النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كيف كان بدء الوحى -
لما يصلح صرفه اليه من المعانى ولا يراعون الاسباب التى يخرج عليها الكلام ولا يقصرونه عليها.
وأقول حاصله أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال وقوله ((فمن كانت هجرته)) الى
آخره معناه ان قصد بالهجرة القربة الى الله فهجرته مقبولة الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيافهى
حظه ولا حظ له فى الآخرة وقالوا انما جاء هذا الحديث فى رجل كان يخطب امرأة بمكة فها جرت الى
المدينة فتبعها الرجل رغبة فى نكاحها فسمى بمهاجر أم قيس . التيمى: ان قيل قد روى البخارى هذا
الحديث فى مواضع من كتابه فلم قدم هذا الطريق وصدر به كتابه قلنا لروايته إياه عن الامام الكبير
المقدم الحميدى عن سفيان ومعناه أن العمل انما يكمل عملا ويرجى فيه القبول اذا وجهت قلبك
وتصدت به التقرب إلى الله. وأقول وحاصله أن التقرير انما الأعمال تكمل بالنيات أو تقبل بالنيات
والباء للاستعانة قال والنية أبلغ من العمل ولهذا المعنى تقبل النية بغير عمل فإذا نوى حسنة فأنه يجزى
عليها ولو عمل حسنة بغير نية لا يجزى عليها . فإن قيل فقد روى عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال
((من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشرا)) وروى أيضا أنه قال ((نية المؤمن
خير من عمله)» فالنية فى الحديث الأول دون العمل وفى الثانى فوق العمل وخير منه. قلنا أما الحديث
الأول فلان الهام بالحسنة اذا لم يعملها خلاف العامل لأن الهام لم يعمل والعامل لم يعمل حتى هم ثم
عمل وأما الثانى فلأن تخليد الله تعالى العبد فى الجنة ليس لعمله وانماهو لنيته لأنه لو كان لعمله لكان
خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه الا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع اللّه تعالى أبدا لو بقى أبدا
فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها وكذلك الكافر لأنه لو كان مجازى بعمله لم يستحق التخليد
فى النار إلا بقدرمدة كفره غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فازاه الله على نيته. وأقول يحتمل
أن يقال إن المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمل مع نية يلزم أن يكون
الشىء خيرا من نفسه مع غيره أو أن المراد أن الجزء الذى هو النية خير من الجزء الذى هو العمل
لاستحالة دخول الرياء فيها أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله أو أن النية فعل القلب
وفعل الأشرف أشرف أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلوب وتنوبر القاب بها أكثر لأنها
صفته أونية المؤمن خير من عمل الكافر لماقيل ورد ذلك حين توى مسلم بناء قنطرة فسبق كافر اليه . فان
قلت هذا فى الحسنة فما حكمه فى السيئة. قلت المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية واستدلوا عليها
بقوله تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) فان اللام للخير فجاء فيها بالكسب الذى لا يحتاج الى
تصرف بخلاف عليها فانها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذى لابد فيه من التصرفو المعالجة
ولكن الحق أن السيئة يعاقب عليها أيضا بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل حتى لو هم أحد على

٢٢
كيف كان بدء الوحى
ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم فى الحال لان العزم من أحكام الايمان ويعاقب على العزم لاعلى
ترك الصلاة والفرق بين الحسنة والسيئة أن بنية الحسنة يثاب الناوى على الحسنة وبنية السيئة لا يعاقب
عليها بل على نيتها . فان قلت من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها
فيلزم أن من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها فلا يبقى فرق بين نية الحسنة ونفس الحسنة. قلنا لا نسلم
أن من جاءبنية الحسنة فقد جاء بالحسنة بل يثاب على نية الحسنة فظهر الفرق . النووى: وقع الحديث
هنا ثم فى الايمان مختصر وهو طويل مشهور ذكره البخارى فى سبعة مواضع من كتابه فذكر ههنا
ثم فى الايمان وفى النكاح والعنق والهجرة وترك الحيل والنذور وروى فى الصحيح أنما الاعمال
بالنيات وإنما الاعمال بالنية والاعمال بالنية والعمل بالنية قال واعلم أن مدار هذا الحديث على يحي
ابن سعيد الأنصارى. قال الحفاظ لا تصح روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جهة عمرو لامن
جهة عمر رضى الله عنه إلا من جهة علقمة ولا عن علقمة إلا من محمد بن ابراهيم ولا عن محمد بن
إبراهيم إلا من يحيى بن سعيد وعن يحيى انتشر فرواه عنه أكثر من مائتى إنسان أكثرهم أئمة فهو
حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله وليس متواتراً لعقد شرط التواتر فى أوله
ولكـ، مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده وهو أول الأحاديث التى عليها مدار
الاسلام. قال الامامان الشافعى وأحمد رضى الله عنهما: يدخل فيه ثلث العلم. قال الامام الحافظ أبو بكر
البيهقى: لان كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة وهى أرجحها لانها تكون
عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولذاك كانتنية المؤمن خيرا من عمله لان القول والعمل
يدخلهما الفساد بالرياء بخلاف النية . وقال النووى فى شرح مسلم تقدير الحديث أن الاعمال تحسب
إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية . أقول وهذا وجه ثالث لتعلق لفظ بالنيات قال وفيه دليل
على أن الطهارة وسائر العبادات لاتصح إلا بنية وأما إزالة النجاسة فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر اليها
لأنها من باب المتروك والمتروك لا يحتاج الى نية وشذ بعض أصحابها فأوجبها وهو باطل . أقول ليس
باطل بل هو الحق أما أولا فلان الترك أيضا فعل وهو كف النفس وثانيا بأن التروك إن أريد بها
تحصيل الثواب وامتثال أمر الشارع لابد فيها من قصد الترك امتثالا لأمر الشارع فتارك الزنا مثلا
إن قصد تركه لامتثال الامر يحسب ويثاب والا فلا . نعم فى إسقاط العقاب لاحاجة إلى النية قال
وقوله ((لكل امرئ مانوى)) فائدته بيان أن تعبين المنوى شرط فلا يكفيه أن ينوى الصلاة الفائتة بل
يشترط كونها ظهرا ولولاه تصح النية بلا تعبين أو أوم ذلك وذكره المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين
أحدهما أنه جاء أن سبب هذا الحديث أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس نقيل
هے

٢٣
كيف كان بدء الوحى
له مهاجر أم قيس والثانى أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك وهو من باب ذكر الخاص
بعد العام تنبيها على مرتبته وأقول ليدل أن النساء أعظمها ضررا وأكثرها تبعة . قال الطيى
كل من الأعمال والنيات جمع محلى باللام الاستغراقية فاما أن يحملا على عرف اللغة فيكون
الاستغراق حقيقيا أو على عرف الشرع وحينئذ إما أن يراد بالاعمال الواجبات والمندوبات
والمباحات وبالنيات الاخلاص والرياء وأن يراد بالاعمال الواجبات وما لا يصح الا بالنية كالصلاة
ولا سبيل الى اللغوى لانه ما بعث الا لبيان الشرع فكيف يتحدى بما لا جدوى له فيه حينئذ يحمل
إنما الأعمال بالنيات على ما اتفقت عليه أصحابنا أى ما الاعمال محسوبة بشىء من الأشياء كالشروع
فيها والتلبس بها الا بالنيات وما خلا عنها لم يعتدبها. فإن قيل لم خصصت متعلقى الخبر والظاهر
العموم كمستقر أو حاصل فالجواب انه حينئذ يكون بيانا للغة لا إثباتا لحكم الشرع وقد سبق بطلانه
ويحمل وإنما لكل امرىء مانوى على ما تثمره النيات من القبول والرد والثواب والعقاب ففهم من
الأول أن الأعمال لاتكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات ومن الثانى أن
النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالاخلاص فالأول قصر المسنداليه فى المسند والثانى عكسه
ويقرب منها الصلاة فى الارض المغصوبة فانها محسوبة ومسقطة للقضاء لكن إيقاعها فيها حرام
يستحق العقاب وتحريره أن ((وإنما لكل أمرىء مانوى)» دل على أن الاعمال تحسب بحسب النية
إن كانت خالصة لله فهى لله وإن كانت الدنيا فهى لها وإن كانت لنظر الخلق فكذلك وعلى هذا المعنى
ينبغى أن يحمل ما بعد الفاء التفصيلية لأنه لن يكون المفصل خلاف المجمل وكذا عكسه فان
المعنى بالهجرة هى الهجرة المعروفة فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لاهجرة بعد الفتح ومعلوم
أن هذه الهجرة لا تقتضى إلا الاخلاص لأن الهجرة إلى الدنيالاتقتضى النية التى فى الطهارة مثلا وأقول
حاصله مبنى على ثبوت المغايرة بين النية بمعنى الاخلاص والنية بمعنى القصد وهو غير مسلم ولكن سلمنا
ذلك لا نسلم أن الهجرة لا تقتضى النية التى فى الطهارة مثلا إذ لا بد للمهاجر أن يقصد الهجرة حتى
يثاب ويكون مثلا لأمر الشارع كما لا نسلم أن الطهارة لا تقتضى الاخلاص بل هما معا واجبان فى
الهجرة والطهارة كلتهما قال وفى تكرار لفظ الى الله وإلى رسوله فى الشرط والجزاء تعظيم لمعنى تلك
الهجرة وتفخيم لشأنها أى هى الهجرة الكاملة وما سواها ليست بهجرة ولهذا السر غير العبارة فى
متعلق الجزاء الثانى بلفظة ماحطاً لمنزلتها . وأقول وإنما أورد البخارى، هذا الحديث قبل الشروع فى
أبواب الكتاب وقد وافق ما ثبت فى علم الكلام أن أول ما يجب على المكلف هو القصد الى
النظر فى معرفة الله تعالى إعلاما بأن هذا المصنف منوى فيه الاخلاص لله تعالى مجنب عن الأغراض
الدنيئة والرياء ولما ضحح فيه النية وصفى فيه الطوية جعل الله تعالى كتابه علما من أعلام

٢٤٠
کیف کان بدء الوحى
حّثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَفَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِهِ
٢
عبد الله
ابن يوسف
مالك
ابن أنس
الاسلام رفع الله درجته فى دار السلام ونحن اقتفينا أثره وتلونا تلوه نرجو من فضل الله تعالى
وكرمه أن يتقبل منا ويجعله سبباً للنجاة ورفعة الدرجات يوم الدين فى أعلى عليين فانه جواد كريم
ر.وف رحيم. قال البخارى رضى الله عنه (حدثنا عبد الله بن يوسف) أقول هو أبو عبد الله التنيسى
بالتاء المثناة الفوقانية ثم النون المكسورة الشديدة ثم الياء المثناة التحتانية والسين المهملة أصله من
دمشق وقال البخارى فى تاريخه لقيته بمصر وقيل مات سنة سبع أو ثمان عشرة ومائتين وفى يوسف سنة
أوجه: ضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة وتركها . قوله (مالك) هو إمام دار الهجرة
أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن أبى عامر ، الأصبحى المدنى مناقبه أكثر
من أن تعد وفضائله أظهر من أن تحد روى الترمذى باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوشك أن يضرب الناس آباط المعطى فى طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وحمل سفيان بن عيينة
وغيره هذا الحديث على مالكوقالوا هو العالم المذكور وهو جدير به كما قالوا. وقال البخارى أصح الأسانيد
مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال وهيب ما بين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم من مالك واعلم أنه أحد الأئمة الستة أصحاب المذاهب المتبوعة فى الأمصار وهم
هو وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان الثورى وداود الاصبهانى الظاهرى وقد جمعهم الامام أبو
الفضل يحي الحصكفى الخطيب الشافعى فقال:
لتعرفهم واحفظ اذا كنت سامعا
وان شئت أركان الشريعة فاستمع
محمد والنعمان مالك أحمد وسفيان واذكر بعد داود تابعا
ولد فى خلافة سليمان بن عبد الملك وحمل به ثلاث سنين يعنى بقى فى البطن هذه المدة ومات
سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة ودفن بالبقيع رضى الله عنه. قول (عن هشام) هو ابن عروة بن
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى القرشى الأسدى أبو المنذر وهو بكسر الهاء
والشين المخففة وهو تابعى ولد سنة احدى وستين وتوفى ببغداد زمن المنصور سنة ست وأربعين
ومائة وأبوه هو عروة بضم العين المهملة التابعى الجليل المجمع على جلالته وإمامته وكثرة عله
وبراعته وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وهم هو وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وسلمان بن يسار وخارجة الخاء المعجمة والراء ثم الجيم
ابن زيد بن ثابت وفى السابع "قوال هل هو أبو سلمة بن سالم أم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام وقد جمعهم الشاعر على هذا القول الأخير فقال:
هشام
ابن عروة

٢٥
کیف کان بدء الوحى
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضَىَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ الْخَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِىَ الله عَنْهُ سَأَلَ
خذهم عبيد اللّه عروة قاسم سعيد أبو بكر سلمان خارجه
عائشة
رضى اللّ عنم
وأم عروة أسماء بنت أبى بكر أخت عائشة رضى الله عنهم وقال سفيان بن عيينة أعلم الناس
بحديث عائشة ثلاثة القاسم بن محمد وعروة وعمرة ولد سنة عشرين وتوفى سنة سبع أو أربع
وتسعين. قوله ﴿ عن عائشة) هى الصديقة بنت أبى بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر بن
عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشية التيمية كنيتها أم عبد الله كناها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير وقيل بسقط لها تزوجها رسول الله صلى
الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وهى بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة بعد منصرفه من بدر فى شوال
سنة اثنتين وقيل بعد سبعة أشهر من الهجرة وهى بنت تسع سنين والأحاديث الصحيحة فى
فضلها كثيرة وهى أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى
لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ومائتا حديث وعشرة أحاديث ذكر البخارى منها فى كتابه
مائتين وثمانية وعشرين حديثا وبما اجتمع لها من الفضائل أنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبنت خليفته رضى الله عنه وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتها ورأسه فى صدرها وجمع الله
بين ريقه وريقها ودفن فى بيتها وكان ينزل عليه الوحى وهو فى فراشها بخلاف غيرها ونزات براءتها
من السماء وخلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما ولم يتزوج النبى صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها
وقال عروة كانت عائشة أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالشعر وقال أبو موسى الأشعرى ما أشكل
على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء فسألنا عنه عائشة الا وجدنا عندها منه علما وتمال
القاسم بن محمد اشتغلت عائشة بالفتوى زمن أبى بكر وعمر وعثمان فمن بعدهم رضى الله عنهم. توفيت
بالمدينة ودفنت بالبقيع سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. قوله (أم المؤمنين) هو مقتبس من
قوله تعالى ((وأزواجه أمهاتهم)» قال العلماء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتهم فى وجوب احترامهن
وتحريم نكاحهن لا فى جواز الخلوة والنظر وتحريم نكاح بناتهن وهل يقال لاخوتهن أخوال المؤمنين
ولأخواتهن خالاتهم ولبناتهن أخواتهم فيه خلاف ولا يقال لآ بائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم
وهل يقال إنهن أمهات المؤمنات مبنى على الخلاف المعروف فى أصول الفقه أن النساء لا يدخلن
فى خطاب الرجال وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم وهل
يقال للنبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين الاصح الجواز ومعنى قوله تعالى ((ما كان محمد أبا أحد.

٢٦
کیف کان بدء الوحى
رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَقَالَ يَارَسُولَ اللّهِ كَيْفَ يَأْتِكَ الْوَحُ فَقَالَ رَسُولُ
من رجالكم)) أى لصلبه والله أعلم وأما اسناده فى الأول حدثنا عبد الله وفى الثانى أخبرنا مالك
والبواقى بلفظة ((عز» المسماة بالعنعنة واختلف فى المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح
الذى عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوى المروى عنه. النووى فى شرح مسلم: ادعى مسلم
إجماع العلماء على أن المعنعن وهو الذى فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن
لقاء من أضيفت العنعنة اليهم بعضهم بعضا يعنى مع براءتهم من التدليس ونقل أى مسلم عن بعض
أهل عصره أنه قال لا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا فى عمر هما مرة أو أكثرولا يكفى
إمكان تلاقيهما . قال وهذا قول ساقط واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال اذا ثبت التلاقى مع
احتمال الارسال فكذا إذا أمكن التلاقى. قال النووى: والذى رده هو المختار الصحيح الذى عليه أئمة
هذا الفن البخارى وغيره وقد زاد جماعة عليه فاشترط القابسى أن يكون قد أدركه إدراكا بينا وأبو
المظفر السمعانى طول الصحبة بينهما ودليل المذهب المختار الذى ذهب اليه البخارى وموافقوه أن
المعتعن عند ثبوت التلاقى انما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك الا
على السماع ثم الاستقراء يدل عليه فان عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك الافيما يسمعونه الا المدلس فاذا
ثبت التلاقى عليه غلب على الظن الاتصال والباب مبنى على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى
موجودا فيما اذا امكن التلاقى ولم يثبت فانه لا يغلب على الظن الاتصال . وأقول وهذا من جملة مرجحات
صحيح البخارى على صحيح مسلم حيث لم يحمل البخارى الحديث على الاتصال حتى يثبت اجتماعهها
وقوله آخرا قالت عائشة يحتمل أن يكون داخلا تحت هذا الاسناد سما اذا جوزنا العطف بدون
حرف العطف ظاهراكما هو مذهب بعض النحاة صرح ابن مالك بالشواهد به ويحتمل أن لا يكون
داخلا تحته بل كان ثابتا باسناد آخر والبخارى انما ذكره ههنا على سبيل التعليق تأييداً لأمر الشدة
وتأكيدا له كما هو عادته فى تراجم الأبواب حيث يذكر ماوقع له من قرآن أو سنة مساعدالها . قوله
﴿الحارث بن هشام) هو أخو أبى جهل عدو الله تعالى وقد يكتب الحارث بدون ألف تخفيفا وهشام
بكسر الهاء وبالشين الخفيفة مات فى طاعون عمواس سنة ثمان عشرة من الهجرة. قوله ( كيف يأتيك
الوحى) إسناد الاتيان الى الوحى من باب المجاز ومثله تارة يسمى بالمجاز العقلى والمجاز فى الاسناد
وأصله كيف يأتيك حامل الوحى فأسند الى الوحى للملابسة التى بين الحامل والمحمول وتارة يسمى
بالاستعارة بالكناية أى شبه الوحى برجل مثلا وأضيف الى المشبه الاتيان الذى هو من خواص
الحارث
ابن هشام

٢٧
کیف کان بدء الوحى
اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أَحْيَانَ يَأْتِى مِثْلَ صَلْصَلَة الْجَرَس وَهُوَ أَشَدّه عَلى فيفصم
عَنِى وَقَدْ وَعَبْتُ عَنْهُمَا قَالَ وَأَحْيَانًيَتَلُ لِى الْمَكُ رَجُلاً فَيْكُلْمُنِى فَعِى مَا يَقُولُ
قَتْ عَائِشَةُ رَضَى اللهُ عَنْهَ وَقَدْ رَيْتُ يَنْزِلُ عَلَيهِ الْوَحْىُ فِىِ الْيَوْمِ الْعَّدِدِ الْبَرِّدِ
التشبيه ثم لعل المراد منه السؤال عن كيفية ابتداء الوحى أو عن كيفية ظهور الوحى لتوافق ترجمة
الباب. قوله ﴿أحيانا) جمع حين وهو الوقت يطلق على الكثير والقليل حتى على لحظة وانتصب على
الظرف وعامله يأتينى مؤخرا عنه. قوله ﴿ مثل صلصلة) الصلصلة بفتح الصادين صوت كل شىء مصوت
كصوت السلسلة وقيل هو الصوت المتدارك ومثل هو حال أى يأتينى مشابها صوته صلصلة الجرس
والجرس بفتح الراء شبه ناقوس صغير أو سطل فى داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير فاذا تحرك
تحركت النحاسة فأصابت السطل فتحصل صلصلة والعامة تقول جرص بالصادوليس فى كلام العرب كلمة
اجتمعت فيها الصاد والجيم الا الصمج وهو القنديل وأما الجص فمعرب. قوله ﴿فيفصم) فيه ثلاث
روايات فتح الياء وكسر الصاد وضم الياء وفتح الصاد من الفصم وهو القطع قال الله تعالى (( لا انفصام
لها) أى لا انقطاع لها . ويقال الفصم الصدع أو الشق من غير إبانة فمعناه حينئذ فيفارقنى على أنه يعود
والقصم بالقاف الكسر مع الابانة وأقول هذا معنى ما يدعيه الاشتقاقيون من مناسبة المعنى للفظ الموضوع
له اذ لما كان القاف من الحروف الشديدة والقلقلة التى فيها ضغط وشدة اعتبر فى معناه مناسبته
لذلك بخلاف الفاء فانه من الحروف الرخوية والرواية الثالثة ضم الياءوكسر الصاد من أفصم المطر اذا أقلع
والمراد من القطع إما قطع الوحى أى مفارقة الملك مثلا وإما قطع الشدة أى ينجلى عنى مايتغشانى
من الكريب والشدة ويحتمل أن يكون مفعول مالم يسم فاعله لفظة عنى فيكون من تتمة الشدة أى هو
أشده على بحيث ينقطع من بدفى شىء. قوله ﴿وعيت) أى حفظت وجمعت ﴿يتمثل) مشتق من المثال أى
يتصور وهو أن يكلف أن يكون مثلا لشىء وشبيها له . و(الملك) اللام فيه للعهد أى جبر ئيل عليه السلام
ورجلا منصوب إما بالمصدرية أى يتمثل تمثل رجل وإما بالمفعولية ان ضمن تمثل معنى اتخذ أى
اتخذ الملك رجلا مثالا وإما بالحالية . فان قلت الحال لابدأن يكون دالا على الهيئة والرجل ليبهيئة
قلت معناه على هيئة رجل . فان قلت ليس التمثيل فى حال هيئة الرجل ومن شرط الحال أن يكون حالا عند
صدور الفعل . قلت يكون حالا مقدرة وذلك كثير واما بالتميز ﴿فأعى﴾ أى أحفظ (والجبين) طرف

٢٨
كيف كان بدء الوحى
فَيَفْصُمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَفَصَّدَ عَرَفَا حَّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيْرِ قَالَ حَدَّثَنَ الَيْثُ
٣
٠ ٠٠٠١٠٠٠٠٠١٠
الجبهة والانسان جبينان يكتنفان الجبهة و﴿ يتقصد) أى يسيل والتفصد السيلان والقصد قطع العرق
لاسالة الدم وشبه جينه بالعرق المقصود مبالغة فى كثرة العرق كما أن باب التفعل يدل عليها وكذا
ذكر التمييز وهو عرقا لأنه توضيح بعد إبهام وتفصيل بعد إجمال وكذا قولها فى اليوم الشديد كما أن
فيه دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحى و﴿العرق) بفتح الراءهى الرطوبة التى
تترشح من مسامات البدن . قوله ﴿هو أشده) يعلم منه لأنه أفعل التفضيل أن الوحى كان اذا ورد عليه
صلى الله عليه وسلم أصابته مشقة وشدة ويغشاه كرب لثقل ما ياقي عليه قال تعالى ((إنا سنلقي عليك
قولا ثقيلا)» لكن النوع الأول أشد عليه من النوع الثانى وذلك لأن الفهم من كلام مثل صلصلة
الجرس أشكل من الفهم من كلام الرجل المنكلم على الطريقة المعهودة عند التخاطب أو لأن سنة الله
لما جرت من أنه لابدمن مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينهما التحاور والتعليم والتعلم فتلك المناسبة
إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية عليه وهو النوع الأول أو باتصاف القائل بوصف
السامع وهو النوع الثانى والدليل عليه تمثله رجلاكما أن الدليل على الأول كونه قسيما له ثم لاشك
أن الأول أشد وقد تبين وجه الحصر فيهما من هذا التقدير ويمكن أيضا أن يقال لا يخلو إما أن يرى
القائل متمثلا بشرا سويا أم لا أولا يخلو من أن يكون المقول كلاما ظاهرا مفهوما بلا زيادة مشقة
أم لا. فان قلت ههنا نوع آخر وهو الرؤيا الصالحة. قلت المقصود من السؤال كان طلب بيان ما يختص
به ويخفى ولا يعرف والرؤية معروفة فلا دخل لها فيه أو كان ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم
فى المنام أيضا إما بصلصلة الجرس وإما بتمثل الملك أو كان السؤال عن كيفية الوحى حال اليقظة
أو كان عند السؤال نزول الوحى على هذين الوجهين إذ الوحى على سبيل الرؤيا انما هو فى أول
البعثة لأن أول مابدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا ثم حبب إليه الخلاء كما
روى فى الحديث الى آخره وقيل ذلك فى ستة أشهر فقط وان الوجود بعد ارسال الملك منغمر فى الوحى
فلم يحسب . قوله ﴿يتمثل) فيه أن الملك جاز له أن يتشكل بشكل البشر قال المتكلمون الملائكة
أجسام علوية لطيفة تتشكل بأى شكل شاءوا . فأن فلت السؤال عن كيفية إتيان الوحى والجواب على
النوع الثانى عن كيفية الحامل للوحى. قلت لانسلم أن السؤال عن كيفية اتيان الوحى بل عن كيفية
حامله ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر بكيفية الوحى حيث قال فيكلمنى أى تارة يكون كالصلصلة
وتارة يكون كلاما صريحا ظاهر الفهم والدلالة. فان قات فلم قال فى الأول وعيت ما قال بلفظ الماضى

٣٩
كيف كان بدء الوحى
وفى الثانى بلفظ المضارع. قات لان الوعى فى الاول حصل قبل الفصم ولا يتصور بعده وفى الثانى
الوحى حالة المكالمة ولا يتصور قبلها أو لانه كان الوعى فى الاول عند غلبة التلبس بالصفات
الملكية فإذا عاد الى حالته الجبلية كان حافظا فأخبر عن الماضى بخلاف الثانى فانه على حالته المعهودة
أو تقول لفظة قد تقرب الماضى من الحال وأعى فعل مضارع للحال فهذا لما كان صريحا يحفظه
فى الحال وذاك يقرب من أن يحفظه اذ يحتاج فيه الى استثبات والله أعلم . الخطابى : فيفصم عنى
أى ينجلى ما يتغشانى من الكرب والشدة والمعنى أن الوحى كان اذا ورد عليه صلى الله عليه وسلم
تغشاه كرب وذلك لشدة ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه فى قلبه
وحسن حفظه فيعتريه لذلك حالة كحالة المحموم وهو معنى مايروى أنه كان يأخذه عند الوحى الرحضاء
أى العرق وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند الوحى هى شدة الامتحان له ليلو صبره
ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ماكلف من أعباء النبوة أو ذلك لما يستشعره من الخوف
لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه أو اعتراض خلل دونه وقد أنذر صلى الله عليه
وسلم بما ترتاع له النفوس ويعظم به وجل القلوب فى قوله تعالى ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل
لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)) وأقول حاصله ان الشدة إما لحسن حفظه وإما لابتلا.
صبره وإما للخوف من التقصير قال وأما قوله ( يأتينى مثل صلصلة) فانه يريد أنه صوت متدارك بسمعه
ولا يستثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقنه حينئذ ويعيد فكذلك قال هو أشده
على وقيل الحكمة فى ذلك أن يتفرغ سمعه صلى الله عليه وسلم ولا يقى فيه مكان لغير صوت الملك
ولافى قلبه قال الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى فى شرح المصابيح هذا حديث يغالط فيه
أبناء الضلالة وحاصل القول فيه أن نقول كان النبى صلى الله عليه وسلم معتنيا بالبلاغة مكاشفا للعلوم
الغيبية وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فاذا أريد أن ينبتهم بمالا عهد لهم به من تلك
العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوا مالم يشاهدوه فلما سأله الصحابى عن كيفية
الوحى وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها فى المشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذى يسمع
ولا يفهم منه شىء تنبيها على إثبات مايرد على القلب فى لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها
المجامع القلب ويلاقى من ثقل القول مالاعلم له بالقول مع وجود ذلك فاذا كشف عنه وجد القول
المنزل بينا فياقى فى الروع واقعا موقع المسموع وهذا معنى قوله فيفصم عنى وهذا الضرب من الوحى
شبيه بما يوحى إلى الملائكة على مارواه أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضى
اللّه فى السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كانها سلسلة على الحجر فاذا فزع عن قلوبهم
قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير هذا وقد تبين لنا من الحديث أن الوحى كان يأتيه على

٣٠
کیف کان بدء الوحى
عَنْ عُقَيْل عَنْ ابْنِ شَهَبِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِينَ أَنّهَا
پحي
ابن بكير
انا۔ٹ
ابن سعد
ابن شهاب
عروة
ابن الز بير
صفتين أولاهما أشد من الأخرى وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية الى الاوضاع الملكية
فيوحى اليه بما يوحى الى الملائكة والآخر يرد فيها الملك الى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر
والله أعلم وقال القاضى عياض ماجاء من مثل ذلك يجرى على ظاهره وكيفيته مما لا يعلمه إلا الله تعالى
قال البخارى رضى الله عنه (حدثنايحيى بن بكير) بصيغة مصغر البكر وهو أبو زكريا يحيى بن عبد الله
ابن بكير القرشى المخزومى المصرى ولد سنة أربع وقيل خمس وخمسين ومائة وتوفى سنة إحدى وثلاثين
وما ئتينروى البخارى عنه فى مواضع وروى عن محمد بن عبد الله عنه فى مواضع. وغرضى من التنبيه
أرلا يتوهم من رأى البخارى يروى عن واحد عن ابن بكير أنه غلط من الناسخ. قوله ﴿أخبرنا الليث)
هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى المصرى اتفق العلماء على وصفه بالامامة والجلالة
والعبادة وغير ذلك من الكرامات الظاهرات والمحاسن الباهرات ووصفه الشافعى بكثرة الفقه وقال
إلا أنه ضيعه أصحابه يعنى لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها ففات الناس معظم علمه قال ابن بكير
رأيت من رأيت فلم أرمثل اليث كان فقيه البدن عربى اللسان وما زال يعقد خصالا جميلة حتى عقد
عشرة وقال قتيبة كان دخل الليث كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط ومناقبه كثيرة
ولدسنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفى فى شعبان سنة سبع وخمسين ومائة. قوله ﴿عقيل) بضم المهملة
الأولى وفتح القاف هو عقيل بن خالد الأيلى بفتح الهمزة والياء المثناة التحتانية فى جميع هذا الصحيح
وهو أبو خالد الأموى مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه توفى بمصر بجأة سنة أربع أو إحدى
وأربعين ومائة. قوله ﴿ابن شهاب) هو الامام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله
ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهرى المدنى سكن الشام هو تابعى كبير
سمع عشرة من الصحابة بل أكثر قال الليث مارأيت عالما إأجمع من الزهرى ولا أكثر علمامنه وقال عمرو
أبن دينار ما رأيت أتقن للحديث من الزهرى وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه ان
كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزلة البعر قال البخارى فى التاريخ إنه أخذ القرآن فى ثمانين ليلة وعلى
الجملة العلماء متفقون على إمامته وجلالته وحفظه واتقانه وضبطه وعرفانه وقد وصفوه بأنه
جمع علم جميع التابعين توفى بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ابن اثنين
وسبعين سنة وأما ﴿عروة بن الزبير) بضم الزاى فهو أحد فقهاء المدينة السبعة وأمه أسماء وعائشة
خالته رضى الله عنهم وقد تقدم ذكره. قال النووى هذا حديث من مراسيل الصحابة فان عائشة لم

٣١
کیف کان بده الوحی
قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدَىَ بِهِ رَسُولُ له صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّقْيَالصَّالخَةُ
فِ النَّوْمِ فَكَانَ يَ رُؤْيَ لَّ جَاءَتْ مِثْلَفَقِ الصُّبْحِثُمَّ حُبْبَ إِلَيهِالْخَلَمُ وَكَانَ
تدرك زمان وقوع هذه القصة ومرسل الصحابى حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الاسناد
أبو اسحق الاسفراينى الطيبى: الظاهر أنها سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لقولها قال فأخذفى
فغطنى فيكون قولها أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية ما تلفظ به صلوات الله
عليٍ كقوله ((قل للذين كفروا سيغلبون)) بالياء والتاء. قوله (من الوحى} كلمة من إما لبيان الجنس
أو للتبعيض والرؤيامصدر كالرجعى مصدر رجع ويختص برؤيا المنام كما اختص الرأى بالقلب والرؤية
بالعين وفيه تصريح من عائشة رضى الله عنها بأن رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم من جملة أقسام
الوحى وهذا متفق عليه . و(الصالحة) روى البخارى فى كتاب التعبير الصادقة وهماههنا بمعنى والصالحة
اما صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم كما ورد الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان واما
مخصصة أى الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث أحلام والصلاح اما
باعتبار صورتها واما باعتبار تعبيرها قال القاضى عياض يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة
والحسنة حسن ظاهرها ويحتمل أن المراد صحتها قال ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر
وسوء التأويل. قوله (لا يرى رؤيا) لفظ رؤيا بغير تنوين لأنه مثل حبلى. و(فلق الصبح) وفرقه بفتح
أولهما وثانيهما ضياؤه وانما يقال هذا فى الشىء البين الواضح قيل هو مصدر كالانفلاق والصحيح
أنه بمعنى المفلوق وهو اسم للصبح وأضيف أحدهما الى الآخر لاختلاف اللفظين وقد جاء الفلق
منفرداً عن الصبح قال تعالى ((قل أعوذ برب الفلق)) وقيل الفلق الصبح لكنه لما كان مستعملا فى هذا
المعنى وفى غيره أضيف اليه للتخصيص والبيان اضافة العام الى الخاص كقولهم عين الشىء ونفسه
وقال العلماء إنما ابتدىء بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحملها القوى البشرية
فبدى بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا وحب العزلة والتعبد ومواظبة
الصبر عليه وحقيقة الرؤيا الصالحة أن اللّه تعالى يخلق فى قلب النائم أو فى حواسه الأشياء كما يخلقها
فى اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربما يقع ذلك فى
اليقظة كما رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم فى المنام وربما جعل ما رآه علما على أمور أخر يخلقها فى ثانى
الحال أو كان قد خلقها فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر. قوله ﴿الخلاء) بالمد هو الخلوة

٣٢
كيف كان بدء الوحى
يَخْلُو بِغَار حَرَاءَ فَتَحَنَّثُ فِيه «وَهُوَ التَّعَبَدُ، الََّى ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْعَ إِلَى
٠٠
وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين. الخطابى: حبيت العزلة اليه لأن فيها فراغ القلب وهى معينة على
التعبد وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه وهى من جملة المقدمات التى أرهصت لنبوته
وجعلت مبادئ لظهورها. قوله ﴿بغار ) الغار هو الثقب فى الجبل وهو قريب من معنى الكهف
و﴿حراء) بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار المسافر من
مكة إلى منى وهو مصروف لأنه مذكر ومنهم من أنته ومنع صرفه وهذه قاعدة كلية أن جعلت
اللفظ على اللبقعة فهو غير مصروف وان جعلته للمكان فهو منصرف . الخطابى: العوام يخطئون فی حراء
فى ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهى مكسورة ويكسرون الراء وهى مفتوحة ويقصرون الألف وهى
ممدودة. التيمى: العامة لحنت فى ثلاثة مواضع فتح الحاء وقصر الالف وترك صرفه وهو مصروف فى
الاختبار لأنه اسم جبل وأقول أذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن فى أربعة مواضع وهو من الغرائب اذ
بعدد كل حرف لحن ولقائل أن يقول كسر الراء ليس بلحن لانه بطريق الامالة والله أعلم. قوله (وهو ) أى
التحنث والضمير راجع الى ما دل عليه لفظ فيتحنث وهو كقوله تعالى ((اعدلوا هو أقرب للتقوى))
والتحنث بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة التعبد وحقيقته التجنب عن الحنث وهو الأثم فكان
المتعبد يلقى الاثم عن نفسه بالعبادة. الخطابى: ونظيره فى الكلام التحوب والتأثم أى ألقى الحوب
والأثم عن نفسه قالوا وليس فى كلامهم تفعل بهذا المعنى غير هذه وأقول هذه شهادة نفی و کیف
وقد ثبت فى الكتب الصرفية أن باب تفعل يجىء للتجنب كثيراً نحو تحرج وتخون أى اجتذب
الحرج والخيانة وغير ذلك. التيمى: هذا من المشكلات ولا يهتدى اليه سوى الحذاق وسئل ابن
الاعرابى عن قوله يتحنث فقال لا أعرفه وسألت أبا عمرو الشيبانى فقال لا أعرف يتحنث انما هو
يتحنف من الحنيفية. قوله ﴿ الليالى) منصوب على الظرف والعامل فيه يتحنث لا التعبد والافسد المعنى
فان التحنث لا يشترط فيه الليالى بل هو مطلق التعبد وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة وهو
أيضا من كلامها ظاهر. الطبى: ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهرى أدرجه فى الحديث وذلك
من دأبه قال وأطلق الليالى وأراد بها الليالى مع أيامهن على سبيل التغليب لانها أنسب للخلوة وذوات
العدد عبارة عن القلة نحو دراهم معدودة وأقول ويحتمل أن يراد بها الكثرة إذ الكثير يحتاج الى
العدد لا القليل وهو المناسب للمقام . فان قلت التعبد فى الغار أهو بسبب أنه كان صلى الله عليه وسلم
متعبداً بشرع من قبله أم لا . قلت يحتمل أن يكون من الشرع السابق إذ المختار عند الأصوليين أنه

٣٣
كيف كان . . الوحى
أَهْلِه وَيَتَوَّدُ لذلكَ ثُمَّيَرْجِعُ إِلَى خَدِيْحَةَ فَيَزَوَّدُ لِمْلِهَا حَتّى جَاءُ الْحَقَ وَهُوَ فِى
غَرِ حَرَاءَ ◌َاءَ الْمَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَابَقَارِىء قَالَ فَأَخَذَنِى فَفَِّى حَتَّ بَلَغَ
فِى الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَى فَقَالَ اقْرَ أْقُلْتُ مَاأَنَا بِقَارىء فَأَخَذَنِى فَطَِّى الثَّنَةَ حَتّ
متعبد قبل البعثة بالشرع السابق فقيل بشرع نوح وقيل ابراهيم وقيل موسى وقيل عيسى وقيل ما ثبت
انه شرع ويحتمل أن يكون بمقتضى العقل على قول من يقول بقاعدة الحسن والقبح العقلية
ويحتمل أن يكون من شرع نفسه الحاصل من الرؤيا بدليل ثم حبب إليه الخلاء حيث ذكره بلفظ
ثم الدال على التراخى ولو حملناه على اجتنابه عن الحرج الذى كان يرتكبه أهل الجاهلية لكان أظهر
والله أعلم. قوله ( ينزع) أى يرجع يقال نزع إلى أهله إذا حن واشتاق اليهم فرجع اليهم وفى تفسير
اقرأ فى صحيح مسلم قبل أن يرجع. قوله ﴿يتزود) هو يرفع الدال عطف على يتحنث الزادهو الطعام الذى
يستصحبه المسافر يقال زودته فتزود. و﴿لذلك) أى للخلو أو التعبد. قوله (خديجة) أم المؤمنين رضى الله عنه
خديجة
هى بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى القرشية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو ابن خمس وعشرين سنة وهى أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم إلا ابراهيم فانه من
مارية ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها ولا فى حياتها وأقامت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم أربعا وعشرين سنة وأشهرا ثم توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على المشهور وكانت وفاتها
بعد وفاة أبى طالب بثلاثة أيام ولخديجة مناقب كثيرة ذكر البخارى طائفة منها فى باب مناقبها
وأفضل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة رضى الله عنهما واختلفوا فى أن أيتهما
أفضل والله أعلم. قوله (لمثلها) أى لمثل الليالى. و﴿جاءه الحق) أى الوحى الكريم. و(بفجأه الملك) أى
جبريل عليه السلام . فان قلت مجىء الملك ليس بعد مجىء الوحى بل هو نفسه إذ المراد بمجىء الوحی مجىء
حامل الوحى أى فما معنى الفاء التعقيبية. قلت هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو قوله تعالى ((فتوبوا إلى
بارتكم فاقتلوا أنفسكم)) اذاقتل نفس التوبة على أحد التفاسير وتسمى بالفاء التفصيلية أيضا لأن مجىء الملك
إلى آخره تفصيل للمجمل الذى هو مجىء الحق ولا شك أن المفصل هو نفس المجمل وفى رواية مسلم
فئه الحق بكسر الجيم من الفجأة أى جاءه الحق بغتة ومفاجأة فانه لم يكن متوقعا للوحى. الطيبي: معنى حتى
جاءه الحق جاء أمر الحق وهو الوحى ورسول الحق وهو جبريل عليه الصلاة والسلام - قوله ( ما أنا
«٥ - كرمانى - ١)»

٣٤
كيف كان بدء الوحى
بَلَغَ فِى الْجَهْدَ ثُمْ أَرْسَى فَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَاأَنَابِقَارَى، فَخَذَفِى فَغَطََّى الثَّالَ ثُمَّ
أَرْسَنِى فَقَالَ (اقْرَأْ بِسْم رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقَ اقْرَأْ وَرَبُّكَ
بقارئ﴾ كلمة ما نافية وقيل استفهامية وهو غلط لدخول الباءفى خبرها واحتج من قال بأنها استفهامية
بأنه جاء فى رواية ما أقرأ . وقال النووى: لا دلالة عليه فيه لأنه يجوز أن تكون ماههنا أيضا نافية
قوله ﴿ فغطنى) بالغين المعجمة والطاء المهملة الشديدة أى ضغطنى وعصرفى قوله (الجهد) يروى فيهفتح
الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها ومعناه الطاقة والغاية والمشقة فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه
حذف مبلغه وعلى النصب معناه بلغ الملك منى الجهد والحكمة فى الغط شغله عن الالتفات والمبالغة
فى أمره باحضار قلبه لما يقول له وكرره ثلاثا مبالغة فى الثبت وفيه أنه ينبغى للمعلم أن يحتاط فى
تنبيه المتعلم والاحضار بمجامع قلبه. الثويستى: لا أرى الذى يروى بنصب الدال الاقد وهم فيه
أو جوزه بطريق الاحتمال فانه اذا نصب الدال عاد المعنى الى أنه غطه حتى استفرغ قوته فى
ضغطته وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد وهذا قول غير سديد فان البنية البشرية لا تستدعى
استنفاد القوة الملكية لا سيما فى مبدأ الأمر وقد دلت القصة على أنه اشماز من ذلك
وتداخله الرعب . الطيبى : لا شك أن جبريل فى حالة الضغط لم يكن على صورته الحقيقية
التى تجلى بها عند سدرة المنتهى وعند ما رآه مستويا على الكرسى فيكون استفراغ جهده لا بحسب
صورته التى تجلى له بها وغطه وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد . وقوله ( أرسانى﴾ أى
أطلقنى (وبها) أى بالآيات وهو قوله اقرأ باسم ربك إلى آخرهن واستدل بهذا الحديث من يقول أن
البسملة ليست بقرآن فى أوائل السورة لكونها لم تذكر ههنا والجواب أنها لم تنزل أولا بل نزلت
البسملة فى وقت آخر كما نزل باقى السورة فى وقت آخر . الطيبي: قوله فرجع بها أى صار بسبب تلك
الضغطة يضطرب فؤاده. وقوله (اقرأ) أمر بايجاد القراءة مطلقا وهو لا يختص بمقروء دون مقروء
قوله ( باسم ربك) حال أى اقرأ مفتتحا باسم ربك أى قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ وهذا يدل على
أن البسملة مأمور بقراءتها فى ابتداء كل قرآن فتكون قراءتها مأثورة فى ابتداء هذه السورة أيضا
وقوله (الذى خلق) وصف مناسب مشعر بغلبة الحكم بالقراءة والاطلاق فى خلق أولا على
; منوال يعطى ويمنع وجعله توطئة لقوله خلق الانسان إيذانا بأن علية الانسان أشرف المخلوقات
ثم الامتنان بقوله علم الانسان يدل على أن العلم أجل النعم و﴿ العلق) جمع العلقة وهو الدم المنعقد

٣٥
کیف کان بدء الوحى
١١//٥ ////١١١٠/ ١١//// //
الْأَكْرَمُ ) فَرَجَعَ بِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمْ يَرْجُ فُؤَادُهُ فَخَلَ عَلَى
خَدِيَجَةَ بْتِ نُوْلِ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا فَلَ زَمَلُونِىِ زَمْلُوْنِى فَمَُّوهُ حَّ ذَهَبَ
عَنْهُ الَّوْعُ فَقَالَ لَخَدِيَحَ وَأَخْبَهَا الْخَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى فَقَتْ خَدِيَةٌ
فان قلت قد تقرر أن مثل ما أنا بقارى يفيد الاختصاص. أقول مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد
الاختصاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أى لست بقارئ ألبتة وهو الظاهر هنا والمناسب
للمقام وهو يستدعى أن يكون حكم المخاطب مشوبا بصواب وخطأ فيرد خطؤه الى الصواب فأين
هذا من جبريل. قلت انه لما سمع منه اقرأ تصور أنه اعتقد أن حكمه ليس كحكم سائر الناس فى أن
حصول القراءة والتمكن منها انما هو بطريق التعليم والتعلم ومدارسة الكتب فرده بقوله ما أنا بقارئ
أى حكمى كمكم الناس من أن حصول القراءة انما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطه
مرارا ليخرجه من حكم سائر الناس ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من الصفات الملكية حينئذ
يعلم معنى اقرأ ويخاطب بقوله اقرأ ففى المقروء أيضا اشارة الى رد ما تصوره من أن القراءة انما هى
تيسر بطريق التعليم فقط بل انها كما تحصل من التعليم بواسطة المعلم فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة
فقوله (علم بالقلم) اشارة الى العلم التعليمى. و﴿علم الإنسان مالم يعلم﴾. اشارة إلى العلم اللدنى. قوله (يرجم
فؤاده) أى يخفق ويضطرب والرجفان شدة الحركة والفؤاد هو القلب وقيل انه غير القلب وقيل
باطن القلب وقيل غشاء القلب وسمى القلب قلبا لتقلبه وأما علم خديجة برجفان الفؤاد فالظاهر
أنها رأته حقيقة وبحوز أنها لم تره وعلمته بالقرائن وصورة الحال أو أخبرها النبى صلى الله عليه
وسلم- قوله ﴿زملونى زملونى) هكذا هو الرواية أى مرتين والتزميل هو التلفيف والتدثير. و﴿الروع)
بفتح الراء الفزع ﴿ والخبر) أى الخبر المذكور من مجىء الملك والغط الى آخره واللام فى ﴿لقد
خشيت) جواب القسم المحذوف أى والله لقد خشيت وهو مقول قال وقال القاضى عياض ليس
معناه الشك فى أن ما أتاه من الله لكنه كأنه خشى أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يطيق
حمل أعباء الوحى فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك أو يكون هذا أول ما رأى
التباشير فى النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحققه رسالة ربه فقد خاف أن يكون من
الشيطان فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز عليه الشك فيه ولا يخشى تسلط الشيطان عليه . قال النووى

٣٦
کیف کان بده الوحى
كَلَّا وَالله مَا يُخْرِيكَ الله أَبَا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَحْمِلُ الْكَلَّوَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ
الاحتمال الثانى ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث فان هذا كان بعد غط الملك واتيانه باقراً باسم ربك
قال وقات الاأن يكون معنى خشيت على نفسى أنه يخبرها بما حصل له أولامن الخوف لا أنه خاف فى حال
الاخبار فلا يكون ضعيفا . الطبى: اخراج قوله لقد خشيت على القسمية بعد قوله يرجف يدل على
انفعال حصل له من الضغط نخشى على نفسه من ذلك أمرا توهم منه كما يحصل للبشر اذا دهمه أمر لم
يعهد به ومن ثمةقال زملونى. وأقول ويحتمل وجه رابع وهو أن يكون المراد أنى خفت شبه جنون
على نفسى لما روى صاحب الغريبين فى باب العين والدال والميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لخديجة أظن أنه عرض شبه جنون على نفسى فقالت كلا إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل
فان قلت من أين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجائى اليه جبريل لا الشيطان وبم عرف
أنه حق لا باطل. قلت كما نصب اللّه لنا الأدلة على أن الرسول صادق لا كاذب وهو المعجزة كذلك
نصب للنبي صلى الله عليه وسلم دليلا على أن الجانى اليه ملك لاشيطان وأنه من عند الله لامن عند
غيره قوله ﴿كلا) معناه الردع والنفى عن ذلك الكلام والمرادهنا التنزيه. قوله ﴿ما يخزيك الله) بضم
الياء وبالخاء المعجمة من الخزى وهو الفضيحة والهوان ورواه مسلم (يحزنك)) بالحد المهملة والنون
من الحزن ويجوز على هذا فتح النون وضمها يقال أحزنه وحزنه لغتان فصيحتان قرى. بهما فى السبع
و﴿أبدا) منصوب على الظرف. قوله ﴿لتصل الرحم} معناه وتحسن الى قراباتك وصلة الرحم الاحسان
الى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول اليه فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة
تكون بالزيارة والسلام وغير ذلك. و﴿الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل وهو من الكلال الذى
هو الاعياء أى يرفع الثقل أى يعين الضعيف المنقطع به والكل من لا يستقل بأمره قال تعالى ((وهو
كل على «ولاد) قوله (تكسب المعدوم) بفتح التاء هو المشهور وروى بضمها ومعنى الضموم تكسب
غيرك المال المعدوم أى تعطيه المال المعدوم حذف أحد المفعولين وقيل تعطى الناس ما لا يحدونه
عند غيرك من مكارم الأخلاق وأما المفتوح فقيل معناه كمعنى المضموم يقال كسبت الرجل مالا
وأكسبته مالا واتفقوا على أن أكسبته مالا أنصح وقيل معناه تكسب المال المعدوم، تصيب منه
ما يعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تمادح بكسب المال لاسيما قريش. كان النبى صلى الله
عليه وسلم محفوظ فى تجارته. وقال النووى: هذا ضعيف لأنه لامعنى لهذ قوا فى هذا المرطن الا
أن يصحيح بأن يضم اليه زيادة وهو أنه كان يجود به وينفقه فى وجوه المكريات وقيل المعدوم

٣٧
كيف كان بدء الوحى
وَقْرَى الصَّيْفَ وَتُعينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِ فَانْطَقَتْ بِهِ خَدِجَةٌ حَتَّى أَتَتْ بِهِ
عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث
لم يتصرف فى المعيشة أى تسعى فى طلب عاجز لتعيشه والكسب هو الاستفادة فكما يرغب غيرك
أن يستفيد مالا ترغب أنت أن تستفيد عاجزا تعاونه. قال الخطابي: صوابه المعدم بحذف الواو لآن
المعدوم لا يدخل تحت الانفعال تريد أنك تعطى العامل الفقير الذى لا يجد المال . أقول ولقوله
تكسب المعدوم تقريرات خمسة. التيمى: لم يصب الخطابى اذ حكم على اللفظة الصحيحة بالخطأ فان
الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ور واه الرواة. قوله (تقرى) بفتح التاءتقول قريت الضيف أقريه
قرى بكسر القاف والقصر وقراء بفتح القاف والمد. قوله (نوائب الحق) النوائب جمع نائبة وهى الحادثة
خيرا أوشرا وإنما قال نوائب الحق لانها تكون فى الحق والباطل قال لبيد :
نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير محدود ولا الشر لازب
واعلم أن معنى كلام خديجة رضي الله عنها أنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من
مكارم الأخلاق وجميل الصفات وذكرت ضروبا منها وفيه أن خصال الخير سبب للسلامة
من مصارع السوء والمكارم سبب لدفع المكاره وفيه جواز مدح الانسان فى وجهه لمصلحة
تطرأ وليس بمعارض لقوله احثوا فى وجوه المادحين التراب اذ هو فيما مدح بباطل؛ أو يؤدى
الى باطل وفيه أنه ينبغى تأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له وفيه أبلغ
دليل على كمال خديجة وجزالة رأيها وقوة نفسها وعظم فقها وقد جمعت رضى الله عنها جميع أنواع
أصول المكارم وأمهانها فيه صلى الله عليه وسلم لأن الاحسان إما الى الأقارب وإما الى
الأجانب وإما بالمال وإما بالبدن وإما على من يستقل بأمره وإما على غيره. قوله (فانطلقت به) أى
انطلقنا انى ورقة لأن الفعل اللازم إذا عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ماعدى
بالهمزة نحو أذهبته فانه لا يلزم ذلك. قوله ﴿ورقة) بفتح الحروف الثلاثة. و﴿نوفل) بفتح النون والفاء
و﴿العزى) تأنيث الأعز وهو اسم الصنم. قوله (ابن عم) قال النووى هو بنصب ابزويكتب بالألف
على أنه بدل من ورقة فانه ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل
ابن أسد ولا يجوز جرابن ولا كتابته بغير الألف لأنه يصير صفة لعبد العزى فيكون عبد العزى
ابن عم خديجة وهو باطل وأقول كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقا بورقة أو بعيد
العزى بل علة اثبات الألف عدم وقوعه بين علمين لأن العم ليس علما ثم الحكم بكونه بدلا غير
٠

٣٨
کیف كان بدء الوحى
وَقَ بْنَ نَوْقَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُرَى ابْنَ عَمْ خَدِيْجَةَ وَكَنَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فى
الْجَاهليّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِ فَكْتُبُ مِنَ الْأِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانيَّةِ مَا شَ
اللهَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَْخًا كبيرًا قَدْ عَ مَقَتْ لَهُ خَدِيَةٌ يَ بْنَ عَمِ اسْمَعْمِنَ ابْنِ
أَخيكَ فَقَ لَهُ وَهُ يَا أَبَ أَخِى مَاذَا تَرَى فَأَخْبَهُ رَسُولُ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ
خَبَرَ هَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هذَا الَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى بَيْتَ فِيهَ
لازم لجوازأن يكون صفة أو بيانا له. قوله (تنصر) أى صار نصرانيا وترك عبادة الأوثان وفارق
طريق الجاهلية . و﴿الجاهلية ) المدة التى كانت قبل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كانوا عليهمن
فاحش الجهالات وقيل هو زمان الفترة مطلقا. قوله ﴿العبرانى) كذا وقع هنا العبرانى وبالعبرانية
ووقع فى كتاب التعبير العربى وبالعربية بدل هذين اللفظين. قال النووى: حاصله على رواية العبرانى
والعربى أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابتهم بحيث يتصرف فى الانجيل فيكتب ان شاء
بالعربية وأن شاء بالعبرانية وأقول ويفهم منه أن الانجيل ليس عبرانيا وهو المشهور التيمى: الكلام
العبرانى هو الذى أنزل به جميع الكتب كالتوراة والانجيل ونحوهما وأقول فهم منه أن الانجيل
عبر انى قال صاحب الصحاح العبرى بالكسر العبرانى وهو لغة اليهود. قوله (يا ابن عمر) وفى رواية مسلم باعم
وكلاهما صحيح أما الأول فلأنه ابن عمها حقيقة وأما الثانى فسمته عما مجازا للاحترام وهذه عادة العرب
يخاطب الصغير الكبير بياعم احتراما له ورفعا لمرتبته قوله (من ابن أخيك) انما أطلقت الاخوة لأن
الأب الثالث لورقة هو أخو الأب الرابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانه ابن أخى جدك
على سبيل الاضمار وفى ذكر لفظ الاخ استعطاف أو جعلته عما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا
احتراما له على سبيل التجوز. قوله ﴿الناسوس﴾ بالنون والسين المهملة جبريل عليه السلام قالوا الناموس
صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر
الميم نمسا أى كتمته كتما ونامسته أى ساررته ويسمى جبريل بذلك لأن الله خصه بالغيب
والوحى. قوله ﴿إِ موسى) فان قلت الأنسب أن يقول على عيسى لأنه نصرانى قلت ذكر موسى تحقيقا

٣٩٠
کیف کان بدء الوحی
١/ ٠٠/٥٠٠٩١٠٠٠
جَعًا لَيَْى أَكُونُ حَيَّ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّه صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَ
أَوَ مُخْرِجِىَّ هُمْ قَالَ فَعَلمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ ◌ِثْلِ مَ جِثْتَ بِهِ إِلَّهُوِىَ وَإِنْ
يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَ لْيَنْشَبْ وَرَقَهُ أَنْ تُوُنّىَ وَفَتَرَ اْوَحْىُ
للرسالة لأن نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان بعض اليهود ينكرون
نبوته أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون اليها والله أعلم مع أنه روی فى غير هذا
الصحيح بدلموسى عيسى وكلاهما صحيح. قوله (فيها) الضمير راجع الى أيام النبوة أو الدولة أو الدعوة
وجذعا بالذال المعجمة المفتوحة يعنى شابا فتيا حتى أبالغ فى نصرتك والجذع فى الأصل للدواب ثم
أستعير للانسان وجذعا المشهور فى الصحيحين النصب نحو قول الشاعر
* ياليت أيام الصبا رواجعا » وفى بعض الروايات الرفع وهو ظاهر ووجه النصب
أنه خبر کار المقدرة تقديره یالیتنی أ کون جذعا وهو قول الكسائى وقال القاضى عياض هومنصوب
على الحالوهو قول النحاة البصرية وخبر ليت حينئذ قولهفيها وأقول أو یکون ليت بمعنى أتمنیفینصب
الجزءين وهو قول الفراء. قوله ﴿أو مخرجىمهم) بفتح الواو وتشديد الياءوهو جمع مخرج فالياء الأولى يا.
الجمع والثانية ضمير المتكلم فأدغمت الياء فى الياء وفتحت تخفيفا لاجتماع الكسرتين والياء ين استبعد
النبى صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه من غير سبب فانه صلى الله عليه وسلم ليس فيه فيما مضى ولا
فيما بعد مسبب يقتضى اخراجا بل كانت منه المحاسن الظاهرة المتظاهرة لا كرامه وانزاله بأعلى الدرجات
أنفسناله الفداء صلى الله عليه وسلم: قوله ﴿عودى) هو فوعل من المعاداة. و﴿يومك) أى يوم
اخراجك أو وقت انتشار نبوتك و﴿مؤزرا) هو بميم مضمومة ثم همزة مفتوحة ثم زاى مفتوحة مشددة
ثم راء أى قويا بليغا والأزر القوة. قوله (لم ينشب) بياء مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شين معجمة
مفتوحة أى لم يلبث. قوله (أن توفى) بدل اشتمال من ورقة أى لم يلبث وفاته (وفتر الوحى)
معناه احتبس وقال ورقة فيه
فانك حقا ياخديجة فاعلى حديثك ايانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما من اللّه وحى يشرح الصدر منزل
فان قلت ما قولك فى ورقة أتحكم بايمانه . قلت لا شك أنه كان مؤمنا بعيسى وأما إيمان ورة
ابن نوفل

٤٠
کیفکان بدء الوحى
الايمان بنبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعلم أنه زمن عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا ولئن ثبت
أنه كان منسوخا فى ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق وهو قد صدقه من غير أن يذكر
ما ينافيه والله أعلم. قال ابن مالك فى الشواهدظن أكثر الناس أن يا التى تليها ليت حرف نداء والمنادى
محذوف تقديره یاحمد لیتنی کنت حیا نحو یالیتنی کنت معهم أی یاقومليتنى وهو عندى ضعيفلأن
قائل ليقنى قديكون وحده فلايكون معه منادى كقول مريم («ياليتنى مت قبل هذا) أولان الشىء إنما
يجوز حذفه اذا كان الموضع الذى أدعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كذف المنادى قبل أمر أودعاء
فانه يجوز حذفه لكثرة ثبوته ثمة فمن ثبوته قبل الامر يا يحيى خذ الكتاب وقبل الدعاء ياموسى ادع
لنا ربك ومن حذفه قبل الامر ألا يا اسجدوا فى قراءة الكسائى أى ياهؤلاءاسجدوا وقبل الدعاء
ألا يا اسلمى يادار مى على البلا ولازال منهلا بجرعائك القطر
أى يادار أسلمى حسن حذف المنادى قبلها اعتبار ثبوته بخلاف ليت فان المنادى لم تستعمله العرب
قبلها ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعين كون ياهذه لمجردالتنبيه مثل ألا فى نحو ٥ ألا ليت شعرى هل أبين ليلة.
قوله ﴿إِذ يخرجك قومك) استعمل فيه أذ موافقة لإذا فى افادة الاستقبال وهو استعمال صرح غفل
عن التنبيه عليه أكثر النحاة ومنه قوله تعالى ((وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر» وكما استعملت إذ
بمعنى إذا استعملت إذا بمعنى إذ كقوله تعالى ((وإذارأوا تجارة أولهوا انفضوا اليها» لأن الانفضاض
واقع فيما مضى وأقول ليس التنبيه عليه من وظيفة النحاة بل هو وظيفة أهل المعانى وذلك إما وضعاً
للآتى موضع الماضى قطعا بوقوعه كاخبار اللّه تعالى عن المستقبل أو استحضاراً للصورة الآتية فى
مشاهدة السامع تعجبا وتعجيبا ولذلك قال أو مخرجى استبعاداً للاخراج وتعجباً منه. وقوله
((أو مخرجى هم)» الأصل فى أمثاله تقديم صرف العطف على الهمزة كما يقدم على غيرها من أدوات
الاستفهام مثل وكيف تكفرون بالله وفأنى تؤفكون وفأين تذهبون والأمثل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف
ولأن أداة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام وهى معطوفة على ماقبلها من الجمل والعاطف لا يتقدم
عليه جزء مما عطف عليه ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنه أصل أدوات
الاستفهام لان الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الاصل فى غير الهمزة فأرادوا التنبيه
عليه وكانت الهمزة بذلك أولى لأصالتها وقد غفل الزمخشرى عن هذا المعنى فادعى أن بين الهمزة
وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده . وأقول لا يجوز فيما نحن فيه أن يقدر
تقديم حرف العطف على الهمزة لأن أو مخرجى هم جواب ورد على قوله إذ يخرجك على سبيل
الاستبعاد والتعجب فكيف يستقيم العطف ولأن هذه إنشائية وتلك خبرية والحق أن الأصل
أو مخرجى ثم فأريد مزيد استبعاد وتعجب نجىء بحرف العطف على مقدر تقديره أمعادى ثم ومخرجى ثم