النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
قَالَ: وَنَا هَنَّادُ(١)، نَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ(٢)، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِ ظُهُورٍ(٣) وَلَا صَدَقَةُ
قوله: (عن سماك، إلخ) إنما كرَّر قولَه: ((عن سماك)) لِيُعلَم موضع التحويل،
ولأنهما روايتان على أصل أهل الحديث، فإن السماك في الأول مُنَسَّب، وفي الثاني
غير مُنَسَّبٍ، وتختلف الرواية عندهم لمثله.
قوله: (لا تُقْبَلُ صلاة بغير طهور، إلخ) ومما ينبغي أن يُتَنَبَّهَ له أن الأئمة
الأربعة - رضوان الله عليهم، وعلى من تبعهم، أو تبعوه - قد تفرقت أصولهم(٤)
التي يتفرع عليها اختلافهم في المسائل الشرعية، وفيه كثرة. فمن ذلك أنهم اختلفوا
في وجه ترجيح الروايات المتخالفة فيما بينها، فقال مالك رحمه الله تعالى: يترجح
روايةُ المدنيين على غيرهم؛ وإنما كانت روايتُهم بالقَبول أحرى[١]، لأن صاحب
= ((مقدمة شرح مسلم)). ثم قيل: هي رمز ((صحَّ))، وقيل: من الحائل، وقال النووي: المختار أنه
مأخوذ من التحول، كما بُسِطَ في ((مقدمة الأوجز)(٥).
[١] حتى قال ابن العربي(٦): أصل مالك أن شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده وإن لم
يتابَعْ عليه، وقد تكلمنا في ذلك في أصول الفقه بما فيه كفاية.
(١) زاد في نسخة: ((ابن الثري)).
(٢) زاد في نسخة: ((ابن حرب)).
(٣) هو بالضم: الطهر، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به، قال ابن حجر: أي: لا تصح، إذ نفي
القبول إما بمعنى نفي الصحة كما هاهنا، وإما بمعنى نفي الثواب كما في الحديث: ((من أتى
عرافًا لم تقبل له صلاته أربعين صباحاً)). انظر: ((بذل المجهود)) (١ / ٣٦٠).
(٤) انظر: ((معارف السنن)) (١٦٣/١).
(٥) ((أوجز المسالك)) (٢١٥/١).
(٦) انظر: ((قوت المغتذي)) للسيوطي (١/ ٧٣).

١٦٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
البيت بما فيه أدرى، وما لم يكن فيه منهم شيء وجب المصير إلى غيرهم.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يترجح الحديثُ بقوة الإسناد، فإذا ثبتت
الرواية وكان السند متيناً، وجب القول بمقتضاها؛ وإن خالف بعضَ الأصولِ الشرعيةِ
الثابتةِ بالروايات الأُخَر أو الآيات، غاية الأمر أن تلك الجزئية بنوعها تُسْتَثْنى عن هذه
الكلية، وكان رضي الله تعالى عنه مدةَ إقامته بالحجاز يعمل برواياتهم لكونها أصح
عنده، فلما ورد مصرَ أخذ برواياتهم، ولم ينكر على ما كان قاله من المسائل أولاً،
فتفرقت أقاويلُه في مسألة واحدة، وهذا هو المراد بما يُذْكَرُ في الفقه من قوله: القديم
والجديد، بل الذي ثبت أن له أقاويلَ ثلاثة أو أزيدَ في بعض المسائل إلا أن هذا
قلیل، والأكثر أن له قولین.
وأما أحمد بن حنبل فأكثر أخذه بظاهر الحديث لا غير، وقلما يسيغ في
الحديث اجتهاداً، وإذا تعددت الروايات في مسألة كان العمل عنده على أيها أحب،
ولا يكون العمل بإحدى الروايات موجباً لترك العمل بالأخرى، بل كان له العمل
بهذا تارة، وبذلك أخرى.
وأما إمامنا العلامة فقال: إن النبي ◌ِثّ كان مُقَنِّناً يُقَنِّنُ القوانينَ، ويضع الأصولَ؛
لِيُعْمَلَ بها، وترجع الفروع إليها، وهي العمدة في العمل، فأما ما ورد من الجزئيات
التي خالفت بظاهرها تلك الأصولَ المقرَّرَةَ وجب عند الإمام الهمام جمعُها بتلك
الأصول بضرب من التأويل: كزيادة قيد، أو تعميم، أو تخصيص، أو غير ذلك من
وجوه التوفيق، وما لم يمكن جمعها بالأصول وجب قصرُها على موردها، وكان
خاصًّا استثني من الأصول بشخصه لا بنوعه، فتفكروا.

١٦٣
أبْوَابُ الطَّهَارَة
إذا تمهد هذا، فنقول: تفرقت أقوالُ العلماء في معنى قوله مِّ: ((لا تُقبَل صلاة
بغير طهور))(١)، فقال مالك: لا تُقبَل الصلاة ما لم يتطهر، غير أن الفريضة تسقط من
الذمة، وكان تاركاً للواجب، ولعل هذا مبني على ما ذكرنا من أنه لم يثبت له من أصحابه
المدنيين عدمُ الصحة في حالة التنجس (١)، مع أن المنفي في هذه الرواية القبولُ، وهو
لا يستلزم الفساد، كالحجة[٢] من مال الغصب؛ فإنها تسقط الفريضة مع عدم القبول،
[١] الظاهر أن المراد به التنجس بالأنجاس دون الأحداث؛ فإن صحة صلاة المحدث لم أرها
في شيء من كتب الفروع أو الشروح، بل حكوا الإجماعَ على اشتراط الطهارة من الأحداث،
وصُرِّحَ باشتراطها في فروع المالكية أيضاً، ففي ((الشرح الكبير)) للدردير (٢): شُرِطَ لصحة
صلاةٍ ولو نفلاً، أو جنازةٍ، أو سجودِ تلاوةٍ طهارةُ حدث: أكبر أو أصغر، ابتداءً ودواماً، ذَكَرَ
وقَدَرَ أو لا، فلو صلی محدثاً أو طرأ عليه الحدث فيها ولو سهواً بطلت، انتهى.
نعم الطهارة من الأنجاس مختلَف فيها عندهم، فقيل بالوجوب، وقيل بالسنية، وهو المشهور
عندهم، ففي (الشرح الكبير))(٣): شُرِطَ طهارةُ خبثٍ ابتداء ودواماً، لجسده وثوبه ومكانه إن
ذكر وقدر، فسقوطها في صلاة مبطلٌ، كذكرها فيها، بناء على القول بوجوب إزالة النجاسة؛
وأما على القول بالسنية فليست بشرطِ صحةٍ بل شرط كمال، انتهى.
[٢] قال النووي في «مناسکه)»(٤): إن حج بمال مغصوب صح حجه في ظاهر الحکم، لكنه ليس
حجًّا مبروراً، ويبعد قبولُه، هذا هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة رحمه الله وجماهير
العلماء من السلف والخلف، وقال أحمد بن حنبل: لا يجزیه الحج بمال حرام، انتهى.
(١) استدل بالحديث ابن رسلان على مسألة أخرى، وهي أنه مستدل الجمهور أن الوضوء لا يجب لكل
صلاة، لأنه عليه السلام جعل الطهور غاية القبول إلى آخر ما قال. هامش ((بذل المجهود)) (٣٦٠/١).
(٢) ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (٣٢٦/١).
(٣) ((حاشية الدسوقي)) (٣٢٦/١).
(٤) ((مناسك النووي)) (ص: ٣١).

١٦٤
الكَوْكَبُ الدُّرِي
مِنْ غُلُولٍ)). قَالَ هَنَّادُ فِي حَدِيثِهِ: ((إِلَا بِظُهُورٍ)).
ونظيره ما ورد من قوله [١] ◌ِّله: «من شَرِبَ الخمر لا يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً))،
فإن الأمة والأئمة اتفقوا على فراغ الذمة بصلاته مع تنصيص الرواية بعدم قبولها منه.
وقالت الثلاثة: لا يقبل صلاة من لم يتطهر، ولم تصح أيضاً، ولم تفرغ ذمته؛ وذلك
أن المنفي هو القبول بجملة أنواعه، وسقوطها عن الذمة نوع من القبول، فلا بد من إدخاله
تحت النفي؛ كيف وقد ورد في الرواية: ((مفتاح الصلاة الطهور)) (١) فهذا التشبيه مصرِّح
بالمدعى من أنه لا يمكن الدخول في باب الصلاة من دون طهارة، وأيضاً فقد تأيد ذلك
بقوله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ﴾ الآية [المائدة: ٦].
ولعل مالكاً - رحمه الله تعالى- لم ينكر اشتراطَها للقبول، بل أنكر أن يكون
شرط الصحة، ولا يبعد أن يكون رضي الله عنه نظمها في سلك الشروط التي تحتمل
السقوطَ، كالاستقبال، أو القراءة للمقتدي.
قوله: (من غلول) الغلول[٢] خاص بما هو من مال الغنيمة، والصدقة لا تُقْبَلُ
من غصب أيّاً كان، ومن الغنيمة أشد، فلذا ذكرها، أو يقال[٣]: تخصيص الغنيمة
باعتبار المحل الذي قال فيه هذا الكلام، وإن كان الحكم لا يفترق بين خيانة وخيانة.
[١] كما سيأتي عند المصنف في ((الأشربة))(٢) من حديث ابن عمر مرفوعاً.
[٢] قال القاري(٣): بالضم على ما في النسخ الصحيحة، وأصل الغلول: الخيانة في الغنيمة،
وَوَهِمَ ابن حجر إذ ظن أن الرواية بفتح الغين أي كثير الغلّ، وفيه أن المبالغة غير مراد، انتهى.
[٣] وأفاد الشيخ في (البذل)) (٤): لعل وجه تخصيصه بالذكر أن الغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، =
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٣).
(٢) (ح ١٨٦٢).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٢٧).
(٤) ((بذل المجهود)) (٣٥٨/١-٣٥٩).

١٦٥
أبْوَابُ الطَّهَارَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ.
(قال أبو عيسى، إلخ) ومما اختصت به سنن الترمذي رحمه الله تعالى من بين
الكتب الست[١] أن المؤلف يذكر فيها حالَ الرواية من الصحة والحسن وغيرهما، دون
أصحاب السنن الأُخَرِ، والفرق بين الحسن والصحيح أن الضبطَ وإتقانَ الرواية في
رواة الحسن دون ما في رواة الصحيح، وعلى هذا فلا يصح اجتماع الصحة والحسن في
= فإذا كان التصدق من المال الذي له فيه حق غير مقبول، فأولى أن لا يُقْبَلَ من المال الذي
لیس له حق فیه، انتھی.
وكتب الشيخ محمد حسن في ((تقريره)): اعلم أن الصدقة من مال الغلول - وكذا من كل مالٍ
حرامٍ، كمال السرقة، وثمن الخمر، وأجرة المزنية ونحوها - لا تُقبَل، وكذلك المال الحرام
لا يصِّير حلالاً وإن تداولته الأيدي؛ لأن الحرمة ثبتت بالنص، ولم يوجد نص آخر يدل على
رفع الحرمة بتداول الأيدي.
فإن قلت: إن النبي 858* كان يشتري من أهل الحرب ومن أهل الذمة أموالهم، مع أن أكثر
أموالهم كان حراماً لكونها حاصلة بالربا والسرقة ونحوهما من غير أن يسألهم عنها، فَعُلِمَ أن
الحرمة ترفع بتداول الأيدي؟ !.
قلت: أموال أهل الحرب على نوعين: منها: ما حصل لهم على وجهٍ حلالٍ في عرفهم، وإن
كان حراماً عندنا، كالربا ونحوه، فهذا المال يصير ملكاً لهم؛ لأنهم لما لم يكونوا مخاطَبين
بالفروع كان المعتبر فيهم عرفهم، فحلال لنا أن نشتري هذا المال منهم، ومنها: ما حصل لهم
على وجه لا يكون حلالاً في عرفهم أيضاً، كالسرقة ونحوها، فقلنا: هذا المال يصير ملكاً
لهم باستیلائھم علیه، فحلَّ لنا أن نشتریه منهم.
وأما أهل الذمة فهم مُبْقون على عرفهم، فكان الجواب فيهم كالجواب في أهل الحرب فيما
هو حلال في عرفهم، أما لو اكتسبوا مالاً على وجه لا يكون حلالاً في عرفهم ولا في شرعنا،
فذلك المال لا يصير ملكاً لهم، ولا يحل لنا أن نشتريه منهم، انتهى.
[١] قلت: يعني من بين الأمهات الستة خاصة، وإلا فالمبدِعُ لهذا الاصطلاح علي بن المديني، =

١٦٦
الكوكبُ الدُّرِّي
رواية واحدة؛ فإن أحداً من رجال الإسناد إذا اتصف بكونه دون رواة الصحيح، تنزَّل
الإسنادُ من الصحة، فلا يكون إلا حسناً، وإذا كانت جملة رواته في المرتبة القصوى من
الضبط والإتقان لم يكن إلا صحيحاً، وإذا كان الأمر على ما وصفنا افتقر إلى الجواب
عما جمعهما الترمذي رحمه الله تعالى في أكثر الروايات، ومعنى التفضيل غير مرعي فيه.
وأجيب[١] بتعدد طرق المتن(١)، فإحدى طرقه حسن، والأخرى صحيح، وبأن
الحسن والصحة كلاهما للغير، والضعيف يترقى إلى درجة الحسن بتعدد طرقه، كما أن
الحسن بتعدد أسانيده يُصَحَّحُ، فيمكن كونُه حسناً صحيحاً معاً إذا كان الحسن والصحة
كلاهما لغيره لا لنفسه، أو كان الحسن لنفسه والصحة لغيره، وبأن الحسن والصحة هاهنا
أريد بهما المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، أو الصحة اصطلاحية دون الحسن، أو بالعكس.
= قال الحافظ في (نكته على ابن الصلاح))(٢): قد أكثر علي بن المديني من وصفِ الأحاديث بالصحة
وبالحسن في ((مسنده))، وفي ((علله))، وكأنه الإمامُ السابقُ لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب
ابن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذيُّ، فاستمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري،
لكن الترمذي أكثر منه وأظهر الاصطلاح فيه، وصار أشهر به من غيره، كذا في ((القوت))(٣).
[١] قلت: وأجاب عنه عماد الدين بن كثير (٤) بأن هاهنا ثلاث مراتب: الصحيح أعلاها، والحسن
أدناها، والجمع بينهما رتبة متوسطة، كقولهم: الحلو الحامض، وتعقّبه الحافظ (٥) وغيره بأن
هذا يقتضي إثباتَ قسم ثالثٍ، ولا قائِلَ به، وحاصل ما قاله ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))(٦) =
(١) وهو مختار ابن الصلاح ((ز)).
(٢) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٢٦/١).
(٣) انظر: ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ٥).
(٤) انظر: ((الباعث الحثيث)) (ص: ٤١).
(٥) انظر: ((النكت)) (١ / ٤٧٧).
(٦) ((الاقتراح في بيان الاصطلاح)) (ص: ٢٠٠).

١٦٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
ولا يخفى ما فيه من البعد، أما أولاً فلأن الكلام على هذا لا يجدي بعائدة،
ولا يأتي بفائدة؛ فإن الرواية لا يخفى كونُها حسناً وصحيحاً، كيف وهو من كلام خير
البشر بل من وحي خالق القوى والقدر، وأما ثانياً فلأن المراد لو كان ذلك لأُطْلِقَ
لفظُ الحسن أو الصحيح على الروايات الغريبة، بل الضعيفة أيضاً، مع أنه لم يُنَقَلْ من
أحدهم، وأما ثالثاً فلأن التزام ترك الاصطلاح من غير ضرورة إليه أمرٌ ينفر عنه القلبُ
السليمُ، ويشمَئِزُ منه الفهمُ المستقيم(١).
= بأن بينهما عموماً وخصوصاً، فكل صحيح حسن، بدون العكس، وأجاب عنه الزركشي
بأنه إذا جمع بينهما، فيحتمل أن يريد في هذه الصورة الخاصة الترادفَ، ويحتمل أن يكون
الترمذي أدَّی اجتهادُه إلی حسنه، وأدی اجتهادُ غیرہ إلی صحته أو بالعكس، فهو باعتبار
مذهبين، وأجاب عنه الحافظ في ((النكت))(١) بأجوبة، منها: يجوز أن يكون باعتبار وصفين
مختلفين، وهما الإسناد والحكم؛ فيجوز أن يكون حسناً باعتبار الإسناد، صحيحاً باعتبار
الحكم، وأجيب أيضاً بأن ذلك للتردد من المجتهد في الناقل(٢) هل اجتمعت فيه شروطُ
الصحة أو قصر عنها؟ وغير ذلك من الأجوبة التي ذكرها صاحبُ ((القوت))(٣) وغيرُه.
[١] ثم لا يذهب عليك أن قولهم: ((أصح شيء في الباب كذا)) - وهذا يوجد في ((جامع الترمذي))
كثيراً، وفي ((تاريخ البخاري)) وغيرهما - قال النووي في (الأذكار)) (٤): لا يلزم من هذه العبارة
صحةُ الحديث؛ فإنهم يقولون: ((هذا أصح ما جاء في الباب)) وإن كان ضعيفاً، ومرادهم:
أرجحه وأقله ضعفاً، كذا في ((التدريب))(٥).
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٧٨/١).
(٢) أي: ناقل الحديث، وهو الراوي الذي ينقل الحديثَ عن شيخه.
(٣) انظر: ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ٥، ٦).
(٤) ((الأذكار)) (ص: ١٨٦).
(٥) ((تدريب الراوي)) (١ / ٩٢).

١٦٨
الكوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِ الْمَلِيجِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَنَسِ.
وَأَبُو الْمَلِيجِ بْنُ أُسَامَةَ اسْمُهُ عَامِرٍّ، وَيُقَالُ: زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرِ الْهُذَلِيُّ.
٢- بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُورِ
٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى(١)، نَا مَالِكُ
ابْنُ أَنَسِ، ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ،
(وفي الباب، إلخ) يعني بذلك أن الرواية [١] قد بلغت بحسب المعنى حَدَّ الاشتهار
حيث نُقِلَتْ عن جمٍّ غفيرٍ من تلك الكبار، ثم إن الرواية كثيراً ما تشتهر باسم الصحابي
الذي رواها، وقد تُنْسَبُ إلى التابعي أيضاً، وستقف على ذلك إن شاء الله تعالى.
[(٢) باب ما جاء في فضل الطهور]
(مالك بن أنس، إلخ) الكلام فيه كالكلام في سماكِ المارِّ قبل ذلك، وأيضاً
ففي السند الأول تصريح بتحديث مالك دون الثاني؛ فإن فيه عنعنة.
[١] قال السيوطي في ((التدريب))(٢): إن الترمذي في ((الجامع)) حيث يقول: وفي الباب عن فلان
وفلان؛ فإنه لا يريد ذلك الحديثَ المعينَ، بل يريد أحاديثَ أُخَرَ يصح أن تُكْتَبَ في الباب،
قال العراقي(٣): وهو عمل صحيح؛ إلا أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سَمَّى من
الصحابة يروون ذلك الحديثَ بعينه، وليس كذلك، بل قد يكون كذلك، وقد يكون حديثاً
آخر یصح إیراده في ذلك الباب، انتهى.
[٢] م: ٢٢٤، ط: ١ / ٣٢، حم: ٣٠٣/٢، تحفة: ١٢٧٤٢.
(١) زاد في بعض النسخ: ((القزاز)).
(٢) «تدريب الراوي)» (١ / ٢٧٤).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٨٤ -٨٥، النوع الثالث - معرفة الشاذ).

١٦٩
أبْوَابُ الطّهَارَة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ
فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ
آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ
بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَظْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ)).
(إذا توضأ العبد المسلم، إلخ) لما كان الحكم [١] على المشتقِّ يستلزم عِلِّيَةً
مأخذ الاشتقاق للحكم؛ وجب القول بأن ذلك الموعود من الأجر إذا كان المتوضئ
قد أسلم وجهه لله، أو قد أيقن بقلبه الحضور إلى الله، ولما كان كذلك كان العبد
المتوضئ تائباً إلى الله تعالى بقلبه، نادماً على ما فرَّط في جنب الله، مقنعاً عما اقترفته
يداه، إذ التيقن بالحضور والإسلامُ له لا يتركه لاهياً عن ذلك، وهذه هي التوبة التي
لا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً، ولا تترك في كتاب حسابه جريمةً ولا جريرةً، وعلى هذا
لا يُفْتَقَرُ إلى التخصيص بالصغائر.
وما ذكروا في أسفارهم من أن المراد الصغائر فقط، فمحتمل، ويُحْمَلُ على
أن المراد بلفظ العامِّ بعضُ أفراده، والقرينة عليه قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ
مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] علَّق تكفيرَ السيئات بالاجتناب
عن الكبائر، وفيه بعض تفصيل سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ولا يبعد أن
[١] يعني عَبَّر النبي ◌َ ثّ بلفظ المسلم أو المؤمن، ولم يعبِّرْه بلفظ الرجل، فكان فيه إشارة إلى
مراعاة صفة الإسلام والإيمان، قلت: وأفاد حضرة الوالد عند الدرس بتوجيه آخر أيضاً، وهو
أن المراد بالخطيئة الأعمُّ المطلقُ، لكن لا يمكن أن يبقى على ذمة المسلم كبيرة؛ فإن المسلم
إذا صدرت عنه كبيرة فيبعد عنه أن يغفل عنها حتى يغسلها بِعَبْرَاتِ التوبة، فمن شأن المسلم
أن لا يبقى عليه إلا صغيرة، وسيأتي البسط في ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب الأمثال في
باب مثل الصلوات الخمس.

١٧٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ
سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبُو صَالِحِ وَالِدُ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ
وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ اخْتَلَفُوا(١) فِي اسْمِهِ، فَقَالُوا: عَبْدُ شَمٍْ، وَقَالُوا
عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَهَذَا أَصَحُ(٢).
يقال: إن تكفير السيئات أي: الصغائر فقط عامٌّ لكل متوضئ، ويعم الكبائرَ إذا اشتمل
على إنابة وندامة، كما ذكرنا، والله تعالى أعلم. وفيه تنبيه على أن المسلم شأنه أن
يكون عند تطهره كذلك، ولا يغفل عن حاله، ولا ينسى عن آثامه وبلباله(٣).
(وهو حديث مالك، إلخ) هذا من غاية احتياط المؤلف حيث لا يبالي بلزوم
التكرار، ومحطَّ المقصود إنما هو توضيح المرام كيفما حصل، فكرَّر هاهنا قولَه:
((وهو حديث مالك إلخ)) مع أنه نفسه مصرح بقوله: هذا حديث حسن؛ لئلا يُتَوَهَّمَ
إرجاعُ الإشارة إلى الحديث السابق، أو يختص الإشارة بالسند الثاني المذكور
بعد التحويل فقط، إلى غير ذلك، وأيضاً فقد تكلم بعضهم في ((سُهَيْلٍ)) هذا، ففي
التصریح باسمه تنصیص علی رد زعمهم، وتعدیلٌ له.
(وأبو صالح) ومما ينبغي التنبيهُ عليه أن الذين يذكر الترمذي أنسابَهم وبعضَ
متعلقاتهم الأَخَر إنماهم الذين لم يكونوا من الشهرة بمرتبة الرجال الأَخَرِ عند هؤلاء
الفحول، وأما بالنسبة إلينا فالمشاهير أيضاً كالمساتير، وإلى الله المشتكى من زمانٍ
شاع فيه الجهلُ والبدعُ.
(١) في نسخة: ((اختلف)).
(٢) في نسخة: ((وهو الأصح)).
(٣) البَلْبَالُ والبَلْبَالَة: شدة الهمّ والوسواس، انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩١).

١٧١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَثَوْبَانَ(١)، وَالصُّنَابِحِيِّ، وَعَمْرِوبْنِ عَبَسَةَ، وَسَلْمَانَ،
وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
وَالصُّنَابِحِيُّ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِّلَهُ فِي فَضْلِ الظُّهُورِ هُوَ عَبْدُ الله
الصُّنَابِحِيُّ، وَالصُّنَابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ
النَّبِيِّ لَّهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ، وَيُكْنَى أبَا عَبْدِ اللهِ، رَحَلَ إِلَى
قوله: (الصُّنَابِحِي) والحاصل [١] أن الصنابحي الذي ذكره المؤلف في سلك
من روى هذا الحديثَ المتقدمَ ليس بالصنابحي الذي له صحبة، بل هو التابعي الذي
يروي عن أبي بكر الصديق، وأما الصنابح بن الأعسر الذي يقال له الصنابحي(٢) أيضاً
فإنما له حديث واحد مرفوعاً، وله صحبة، وليس بالمراد هاهنا، انتهى.
[١] ما أفاده الشيخ - قدس سره - مبني على النسخة الأحمدية، فإن مدلولها أن الصنابحي عند
المصنف اثنان فقط كما هو عند جماعة(٣)، أحدهما: صُنابح بن الأعسر الصنابحي الذي
له حديث واحد (٤) عند المصنف، وأربع عند الحافظ في ((تهذيبه)». والثاني أبو عبد الله عبد
الرحمن بن عُسيلة التابعي صاحبُ أبي بكر، والنسخة التي في هامش ((العارضة)) المصرية
صريحة في هذا المعنى، ولفظها: والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ◌ُّ في فضل الطهور
هو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، هو صاحب أبي بكر إلخ، ويؤيده
أيضاً ما في ((الأوجز))(٥) عن الترمذي عن البخاري: أن مالكاً وَهِم في عبد الله، إنما هو أبو
عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة؛ فعلم من هذا كله أن ما في بعض النسخ المطبوعة الجديدة
الهندية من المجتبائية وغيرها للترمذي بلفظ: والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ◌ّ في =
(١) في نسخة: ((عن ثوبان وعثمان بن عفان)).
(٢) انظر كلامَ يعقوب بن شيبة الذي أشرت إليه فيما سبق، وكلامَ أبي حاتم الآتي.
(٣) منهم يعقوب بن شيبة السدوسي، وانظر كلامه لزاماً في ((تهذيب الكمال)) (١٧ / ٢٨٤ رقم: ٣٩٠٥).
(٤) وهو حديث: ((إني مكاثر بكم الأمم إلخ)) أخرجه ابن ماجه (٣٩٤٤) وأحمد (٣٤٩/٤ و٣٥١).
(٥) انظر ((أوجز المسالك)) (٤١١/١- ٤١٢).

١٧٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
النَّبِّلَ ◌ّهِ فَقُبِضَ النَّبِيُّ بَسَهْ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِّ وَلَأَحَادِيثَ.
وَالصُّنَائِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأُحْمَسِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّلَهَ يُقَالُ لَهُ: الصُّنَابِحِيُّ أَيْضًا،
وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((إِنِّي مُكَاثِرُ بِكُمُ الْأَمَمَ فَلَا
تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي)).
(وقد روى، إلخ) أي: من غير ذكر الواسطة، فكان إرسالاً(١].
(وإنما حديثه، إلخ) وليس له حديث منه مَثّل غيره [٢].
قوله: (إني مكاثر بكم الأممَ) لما كانت المكاثرة تقتضي أن تتكثر الأمةُ،
والاقتتال عكسه؛ لأنه مستأصل؛ أراد أن ينهاهم عنه، فالقاتل لأخيه المسلم كان
ساعياً في إعدام ما تمناه النبي ◌َّلّ وأراد، فكان كبيرة لا محالة منه.
= فضل الطهور هو عبد الله الصنابحي، والصنابحي الذي روى إلخ، غلط من الناسخ؛ فإن هذا
السياق يدل على أن الصنابحي ثلاثة عند الترمذي، وليس كذلك، بل الصواب أنه اثنان فقط
عند الترمذي، كما أفاده الشيخ قدس سره، وإن كان الصواب عند هذا العبد الضعيف أنهم
ثلاثة(١)، وصاحب حديث الباب هو عبد الله الصنابحي الصحابي، كما حققته في ((الأوجز)).
[١] يعني أن عبد الرحمن بن عسيلة أبا عبد الله طالما يروي عن النبي وقليل بلا واسطة؛ فهذه
الروایات تکون مرسلة؛ لأنه تابعي، کما ثبت في کتب الرجال.
[٢] أي: على المشهور، وإليه يشير كلامُ الترمذي بلفظ الحصر: إنما حديثه؛ ولذا قال صاحب
((التهذيب): له صحبة، روى عن النبي ◌َّ حديثاً واحداً، وقال صاحب ((الخلاصة))(٢).
=
(١) وكذلك يقول ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (١٢٢، ت٤٣٩): سمعت أبي يقول: الصنابحي
هم ثلاثة: الذي يروي عنه عطاء بن يسار، فهو عبد الله الصنابحي، لم تصح صحبته، والذي
روى عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ... ، ليست له صحبة، والصنابح
ابن الأعسر له صحبة، روى عنه قيس بن أبي حازم، ومن قال في هذا: الصنابحي؛ فقد وهم.
(٢) ((الخلاصة)) (١٧٦).

١٧٣
أبْوَابُ الطَّهَارَة
٣- بَابُ مَا جَاءَ مِفْتَاحُ(١) الصَّلَاةِ الظُّهُورُ
٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ وَقُتَيْبَةُ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالُوا: نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ،
[(٣) باب ما جاء مفتاح الصلاة الطهور]
(مفتاح الصلاة، إلخ) ولا يخفى ما يرد فيه على الحنفية، حيث فرَّقوا فيما
بين الثلاثة، مع أن الرواية المسوقة لإيجاب الثلاثة واحدة، فقالوا: شُّرِطَ لافتتاح
الصلاة مطلقُ الذكر، وإن لم يكن خصوص قوله: (الله أكبر))، أو ((الله الكبير))، أو
((الله الأكبر))، وكذلك لا يُشْتَرَطُ عندهم لتمام الصلاة والخروج عنها خصوصُ لفظ
التسليم، بل تتم الصلاة بالكلام وغيرِه مما يفسد الصلاةَ، وإن لم يخْلُ فعلُه هذا عن
ارتكاب محرم لو [كان] عمداً، وكان الإعادة عليه واجباً، نعم سَلَّموا فرضيةَ الطهارة
وشرطیتها.
والجواب أن الخبر الواحد لا يجب تسليمُه تسليمَ الخبر المتواتر أو المشهور،
وكذلك لا يوجب خبرُ الواحد إيجابَ النص القرآني، فالفرقُ بين مقتضى تلك الثلاثة
وموجَبِها ثابتٌ عقلاً ونقلاً، فكيف يُسْلَكُ بالثلاثة مسلكاً واحداً، بل يُنَزَّلُ كل منها
منزلته، فما ثبت بالخبر الواحد فقط يكون فرضاً عمليًّا، لا كالفرائض القطعية التي
= له صحبة وحديث، وأما على غير المشهور فبلَّغَ الحافظ (٢) مروياتِه إلى ثلاثة أحاديث،
وقيل: أكثر منها.
[٣] د: ٦١، جه: ٢٧٥، حم: ١٢٣/١، تحفة: ١٠٢٦٥.
(١) في نسخة: ((أن مفتاح)).
(٢) في ((التهذيب)) (٤٣٨/٤).

١٧٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٢)، نَاسُفْيَانُ(٣)، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ
ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: «مِفْتَاحُ
الصَّلَاةِ الظُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)).
يكفّر جاحدُها، وهو الواجب، كالتسليم والتكبير [١]، وما ثبت بالنص القرآني أو الخبر
المشهور أو المتواتر يكون فرضاً، كالطهارة، مع أن العمل بالخبر في باب التكبير
يخصِّص إطلاقَ قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ أُسْمَرَبِهِ، فَصَلَى ﴾ [الأعلى: ١٥]، والتخصيص في حكم
النسخ، وليس لخبر الواحدِ صلاح ذلك، وكذلك قولُه ◌َّ: ((تحليلها التسليم)) بالمعنى
الذي ذكرتم معارضٌ بقوله مَّ: ((إذا قلتَ هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتُك)) (٤)،
فوجب تنزيلهما عن منزلة الفرض إلى الوجوب؛ لئلا تتعارض النصوص فيما بينها.
والأئمة الأُخَرُ لَمّا لم يفرِّقوا فيما بين الأخبار ذهبوا إلى أن الثلاثة أركان بعينها(٥).
[١] فإن الابتداء بمطلق ذكر الله عزّ وجلّ فرض، وخصوص التكبير واجب، كما بسطه ابن
نجيم(٦).
(١) في نسخة: ((ح وحدثنا)).
(٢) في نسخة: ((عبد الرحمن بن مهدي)).
(٣) قال صاحب ((البذل)) (٣٦٥/١): والذي يغلب على ظنى أن الذي هاهنا هو الثوري، وكذا جزم به
العلامة الكشميري، لأنه وجد في («نصب الراية)) (١ / ٣٠٧) من طريق أبي نعيم عن سفيان الثوري.
(٤) أخرجه أبو داود (٩٧٠). وأيضاً معارض بقوله مايلي: ((إذا أحدث -يعني الرجل - وقد جلس في
آخر صلاته قبل أن يسلِّم فقد جازت صلاتُه))، أخرجه الترمذي (٤٠٨) وأبو داود (٦١٧).
(٥) في ((بذل المجهود)) (١ / ٣٦٧): قد أجمعت الأمة على أن لا دخول في الصلاة إلا بتكبيرة
الافتتاح، وهي قول العبد: ((الله أكبر))، ولا خلاف فيه، أو ((الله الأكبر))، وخالف فيه مالك
وأحمد، أو ((الله الكبير)) أو ((الله كبير))، وخالف فيهما الشافعي أيضاً.
(٦) انظر: ((البحر الرائق)) (٢٠٥/١)، ط كوئته، باكستان.

١٧٥
أبْوَابُ الطّهَارَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَرُ،
وَعَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ هُوَ صَدُوقُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ
قِبَلِ حِفْظِهِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَعِيلَ يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ
مُحَمَّدُ: وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ.
(١).
.
...
(ابن عَقِيل) كلهم عَقِيل إلا ثلاثة [١]. (يحتجون، إلخ) واحتجاج تلك
الأعلام يُخرِجه من الضَّعف إلى الصحة أو الحسن.
(وهو مقارب الحديث)[٢] أي: يقارب حديثُهُ القبولَ أو الذهنَ إلى غير ذلك.
[١] ذكر النووي في ((مقدمته))(٢): عقيل كله بفتح عين، إلا عُقيل بن خالد ويأتي كثيراً عن الزهري غير
منسوب، وإلا يحيى بن عُقيل وبني عُقيل فبالضم، انتهى. وهكذا ذُكِرَ في ((المغني))(٣) وغيره.
[٢] وذكر السيوطي هذه الكلمة في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل على رأي=
(١) زاد في نسخة حديثاً: ٤ - ((حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرَمٍ، عَنْ أَبِي يَحْتَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَةُ وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ».
[حم: ٣٤٠/٣]. قال المزي في ((تحفة الأشراف)) (٢٦٤/٢): «ليس في السماع ولم يذكره أبو
القاسم)). وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١/ ١٤٧): هو عند الترمذي، ولكن ليس داخلاً في
الرواية. وكذا لم يرد هذا الحديث عند ابن الأثير في كتابه ((جامع الأصول))، ولا عند ابن العربي
في ((العارضة))، ولا عند المباركفوري في ((التحفة))، ولا عند البنوري في («معارف السنن)».
(٢) ((مقدمة النووي على صحيح مسلم)) (ص: ٧٠).
(٣) ((المغني)) للفتني (ص: ١٧٧).

١٧٦
الكَوَكَبُ الدُّرِي
٤- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ
٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادُ قَالَا: نَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَهَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ(١) قَالَ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ))(٢). قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أَخْرَى: ((أَعُوذُ بِالله(٣) مِنْ
[(٤) باب ما يقول إذا دخل الخلاء ]
(وقد قال مرة) إلخ، أي: قال أستاذي عبد العزيز تارة ما ذُكِرَ، ومرة أخرى هذا،
ولَمّا كانت الرواية بحسب المعنى شائعةً بين الأئمة الأعلام، ذائعةً بين العلماء الكرام لم
يَضُرَّ ذلك، ويمكن أن يكون قد سمع ذاك تارة، وهذا أخرى. ثم إن الخُبُثَ جمع خبيث،
كما أن الخبائث جمع خبيثة، وظاهر تفسير الخُبُثِ والخبائث ذكورُ مَرَدَةِ الجن وإناثُّهم،
= النووي (٤)، والمرتبة الخامسة على رأي غيره؛ والاختلاف مبني على اختلافهم في مراتب=
[٥] خ: ١٤٢، د: ٤، تحفة: ١٠٢٢.
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٢٤٤): الكلام هنا في مقامين، أحدهما: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة
المعدة لذلك؛ لكونها تحضرها الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن، أو يشمل حتى
لو بال في إناء مثلاً في جانب البيت، الأصح الثاني ما لم يشرع في قضاء الحاجة. المقام الثاني: متى
يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل
دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا
فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيز مطلقاً كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل.
(٢) زاد في نسخة: ((من الخبث)).
(٣) في نسخة: ((بك)).
(٤) قال النووي: في ((التقريب)): فلان روى عنه الناس، وسط، مقارب الحديث، يقول السيوطي
في شرحه: وهذه الألفاظ الثلاثة من المرتبة التي يُذْكَرُ فيها ((شيخ))، وهي الثالثة من مراتب
التعديل فيما ذكره المصنف، انظر (تدريب الراوي)): (٤٠٩/١ - ٤١٠).

١٧٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ، أَوِ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ،
وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، رَوَى هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ وَسَعِيدُ
ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةً، وَقَالَ سَعِيدُ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَقَالَ هِشَامُ(٢): عَنْ فَتَادَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَمَعْمَرُ
عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَقَالَ مَعْمَرُ:
وفيه أقوال أُخَرُّ [١]، والعوذُ من استهزائهم بعوراته واطلاعهم على سَوْأَتِه، وغير ذلك.
(قال سعيد: عن قتادة (٣)، عن القاسم بن عوف، عن زيد) اعلم أن في هذه
الرواية اضطراباً لوجهين: الأول: في اسم الصحابي حيث ذكر بعضهم زيداً، وبعضهم
= الجرح والتعديل، كما لا يخفى على من نظر كتبَ الأصول، والمعتمد أنه بكسر الراء وفتحها من ألفاظ
التعديل، فمعنى الكسر أن حديثه يقارِبُ حديثَ غيره، ومعنى الفتح أن حديثَه يقاربه حديثُ غيره(٤)،
وما قيل: إنه بفتح الراء بمعنى الرديء من ألفاظ الجرح، ردّه شراحُ الألفيتين: العراقي والسيوطي(٥).
[١] منها أن الخُبُث الشياطين، والخبائث: المعاصي، وروي ((الخبث)) بسكون الباء، وأنكره =
(١) قال ابن رسلان: يستحب أن يقدم التسمية لرواية علي عند الترمذي (٦٠٦): ((ستر ما بين
أعين الناس وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله))، وكذا في ((سنن سعيد
ابن منصور)) بلفظ: ((بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث))، قال الحافظ: على شرط مسلم،
هامش ((بذل المجهود)) (١ / ١٧٦).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((الدستوائي)).
(٣) رواه ابن ماجه هكذا (ح: ٢٩٦).
(٤) وانظر لزاماً ما نقله السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٦٦/١) في شرح هذا اللفظ.
(٥) انظر: ((فتح المغيث)) للعراقي (ص: ١٧٣).

١٧٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسِ عَنْ أَبِيهِ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةٌ
رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا.
أنس بن مالك، والثاني: في ذكر القاسم وتركِه؛ فكانت الروايات أربعاً بأربع أسانيد:
الأولى رواية سعيد عن قتادة، عن القاسم، عن زيد. ورواية هشام عن قتادة، عن زيد.
وشعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد. ومعمر عن قتادة، عن النضر، عن أنس.
والحاصل أن فيه اضطرابين: الأول أن سعيداً وهشاماً اختلفا على قتادة، فقال
سعيد: عن قتادة، عن القاسم، عن زيد، وقال هشام: عن قتادة، عن زيد. والثاني: أن
شعبة ومعمراً اختلفا على قتادة أيضاً، فقال شعبة: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن
زيد بن أرقم، وقال معمر: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبيه.
فأما دفعه عن البخاري فإما مقصور على أولهما، ولم يذكر الثاني؛ لأنهما
يندفعان معاً بجواب واحد، فيقاس الثاني على الأول، ويحتمل أنه لم يحضر له جواب
عنه، والضمير على هذا عائد إلى القاسم وزيد. وإما عامٌّ بحيث يشمل الجوابَ عن
الاضطرابين معاً بإرجاع الضمير إلى زيد والنضر، وحاصل الجواب على ذلك أن قتادة
= الخطابي(٢)، وتعقبه النووي(٣) وغيره، وذكر الشيخ في ((البذل)) (٤): قيل: الخبث بسكون
الباء: خلاف طيب الفعل، والخبائث: الأفعال المذمومة.
(١) زاد في نسخة: ((عن النبي ◌ِّ)).
(٢) في ((معالم السنن)) (١٠/١-١١).
(٣) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢/ ٣٠٧، ح ٣٧٥).
(٤) ((بذل المجهود)) (١٧٦/١).

١٧٩
أبْوَابُ الطَّهَارَة
٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ(١)، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ:
ابْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
يحتمل أن يروي عنهما أي: عن زيد بن أرقم وعن النضر بن أنس، والنضر يروي عن
أبيه، وعن زيد؛ فالمعنى أن قتادة يروي عن زيد بواسطة القاسم لكنه يرسل، وإرسال الثقة
مقبول ما لم يُعْلَم أنه مدلِّس، فصار المعنى أن قتادة يحتمل أن يكون روى هذا الحديث
عن زيد وعن النضر، سواء كان روايته عن زيد بواسطة القاسم أو بلا واسطة، وسواء
كانت روايته عن النضر، عن أبيه، أو عن النضر عن زيد. هذا (٢)[١]، والله تعالى أعلم.
[١] اعلم أن المشايخ اختلفوا في تقريرِ الاضطراب ودفعِه بكلام البخاري على أقاويلَ كثيرةٍ،
والأوجَهُ عندي أن الاضطراب هاهنا بثلاثة وجوه: الأول في الواسطة بين قتادة والصحابي
وعدمِها، والثاني في تعيين الصحابي أيهم هو؟ والثالث في تعيين الواسطة هل هي القاسم أو
النضر؟ وحملُ كلام البخاري محتمل على كل واحد من هذه الثلاثة، كما يظهر من كلام الشيخ
- نَوَّرَ الله مرقَدَه -، وإن كان الحمل على بعضها أقرب من بعض آخر، والظاهر عندي حملُه
على دفع الاضطراب الثالث فقط، وذلك لأن الاضطرابين الأولين ليسا مما يُحْتَاجُ لدفعهما
إلى جواب؛ فإن رواية قتادة عن زيد بلا واسطة مرسلة ظاهر الإرسال، لا يخفى على من مارس
كتبَ الرجال؛ فإن عامةَ روايات قتادة عن الصحابة مرسلة، وقد ذكر الحافظ في (تهذيبه))(٣)
جماعات من الصحابة وغيرهم الذين أرسل عنهم قتادةُ، وقال الحاكم في ((علوم الحديث)) (٤) : =
[٦] م: ٥٧٣، ٥: ٤، تحفة: ١٠١٢.
(١) زاد في نسخة: ((البصري)).
(٢) أي: خُذْ هذا.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٥/٨).
(٤) (ص١١١، النوع السادس والعشرون معرفة المدلسين).

١٨٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
ثم إن الاضطراب[١] قد يُدْفَعُ حيثما وقع بكون راوي إحدى الروايتين أحفظَ
من راوي الأخرى، أو بإثبات اللقاء بالمذکورین کلیهما عند البخاري ومن دان دينه،
أو بإمكان اللقاء عند مسلم ومن سار سيره، أو بكثرة في رواة إحداهما.
= لم يسمع قتادة عن صحابي غير أنس، وذكر ابن أبي حاتم(١) عن أحمد بن حنبل مثلَ ذلك.
قلت: لا سيما عن زيد فظاهر الإرسال؛ فإن ولادة قتادة سنة ٦١ هـ، ووفاة زيد مختلف من
سنة ٦٥ إلى سنة ٦٨، ولذا قال محمد الأشبيلي في حديث الباب - كما حكاه العيني(٢) -:
واختُلِفَ في إسناده، والذي أسنده ثقة، انتهى.
فَعُلِمَ أن من أسقط الواسطة فروايته مرسلة، ولذا لم يحتجْ إلى دفعه.
وهكذا الاضطراب الثاني في تعيين الصحابي فأيضاً كان مدفوعاً ظاهراً، إذ قال البيهقي: قال
الإمام أحمد: وقيل: عن معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، [وهو] وهم. فلم
يبق إلا الاحتمال الثالث فدفعه باحتمال السماع عنهما أي: القاسم والنضر، ويؤيده ما قال
العيني(٣): سأل الترمذيُّ البخاري (٤) عن هذا الاضطراب فقال: لعل قتادة سمعه من القاسم
ابن عوف والنضر بن أنس، وحكى البيهقي: قال أبو عيسى: قلت: لمحمد - يعني البخاري -:
أيّ الروايات عندك أصح؟ فقال: لعل قتادة سمع منهما جميعاً، عن زيد بن أرقم(٥)، انتهى.
[١] قال السيوطي في ((التدريب))(٦): فإن رُجِّحت إحدى الروايتين بحفظِ راويها مثلًا، أو كثرةٍ=
(١) انظر: ((المراسيل)) (١٣٩- ١٤٢، تا٣١٠)، وقال في ((الجرح والتعديل)) (ت٧٥٦): روى
عن أنس، وعبد الله بن سرجس، وأبي الطفيل، وسمعت أبي يقول: لم يلق من أصحاب
النبي ◌ِالثّ إلا أنساً وعبد الله بن سرجس، ثم قال ابن أبي حاتم: لم يذكر - يعني أباه - أبا
الطفيل؛ لأنه كان صبيًّا في عهد النبي وَّ.
(٢) ((عمدة القاري)) (٢/ ٤٠٤ - ح ١٤٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/٢).
(٤) وفي الأصل: ((عن البخاري)) وهو تحريف.
(٥) راجع ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٩٦/١).
(٦) ((تدريب الراوي)) (٣٠٨/١).