النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تقديم أ.د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
ذلك ما جمعه محمد جراغ أحد تلاميذ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، من
مجالسه في شرح الترمذي، وسماه ((العرف الشذي))، وجمع له آخرون أمالي أملاها
على البخاري، وأخرى على مسلم، وأخرى على أبي داود.
واستفاد الشيخ محمد يوسف البنوري، شيخ الحديث بالمدرسة العربية
الإسلامية في كراتشي (ت١٣٩٧ هـ)، فوائد جمة من أمالي شيخه الكشميري على
الترمذي، أودعها في كتابه ((معارف السنن)) الذي شرح به الترمذي، وهو شرح لم
يكمل وصل فيه إلى أبواب الحج.
وهذا الشرح الذي نقدم له، ينخرط في هذا السلك من تقاييد الأمالي، فهو
عبارة عن تعليقات انطوت على تحقيقات وتدقيقات، متنوعة في فنونها، فبعضها
فقهي، وبعضها حديثي، وبعضها لغوي، وبعضها أصولي، أملاها في درسه لجامع
الترمذي العلامة رشيد أحمد بن هداية أحمد الرامبوري(١) الأصل الكنگوهي المولد
والنشأة (١٢٤٤-١٣٢٣ هـ) - وكم لكنكوه من الفضل على أهل الهند بما أنجبت من
الأعلام ! - قيدها أحد أنجب تلاميذه وأحبهم إليه وآثرُهم لديه، راويةٌ علمه وكاتب
رسائله، الشيخ محمد يحي بن إسماعيل الكاندهلوي، وتوفي وهي في دفاتره لم تطبع،
فاعتنى بها ابنه وتلميذه الشيخ محمد زكريا صاحب ((أوجز المسالك)) و)حجة الوداع))
و)) الأبواب والتراجم من صحيح البخاري))، وغيرها من الكتب والتعليقات النافعة،
وأضاف إلى تعليقات أبيه تعليقات أخرى وقعت منها موقع التتمة والتنقيح، على نحو
ما فعل في التعليقات التي دونها والده أيضاً من دروس الگنگوهي على البخاري لدى
إقرائه، وهي المطبوعة في كتاب ((لا مع الدراري على صحيح البخاري)).
(١) ((رامبور)) قرية جامعة من أعمال سهار نبور، انظر: ((الإعلام بمن في تاريخ الهند من
الأعلام)) (٨/ ١٢٢٩).

٤٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وطبع هذا المجموع من التعليقات على الترمذي، تحت عنوان ((الكوكب
الدري على جامع الترمذي))، طبعة قديمة على الحجر، ثم طبع في مطبعة ندوة
العلماء بلكنؤ في أربع مجلدات، وكلتاهما خاليتان من الأصل المعلق عليه وهو
سنن الترمذي.
وفي هذه الطبعة الجديدة اعتنى الأخ الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي،
صاحب التحقيقات البديعة، بخدمة الكتاب من الجوانب الفنية والعلمية معاً، فجاء
في هذه الحلة القشيبة المزودة بعلامات الترقيم في الأصول والحواشي، والتخريج
الأحاديث والآثار، والعزو والإحالة في النقول على مواضعها من مصادرها
المطبوعة، وغير ذلك من الأعمال التي تخدم الكتاب تحقيقاً وتدقيقاً وتوثيقاً.
ومن أهم ما يميز طبعة الدكتور تقي الدين، أنه ضم إلى التعليقات سنن الترمذي
من رواية الكروخي، معتمداً في التصحيح على نسخة الشيخ المسند المفيد، أحمد
علي بن لطف الله السهار نفوري، أحد كبار المحدثين والفقهاء في الهند في القرن
الثالث عشر (ت١٢٩٧ هـ) ونسخته صححها على نسخة العلامة المسند محمد
إسحاق الدهلوي (ت١٢٦٢ هـ)، وسبع نسخ أخرى، وناهيك به علواً في الصيانة
والتصحيح. وأضاف الدكتور تقي الدين إليها أربع نسخ أخرى، اثنتان من المدينة
المنورة واثنتان من الهند، ورمز كل واحدة منها، وأثبت فروقها في الهوامش، وميز
كلام الترمذي كله باللون الأحمر، فصار الكتاب بهذا مرجعاً للمشتغلين بالحديث
في معرفة اختلاف ألفاظ سنن الترمذي، مع ما أفاده الشرح من فوائد علمية متنوعة.
والشيخ رشيد الكنكوهي أحد الأعلام المحققين والفضلاء المدققين، عكف
بعد عودته من رحلته الحجازية الثالثة، على تدريس أمهات السنة: الصحيحان
والسنن الأربعة، يختمها جميعاً في كل سنة، وكان يقدم جامع الترمذي في الإقراء،

٤٣
تقديم أ.د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
ويبذل غاية وسعه في الكلام على المعاني والأسانيد، مبيناً وجوه التصرف مع ما
يعرض لبعضها من التعارض، بالتوفيق أو الترجيح، وأما بقية الكتب فيسردها مع
بحث قليل.
رحمه الله وأنزله منازل الأبرار، وأجزل له المثوبة فيما قدم من جهود في خدمة
العلم والسنة النبوية المشرفة، ورحم من ورثه من تلاميذه في نشر العلم والتفاني
في بثه في الناس، ومن أبرزهم الشيخ محمد يحي الكاندهلوي مدون تعليقاته على
سنن الترمذي، وابنه مكمل هذا الجهد وناشره الشيخ محمد زكريا، وبارك في عمر
الدكتور تقي الدين الندوي، الذي لم يزل على كبر السن ووهن العظم، دائباً في
التحقيق للكتب ذات الصلة بالسنة النبوية، وتعريب بعضها ونشرها، مع ذوي الصلة
به من البنين والحفدة والطلاب، في الإمارات العربية المتحدة وفي الهند.
والحمد لله في البدء والختام.
أ.د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
(الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي)
التاريخ: ٤ من رجب المرجب ١٤٣٧ هـ
الموافق: ١٠ / ٢٠١٦/٠٤م

٤٥
◌ِلهُ الرَّمِالرَّحْيَةِ
المقدمة
لجامع الترمذي مع شرحه الكوكب الدري
للمحدث الجنجوهي
بقلم: سماحة العلامة الشيخ
السيد محمد الرابع الحسني الندوي
رئیس دار العلوم لندوة العلماء لکناؤ الهند
الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين
سیدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الإمام الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله في مقدمة كتابه
((حجة الله البالغة)): ((إن عمدة العلوم اليقينية ورأسها، ومبنى العلوم الدينية وأساسها
هو علم الحديث الذي يذكر فيه ما صدر من أفضل المرسلين مجله وأصحابه أجمعين
من قول أو فعل أو تقرير، فهي مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، وبمنزلة البدر المنير،
من انقاد لها ووعى فقد رشد واهتدى، وأوتي الخير الكثير، ومن أعرض وتولّى فقد
غوى وهوى، وما زاد نفسه إلا التخسير، فإنه ◌َّ نهى، وأمر، وأنذر، وبشّر، وضرب
الأمثال، وذكّر، وأنها لمثل القرآن أو أكثر)) (١).
(١) ((مقدمة حجة الله البالغة (١ /٢).

٤٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ويقول في موضع آخر من بعض كتاباته: ((إن أول شيء يوجبه العقل على
نفسه هو تتبع أحوال النبي ◌َّه وأقواله ما ذا قال فيما يتعلق بالأحكام الإلهية، وكيف
عمل بها، ثم يقتدى بهذه الأقوال والأحوال بالقلب والقالب)).(١)
وقد ألّف الإمام الترمذي كتباً عديدةً في خدمة السنة النبوية، أبانت عن إمامته
وغزارة علمه ورسوخ قدمه في هذا العلم الشريف.
قال أبو بكر ابن العربي صاحب ((عارضة الأحوذي))(٢): ((وليس فيها مثل كتاب
أبي عيسى حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا، وذلك
أقرب إلى العمل، وأسند وصحح وأسلم(٣)، وعَدَّد الطرق، وجرّح وعدَّل، وأسمى
وأكْنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في
الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله. وكل علم من هذه العلوم أصلٌ في
بابه، وفردٌ في نصابه)).
وقال ابن الأثير (٤): ((وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد
صالحة))، ثم قال: ((وهذا كتابه ((الصحيح)) أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها
ترتيبًا، وأقلّها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره: من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال،
وتبيين أنواع الحديث من الصحيح، والحسن، والغريب، وفيه جرح وتعديل)).
وقال الإمام ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة))(٥) واصفاً كتاب الترمذي:
(١) ((كلمات طيبات)) (ص: ١٧٣).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٥/١).
(٣) كذا في ((العارضة))، وفي نسخة: ((وصحح وأسقم))، وهو الصواب.
(٤) ((جامع الأصول)) (١ / ١٩٣).
(٥) ((حجة الله البالغة)) (٢٥٨/١).

٤٧
تقديم الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
((ورابعهم أبو عيسى الترمذي، وكأنّه استحسن طريقة الشيخين حيث بيّنا وما أبهما،
وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين، وزاد عليها
بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتاباً جامعاً، واختصر طرق
الحديث اختصاراً لطيفاً، فذكر واحداً وأومأ إلى ما عداه، وبيّن أمر كل حديث من أنه
صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منكر، وبيّن وجه الضعف؛ ليكون الطالب على بصيرةٍ
من أمره، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه، وذكر أنه مستفيض أو غريب، وذكر مذاهب
الصحابة وفقهاء الأمصار، وسمّى من يحتاج إلى التسمية، وكنَّى من يحتاج إلى الكنية، ولم
يدع خفاء لمن هو من رجال العلم، ولذلك يقال: إنه كافٍ للمجتهد مغنٍ للمقلد)).
ووضع هذا الكتاب الإمام الترمذي وقد نيف على الستين من عمره وهي سن
النضج والنبوغ العقلي والحصافة، فظهرت فيه شخصيته التأليفية الفنية واضحة جلية،
وبرهن على أنه سدّ عوزاً في هذه المكتبة الزاخرة التي كانت قد تكونت في هذا العصر
الباكر، وعلى أنه زاد في هذه الثروة، وجاء بشيء جديد، فقد جمع بين طريقتي شيخيه
البخاري ومسلم في الجمع بين الفقه وبين الحديث في موضعه، وجمع بين محاسنهما
واختصاصاتهما، فجمع الروايات المتعددة في مكان واحد كما فعل مسلم، وأتى
بالفوائد الإسنادية كما دأب البخاري في مواضع من كتابه، وتكلم على أحاديث كتابه
حديثاً حديثاً، وتفرد بمصطلحات ومسائل علمية خاصة به، لا توجد في غیر کتابه.
و کان من أول من طرق موضوع ما يسميه الناس اليوم بالفقه المقارن، وكان له
فضل كبير يجب أن تعترف الأمة به، في حفظه لفقه المدارس الاجتهادية في عصره،
ولولاه لضاع منه الشيء الكثير، وعفا عليه الزمان، وتلك خصيصة لجامعه تفرد بها
من بين مصنفات الحديث والسنة، فهو من أوثق المراجع وأقدمها في الخلاف سيما
في معرفة المذاهب المهجورة كمذاهب الأوزاعي والثوري وإسحاق بن راهويه،

٤٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
وكان من حسناته أنه حفظ للمتأخرين مذهب الشافعي القديم، ويكاد يكون كتابه
الجامع المرجع الأساسي في الأحاديث الحسنة، وهي ثروة حديثية لا يستهان
بقيمتها، ولا يستغنى عنها، ولا نعرف أحداً من المحدثين الكبار الذين عليهم العمدة
في هذه الصناعة اعتنى بهذا الجانب مثل اعتنائه، حتى قال الإمام أبو عمر عثمان بن
صلاح في كتابه ((علوم الحديث)) (١): ((كتاب أبي عيسى الترمذي - رحمه الله - أصل
في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوّه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه)).
يقول العلامة المحدث محمد محسن بن يحيى البكري التيمي الترهتي في
كتابه ((اليانع الجني من أسانيد الشيخ عبد الغني))(٢): ((إِنَّ كِتَابَهُ هَذا أحْسَنُ الكُتبِ
تَرْتيبًا، وأقَلَّها تكْرارًا، وفيهِ ما ليسَ في غيرِهِ مِن ذِكْرِ المَذاهِب، ووُجُوهِ الاستِدْلالِ،
وتَبْبِينِ أنواعِ الحَديثِ وعِلَلِهِ، والكَشْفِ عَنْ ضُعَفاءِ الرِّجالِ وَعُدولِهِمْ، وفي آخِرِهِ
((كِتَابُ العِلَل))، قَدْ جَمَعَ فيهِ فَوائِدَ لا يَخْفَى قَدْرُها عَلى مَنْ هَجمَ عَلَيها، وكأنَّهُ
رَحِمَهُ اللهُ تَعالى اسْتَحْسَنَ طَرِيقَةَ الشَّيْخَيْنِ، حَيْثُ بَيّنا وما أبْهَما، وطَريقةَ أبي دَاوُدَ
حَيثُ جَمَعَ كُلَّ مَا ذَهَبَ إلَيهِ ذَاهِبٌ فجَمعَ كِلتَا الطَّرِيقَتَيْن، وزادَ عَليهِما بَيَانَ مَذاهِبٍ
الصَّحابةِ والتَّابِعِين، فجَمعَ كِتَابًا جَامِعًا، واخْتَصرَ طُرَقَ الحَديثِ اخْتِصاراً لَطِيفًا،
فَذَكَرَ وَاحِدًا، وأَومَأَ إلَى مَا عَدَاهُ، وبَيَّنَ أَمَرَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ أَنّهُ صَحِيحٌ، أَوْ حَسَنٌ، أَوْ
ضَعِيفٌ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الضَّعْفِ؛ لِيَكُونَ الطَّالِبُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ؛ فَيَعْرِفُ ما يَصْلُحُ
لِلإِعْتِبَارِ عَمَّا دُونَهُ، وذكَرَ أنّهُ مُسْتَفيضٌ أوْ غَرِيبٌ، وذَكرَ مَذاهِبَ الصَّحابةِ، وفُقَهاء
الأَمصارِ، وسَمَّى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّسْمِيةِ، وكَنَّى مَنْ يَحتاجُ إِلَى التَّكْنِيَةِ، فَلَمْ يَدَعْ
خَفاءَ لِمَنْ هُوَ مِنْ رِ جَالِ العِلْمِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إنَّهُ كافٍ لِلمُجْتَهِدِ، مُغْنٍ لِلمُقَلِّدِ.
(١) (ص: ١٤ - ١٥).
(٢) ((اليانع الجني)) (ص: ٩٩).

٤٩
تقديم الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
وقالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الهَرَويُّ: وهُوَ عِنْدِي أَنفَعُ مِنَ الصَّحيحَيْنِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ
يَصِلُ لِلِفَائِدَةِ مِنْهُ، وهُما لا يَصِلُ إلَيها مِنهما إلَّ العَالِمُ المُتَبَحِّرُ، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ إخراجُهُ
لِحَديثِ الكَلْبِيِّ ونَحْوِهِ، مِمَّنْ تَجَنَّبَ عَنْهُمْ أبو دَاوُدَ، والنَّسائيُّ، لأنّهُ هو النَّذِيرُ
العُريانُ، قد سفَر عن وجه كلّ ذِي غائلة ومن أنذر فقد أعذر)).
وإن كتاب ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)) فهو مجموع إفادات
وتحقيقات المحدث الفقيه المربي الجليل المصلح الكبير الداعي إلى عقيدة
التوحيد الخالص والسنة السنية البيضاء الإمام رشيد أحمد الجنجوهي، جمعها
وألفها تلميذه النابغ العلامة الكبير والمحدث الجليل محمد يحيى بن محمد
إسماعيل الكاندهلوي، حققها وعلق عليها نجله العلامة المحدث الشيخ محمد
زكريا الكاندهلوي، وطبع مع تقديم سماحة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني
الندوي أولاً من مطبعة ندوة العلماء لكناؤ.
أما صاحب ((الكوكب الدري شرح جامع الترمذي)) فهو الشيخ العلامة
المحدث رشيد أحمد بن هدايت أحمد الأنصاري الحنفي الجنجوهي أحد العلماء
المحققين والفضلاء المدققين، انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، ورئاسة تربية
المريدين، وتزكية النفوس، والدعاء إلى الله، وإحياء السنن، وإماتة البدعة، واشتغل
بالدرس والإفادة طول عمره، واقتصر في آخر عمره على تدريس الصحاح الستة،
وقد جمع تلميذه النابغ الشيخ محمد يحيى بن محمد إسماعيل الکاندهلوي والد
العلامة محمد زكريا الكاندهلوي ما أفاد به في درسه لجامع الترمذي، وقد رزقه الله
تعالى من التلاميذ ما يندر وجود أمثالهم كالشيخ المحدث العلامة محمود حسن
الديوبندي، والشيخ المحدث العلامة خليل أحمد السهار نفوري، والشيخ المحدث
محمد مظهر النانوتوي، والعلامة الإمام أنور شاه الكشميري، والشيخ المحدث

٥٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حسين أحمد المدني كلهم أساتذة أجلاء في علم الحديث، وتدريس الجامع الصحيح
للإمام البخاري والجامع للإمام أبي عيسى الترمذي، ولهم الأمالي وتعليقات نافعة،
وممن تتلمذ عليه أيضاً الشيخ المربي أشرف على التهانوي، والشيخ الداعية محمد
إلیاس الکاندهلوي رحمهم الله تعالی.
ومن ميزات أمالي الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي أنه جمع الحديث والفقه
والعقل والروح أيضاً، وقد صدق العلامة المؤرخ السيد عبد الحي الحسني والد
سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، وهو ممن استجاز منه في الحديث
النبوي الشريف، وهو يقول: ((وكان آية باهرة ونعمة ظاهرة في التقوى، واتباع السنة
النبوية، والعمل بالعزيمة، والاستقامة على الشريعة، ورفض البدع ومحدثات الأمور
ومحاربتها بكل طريق، والحرص على نشر السنة وإعلاء شعائر الإسلام، والصدع
بالحق وبيان الحكم الشرعي، ثم لا يبالي بما يتقاول فيه الناس، لا يقبل تحريفاً، ولا
يتحمل منكراً، ولا يعرف المحاباة والمداهنة في الدين))(١).
وقد طبع الكتاب أولاً بالهند في مجلدين، ثم طبع بعد ذلك في أربعة
مجلدات، وتخلو هاتان الطبعتان من متون أحاديث السنن للترمذي، فقد قام أخونا
الفاضل المحقق الدكتور تقي الدين الندوي - حفظه الله ورعاه- بتحقيق هذا الكتاب
وإخراجه إلى العالم الإسلامي بطباعة جديدة من مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية، وكان عمله في التحقيق في كتابه الترمذي هو صف
النسخة الأحمدية في المتن، ومقابلتها بخمس نسخ خطية وأربع نسخ مطبوعة، وبيان
اختلاف النسخ في الهامش، وتصحيح بعض الأخطاء الواقعة في الأصل من سبق
قلم أو الناسخ، وزيادة الأحاديث الساقطة من الأصل في الهامش، وترقيم الكتب
(١) ((الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)) (١٢٣٠/٨).

٥١
تقديم الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
والأبواب بتسلسل، واتبع في ترقيم الأحاديث نسخة الشيخ أحمد محمد شاكر،
وخرج الأحاديث من الكتب الستة وغيرها من دواوين السنة كما أشار في ((تحفة
الأشراف)) للمزي، وخرج أيضاً روايات سنن الترمذي وذكرها في الهوامش مع رقم
الحديث، أما الروايات التي وردت في أثناء الشرح فإنه تولى تخريجها في الهوامش
بقدر الإمكان.
وذيّل الكتاب بشرح ((الكوكب الدري)) مع تعليقات الإمام المحدث الشيخ
محمد زكريا الكاندهلوي، وراجع الأصول والمراجع التي أخذ منها المحشي لتقويم
النصوص، وأثبتها في مواضعها، وألحق فوائد مفيدة من كتب الشرح الحديثية والمعاجم
اللغوية، وذكرها في الهامش، وقام بعمل فهارس الآيات والأحاديث والآثار.
ولقد قام الأخ الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي بتدريس كتب الحديث في
ندوة العلماء وفي غيرها، وكان من كتب الصحاح في تدريسه سنن الإمام الترمذي
أيضاً، فعرف خصائص الكتاب، وما وقع في الطبعات المختلفة من مشتبهات، كما
أنه اطلع على مثلها في كتب الصحاح الأخرى عند دراستها وتدريسها، فذلك حمله
على أن يقوم بعمل التحقيق وبخاصة في الشروح التي خدمها كبار شيوخ التدريس
في الهند أمثال الشيخ السهار نفوري، والشيخ الكاندهلوي، ثم إن اتصال الأخ الكريم
الدكتور تقي الدين الندوي لشيخه الأستاذ الجليل العلامة محمد زكريا الكاندهلوي
واعتنائه بكتبه وإعدادها لطبعات منقحة جديدة جعله مهتماً بهذا العلم والعمل
اهتماماً خاصاً، فصدر بتحقيقه وعنايته طبعات منقحة، وصدر بتحقيقه عدة كتبه،
والآن تصدر الطبعة الجديدة للكوكب الدري شرح سنن الترمذي باهتمام زائد، وإن
أعماله في تحقيق وتصحيح طبعات الكتب الأخرى قد نالت تقديراً وإعجاباً من
أصحاب الاختصاص في هذا الفن الجليل، أرى أن عمله في طبعته هذا الكتاب

٥٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
المنقحة ينال أيضاً تقديراً لائقاً من أصحاب الاختصاص في كتب علم الحديث
الجليلة، وأقدم أنا تقديراً كبيراً للأخ الأستاذ الجليل - حفظه الله ورعاه - على عمله،
وأدعو الله له دوام الصحة والقبول لأعماله الحسنة وجهوده العلمية والدعوية، والله
ولي التوفيق، وله الحمد أولاً وآخراً، وصلى الله تعالى على خاتم النبيين محمد بن
عبد الله وآله وصحبه أجمعين.
السيد محمد الرابع الحسني الندوي
رئيس دار العلوم لندوة العلماء الكناؤ الهند
١٠ / شعبان المظم ١٤٣٧ هـ

٥٣
تقديم الشيخ محمد تقي العثماني
تقدیم
بقلم: فضيلة المحدث الفقيه
الشيخ المفتي محمد تقي العثماني
شيخ الحديث بجامعة دار العلوم كراتشي في باكستان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا
محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
قد جرى عمل المدارس الدينية(١) في القارة الهندية أنَّ الطالب يقرأ أمهات
كتب الحديث على المشايخ في السنة الأخيرة من منهاج دراسته، وتسمّى هذه
السنة ((سنة دورة الحديث))، إذ ليس في هذه السنة أيّ مقرّر دراسيّ آخر، سوى
الأمهات الست، وموطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى، وبرواية الإمام محمد
ابن الحسن الشيباني، وشرح معاني الآثار للطحاوي، والطريق المتّبع أنّ الطالب
يقرأ متن أحاديث هذه الكتب على الأستاذ؛ ليتلقاها منه حسب طريقة المحدثين، ثم
يشرح الأستاذ الأحاديث سنداً ومتناً بمحاضرات أو تعليقات تشتمل على المباحث
(١) كلمة ((المدارس الدينية)) في عرف هذه القارة تستخدم بمعناها العامّ، ويشمل جميع
المستويات من الثانوية والعامة والعالمية.

٥٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
المتعلقة بها، فمن مُكثر ومقلّ، وإن الطلاب ربّما يضبطون محاضرات الأستاذ،
وتسمّى في عُرف هذه المدارس ((التقارير))، وقد طبعت تقاريرُ كثيرٍ من المشايخ
على الكتب المختلفة.
وإن المشايخ في ديارنا اختاروا ((جامع الترمذيّ)) للتوسع في مباحث أحاديث
الأحكام بصفة خاصة، وذلك لطريقه البديع من الاقتصار على إخراج حديث أو
حديثين تحت كل باب من الأبواب الفقهيّة، وجمع مستدلات المذاهب الفقهية
المختلفة في كل باب، مع الكلام الوجيز الجامع على رجاله ومرتبته من الإسناد،
والإشارة إلى الأحاديث الأخرى بقوله: ((وفي الباب عن فلان وفلان)). وقد اهتم
في غالب الأحيان ببيان المذاهب الفقهية في كل باب بما جعله مذكرة وجيزة جامعة
لأحاديث الأحكام والعقائد، والمذاهب المتعلقة بها.
وطبعت ((تقارير)) عدّة من المشايخ على جامع الترمذي، ومن أهمّها ((الكوكب
الدري)) و((العرف الشذي))، فأمّا الأخير فهو من مجموعة تقارير لإمام العصر العلامة
الشيخ محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى، وطبعت طباعة حجرية باسم
((العرف الشذي))، ضبطه أحد تلامذته الشيخ محمد جراغ رحمه الله تعالى بسرعة
غیر عادیة، فذكر من إفادات الشیخ ما ذکر، وفاته ما فاته، ولکن الباقي منه لا يُستهان به
لكونه مشتملاً على نكات بديعة ومباحث مبتكرة لا تكاد توجد في غير ذلك الكتاب،
وقد استدرك ما فاته العلامة المحقق الشيخ محمد يوسف البنوري رحمه الله تعالی
في شرحه ((معارف السنن)»، وأضاف إليه مباحث نفيسة.
وأمّا ((الكوكب الدري)) فهو مجموعة لتقارير الإمام الكبير الفقيه المحدث
العظيم الموفق من الله تعالى الشخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى الذي
كان آية من آيات الله في رسوخ علمه، وفرط زهده وتقواه، واهتمامه البالغ لاتباع سنة

٥٥
تقديم الشيخ محمد تقي العثماني
الرسول بما في جميع مجالات الحياة، وكان من ميزات شغفه بأحاديث الرسول اله
أنه كان يدرّس بوحده تطوّعاً في مقرّه بقرية كنكوه جميع الأمهات الستّ مع الموطأين
وشرح معاني الآثار للطحاوي، دون استمداد من أحد آخر، وكان بالرغم من كبر سنّه
يجلس للتدريس في الصباح الباكر، ولا يزال في هذه الخدمة الجليلة إلى المساء،
يدرس كتاباً بعد آخر حتى تنتهي كلها.
وبما أنه كان مستوعباً للمسائل التي يحتاج إليها تحت شرح حديث، فإنّه یذکر
أمام الطلبة زبدة يلخصها من تلك المسائل بعبارة سهلة المنال لا تدع إشكالاً في
عامة الأحوال، وكثيراً ما يأتي بآرائه النفيسة التي لا توجد عند غيره من الشراح، وإن
هذه الدروس قد ضبطها أخص تلامذته العلامة الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي
رحمه الله تعالى، وبما أن تقارير الشيخ كانت متناً متيناً يوجز فيه الشيخ خلاصة
ما يصل إليه الباحث بعد دراسة مستفيضة في الكتب الأخرى، وبعد النقاشات
الطويلة من معترضين ومجيبين، فإن العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا
الكاندهلوي ابن الشيخ محمد يحيى رحمهما الله تعالى أضاف إليه تعليقات تبرز
المضامين الكامنة في هذا المتن المتين، وتُضيف إليه معلومات أخرى يحتاج إليها
الطالب، وسميت هذه المجموعة «الکو کب الدري)).
ولقد منّ الله سبحانه عليَّ بشرف الاشتغال بجامع الترمذي ودراسته حين
درّستُ هذا الكتاب على الطلبة مدى نحو من ثلاثين سنة في جامعة دار العلوم
بكراتشي، وكنت أراجع عند تحضير الدرس كثيراً من شروح الحديث، ولكن وقع
كثيراً أن اعترتني مسألة أريد تمحيصها، فلم أجد ما أطلبه إلا في ((الكوكب الدري)).
وكان هذا الكتاب طبع في الهند وباكستان مراراً طبعاً حجريًّا، وقد وفق الله
تعالى فضيلة العلامة المحقق الشيخ تقي الدين الندوي حفظه الله تعالى لإخراج

٥٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
كنوز علماء الهند إلى العالم العربي في حلة فاخرة من الطباعة الحديثة الراقية،
ومن جملة أعماله الجليلة إخراج هذا الكتاب وخدمته خدمة مشكورة، فإنه زاد
في حواشيه تخريج الأحاديث، والإحالة على الكتب المذكورة في التقرير، أو في
تعليقات الشيخ الكاندهلوي رحمه الله تعالى، كما أنه اهتم بتصحيح الكتاب على
أصول موثوقة، وإضافة فوائد من ((معارف السنن)).
وأرجو أن هذا الكتاب بهذا العمل العلمي النافع تحفة ثمينة لطلبة العلم أمثالنا،
وأدعو الله سبحانه أن يجعله ثقلًا في زاخر حسنات فضيلة الشيخ الندوي حفظه الله
تعالى، وأمدّ في عمره بعافية سابغة، ووفقه لأمثاله، والله سبحانه وليّ التوفيق.
دار العلوم كراتشي
محمد تقي العثماني
١٤٣٧/٤/١ هـ

٥٧
تقديم العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي
تقدیم
بقلم: العلامة الداعية الإسلامي الكبير
السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم
النبيين، وسيد الأولين والآخرين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر
المیامین، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد!
فإن علم الحديث - بجميع فروعه وأقسامه وما يتصل به اتصالاً قريباً أو بعيداً -
من العلوم التي نضجت واحترقت، كما قال بعض حذاق العلماء والمؤرخين،
وصيارفة العلوم والفنون، ولم يدع المشتغلون بهذه الصناعة في القوس منزعاً،
وهبَّت على الصحاح الستة التي عليها الاعتماد في صناعة الحديث، نفحةٌ من
نفحات الخلود والقبول، اللذين خص الله بهما نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله
وسلم، وأعلن عن ذلك بقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، لاختصاص هذه الكتب
بأخباره وأقواله، وأحواله وآثاره مَثّة، ولشدة إخلاص جامعيها في عملهم، وجهادهم
الأكبر في ذلك، وعلو همتهم ودقّة نظرهم، وإيثارهم هذا المقصد الأسنى على كل
ما يعِزُّ ويلذّ، ويشغل ويستهوي، وتجردهم له تجرداً يندر نظيره في تاريخ العلوم

٥٨
الكوَكَبُ الدُّرِّي
والفنون، وفي تاريخ المنقطعين والمتجردين، من العلماء والزاهدين، والمتبتلين
المجاهدین.
وسرى نور هذا العمل الخالص، والحياة المباركة التي يدور حولها، وينبع
عنها هذا العلم الشريف، وهذه المكتبة الفذة، فأشرقت الأرض بنور ربها، وأضاء
كل جانب من جوانب هذه المكتبة، وتناول أئمة كل عصر، ونوابغ كل بلد كل ما
يتبادر إليه الذهن، ويجول في الخاطر، أو تقع إليه الحاجة من أخبار جامعيها، وتراجم
حياتهم، وأخبار أساتذتهم وشيوخهم، وشروطهم والتزاماتهم في هذه الكتب،
وخصائصها، وما يمتاز به بعضها عن بعض، والمقارنة بينها، وفضل بعضها على
بعض، ومذاهبهم في اختيار الروايات، وترجيحها وتركها، وقبول الرواة وردهم،
وحكمهم على الأحاديث المروية، والفوائد التي استخرجوها منها، والأحكام التي
استنبطوها، إن كان هنالك هذا الصنف من الكلام، وهذا الجانب من الفقه، وسمت
همة الشراح ودقة فهومهم، فاقتنصوا في ذلك الأوابد، وشقوا فيه الشعرة، وكثرت
الشروح والتعليقات، واشتدت العناية بتدريسها ونشرها وروايتها، والإجازة فيها حتى
أصبحت تلي كتاب الله في تلقي الأمة لها، والعناية بها، ولنظرة عجلى في الكتب التي
ألّفت في تاريخ العلوم، وفي تاريخ علوم الحديث خاصة، وفي الكتب التي ألّفت في
أسامي العلوم والفنون والكتب، ومقدمات الشروح الكبيرة لهذه الكتب الستة تكفي
للاطلاع على ضخامة هذه الثروة، واتساع هذه المكتبة الحديثية، ومدى عناية الأمة
وشغفها بحديث نبيها مَثّ بصفة عامة، وبالصحاح الستة بصفة خاصة.
ولجامع الإمام أبي عيسى الترمذي مكانة خاصة في هذه الصحاح التي تلقتها
الأمة بالقبول، وأجمعت على علو درجتها، فإنه قد استفاد بما سبق إليه أستاذاه الإمام
محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم بن الحجاج القشيري بالتأليف، وبذل

٥٩
تقديم العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي
الجهد في جمع الصحاح، وكل ما سبق تأليفه في هذا الشأن، وشقّ له طريقةً خاصةً من
بين أئمة الحديث، والذين صنّفوا في هذا الموضوع، وهكذا كل من جاء بعد السابقين
الأولين، ورُزق ملكة التصنيف وقوة الاجتهاد والإبداع، والاقتدار على الصناعة، وقوة
التصرف فيها، ونضج علمه ونبغ عقله بالتقدم في السن، وبطول الممارسة للصناعة،
وطول الصحبة لأئمة هذا الفن، وحبه ووفائه لهم، والاعتراف لهم بالسبق والفضل،
وتواضعه وزهده في الدنيا، وتجرده من الأغراض، وطول دعائه وابتهاله إلى الله.
وكان يبدو للناظر في الصحيحين وقد بلغا الغاية في الصحة والدقة، والاقتدار
على الصناعة، وفي سنن الإمام أبي داود السجستاني فقد جمع شمل أحاديث
الأحكام بترتيب حسن ونظام جيد، أنهم ما تركوا لمن يأتي بعدهم شيئاً، وأن وضع
كتاب في الأحاديث الصحيحة يكون من قبيل تحصيل الحاصل وجهاداً في غير
جهاد، وجاء الإمام أبو عيسى فوضع هذا الكتاب، وقد نيف على الستين من عمره،
وهي سن النضج والنبوغ العقلي والحصافة، فظهرت فيه شخصيته التأليفية الفنية
واضحة جلية، وبرهن على أنه سدّ عوزاً في هذه المكتبة الزاخرة التي كانت قد
تكونت في هذا العصر الباكر، وعلى أنه زاد في هذه الثروة، وجاء بشيء جديد، فقد
جمع بين طريقتي شيخيه البخاري ومسلم في الجمع بين الفقه وبين وضع الحديث
في موضعه، وجمع بين محاسنهما واختصاصاتهما، فجمع الروايات المتعددة في
مكان واحد، كما فعل مسلم، وأتى بالفوائد الإسنادية كما هو دأب البخاري في
مواضع من كتابه، وتكلم على أحاديث كتابه حديثاً حديثاً، وتفرد بمصطلحات
ومسائل علمية خاصة به، لا توجد في غیر کتابه.
و کان من أول من طرق موضوع ما یسمیه الناس اليوم بالفقه المقارن، وكان له
فضل كبير يجب أن تعترف الأمة به في حفظه لفقه المدارس الاجتهادية في عصره،

٦٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
ولولاه لضاع منه الشيء الكثير، وعفا عليه الزمان، وتلك خصيصة لجامعه تفرد بها
من بين مصنفات الحديث والسنة، فهو من أوثق المراجع وأقدمها في الخلاف، سيما
في معرفة المذاهب المهجورة، کمذاهب الأوزاعي والثوري وإسحاق بن راهويه،
وكان من حسناته أنه حفظ للمتأخرين مذهب الشافعي القديم.
ويكاد يكون كتابه ((الجامع)) المرجع الأساسي في الأحاديث الحسنة، وهي
ثروة حديثية لا يستهان بقيمتها، ولا يستغنى عنها، ولا نعرف أحداً من المحدثين
الكبار الذين عليهم العمدة في هذه الصناعة اعتنى بهذا الجانب مثل اعتنائه، حتى
قال الإمام أبو عمر عثمان بن صلاح في كتابه ((علوم الحديث))(١): ((كتاب أبي عيسى
الترمذي رحمه الله أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوّه باسمه وأكثر من
ذكره في جامعه)).
ثم إنه اعتنى اعتناءً خاصًّا بعلوم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وتفرد
ببعض المسالك في صناعة الأسانيد، لا يتفطن لها، ولا يعرف قدرها إلا من
رسخت قدمه، وعلا كعبه في علوم الحديث وصناعته، هذا عدا فنون كثيرة اشتمل
عليها هذا الكتاب، ولذلك قال الحافظ ابن الأثير في ((جامع الأصول))(٢): هو أحسن
الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من
ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أحوال الحديث من الصحيح والسقيم
والغريب، وفيه جرح وتعدیل.
وقال الإمام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري: ((وكتابه عندي أنفع
من کتاب البخاري ومسلم ..... لأن کتابه يصل إلی فائدته كل أحد من الناس)).
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٤ -١٥).
(٢) ((جامع الأصول)) (١٩٣/١).