكرهم؛ فإنهم قَرَّبوا ذلك بالكراهة التحريمية. [١] هكذا في الأصل، ومقتضى القواعد: الآتي ذكرهم؛ لإفراد الفاعل، لكن قد يحصل المضاف من المضاف إليه معنى الجمعية، قال شارح ((الأشباه)): وقد تقصيتُ عما يكتسبه المضاف من المضاف إليه فأوصلتُ ذلك إلى ثمانية عشر شيئاً، ولم يسبقني أحد إلى ذلك، إذ غاية ما أوصلها الجمال ابن هشام في ((المغني))(٣) إلى عشرة، والجلال السيوطي في ((الأشباه والنظائر)) (٤): النحوية، إلى ثلاثة عشر، وقد نظمتها في أبيات، وهي: = ثمان وعشر يكتسبها المضاف من مضاف إليه فاستمعها مفصلا [٥٤] طس: ٤١٩٤، ق: ١/ ٢٣٦، تحفة: ١١٣٣٥. (١) في نسخة: ((النبي)). (٢) قوله: ((قال أبو عيسى: حديث عائشة)) إلى قوله: ((وهو ضعيف عند أهل الحديث)) مقدم في بعض النسخ على قوله: ((حدثنا قتيبة)). (٣) ((مغني اللبيب)) (٦٦٣)، وأوصلها ابن هشام فيه إلى أحد عشر أمراً. (٤) انظر: ((الأشباه والنظائر)) (١٩٦/٣). أَبْوَابُ الطَّهَارَة ٢٦٥ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي المِنْدِيلِ(١) بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ: واعلم أن الوضوء الموزون هو الذي [١] التصق بالعضو، فأما ما تقطر منه كان غسالة، ومما ينبغي أن يعلم أن الفرق بين المستحب[٢] والمكروه - بمعنى ترك الأولى - مما يعسر ويشتبه؛ لما بين التعريفين من التشابهِ وصدقٍ تعريف المستحب على كثير مما فعله النبي ◌َثّ لبيان الجواز مع أنها كانت أحرى أن لا تفعل، والتفصي عنه بأن الذي فعله النبي ◌ِّلّ مرة أو مرتين إما أن يكون بعد العلم بكونه محظوراً، أو فعله لئلا يعدّ محظوراً، فهو على ترك الأولى وبيان الجواز، وإما أن يكون فعله تحصيلاً للمثوبة والحسنى، وإنما كان تركه شفقة على الأمة وخوفاً من أن تتأكد السنية، أو تصل إلى حد الوجوب فيتشققوا فهو مستحب، فترك الفعل هاهنا مع رغبته إليه بخلاف الأول؛ فإن الترك ثمة مرغوب فيه، والفعل لعارض البيان، وهذا التمييز موقوف على استقراء تام وتصفح وافر. بناء وإعراب وتصغير قد تلا فتعریف تخصیص وتخفيف بعده = إزالة قبح والتجوز يا فلا وتذكير تأنيث وتصدير بعده وشرط وتنكير فلا تك مهملا وظرفية جنسية مصدرية صحيحاً من الأدواء على رغم ما قلا وتثنية جمع وقد تم جمعنا [١] هذا هو الأوجه لما قال السيوطي(٢): أخرج تمام في ((فوائده)) وابن عساكر في ((تاريخه)) من طريق مقاتل بن حيان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً: من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به، ومن لم يفعل فهو أفضل؛ لأن الوضوء يُوزَنُ يوم القيامة مع سائر الأعمال، انتهى. فالتقريب لا يتم إلا بأن يراد به الملتصق بالعضو؛ لأنه لا دخل للمسح وعدمه في الساقط. [٢] يعني أن تعريف المستحب - وهو ما فعله النبي ◌ِالثّ مرة أو مرات، وتركه أخرى - يصدق على أفعاله التي فعلت مرة أو مرات لبيان الجواز، فالفرق بينهما دقيق. (١) في نسخة: ((التَّمَنْدُلِ)). (٢) انظر: ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ١٥). ٢٦٦ الْكَوْكَبُ الدُّرِّي إِنَّ الْوُضُوءَ يُوزَنُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي(٢) وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةُ، عَنْ ثَعْلَبَةٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّمَا أُكْرَ(٣) الْمِنْدِيلَ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُوزَنُ. ثم إن قوله: (الوضوء يوزن) لفظ الحديث(١)، وكونه من قول الزهري وسعيد مما يُحمَلُ على ذلك؛ لكونه مما لا يُدْرَك بالرأي، وهذا الحديث دالٌّ على طهارة المستعمل من الماء. قوله: (حدثنيه علي بن مجاهد) إلخ، كان جرير قد تداخله النسيان في كبره، فأراد أن ينبِّه أن روايتي هذه مما يرويها علي بن مجاهد عني، فكان إسناده أولاً: حدثني علي بن مجاهد قال: حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن الزهري، ثم آل أمر الإسناد بعد أخذ جریر عن مجاهد(٢): حدثنا محمد بن حمید قال: حدثنا جریر، قال: حدثنا علي بن مجاهد قال: حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن الزهري، ولما كان علي بن مجاهد [١] قال السيوطي (٤): رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) من طريق الزهري بلفظ: كل قطرة توزن، وهذا الذي ذكره الزهري قد ورد مرفوعاً، ثم ذكر حديث مقاتل بن حيان المذكور قبل. [٢] كذا في الأصل، والصواب: بعدَ أخذٍ جرير عن علي بن مجاهد. (١) زاد في بعض النسخ: ((الرازي)). (٢) أي: ناقلاً عني بعد ما تنسيته أنا. (٣) في نسخة: «كُره)). (٤) ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ١٥). ٢٦٧ أبْوَابُ الطّهَارَة ٤١- بَابُ مَا يُقَالُ بَعْدَ الوُضُوءِ(١) ٥٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الثَّعْلَبِيُّ الْكُوفِيُّ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي إِذْرِیسَ الْخَوْلَانِيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: ((مَنْ ثقة أخذ أستاذه بقوله وإن لم يتذكر روايته [١] إياه، فافهم. ومن العجائب في هذا المقام ما وقع لبعض من لا ممارسة له بهذا الفن، فقال: علي بن مجاهد عنين بكسر العين وتشديد الياء والنون فقال: معناه أن عليًّا وإن كان عنيناً غير قادر على النساء إلا أنه ثقة، فسبحان الله. [(٤١) باب ما يقال بعد الوضوء(٢)] قوله: (عن ربيعة بن يزيد) هذا هو المعطوف عليه لقوله: عن أبي عثمان، [١] قال الحافظ في ((شرح النخبة))(٣): إن روى عن شيخ حديثاً، وجحد الشیخ مرویه، فإن كان جزماً كأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويت له، رُدَّ ذلك الخبرُ لكذب واحد منهما لا بعينه، ولا = [٥٥]م: ٢٣٤، د: ١٦٩، جه: ٤٧٠، ن: ١٤٨، حم: ١٧٣١٤، تحفة: ١٠٤٨٠. (١) في نسخة: ((باب في الدعاء بعد الوضوء)). (٢) في ((معارف السنن)) (٢٦٥/١): الأذكار المروية في الوضوء بروايات قوية أربعة: ثلاثة منها مرفوعة، والرابع منها موقوف على أبي سعيد الخدري، الأول: هو ما في الترمذي، والثاني: ((اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي))، رواه النسائي وابن السني، والثالث: ((بسم الله والحمد لله)) في ابتداء الوضوء، أخرجه العيني في شرح ((الهداية)) مرفوعاً، والرابع: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك))، أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (ص: ١٧٤). (٣) ((نزهة النظر)) (٦٥٥) مع شرحه لعلي القاري. ٢٦٨ الْكَوَكَبُ الدُّرِي تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. لا كما يتوهم من ظاهر العبارة أن عقبة [١] بن عامر وأبا عثمان في درجة واحدة، بل الأمر على ما وصفناه من العطف، وكذلك فيما بعد في قوله: عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر عن عمر؛ وعن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر. ويمكن أن يقال: إن زيد بن حباب[٢] أخطأ في هذا الإسناد في موضعين: في ترك الراويين عن عمر، وهما عقبة بن عامر وجبير بن نفير، وفي جعل أبي إدريس شريكاً لأبي عثمان، فجعلهما تلميذاً على أستاذ، مع أنهما مختلفان = يكون ذلك قادحاً في واحد منهما للتعارض، أو كان جَحْدُه احتمالاً قُبِلَ ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يُحمَلُ على نسيان الشيخ، وقيل: لا يُقبَل، وفي هذا النوع صنف الدار قطني کتاب «من حدث ونسي)). [١] هكذا في الأصل، والصواب على الظاهر محله: أبا إدريس، فتأمل، ثم لا يذهب عليك أن لفظ ((أشهد)) يوجد في جميع النسخ الهندية في الموضعين، ولا يوجد في المصرية في الموضع الثاني، وكذا نفاه صاحب ((المشكاة)) (١) فقال: رواه الترمذي في ((جامعه)) إلا كلمة: ((أشهد)) قبل: أنّ محمداً، انتهى، فتأمل. [٢] أي على رأي الترمذي، إذ حمل الوهم فيه على زيد، كما سيجيء عن النووي، وإليه أشار المصنف بقوله: ((قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث))، وإلا فرأي النووي أن زيداً بريء من هذه العهدة، كما سيأتي. (١) ((مشكاة المصابيح)) (٢٨٩). ٢٦٩ أبْوَابُ الطَّهَارَة قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خُولِفَ زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ،(١) رَوَى عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ جُبَيْرِبْنِ نُفَيْرٍ الجيّ فِي عَنْ عُمَرَ، وَهَذَا حَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابُ(٢)، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ(٣): في الأخذ، وبينهما وسائط لا تخفى، فإن ربيعة وأبا عثمان قد حدثا معاويةً بن صالح ولم يأخذا عن واحد، بل أخذ أبو عثمان عن جبير، وأخذ ربيعة عن أبي إدريس. هذا وقد ذكر النووي في ((شرحه (٤) على مسلم)) [١] ما نصه: اختلفوا مَنِ القائلُ لقول: ((وحدثني أبو عثمان))؟ فقيل: معاوية بن صالح، وقيل: ربيعة، والصحيح الأول، فمعاوية يروي بإسنادين: أحدهما عن ربيعة بن يزيد(٥)، عن أبي إدريس، عن عقبة، والثاني عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة، انتهى، فافهم وتذكر. [١] وبسط الكلام عليه فارجع إليه، ورد على الترمذي إذ قال: قال أبو علي: وقد خرج الترمذي هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد، وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب، وزيد بريء من هذه العهدة، والوهم في ذلك من أبي عيسى، أو من شيخه الذي حدثه به، لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف = (١) زاد في بعض النسخ: ((قَالَ: وَ)). (٢) لا وجه للاضطراب في هذا الحديث، فقد أخرجه مسلم من طريق معاوية بن صالح موصولًا إلى عمر من طريقين: أحدهما: عن عقبة بن عامر عن عمر، والثاني: جبير بن نفير عن عمر، وهكذا رواه أبو داود، وكلا الطريقين صحيح. وانظر لزاماً ما علق عليه الشيخ أحمد شاكر في هامش ((سنن الترمذي)) (٧٩/١-٨٣). (٣) في نسخة: ((رسول الله)). (٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢٠/٢ - ١٢١). (٥) في الأصل: ((عن ربيعة عن يزيد)) وهو خطأ. ٢٧٠ الْكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ (١)، قَالَ مُحَمَّدُ: أَبُو إِذْرِيسَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا. ٤٢- بَابُ الوُضُوءِ بِالمُدِّ(٢) ٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، عَنْ سَفِينَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهِ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وقوله: (كثير شيء) أي شيء معتبر يعتد به، وهذا ذهول منه؛ فإن حديث الباب رواه مسلم في (صحيحه))(٣) بإسناد[١] جيد. [(٤٢) باب الوضوء بالمد] (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع) وهو مكيل يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثُلُث، وبه قالت الشافعية وفقهاء الحجاز، وقيل: المد رطلان، وبه قالت = ما ذكره أبو عيسى، وذكره أبو عيسى أيضاً في كتابٍ ((العلل)) وسؤالاتِه محمد بنَ إسماعيل البخاري فلم يجوِّده، وأتى فيه عنه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة، ولعله لم يحفظه عنه. [١] ولذا تعقب الحافظ في ((التلخيص)) (٤) كلام الترمذي فقال: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض. [٥٦] م: ٣٢٦، جه: ٢٦٧، حم: ٢٢٢/٥، تحفة: ٤٤٧٩. (١) في نسخة: ((كبير شيء)). (٢) في بعض النسخ: ((باب في الوضوء بالمد)). (٣) ((صحيح مسلم)) (ح: ٢٣٤). (٤) ((تلخيص الحبير)) (١ / ١٠١، ح: ١٢١). ٢٧١ أبْوَابُ الطّهَارَة قَالَ أَبُوعِيسَى: حَدِيثُ سَفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو رَيْحَانَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الله بْنُ مَطَرٍ. وَهَكَذَا رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ بِالْمُدِّ وَالْغُسْلَ بِالصَّاعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّوْقِيتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَلَا أَقَلُّ مِنْهُ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْفِي. الحنفية، فالصاع ثمانية أرطال، وقد ثبت رجوع أبي يوسف (١) إلى مذهب الشافعية، لَمّا ورد المدينة مع الخليفة هارون الرشيد(٢)، فأراد أن يتكلم مع فقهاء المدينة، و کان ذا فصاحة ولسان وصاحب تقریر وبيان، فامتنعوا أن يتكلموا معه، وكان قد [١] على ما هو المشهور في الفقه وشروح الحديث، وقال ابن عابدين(١): وفي ((الزيلعي)) و((الفتح)): اختُلِف في الصاع فقال الطرفان: ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني - أي يوسف - : خمسة أرطال وثلث، وقيل: لا خلاف؛ لأن الثاني قدَّره برطل المدينة لأنه ثلاثون أستاراً، والعراقي عشرون، وإذا قابلت ثمانية بالعراقي بخسمة وثلث بالمدنى وجدتهما سواء، وهذا هو الأشبه؛ لأن محمداً لم يذكر خلاف أبي يوسف، وهو أعلم بمذهبه، وتمامه في ((الفتح)) (٢). [٢] وكان الخليفةُ كثيرَ الحج، قيل: إنه كان يحج سنة، ويغزو سنة، وفيه يقول بعض شعرائه: فمن يطلب لقاءك أو يرده فبالحرمين أو أقصى الثغور وفي ((سيرة مغلطاي)): قد كان حج تسع حجج، وغزا ثماني غزوات، كذا في ((الخميس))(٣)، وذكر ابن قتيبة في كتاب ((الإمامة)) خروجَ الرشيد سنة أربع وسبعين ومائة إلى مكة، ثم إلى المدينة، وسماعَ ((الموطأ)) عن مالك بقراءة حبيب كاتب الرشيد، وسؤالَ أبي يوسف أن يجمع بينه وبين مالك ليكلمه في الفقه، وأنف مالك إلى آخر ما ذكره، لكنه لم يذكر هذه القصة. (١) ((رد المحتار)) (٣٢٠/٣). (٢) ((فتح القدير)) (٤ / ٢٥٧). (٣) («تاريخ الخميس)) (٢/ ٣٣١). ٢٧٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ألزم مالكاً رحمه الله من قبل، وكان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل المدينة وكان معه أبو يوسف أراد أن تقع بين ذينك الإمامين مناظرة، كما هو دأب أرباب الدولة والثروة، وكان مالك رضي الله عنه قد صمّ، فسأله أبو يوسف عن سجدتي السهو(١) قبل السلام أو بعده؟ فأجاب عنه مالك حسب مذهبه: إن زاد بسهوه شيئاً في صلاته فبعد السلام، وإن نقص فقبله، فقال أبو يوسف: فإن أتى بهما أي: الزيادة والنقصان معاً؟ فسكت مالك، ولم يدر ما يقول له، فقال الرشيد لمالك: ما لك لا تجيب يا إمام؟ فقال أبو يوسف: أشيخ يخطئ مرة فلا يصيب [٢] أبداً، وفهمه مالك ظانًّا أنه يقول: الشيخ يخطئ مرة ويصيب أخرى، فقال: على هذا وجدنا مشايخنا، وأخذ أرباب المجلس في القهقهة، فقال مالك - وقد أحفظه ضيعهم(١) ذلك وقام مغضباً -: من ذهب معاصروه، ووقع بأيدي الشبان، هكذا سخرت به الأحداث، فطار الحديث، وامتنع أهل المدينة من المناظرة معه في تعيين الصاع والمد، وقالوا: نجيب غداً إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد حضروا ومعهم من الأمداد ما شاء الله، بعضها قدیم، وبعضها [١] ذكر أهل الفروع هاتين المسألتين في بابيهما، وذكر قصة الصاع أهلُ السير والحديث في كتب الرواية والشروح أيضاً. [٢] وذكر صاحب ((الكفاية)) - وذكر الحافظ في ((تهذيبه))(٢) القصةَ لعمر بن قيس المكي بسياق آخر - عن ((مبسوط شيخ الإسلام)) محله: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، ولم يذكر القهقهة ولا جوابَ مالك، نعم ذكر في ((خزانة الروايات)) محل ذلك: هذا جزاء من لم يمت مع أقرانه. (١) كذا في الأصل، والظاهر: ((وقد أغظبه صنيعهم ذلك)). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٩١/٧). ٢٧٣ أبْوَابُ الطَّهَارَة جديد، وما منها مدَّ وزنُه رطلان، فأنصف أبو يوسف من نفسه، ورجع عما كان عليه، واستقر رأيه أن الصاع والمد الحجازيين هما المعتبران دون العراقي. وأما الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام فقد ذهب إلى الأحوط، ومستدله ما قد نص عليه في بعض الروايات في بيان الوضوء: المد رطلان[١]، وعلى هذا فلو أراد الشارع بالمد والصاع ما أردنا لزم عدم انفراغ الذمة أن لو عُمِل على الصاع المدني فإنه خمسة أرطال وثلث؛ فلابد من الاعتماد على الصاع العراقي احتياطاً بتلك الرواية التي أسلفناها لا بمجرد الوهم. [١] قلت: بسط الكلام على هذه الروايات الشيخُ في ((البذل))، وهذا الحقيرُ في (الأوجز))(١)، منها ما رواه الطحاوي بسند صحيح، عن عائشة قالت: كان النبي يُمثّ يغتسل بمثل هذا. قال مجاهد: فحزرته ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، وقالوا: لم يشك مجاهد في الثمانية، وإنما شك فيما فوقها. قلت: وأخرجه النسائي(٢) بلا شك، فروى في ((السنن)) بسنده إلى موسى الجهني قال: أتي مجاهد بقدح حزرتُه ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن النبي ◌ّ ﴾ كان يغتسل بمثل هذا، قال ابن التر كماني(٣) : إسناده جيد ثم ذکر توثیق رواته. ومنها ما رواه الدار قطني (٤) بطريقين عن أنس: أن النبي ◌ّ يّ كان يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع: ثمانية أرطال، وتضعيفه(٥) الدار قطني منجبر بالتعدد، والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بطريقين عن أنس، وأخرجها أبو داود، وسكت عليه هو والمنذري، فهو صالح للاحتجاج. (١) ((أوجز المسالك)) (٢٩٥/٦) و((بذل المجهود)) (١ /٤٧٦). (٢) ((سنن النسائي)) (٢٢٦). (٣) ((الجوهر النقي)) بهامش ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٩٣/١ - ١٩٤). (٤) ((سنن الدار قطني)) (١ / ٩٤). (٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وتضعيف الدار قطني إلخ. ٢٧٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي أما الوضوء[١] فليس تقدير الماء فيه تحديداً أو تعييناً لا تجوز الزيادةُ عليه أو النقصُ عنه، وإنما هو تقريب[٢] وتخمين، حيث اعترف به المؤلف أيضاً، فلا يرد أن الاحتياط في صدقة الفطر وإن كان هو الاعتماد على الصاع العراقي، غير أن الأحوط في ماء الطهارة هو العبرة بصاع أهل الحجاز. = ومنها ما رواه أبو عبيد بسنده إلى إبراهيم قال: كان صاع النبي حوالي ثمانية أرطال، ومده رطلين، والمرسل حجة، لا سيما إذا توبع، وهاهنا - کما تری - عدة متابعات له. [١] ولا يذهب عليك أن روايات وضوئه هل﴾ وغسلِه بالصاع بيان لمقدار مائهما عند الجمهور، وأبدع الباجي في ((شرح الموطأ))(١) احتمالًا آخر فقال: ويحتمل بيان الإناء، يعني يغتسل بهذا الإناء، وإن استعمل الیسیر من مائه، أو کلّه، أو أكثر منه، انتھی. [٢] قال ابن عابدين(٢) حكاية عن ((الحلية)): أنه نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدَّر بمقدار، وما في ظاهر الرواية من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد؛ للحديث المتفق عليه: ((كان النبي ◌َ ◌ّ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد))، ليس بتقدير لازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في ((البحر)): حتى إن من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه زاد عليه؛ لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة، كذا في ((البدائع))، انتهى. قلت: وحكى ابن رسلان فيه خلاف ابن شعبان من المالكية، وحكى الباجي(٣) دون ابن العربي خلافَ أبي إسحاق، وما حكى ابن قدامة (٤) من خلاف الحنفية لا يصح، كما بسط في ((الأوجز))(٥). (١) انظر: ((المنتقى)) (٣٩٥/١، ح ٩٧). (٢) ((رد المحتار)) (٢٩٤/١-٢٩٥). (٣) ((المنتقى)) (٣٩٦/١). (٤) انظر: ((المغني)) (٢٩٦/١). (٥) ((أوجز المسالك)) (١/ ٥٠١-٥٠٢). ٢٧٥ أبْوَابُ الطَّهَارَة ٤٣ - بَابِ كَرَاهِيَةِ الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ(١) ٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا أَبُو دَاوُدَ(٢)، نَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ (٤٣) باب كراهية الإسراف في الوضوء (الوَلَهان)[١] نوع منه وقسم؛ لا أنه واحد بالشخص. اعلم أن لكل من أمم المكلفين فرقاً وطوائف، كما أن للرياسة الملكية والانتظامات السلطانية فرقاً وطوائف، يختص كل صنف منهم باسم مشترك بين جملة تلك الطائفة، فالولهان كل شيطان من أمره الوسوسةُ في باب الطهارة، لا أنه واحد بالشخص يوسوس كل متوضئ، والعمل الذي التزموا إتيانه إلقاء الوساوس في قلوب المتطهرين فيشتغلوا به حتى تفوتهم الصلاة؛ فإن المتوسوس إذا أخذ [١] بفتحتين، مصدر وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهَاناً، بمعنى ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق، فسمي به شيطان الوضوء لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء، أو لإلقائه الناسَ بالوسوسة في مهواة الحيرة، فهو بمعنى اسم الفاعل، أو باق على المصدرية للمبالغة، كذا في ((المرقاة))(٣)، وفي ((السعاية)) (٤) عن الحسن البصري: شيطان الوضوء - ويدعى الولهان - يضحك بالناس في الوضوء، وكان طاوس يقول: هو أشد الشياطين. [٥٧] جه: ٤٢١، حم: ١٣٦/٥، تحفة: ٦٦. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء)). (٢) زاد في نسخة: ((الطيالسي)). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٦/١، ح٤١٩). (٤) ((السعاية)) (١٨٤/١). ٢٧٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّ قَالَ: ((إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا، يُقَالُ لَهُ: الوَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ)). وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو (١)، وَعَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ(٢) عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، لأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةً، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الحَسَنِ قَوْلَهُ، وَلَا يَصِحُ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّلَ لَهُ شَيْءٌ، وَخَارِجَةُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ. في الطهارة، وعلم من نفسه أنه لم يكمل الطهارة يأخذ في إتمامها وإسباغها حتى يستوعب هذا الأمر وقت صلاته، وربما آل الأمر إلى أن المرء يترك صلاته رأساً، حيث يظن أن صلاته فاسدة لنقص في طهارته، فكان التكلف في أدائها هدراً لا فائدة فیه، أعاذنا الله من شر كل ذي شر. (عُتَي) بضم العين [١] المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وتشديد التحتية. [١] يعني بضم أوله مصغراً، كما في ((التقريب))(٣). (١) في نسخة: ((عبد الله بن عمر)). (٢) زاد في بعض النسخ: ((والصحيح)). (٣) ((تقريب التهذيب)) (رقم الترجمة: ٥٠٠٤). ٢٧٧ أبْوَابُ الطَّهَارَة ٤٤- بَابِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ(١) ٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، نَا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيِّوَ لَهَ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا. قَال أَبُوعِيسَى: حَدِيثُ أَنَسِ(٢) حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ(٣)، وَالمَشْهُورُ عِنْدَ (٤٤) باب الوضوء لكل صلاة اعلم أن بعض الروايات(١) دالة على أن النبي ◌َليل كان يجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة، والبعض الآخر(٢] على خلاف ذلك، ويُجْمع بأن الوجوب [٣] نُسِخَ بعد ما كان أولاً، وبقي الاستحباب، فكان النبي ◌ِّ يتوضأ أولاً وجوباً، ثم بعد [١] كما يدل عليه حديث أنس في أول الباب. [٢] كما يدل عليه أول الحديث من الباب الآتي. [٣] كما هو مصرح في حديث أبي داود (٤): أن النبي ◌ََّ أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة، فلما شقَّ عليه أمر بالسواك. [٥٨] خ: ٢١٤، د: ١٧١، ن: ١٣١، تحفة: ٧٤٠. (١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة)). (٢) في نسخة: ((حديث حميد عن أنس)). (٣) زاد في نسخة: ((من هذا الوجه)). (٤) ((سنن أبي داود)) (٤٨). ٢٧٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي أَهْلِ الحَدِيثِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ(١)، عَنْ أَنَسِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَرَى (٢) الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا لَا عَلَى الوُجُوبِ. ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ذلك كان يتوضأ استحباباً، لما أنه مَّ كان يواظب على ما وجب عليه ثم نُسِخَ، فقد روي أن النبي مثير كان يصلي خمسين ركعة في اليوم والليلة كما فرض عليه أولاً، وغير ذلك من النظائر التي فيها كثرة، والله أعلم. قوله: (وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحباباً)، يعني بذلك[١] أن بعض هؤلاء صرَّح في كلامه بذلك مما وجدنا كلماتهم، وإلا فهذا مذهب العلماء كافة. [١] قلت: ما أفاده حضرة الشيخ ظاهر، ويحتمل عندي وجهاً آخر، قال ابن العربي(٣): اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة، فمنهم من قال: يجدد إذا صلى، أو فعل فعلاً يفتقر إلى الطهارة، وهم الأكثرون، ومنهم من قال: يجدد وإن لم يفعل فعلاً يفتقر إلى الطهارة، وذلك مروي عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن عمر وغيرهما، انتهى. فيحتمل عندي أن المصنف أشار إلى هذا القول الثاني الذي هو مذهب البعض. ثم لا يذهب عليك أن عمرو بن عامر الأنصاري الراوي عن أنس في حديث الباب لا إشكال فيه في رواية الترمذي، ووصفه في أبي داود بالبجلي وهو مشكل كما بسطه شراح أبي داود(٤). [٥٩] د: ١٧١، ن: ١٣١، جه: ٥٠٩، حم: ١٣٢/٣، تحفة: ١١١٠. (١) زاد في بعض النسخ: ((الأنصاري)). (٢) في نسخة: ((یرون)». (٣) ((عارضة الأحوذي)) (١ / ٧٧-٧٨). (٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٠/٢). ٢٧٩ أبْوَابُ الطَّهَارَة مَهْدِيٍّ (١) قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ ◌َ لَيَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: فَأَنْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ. قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ(٢). ٦٠ - وَقَدْ رُوِيَ(٣) فِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأْ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ الله لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ))(٤). رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ لَ ﴾، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الوَاسِطِيُّ، عَنٍ الْإِفْرِيقِيِّ، وَهُوَ إِسْنَادُ ضَعِيفٌ. قَالَ عَلِيُّ(٥): قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ: ذُكِرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا الحَدِيثُ، فَقَالَ: هَذَا إِسْنَادُ مَشْرِفِيٌّ(٦). قوله: (مشرقي) لم يرد بذلك تضعيفَ الإسناد[١] والاعتراضَ عليه، فإن المشرقية لا تعتمد ذلك، وإنما أراد بذلك بيان الحال من أنه لم يرو من أهل المدينة والحرم المنيف، وإنما اشتهر من أهل المشرق وهم أهل الكوفة والبصرة ومن حام [١] قلت: ولا بعد في أن المصنف أشار بذلك إلى التضعيف، فإن المنقول عن إمامه الشافعي : = (١) في بعض النسخ: ((هو ابن مهدي)). (٢) في بعض النسخ: ((هذا حدیث صحیح)). وزاد فيه: ((وحديث حميد عن أنس جيد غريب حسن)). (٣) قوله: «وقد روي إلخ)) مقدم في بعض النسخ علی حدیث محمد بن بشار. (٤) زاد في بعض النسخ: ((قال: وَ)). (٥) زاد في نسخة: ((ابن المديني)). (٦) زاد في بعض النسخ: «قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان)). ٢٨٠ الكوَكَبُ الدُّرِّي ٤٥- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ سُفْيَانَ، الله عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَهُ، قَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ. حول حماهم، والإسناد مع ذلك ضعيف في نفسه، لا لكونه مشرقيًّا، بل لأن فيه الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث. [(٤٥) باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد] (فلما كان عام الفتح) يعني به يوم فتح مكة خاصة، ثم إنا قد قدمنا أن تجديد الوضوء كان واجباً عليه ◌َله، ثم نُسِخَ الوجوب، وبقي استحبابه، فهذا الذي فعله یوم الفتح يحتمل أن يكون أولَ ما فعله بعد نسخ الوجوب، ويحتمل أن يكون النبي بَل = كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واه، وعدّ الحازمي في وجوه(١) ترجيح الرواية أن يكون أحد الحديثين حجازيًّا وإسناد الآخر شاميًّا أو عراقيًّا، وإن كان للمخالف فيه مجال وسيع للكلام. [٦١] م: ٢٧٧، د: ١٧٢، ن: ١٣٣، جه: ٥١٠، حم: ٣٢٩/٦، تحفة: ١٩٢٨. (١) ذكر الحازمي في كتابه ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) (ص: ٩ -٢٢) خمسين وجهاً لترجيح الرواية، يقول الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٤٥): ووجوه الترجيحات تزيد على المائة، وقد رأيت عدَّها مختصراً، فأبدأ بالخمسين التي عدّها الحازمي، ثم أسرد بقيتها على الولاء.