النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
٥- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ
٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ(١)، نَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
إِسْرَائِيلَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ
إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: ((غُفْرَانَكَ)).
[(٥) باب ما يقول إذا خرج من الخلاء]
(غفرانك)[١] وجهُ الاستغفارِ انقطاعُ ذکر اللسانِ مدةً کذا، وهذا وإن لم یکن
نسبته إلينا مما يُعَدُّ نقصاً وذنباً حتى يُسْتَغْفَرَ منه، فإن اشتغال القلب بذكر الله تعالى
طاعة لا تُدْرَى حقيقتُها؛ إلا أنه إذا نُسِبَ إلى ذلك الجناب عُدَّ بالنسبة إليه ذنباً ونقصاً؛
فإن الاكتفاءَ بذكر القلب لمن يداوم على الذكر اللساني والقلبي معاً يكون نقصاناً، أو
السبب في استغفاره ◌َ ل إذ ذاك أن المتغوِّطَ إذا تفكر فيما خرج منه وعلم تقذَّرَه، توقف
بذلك على أقذارِ باطنه وتنجُّسٍ قلبه بالقاذورات النفسانية والنجاسات الشهوانية؛
= صحبة المروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات؛ فالحكم للراجحة، ولا يكون
الحدیث مضطرباً، انتهى.
[١] قال ابن العربي(٢): مصدر كالغَفْرِ والمغفرة، ومثله سبحانك، ونصبه بإضمار فعل تقديره:
أطلُبُ غفرانَك، وفي طلب المغفرة هاهنا محتملان:
=
[٧] د: ٣٠، جه: ٣٠٠، حم: ٦ / ١٥٥، تحفة: ١٧٦٩٤.
(١) كذا في الأصل، وفي (م) و(ش): ((محمد بن إسماعيل))، قال صاحب ((معارف السنن))
(١٤٣/١): الصواب ((محمد بن إسماعيل))، وهو الإمام البخاري، ومثله في نسخة الشيخ
محمد عابد السندي.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٢/١-٢٣).

١٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ(١)، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ
فاستغفر منها، أو السبب فيه أن المرء إذا تفكر في بروز هذه النجاسة منه، وهو مضطر
إلى ذلك تَنَبَّه على صدور الآثام منه، من غير أن يكون له علم بعضٍ منها لكثرةِ الغفلة
وقلةِ التيقظ، أو أن استحالة الغذاء إلى مثل هذه الكيفية في مقدار من الوقت المعلوم
وهو غير كثير؛ نبهه على خبثه وتلطخه بالأنجاس، فاستغفر مما هو فيه من هذا القبيل،
قلت: ومنه كل ما هو له حتى أن وجودَه كذلك أيضاً، وأيًّا ما كان فصنيعه عليه الصلاة
والسلام هذا كان تعليماً لأمته المرحومةِ، والله تعالى أعلم.
قوله: (إلا من حديث إسرائيل) إلخ، يعني تَفَرَّد في أخذ هذا الحديث عن
= الأول: أنه سأل المغفرة من تركه ذِكْرَ الله عزّ وجلّ في ذلك الوقت، فإن قيل: إنما تَركَها(٢)
بأمر ربه، فكيف يسأل المغفرةَ عن فعل كان بأمر الله؟ فالجواب أن الترك وإن كان بأمر الله
إلا أنه من قِبَلِ نفسه، وهو الاحتياج إلى الخلاء، فإن قيل: هو مأمور بما جَرَّه إلى الدخول في
الخلاء، وهو الأكل، قلنا: العبد مأمور بالأكل المؤدي إلى الاحتياج إلى الغائط، مقدور عليه
خلو ذلك الوقت عن الذكر، والباري يعد على العبد ما يقوده إليه، ويلزمه ما يخلقه فيه وذلك
موضع يحقق فهمه فيه، وهذا المحتمل أكثر وأغمض.
الثاني - وهو أشهر وأخص -: أن النبي له سأل المغفرة في العجز عن شكر النعمة في تيسير
الغذاء، وإبقاء منفعته، وإخراجٍ فَضلته عن سهولة، انتهى.
قلت: ويحتمل طلبُ المغفرةِ على إجراء الذكر القلبي والحضور في هذه الحالة، فتأمل.
(١) في ((معارف السنن)) (١/ ١٤٧): قد أشكل على القوم جمعُ الترمذي للغريب والحسن معاً في
موضع؟ والجواب على رأي شيخنا: أن للغريب عند الترمذي ثلاثة معان: الأول: هو الذي لا
يروى إلا من طريق واحد كما هو عند الجمهور. الثاني: ما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ولا
تكون هي في المشهور. الثالث: ما يستغرب لحال الإسناد وإن كان يروى من أوجه كثيرة. فالغريب
بالمعنى الثاني والثالث يجتمع مع الحسن من غير ما شك، وأما المنافاة بينهما فهو باعتبار المعنى الأول
فقط، ثم قال البنوري: كلام الترمذي صريح في هذه المعاني للغريب في ((العلل الصغرى)).
(٢) كذا في الأصل وفي ((العارضة)) أيضاً، والظاهر: تَرَكه.

١٨٣
أبْوَابُ الطَّهَارَة
عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ
قَيْسِ الْأَشْعَرِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ(١) فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ.
٦ - بَابُ فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ
٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَّا
تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)). قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا
مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ الله.
يوسف، فلو أخذه معه غيرُه لم يبق غريباً، وأشار بقوله: أبو بردة بن أبي موسى إلخ
إلى اسمِ الراوي قصداً، واسم أبيه وجده تبعاً واستطراداً لتضمُّنِهِ فائدةً جديدةً(١].
[(٦) باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول]
(إذا أتيتم الغائط) إلخ، لما كانت حالةٌ كشف العورة هيئة منكرة يستحیی
منها، وجب التحرزُ عن استقبال القبلة واستدبارها؛ لئلا يقابِلَ البيتَ بشيء مستهجن
[١] ولا يذهب عليك أنه واقع في مبدأ السند شيء من التحريف؛ فإنه ليس في الرواة أحد
اسمه محمد بن حميد بن إسماعيل، وما في النسخ المصرية في محله: حدثنا محمد بن
إسماعيل، نا حميد، نا مالك بن إسماعيل - الحديث - أيضاً خلافُ الظاهر، فالظاهر أن =
[٨] خ: ٣٩٤، م: ٢٦٤، د: ٩، ن: ٢١، جه: ٣١٨، حم: ٤٢١/٥، تحفة: ٣٤٧٨.
(١) فى نسخة: (ولا نعرف)).

١٨٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ (١) وَمَعْقِلِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَيُقَالُ:
مَعْقِلُ بْنُ أَبِي مَعْقِلٍ، وَأَبِي أُمَامَةً وَأَبِي هُرَيْرَةً وَسَهْلِ بْنِ خُنَيْفٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابٍ وَأَصَحُّ،
قبيح، وكذلك عند الجماع والبول، وإن لم يلزم فيه عند الاستدبار مقابَلَةُ البيت بشيء
سوء؛ وذلك لما فيه من سوء الأدب.
ثم إن العلماء اختلفوا فيما بينهم في كون هذا النهي مطلقاً أو مقيداً، فقال
الإمام الهمام أبو حنيفة المقدام رضي الله تعالى عنه: إن النهي عامٌّ فلا يجوز
الاستقبال ولا الاستدبار مطلقاً، لا في البنيان ولا في الفيافي، وهذا مبني على أصل
له، وهو أن أحكام الشرع معلَّلة، إلا نادراً حيث لم تعلم لنا علة وإن كان في نفس
الأمر معللاً أيضاً؛ فالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها مبني على علة تَعُمُّ الكنفَ
والفيافيَ، وأجابوا عن الأحاديث التي وردت على خلاف ذلك بأجوبة سيرد عليك
تفصيلها إن شاء الله تعالى.
والشافعي رحمه الله تعالى فقد علَّل النهي كما عَلَّلْنا، غير أنه قال: الاستقبال
= المراد بمحمد: ابن إسماعيل البخاريُّ، ولفظ حميد مقحم، ويؤيد ذلك ما قال الشيخ عثمان
وهبي في (الدر الغالي)) بعد ذكر رواية الباب عن عائشة: وكذا رواه البخاري في ((الأدب
المفرد)»(٢)، وعنه رواه الترمذي، ووهم ابنُ سيد الناس حيث قال(٣): هو أبو إسماعيل
الترمذي، انتھی.
(١) زاد في نسخة: ((ابن جزء الزبيدي)).
(٢) ((الأدب المفرد)) (٩٣/٦)، وانظر: ((تحفة الأحوذي)) (١ / ٤١).
(٣) ((النفح الشذي)) (١/ ٤٢٥).

١٨٥
أبْوَابُ الطّهَارَة
وَأَبُو أَيُّوبَ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ
شِهَابِ الزُّهْرِيُّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ.
والاستدبار كلاهما سواء، ولكن النبي ◌َّ لَمّا رَخْص في الاستقبال بفعله لزم
الترخصُ في الاستدبار أيضاً لاستوائهما، فوجب الجمع بين الروايات بحمل النهي
على الفيافي، والإجازةِ على الكنف، فهذا ناشٍ على أصله من حمل المطلق على
المقيد، ولكنا لما لم نقل به، أجرينا المطلقَ على إطلاقه.
وأما أحمد بن حنبل(١) فلم يتصرف في الحكم بتعديته إلى غيره، بل أخرج
الاستدبارَ عن عموم النهي بفعله مَّله، وأبقى سائر الصور تحت النهي.
[١] قلت: اختلفت الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل في ذلك، كما بسطت في ((أوجز
المسالك إلى موطأ مالك))(١)، فإحداها: لا يجوز الاستقبال مطلقاً، لا في الصحارى ولا
في العمران، ويجوز الاستدبار فيهما، والثانية: أن النهي للتنزيه، والثالثة: يحرم الاستقبال
والاستدبار بشرطين: الأول أن يكون في الصحراء، والثاني أن يكون بلا حائل، ويكفي
إرخاءُ ذيله والاستتارُ بدابة وجبل، كذا في ((نيل المآرب))(٢)، وفي (الروض المربع))(٣):
يحرم استقبالُ القبلة واستدبارُها في غير بنيان، ويكفي انحرافُه عن جهة القبلة، وحائلٍ ولو
كمؤخرة الرحل، انتهى. فهذه الرواية مختارُ فروعه، والرابعة: النهي مطلقاً كقول الحنفية،
وهي مختار ابن القيم(٤).
والظاهر أن الرواية التي ذكرها الترمذي هي الرواية الأولى، وما أفاده الشيخ فلعله رواية عنه
لكثرة الروايات عنه في ذلك.
(١) ((أوجز المسالك)) (١٦٢/٤- ١٧٢).
(٢) ((نيل المآرب)) (١ / ٥٣).
(٣) ((الروض المربع)) (١٨/١).
(٤) انظر: ((زاد المعاد)) (٣٨٤/٢-٣٨٦)، هديه ◌ِ ل في الذكر عند دخوله الخلاءَ.

١٨٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّئُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله(١) الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ
النَّبِيِّ ◌َ لِ: (لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا)، إِنَّمَا هَذَا
فِي الْفَيَافِي، فَأَمَّا فِي الْكُتُفِ الْمَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا، وَهَكَذَا قَالَ
إِسْحَاقُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّمَا الرُّخْصَةُ مِنَ النَّبِّلَهُ فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ
بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلِ، فَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَسْتَقْبِلُهَا، كَأنَّهُ لَمْ يَرَ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا
فِي الْكَنِيفِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ.
والحاصل أن الأصل في الأحكام لما كان أن تُعَلَّل وجب تعليلُ النهي الواردِ
في ذلك، فَسَوَّيْنا بين الاستقبال والاستدبار، والصحراء والبنيان، وفعل الشافعيُّ
كذلك غير أنه حمل المطلق على المقيد، فأخرج الكنفَ، وكل منا ومنهم يفتقر إلى
الجواب عما يخالف مذهَبه، ولم يستثن ابنُ حنبل غيرَ الصورة الواحدة فقط جرياً
على أصله المذكور من عدم التعليل.
وأنت تعلم أن رأي أبي أيوب الراوي يوافق رأيَ الحنفية حيث استغفر
في استقبال مراحض الشام، ولو لا أنه عَمَّ النهيُ عنده لما فعل ذلك، وكان
استغفاره لما يقع في أول وهلة من جلوسه من استقبال القبلة، وكان استغفاره
هذا بقلبه، إذ ليس ذاك بمقام تكلّم، أو يكون ثَمَّة (٢) بقلبه، ثم بعد الخروج منه
بلسانه.
(١) زاد في بعض النسخ: ((محمد بن إدريس)).
(٢) جاء في ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٠٢): ثَمَّ بالفتح: اسم يُشار به بمعنى: هناك للمعنى
البعيد، ظرف لا يتصرف، انتهى، وقد تلحقه التاء فيقال: ثَمَّةَ، ويوقَفُ عليها بالهاء.

١٨٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
٧- بَابُ مَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ(١)
٩ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ، نَاأبِى،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ(٢)، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله
قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ وَلَّ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا.
[٧- باب ما جاء من الرخصة في ذلك]
قوله: (فرأيته قبل أن يُقْبَضَ بعامٍ) إلخ، ظاهرُه معارِض بما سلف من النهي،
فيرجَّح القولُ على الفعل لاحتمال الخصوص، ولأن عين الكعبة لعله كان بمرأى
منه ◌ِّ فمال عنه(١)، ولم يتنبه لذلك الراوي الذي رآه ◌َّثيل فظنه مستقبلاً، فكما أن
الفرض للمكي في الاستقبال إصابةٌ عينها، ولغيره إصابةُ جهتها؛ فكذلك النهي عن
[١] أو كان مائلاً عنه بخصوص الذَّكَرِ، قال ابن عابدين(٣): ونَصَّ الشافعيةُ على أنه لو استقبلها
بصدره وحوَّل ذَكَرِه عنها وبال لم يُكْرَهْ، بخلاف عكسه، أي فالمعتبر الاستقبال بالفرج، وهو
ظاهر قول محمد في ((الجامع الصغير)): يُكْرَهُ أن يستقبل القبلةَ بالفرج في الخلاء، انتهى.
[٩] د: ١٣، جه: ٣٢٥، حم: ٣٦٠/٣، تحفة: ٢٥٧٤.
(١) في نسخة: ((باب الرخصة في ذلك)).
(٢) فى ((بذل المجهود)) (٢٠٦/١-٢٠٧): اختلف العلماء فى جرحه وتعديله. وفي هامشه: وقد
استوفى الإمام اللكهنوي توثيق محمد بن إسحاق في كتابه «إمام الكلام)) (ص: ٣٨٠ - ٣٩٠)،
وأطال في توثيقه الإمام البخاري في كتاب ((القراءة خلف الإمام)) له (ص: ١٣ -١٤)، وقال
الشيخ ابن الهمام (١٥٩/١): وما نقل عن مالك فيه لا يثبت، ولو صح لم يقبله أهل العلم،
وأطال الكلام ابن القيم في توثيقه، انظر: ((تهذيب مختصر سنن أبي داود)) (٧/ ٩٤ -٩٧).
(٣) ((ردّ المحتار)) (٥٥٤/١).

١٨٨
الكوَكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي فَتَادَةَ وَعَائِشَةَ وَعَمَّارٍ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ.
١٠ - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِّ ◌َهِ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ قَالَ:
أَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنٍ لَهِيعَةً، وَابْنُ لَهِيعَةً
ضَعِيفُ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُه(٢).
١١ - ثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةٌ(٣)، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى
الاستقبال والاستدبار إنما المقصود تعظيمُ عينٍ هذا المكان، غير أن الاطلاع على
عين تلك البقعة لما تَعَسَّر؛ أَمِرْنا باستقبال جهته في الصلاة، ونهينا عن استقبالِ جهته
أيضاً واستدبارِها في الغائط وما في حكمه؛ لأجل هذا التعسر، فإذا سُلَّمَ أنه مَّ كان
ينظر إليه (١) لم يستبعد إصابتُه جهتَها؛ إذا(٤) لم يلزم فيها إصابةٌ عينها التي هي المقصود
[١] أي: بطريق الكشف، كما كُشِفَتْ لَه ◌َلِّ جنازةُ النجاشي حيث صلى(٥) عليها، وكما كُشِفَتْ=
[١٠] تحفة: ١٢٠٨١.
[١١]خ: ١٤٨، م: ٢٦٦، د: ١٢، ن: ٢٣، جه: ٣٢٢، ط: ١٩٣/١، تحفة: ٨٥٥٢.
(١) فى بعض النسخ: ((وعمار بن ياسر)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((من قبل حفظه)).
(٣) زاد في نسخة: ((ابن سليمان)).
(٤) كذا في الأصل، والظاهر: ((إذ)) بدون الألف في آخره.
(٥) ذكره في ((فتح الباري)) (١٨٨/٣)، وعزاه إلى الواقديِّ وابن حبان في (صحيحه)) وأبي عوانة في ((مسنده).

١٨٩
أبْوَابُ الطَّهَارَة
ابْنِ حَبَّنَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ
حَقْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َلَهُ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
بالنهي. ولا يبعد أن يجاب أيضاً بأن الأمر بالتحرز عن استقبالها واستدبارها لما فيهما
من إساءة أدب، فأما جملة أعضاء النبي ◌َّ فأشرف ما يكون، فليس في استقباله إياها
تركُ تعظيم، وهذا راجع إلى ما تقدم من الاختصاص؛ مع أن استقباله هذا يحتمل بناؤه
على عذر من تحصيل الستر ومثله، فلا يعارِضُ النهيَ، كالبول قائماً الآتي عن قريب،
فإنه كان مبنيًّا على عذر، كما سَيذكر، فلا يمكن أن يعارِضَ عمومَ النهي، والله أعلم.
(رقيت يوماً على بيت حفصة) إلخ، أسند البيتَ في بعض الروايات إلى
نفسه، وفي بعضها إلى أخته حفصة، وفي الأخرى إلى النبي بَّ، ولا ضير في كل
ذلك، فإن المراد واحد، والتفاوت إنما هو في التعبير والعنوان؛ فإن لكل من الثلاثة
المذكور تلبساً به [١] فأضيف إلى أيهم شاء.
ثم إن الرواية تخالف مذهبَ الشافعيِّ وأحمدَ رحمهما الله تعالى حيث ثبت
= له الجنةُ والنارُ في صلاة الكسوف(١) وغيرها.
[١] وذكر الشيخ في ((البذل))(٢): طريقُ الجمع أن يقال: أضاف البيتَ إلى نفسه على سبيل المجاز؛
إما لكونه بيتَ أخته، أو أضافه إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه وَرِثَ حفصةً دون إخوته=
(١) وحديث صلاة الكسوف التي كُشِفَتْ له وَّل فيها الجنةُ والنارُ أخرجه البخاري في ((صحيحه))
(١٠٥٢) ومسلم في ((صحيحه)) (٩٠٧).
(٢) ((بذل المجهود)» (١/ ٢٠٣).

١٩٠
الْكَوَكَبُ الدُّرِي
فيه استقبالُ القبلة ولم يكن ثَمَّةً كنيفٌ، وإلا لما نظر إليه ابن عمر، وغاية ما يمكن من
الاعتذار فيه للشافعي رحمه الله تعالى أن يقال: إنه م # كان في متبرز يستره من القبلة،
وهو المراد بالكنيف المبني، وإن لم يكن سِتْرٌّ في الجهة التي رقي منها ابنُ عمر، ثم
الجواب عنه(١) قد سبق.
ولا يبعد أن يقال أيضاً: إن ابن عمر لم يتبين إليه النظرُ، ولم يحقق الأمرَ؛ لما
أن النظر في مثل ذلك ينصرف ولا يستقِرُّ حتى يظهر الواقع.
وأيضاً ففي تلك الواقعة كان تبرُّزُهُ مَّ في موضع مُحَاطٍ لئلا يلزم تَعَرِّيه في
فضاء مع ورود النهي عنه، ولئلا يلزم خلافُ ما اخترتم من الاستقبال في الكنيف
المبني؛ فإذا كان كذلك احتمل أن يكون النبي بَ له جلس غيرَ مُسْتَقْبِلِها إلا أنه لما
أَحَسَّ بقعقعة [١] ابن عمر صَرَفَ بصرَه إليه، وأدار رأسَه وعنقَه فقط، كما هو العادة
إذا تبدى له آخر في موضع خالٍ، فظن أنه مستقبِلٌ ولم يكن الأمر، بل نشأ الاستقبال
لهذا العارض.
= لكونه شقيقها، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، وأضافه إلى حفصة؛ لأنه البيت الذي
أسكنها فيه رسولُ الله ◌ِ﴾، انتهى. وبسطه الحافظ في ((الفتح))(٢).
[١] قال المجد(٣): القَعْقَعَةُ: حكايةُ صوت السلاح، وصريفُ الأسنان لشدة وقعها في الأكل،
وتحريكُ الشيء اليابس الصلبِ مع صوت، والذهابُ في الأرض، وصوتُ الرعد، انتهى.
(١) أي: من أئمتنا الحنفية.
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٢٤٧).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩٦).

١٩١
أبْوَابُ الطّهَارَة
٨- بَابُ النَّهْي عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا
١٢ - ثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا شَرِيكُ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَهِ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا
كَانَ(١) يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَبُرَيْدَةً(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُ،
وَحَدِيثُ عُمَرَ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أبِي الْمُخَارِقِ عَنْ نَافِعِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ وَلَّهِ أَبُولُ(٣) قَائِمًا فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ
[(٨) باب النهي عن البول قائماً]
قوله:(من حدثكم) إلخ، أرادَتْ نفي اعتیادِه لذلك، و کونهداباًله، فلا ينافيه
ما سيأتي؛ لبنائه على العذر، والأعذار مستثناة، فلا حاجة إلى الجواب عنه بأنها لم
تبلغها روايةُ البول قائماً، وكان بوله قياماً لعلَّةٍ بِمَأْبِضِه(٤) كما روي، أو تحصيلِ الستر
الغير الحاصل إلا به، أو عدم موضع صالح للجلوس: إما لوجود النجاسات هناك،
أو الخوف أن يرتد البولُ إليه لارتفاع الموضع وعدم قراره، إلى غير ذلك من الوجوه،
وعلى هذا فلا يخالف هذا ما ورد من النهي عن البول قائماً.
[١٢] ن: ٢٦، جه: ٣٠٧، حم: ١/ ١٢٣، ١٢٤، تحفة: ١٦١٤٧.
(١) في نسخة: ((وما كان)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((وعبد الرحمن بن حسنة)).
(٣) في نسخة: ((وأنا أبول)).
(٤) المأْبِضُ: باطن الركبة والمرفق، انظر: ((المعجم الوسيط)) (ص: ٣).

١٩٢
الكَوْكَبُ الدُِّّي
لَا تَبُلْ قَائِمًا))، فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ، وَإِنَّمَا رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِى
الْمُخَارِقِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَتَّكَلَّمَ فِيهِ(١).
وَرَوَى عُبَيْدُ الله عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَا بُلْتُ قَائِمًا
مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَهَذَا أَصَُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ
مَحْفُوظٍ، وَمَعْنَى النَّهْي عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا عَلَى التَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ.
٩ - بَابُ مَا جَاءَ مِنَ(٢) الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ(٣)
١٣- حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لَّهُأَتَّى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ، فَذَهَبْتُ لِأَتَأْخَّرَ
[(٩) باب ما جاء من الرخصة في ذلك]
ثم إن في قوله: (أتى سباطةَ قومٍ فبال) إجازةُ الاستمتاع بملك الغير إذا عَلِمَ رضاه
بذلك، وأنه لا يستضرّ به ولا يكرهه؛ فإن بولَه مَّهِ وسائرَ فضلاته وإن كانت طاهرات
- على ما هو الصحيح - [١] غير أنه لم يكن يعامل بها في العادة إلا معاملة النجاسات تعليماً
[١] قال ابن عابدين(٤): صحَّح بعضُ الشافعية طهارةَ بولِهِ مَّ وسائرِ فضلاته، وبه قال أبو حنيفة، =
[١٣] خ: ٢٢٤، م: ٢٧٣، د: ٢٣، ن: ١٨، جه: ٣٠٥، حم: ٣٨٢/٥، تحفة: ٣٣٣٥.
(١) أطنب في ترجمته صاحب ((تنسيق النظام)) (ص: ٦٥ - ٧٠)، وأثبت بسبعة وعشرين وجهاً
توثيقه، وانظر: ((أوجز المسالك)) (٦٥١/٢).
(٢) في نسخة: ((إلى)).
(٣) في نسخة: ((باب الرخصة في ذلك))، وفي نسخة: ((باب ما جاء في الرخصة في ذلك)).
(٤) ((رد المحتار)) (٥٢٢/١-٥٢٣).

١٩٣
أبْوَابُ الطّهَارَة
عَنْهُ، فَدَعَانِي حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى(١): وَهَكَذَا رَوَى مَنْصُورٌ وَعُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَاصِمُ بْنُ
بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َّه وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ
عَنْ خُذَيْفَةَ أَصَحُّ، وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا(٢).
للأمة وتشريعاً لهم، ليكون فعلُه سنة وطريقة مسلوكة في الدين لمن بعده.
قوله: (وروى حماد بن أبي سليمان) إلخ، ثم الظاهر أنهما وقعتان فكلاهما
صحيح، والمؤلف لما حمل الروايتين على اتحاد القصة احتاج إلى ترجيح إحدى
الروايتين [١] على الأخرى، وقد عرفت أنه كان مستغنياً عن ذلك لو فعل.
= كما نقله في ((المواهب اللدنية))(٣) عن ((العيني))، وصرح به البيري في ((شرح الأشباه))، وقال
الحافظ ابن حجر (٤): تظافرت الأدلة على ذلك، وعدّ الأئمة ذلك من خصائصه مَ لآ، انتهى(٥).
[١] قال الحافظ في ((الفتح)) (٦): وهو كما قال الترمذي، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح =
(١) زاد في نسخة: ((وسَمِعْت الْجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ الَأَعْمَشِ،
ثُمَّ قَالَ وَكِيعٌ: هَذَا أَصَحُ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِّ ◌ََّ فِي الْمَسْحِ، وسَمِعْت أَبَا عَمَّارِ الْحُسَيْنَ
ابْنَ حُرَيْثٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((قَالَ أَبُو عِيسَى: وعبيدة بن عمرو السلماني روى عنه إبراهيم النخعي،
وعبيدة من كبار التابعين، يروى عن عبيدة أنه قال: أسلمت قبل وفاة النبي ◌ُّل بسنتين،
وعبيدة الضبي صاحب إبراهيم: هو عبيدة بن معتب الضبي، ويكنى أبا عبد الكريم)).
(٣) (٩٤/٢).
(٤) ((فتح الباري)) (١/ ٢٧٢).
(٥) انظر: هامش ((بذل المجهود)) (٢٥٢/١).
(٦) ((فتح الباري)) (٣٢٩/١).

١٩٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
١٠- بَابُ(١) فِي الإِسْتِتَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(٢)، نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ (٣)، عَنِ الْأعْمَشِ، عَنْ
أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَهَإِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.
[(١٠) باب في الاستتار عند الحاجة]
قوله: (لم يرفع ثوبه) إلخ، تحصيلًا للستر ما أمكن له، وفيه دلالة على قبح كشف
= الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصماً على قوله: عن المغيرة؛ فجاز أن يكون أبو
وائل سمعه منهما، فيصحُّ القولان معاً؛ لكن من حيث الترجيح روايةٌ منصور والأعمش (٤)
لاتفاقهما أصحُ(٥) من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال، انتهى. ومال في
((الدراية))(٦) إلى أن الحديث عند أبي وائل عنهما معاً.
ولا يذهب عليك أن حديث المغيرة هذا في البول قائماً غيرُ حديثه المشهور في المسح على
الخفين؛ فإنه في سفر تبوك، وحديث سباطة هذا كان في المدينة.
[١٤] د: ١٤، تحفة: ٨٩٢.
(١) في نسخة: ((باب ما جاء)).
(٢) في بعض النسخ: ((قتيبة بن سعيد)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((الملائي)).
(٤) ورجحه الإمام الدارقطني أيضاً، فقال عن هذا الاختلاف: يرويه عاصم بن أبي النجود
وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، ووهما فيه على أبي وائل؛
ورواه الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي ◌َّ، وهو الصواب، انظر:
(«العلل)) (٩٥/٧، ح: ١٢٣٤).
(٥) بل قال الإمام أبو زرعة الرازي فيما نقله عنه الحافظ ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٢٩/١، ح: ٩):
قال أبو زرعة: الصحيح حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة، عن النبي ◌َّ.
(٦) ((الدراية)) (١ / ١١ ح١:).

١٩٥
أبْوَابُ الطَّهَارَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَنَسِ
هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَوَى وَكِيعُ وَالْحِمَّانِيُّ(١) عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ
النَّبِيُِّ لَّ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِِ. وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ
مُرْسَلُ، وَيُقَالُ: لَمْ يَسْمَعِ الْأَعْمَشُ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِيِّ ◌َّهِ وَقَدْ نَظَرَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي فَذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَةً
فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَعْمَشُ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو مُحَمَّدِ الْكَاهِلِيُّ وَهُوَ مَوْلَى
لَهُمْ، قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ أَبِي حَمِيلًا فَوَرَّتَهُ مَسْرُوقُ.
العورة إذا لم يُفْتَقَرْ إليه، ويمكن منه استنباطُ قولهم: ((ما أبيح للضرورة تقدر بقدرها)).
قوله: (مرسل) أراد بالمرسل هاهنا أعم من معناه المصطلح عليه، وهو ما لم
يُذْكَر فيه الصحابي، فالمراد[١] هاهنا ما تُرِكَ فيه راوٍ أو أكثرُ، صحابيًّا أو تابعيًّا، وهي
مرسل، ومنقطع، ومعضل.
قوله: (فورَّته مسروقٌ) يعني: أن أُمَّه كانت أتت به إلى دار الإسلام وهو
صغير(٢)، وفي تحميل النسب على الغائب فاقة إلى البينة، ولم تكن ثمة، غير أن
[١] وتوضيح كلام الشيخ أن المرسل في كلام المصنف ليس المصطلحَ؛ إذالمعروف في الاصطلاح
أن المرسل ما ترك فيه صحابي، والمتروك هاهنا تابعي، فإطلاق المرسل عليه باعتبار المعنى
العامِّ، وهو ما تُرِك فيه راوٍ، أعم من أن يكون واحداً أو أكثر، صحابيًّا أو تابعيًّا، فالمرسل باعتبار
هذا المعنى يشمل المرسلَ الاصطلاحي، والمنقطعَ، والمعضلَ، واختلفوا في إطلاق المرسل
على أربعة أقوال بُسِطَتْ في ((مقدمة الأوجز))(٢)، والمشهور هو المعنى الأول.
[٢] هذا تفسير للحميل في قوله: كان أبي حميلاً، ففي ((المجمع)) (٣): هو الذي يُحمَل من بلاده
(١) في بعض النسخ: ((أبو يحيى الحماني)).
(٢) ((أوجز المسالك)) (٢٠٩/١).
(٣) («مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٦١).

١٩٦
الكوكبُ الدُّرِّي
مسروقاً أفتى بذلك من غير بينة، وكان من مذهبه، ولا يبعد أن يراد التوريثُ من أمه
فلا يخالف المسلك المختار.
وقيل له الأعمش لِعَمَشٍ (١) عينيه، ونسبته إلى كاهلة: قبيلة من أسد؛ لكون أبيه
مولى الموالاة لهم. وأراد المؤلف بقوله: (وقد نظر إلى أنس) إثباتَ أنه تابعي، فإن
التابعي من رأى صحابيًّا، مسلماً، ومات عليه، كما أن الصحابي من رأى النبي ◌َّه
مسلماً، أو حضره كذلك، ومات على ذلك، تحمَّلَ أو لم يتحمل.
= صغيراً إلى بلاد الإسلام، وقيل: هو المجهول النسب بأن يقول الرجل لآخر: هو أخي أو
ابني. ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((موطأ محمد)) (٢)، إذ قال بسنده: عن سعيد بن المسيب
قال: أبى عمر بن الخطاب أن يُورّث أحداً من الأعاجم إلا ما ولد في العرب، قال محمد:
وبهذا نأخذ، لا يورّث الحميلُ الذي يُسبى وتُسبى معه امرأة، فتقول: هو ولدي، أو تقول: هو
أخي، [أو يقول: هي أختي] ولا نسب من الأنساب يُوَرِّثُ إلا ببينة، إلا الوالد والولد؛ فإنه
إذا ادعى الوالد أنه ابنه وصدَّقه فهو ابنه، ولا يحْتَاج في هذا إلى بينة، إلا أن يكون الولد عبداً
فيكذِّبه مولاه بذلك، فلا يكون ابنَ الأب ما دام عبداً حتى يصدِّقه المولى، والمرأة إذا ادَّعتِ
الولدَ، وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها وَلَدَتْه، وهو يصدِّقها، وهو حر، فهو ابنها، وهو
قول أبي حنيفة والعامة [من فقهائنا رحمهم الله]، انتهى.
إذا عرفتَ ذلك فتوريث مسروقٍ إياه يحتمل وجوهاً عديدة، ذكر منها حضرة الشيخ وجهين
سأوضحهما، وهذه الوجوه تنحصر في احتمالين:
الأول أن مسروقاً وَرَّثه من بعض أقربائه غير الأم، وهذا مختار ابن العربي(٣) إذ قال: يعني به أنه =
(١) العمش محركة: ضعف البصر مع سيلان الدم في أكثر الأوقات، انظر: ((القاموس المحيط))
(ص: ٥٥٤).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٤٤/٣، ح: ٧٣٢).
(٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٩/١).

١٩٧
أبْوَابُ الطّهَارَة
١١- بَاب كَرَاهِيَةِ الإِسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ(١)
١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِيُّ، نَاسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ،
سَلَا الله
جـ
عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي فَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ
غَـ
(١١) باب كراهية الاستنجاء باليمين
لما كان بعض الأفعال وبعض الأشياء مَحْقَرَة مَقْذَرَة والبعض الآخر على
خلاف ذلك؛ أكرم الله سبحانه اليمنى على اليسرى لِيُسْتَعْمَلَ كلَّ منهما فيما يناسبه،
فكان تركُ هذا الاستحباب الذي يوافق الوضعَ الإلهيَّ إساءةً وقباحة؛ فنهينا عنه.
= كان مسبيًّا محمولاً من بلد إلى بلد في جملة ذكروا أنهم إخوة، فورث بعضهم بعضاً بذلك القول،
قال مالك: لا يكون ذلك إلا إذا كانوا جماعة نحو العشرين، وقد بيناه في مسائل الفقه، انتهى.(١)
وهذا الاحتمال يتضمن وجوهاً: منها: أنهم حملتهم أمُّهم، وكانت هناك بينة فأفتى بها مسروق،
وعلى هذا لا يخالف الحنفيةَ، ومنها: أنها لم تكن هنالك بينة فأفتى مسروق بمجرد الدعوى، ويكون
هذا مذهبه، وهذا أحد الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ، وهذا الوجه يخالف الحنفيةً كما عرفتَ،
وأنت خبير بأن فتوى عمر أولى من فتوى مسروق، ويحتمل وجوهاً أُخَرَ غيرَ الوجهين المذكورين.
والاحتمال الثاني - وهو الوجه الثاني في كلام الشيخ - أن مسروقاً أفتى بتوريثه عن أمه
وكان حميلَها، وهذا لا يخالف الحنفيةَ بشرط أن لم تَبْقَ الورثةُ المقدَّمة عليها، ومن حكى فيه
خلافَ الحنفية جَهِلَ بمسلكهم، ففي ((السراجية))(٢): «يُبْدَأُ بأصحاب الفرائض والعصبة، ثم
بالعصبة من جهة السبب، ثم الردِّ على ذوي الفروض، ثم ذوي الأرحام، ثم مولى الموالاة،
ثم المقرِّ له بالنسب على الغير بحيث لم يثبت نسبه بإقراره من ذلك الغير، إذا مات المقرّ على
إقراره))، فعلى هذا إذا كان مهرانُ حميلَ أمه ولم تَبْقَ الورثةُ فوقَها فلا مانع من توریثه عنها.
[١٥] خ: ١٥٣، م: ٢٦٧، د: ٣١، ن: ٢٤، جه: ٣١٠، تحفة: ١٢١٠٥.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين)).
(٢) (السراجي)) (ص: ٥-٦).

١٩٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَلْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو قَتَادَةَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ
رِبْعِيٍّ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ(٢) كَرِهُوا الإِسْتِنْجَاءَ بِالْيَمِينِ.
١٢ - بَابُ الإِسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
١٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ (٣) كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى
الْخِرَاءَةَ، قَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بِبَوْلٍ (٤)، أَوْ أَنْ(٥)
[١٢ - باب الاستنجاء بالحجارة]
(قد علَّمَكم نبيُكم) إلخ، كأن السائل اعترض بذلك التعليم، وأورده
موردَ الاستهزاء؛ فردَّه سلمان عليه بأنَّ ما عَلَّمنا لم يكن من الذي يُفْطَن له من غير
تعليم، ولم يعلِّمنا ما يُسْتَغْنَى من تعليمه حتى يُعتَرَض؛ فإنه بََّ مبعوث لإتمام
المكارم، فكانت جملة همته مصروفة إلى ذلك.
[١٦] م: ٢٦٢، د: ٧، ن: ٤١، جه: ٣١٦، حم: ٥/ ٤٣٧، تحفة: ٤٥٠٥.
(١) قال العيني (٢/ ٤٢٠): النهي فيه للتنزيه عند الجمهور خلافاً للظاهرية، وانظر: ((بذل المجهود)»
(١/ ٢٦٧).
(٢) في نسخة: ((عامة أهل العلم))، وفي نسخة: ((أكثر أهل العلم)).
(٣) زادت التصلية في نسخة.
(٤) في نسخة: ((أو بول)).
(٥) لفظ ((أن)) في المواضع الثلاثة سقط من نسخة، وفي نسخة: ((وأن)).

١٩٩
أبْوَابُ الطّهَارَة
نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ...
ثم إن الأمر في قوله: (وأن يستنجي أحدُنا بأقلَّ من ثلاثة أحجار)(١) بإتمام
الثلاث أمرُ استحباب [١]، وليس لتوكيد وإيجاب، فيجزئ الأقلّ إذا أنقى الموضعَ،
وكذلك لزمت الزيادةُ عليها إذا لم ينْقَ بها؛ غير أن الغالب لما كان حصول الإنقاء
بالثلاثة اقتصر على ذكر هذا العدد، وهذا هو المراد بقول الفقهاء: ليس فيه عدد
مسنون، أي: مؤكّد، بحيث لا تجوز الزيادة عليه أو النقصُ عنه، ويدل على جواز
الزيادة والنقصان روايةُ ابن عمر الآتيةُ [٢] بعد؛ فإنه لما طلب ثلاثةً وأتى بها وكانت
فيها روثة فألقاها، ولم يأمره بإحضار ثالثة (٣).
[١] لِمَا ورد من قوله بَ﴾: ((من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))(٢).
ولأن ظاهر قوله ◌ِ: ((أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)) متروك الظاهر إجماعاً؛ إذ
قالت الشافعية وغيرهم: لو استنجی بحجر له ثلاثةٌ أُخْرُفٍ جاز، ولأن قوله چځ في حدیث
عائشة: ((فليذهب معه بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه))(٣) مشير إلى أن المقصودَ الإنقاءُ،
وهذا العدد يكفي في الإجزاء غالباً، ولذا أُمِرَ بها المستيقظ من منامه، وليس التثليث هناك
واجباً بالإجماع، وكذا أمر بها المتوضئُ في غَسْلِ أعضائه وليس بواجب، وغير ذلك، ولذا
ذهب إلى الاستحباب داود مع ظاهریته.
[٢] هذه سبقة قلم؛ فإن الرواية الآتية لابن مسعود، لا لابن عمر، ولعله انتقل الذهن من لفظ
((عبد الله)) في الحديث الآتي إلى ابن عمر، وكان ابنَ مسعود.
[٣] كما أقرَّ به الطحاوي (٤)، وهو إمام الحديث، وما أورد عليه الحافظ (٥) من زيادة قوله: ((ائتني =
(١) وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلامة العيني في ((شرح البخاري)) (٤٣٢/٢)، وانظر:
((بذل المجهود)) (١٨٦/١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠).
(٤) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٢٢).
(٥) ((الفتح)) (١ /٢٥٧)، عقب حديث (١٥٦).

٢٠٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع أَوْ بِعَظْمٍ(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَخَلَادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَلْمَانَ(٢) حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ
أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَلَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، رَأَوْا أَنَّ الإِسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ
يُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ إِذَا أَنْقَى أَثْرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ
الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
قوله: (برجيع) الرجيع للبقر والجاموس، كالروثة للفرس والحمار، كما
أن البعرة للغنم والإبل، وساغ إرادة كل منهما بالآخر، ووجه النهي عن التطهر بها
زيادة التلوث إما إن كانت رطبة فظاهر، وإما إن كانت يابسة فالأمر كذلك، فإن بَلَلَ
الموضعِ يوجب تلطخاً بها، ولا يحصل المقصود، وهو النقاء والطهارة.
= بحجر)) تعقبه العيني(٣)، وتكلم على هذه الزيادة، وإليه يظهر ميل الترمذي إذ بَوَّب على
الحديث: الاستنجاء بالحجرين؛ فكأنه لم يثبت عنده الأخذُ بالثالث وإلا لا يصح تبویبه، ولم
يصحّ عند ابن العربي(٤) فقال: وفي حديث عبد الله أنه أخذ الحجرين، وألقى الروئة، ولم يأمر
بالإتيان بعوض منها. قال العيني(٥): وقد قال أبو الحسن بن القصار المالكي: روي أنه أتاه بثالث،
لكن لا يصح، ولو صح فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثةَ قائم؛ لأنه اقتصر في الموضعين (أي:
البول والغائط) على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقلّ من ثلاثة. وقول ابن حزم: ((هذا باطل؛ لأن
النص ورد في الاستنجاء، ومسح البول لا يسمى استنجاء))؛ باطل على ما لا يخفى، انتهى.
(١) والاستنجاء برجيع أو عظم يكره اتفاقاً، انظر: ((بذل المجهود)) (١٨٩/١).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((في هذا الباب)).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٥٤/٢).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٣٣).
(٥) ((عمدة القاري)) (٤٥٥/٢).