النص المفهرس
صفحات 1-20
ـارى ١٩٨(٧٥) بشرخ الِيَانى لِزُ الأول دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان حقوق الطبع محفوظة للناشر طبعة أولى : ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م طبعة ثانية : ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ◌ِ اله ◌َلِرَالرّحيم بي وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله الذى أنعم علينا بجلائل النعم ودقائقها. وأعظمها هو نعمة الاسلام، وجعل ديننا أشرف الأديان وملتنا خير الملل وأمتنا أوسط الأمم ونبينا هو أفضل الأنام، بين الحلال والحرام، وشرع الشرائع وسن السنن وعلم بالقلم وقد أحكم الأحكام، وأتبع الكتاب بالسنة لتفصيل مجملاته وتجزئة كلياته وشرح مشكلاته رحمة للعالمين، وشفع القرآن بالحديث لتوضيح نصوصه وتبيين فصوصه وتخصيص عمومه وتعميم خصوصه رأفة وعناية بالمؤمنين ، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الذى من مشكاة ميامن وجوده تتوقد جميع أنوار الكمالات والسعادات ومنها الاقتباس ، ومن شجرته المباركة ظهرت أصول خيرات الدنيا والآخرة وتبين فروعها الكافيات الشافيات. وقد قال تعالى (لتبين للناس)، كلماذكرك الذاكرون والذاكرات. وكلما غفل عنه الغافلون والغافلات ، ورضى الله عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين الذين نشروا العلوم فى الآفاق، وطهروها من دنس الشرك والنفاق ، وقد قطعوا عن الدنيا العلائق وزينوا مشارق الأرض ومغاربها بمحاسن الأفعال ومكارم الأخلاق ، فأولئك أفاضل الخلائق ما اتصل أسانيد الرواة من الأخلاف إلى الأسلاف ، وارتفع الدرجات بشرائف العلوم الأصناف الأشراف أما بعد : فإن علم الحديث بعد القرآن هو أفضل العلوم وأعلاها، وأجل المعارف وأسناها ، من حيث إنه به يعلم مراد الله تعالى من كلامه، ومنه تظهر المقاصد من أحكامه، لأن أحكام القرآن جلها بل كلها كليات، والمعلوم منه ليس إلا أموراً إجماليات، كقوله تعالى (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وإن السنة هى المعرفة بجزئياتها كمقادير أوقات الصلاة وأعداد ركعاتها وهيئاتها وكيفياتها وفرائضها ونوافلها وآدابها وأوضاعها وصفاتها ، وهى الموضحة لمعضلاتها كأقدار نصب الزكاة وأنواع ما يجب فيها وأوقات الأداء ومن وجب عليه وما وجب منها وهلم جرا . وكذلك أعلى العلماء قدراً، وأنورهم بدراً، وأفخمهم خطراً، وأنبلهم شأنا، وأعظمهم عند الله منزلة ومنزلا، وأكرمهم مكانة ومكانا ، حملة السنة النبوية وناقلوا أخبارها . وحفظة الأحاديث وعاقلوا أسرارها، ومحققوا ألفاظها وأرباب رواياتها ، ومدققوا معانيها وأصحاب درايتها ، وهم الطائفة المنصورة المشيدة لمبانى الحق والمسالك، ولن يزالوا ظاهرين عليه حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك. وكان ٣ مقدمة كتاب (الجامع الصحيح) للإمام أبى عبد الله محمدبن اسماعيل (البخارى) جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيرا ، أجل الكتب الصحيحة نقلا ورواية، وفهما ودراية، واكثرها تعديلا وتصحيحاً وضبطاً وتنقيحاً، واستنباطاً واحتياطاً. وفى الجملة هو أصح الكتب المؤلفة فيه على الاطلاق، والمقبل عليه بالقبول من أئمة الآفاق، وقد فاق أمثاله فى جميع الفنون والأقسام؛ وخص بالمزايا من بين دواوين الاسلام. تشهدله بالبراعة والتقدم الصناديد العظام ، والأفاضل الكرام، وفوائد هذا الكتاب العظيم الشأن الرفيع المقدار الذى يستشفى ببركاته. ويستسقي بختماته، ١ كثر من أن تحصى، وأغزر من أن تستقصى، وكيف لا وهو شامل لأكثر أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، متناولا لأكثر أخباره وآثاره وأعماله، وفيه مشاهده وغزواته ، وأخلاقه ومعجزاته ، وكرم آدابه، ومناقب أصحابه ، إلى غير ذلك ما لا يخفى من غموض الاستنباطات التى ترجم عليها فى الأبواب، والاشارة إلى المذاهب المستخرجة من الأحاديث للاصحاب، وإنى لم أر له شرحا مشتملا على كشف بعض ما يتعلق من الكتاب فضلا عن كلها ، أو مستقلا بما يتعلق بالبحث عن عويصاته فضلا عن جلها ، مع ارتحالى إلى بلاد كثيرة هى مظان وجدانه ، ولم أظفر بعد التفتيش والتنقيب الا على فقدانه، والشروح التى شرحها الشارحون لا تشفى عليلا ، ولا تسقى غليلا ، وهاهو ذا كتاب الامام أبي الحسن على بن خلف المالكى المغربى المشهور بابن بطال انما هو غالباً فى فقه الإمام مالك رضى الله عنه من غير تعرض لما هو الكتاب مصنوع له ، وكتاب الشيخ العلامة أبى سليمان أحمد بن محمد بن ابراهيم الخطابى شكر الله مساعيه فيه نكت متفرقات ، ولطائف على سبيل الطفرات ، وأما الذى ألفه الامام العالم المشهور بمغلطاى التركى المصرى فهو بكتب تتميم الأطراف أشبه ، وبصحف تصحيح التعليقات أمثل ، فكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان ، ولا أقول ذلك والله أعلم به غضا من مراتبهم الجليلة العلية ، أو وضعا من رفيعات أقدارهم الشريفة السنية , حاشا من ذلك، وكيف وإنى مقتبس من لوامع أنوارهم الشارقات، ملتمس من جوامع آثارهم البارقات ، فهم القدوة، وبهم الأسوة، رضى الله عنهم وعن جميع أسلافنا أئمة جابوا فى تحصيلها الفلوات ، ونسوا فى خدمتها اللذات والشهوات، ومارسوا الدفاتر، وسامروا المحابر، فأجالوا فى نظم قلائدها أفكارهم ، وأنفقوا على اقتناص شواردها أعمارهم، ووقفوا لتقييد أوابدها ليلهم ونهارهم، فأخذوا وبلغوا، وأصلوا وفصلوا، ومهدوا وأسسوا، وجمعوا وفتنوا، ووضعوا .. وأتقنوا، وألفوا وصنفوا، ورتبوا ودونوا، وفرعوا وبوبوا، وصححوا ونقحوا، صانوها عن ١ ١ ٤ مقدمة التحريف والفساد، وحفظوها عن التصحيف والنقص والازدياد، وكلما عرض لهم ولها شىء من الفترة، رد الله لها الكرة، وأكمل لهم المعونة والنصرة، حتى وصلت الينا صافية المشارع، ضافية المدارع، ورياض صحائفها تصبح مرعة، وحياض لطائفها تضحى مترعة . فعظم الله تعالى أقدارهم الفاخرة ، ورفع أخطارهم الشريفة فى الآخرة، وأعلى درجاتهم فى أعلى عليين ، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأنما قصدت بذلك اظهار احتياج هذا الكتاب - الذى هو ثانى كتاب الله تعالى-الى شرح مكمل للفوائد، شامل للعوائد، عام المنافع، تام المصالح ، جامع لشرح الألفاظ اللغوية الغريبة ، ووجه الأعاريب النحوية البعيدة، وبيان الخواص التركيبية، واصطلاحات المحدثين، ومباحث الأصوليين، والفوائد الحديثية، والمسائل الفقهية، وضبط الروايات الصحيحة، وتصحيح أسماء الرجال، وألقاب الرواة، وأنسابهم وصفاتهم ، ومواليدهم ووفياتهم، وبلادهم ومروياتهم ، والتلفيق بين الأحاديث المتنافية الظواهر، والتوفيق بينها وبين التراجم المستورة عن أكثر الضمائر، ولتوضيح ما صعب من سلوك مناهجها ، وتبيين ما لم يظهر من مقدماتها ونتائجها ، وتليين مالم يذلل من صفاتها، ولم يخضع للفهم رقابها وبعض عويصاتها ، بما جل جنابها عن أن يكون شريعة لكل وارد ، أو يطلع عليه الا واحد بعد واحد ، فاستخرت الله تعالى واستعنت به فى تأليف شرح موصوف بالصفات وزيادة ، معروف بافادة ذلك ونعم الافادة ، مع اعترافى بالقصور وقلة البضاعة، والفتور وقصر الباع فى هذه الصناعة ، فتصديت لذلك، وشرحت مفردات اللغة الغير الواضحة ، وذكرت توجيه الاعرابات النحوية الغير اللائحة، وتعرضت لبيان خواص التراكيب، بحسب علم المعانى واظهار أنواع التصرفات البيانية ، من المجاز والاستعارة، والكناية والاشارة، الى ما يستفاد منها من القواعد الكلامية ، من أصول الفقه، من العام والخاص، والمجمل والمبين، وأنواع الأقيسة الخلافية والخطابية، والمسائل الفقهية، والمباحث الفروعية، ومن الآداب والدقائق ونحوها، ولما يتعلق بعلوم الحديث واصطلاحات المحدثين من المتابعة والاتصال، والرفع والارسال والتعليلات وغيرها، وتصحيح الروايات ، واختلاف النسخ وترجيحها ، والتعرض لأسماء الرجال، وتعجيم ألفاظها، وتوضيح ملتبسها، وتكثيف مشتبها، وتبيين مختلفها، وتحقيق مؤتلفها، وأنسابهم، وألقابهم، وبلادهم ، ووفياتهم، الى آخرتراجمهم، ولفقت بين الأحاديث التى بحسب ظواهرها متنافية، والأخبار التى بادىء الرأى مقتضياتها متباينة ، وبينت مناسبة الأحاديث التى فى كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقدله وأشيراليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل (١) فى الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار، فتركوها واعتذروا عنها (١) البازل الرجل الكامل فى تجربته مقدمة بأعذار ، ومن جملتها ما قال القاضى الامام الحافظ أبو الوليد سليمان الباجى (بالموحدة والجيم) المغربى فى كتاب (التعديل والتجريح) لرجال البخارى، قال: أخبرنا أبو داودعبيدبن محمد بن أحمد الهروى، حدثنا أبو اسحاق المستملى ابراهيم بن أحمد، قال: انتسخت كتاب البخارى من أصل كان عند محمد بن يوسف الفربرى ، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت منه مواضع مبيضة كثيرة، منها راجم لم يثبت بعدها شيئاً ، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك الى بعض ، قال: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبى إسحاق، ورواية أبى محمد، ورواية أبى الهيثم، ورواية أبى زيد، وقد نسخوامن أصل واحد، فيها التقديم والتأخير، وانما ذلك بحسب ما قدر كل واحدمنهم فيما كان فى طرة أو رقعة مضافة فى موضع ما فأضافه اليه ، ويبين ذلك أنك تجدترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث، قال وإنما أوردت هذا لما عنى به أهل بلدتنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذى يليها ، وتكلفهم فى ذلك من تعسف التأويلمالا يسوغ، والبخارى رحمه الله وان كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه، فليس ذلك من علم المعانى وتحقيق الألفاظ بسبيل؛ كيف وفيها روى أبو اسحاق العلة فى ذلك ، وبينها أن الحديث الذى يلى الترجمة ليس بموضوع لها ، وانماهو موضوع ليأتى قبل ذلك بترجمته، ويأتى للترجمة التى قبله من الحديث بما يليق بها، وسعيت فيه فى توضيح العبارات وكشف القناع عن المشكلات، ولم أبال عن الإعادة فى الافادة ، عند الحاجة الى البيان، ولا فى تعجيم بعض الأسماء التى هى واضحة عند أهل هذا الشان ، لأنى قصدت فيه النفع للمبتدئين والمنتهين ، والفائدة للمتقدمين والمتأخرين، وقد جرى فى هذه الأيام فى بعض أمهات بلاد الاسلام أمر ،وهو أن سلطانها مرض وأراد التبرك بقراءة البخارى لاستشفاء علته، واستسقاء غلته، فأشار الى أهلها بقراءته. وأمرهم بتلاوته، فاشتبه عليهم أكثر الأسماء، مثل ابن بكير هل هو مصغر أو مكبر، حتى كادوايتركون قراءته لذلك فصار هذا أيضا مضافا الى ما كنت قصدته من الزيادة على التوضيح فى قسم الأسماء، لاسيما وقد صار هذا الفن مهجوراً فى أكثر الامصار ، وليس للعقل فيه دخل ولا للقياس فيه اعتبار، فجاء بحمد الله كتاباً حافلا بكل ما يحتاج اليه المحتفل به ، فهو شيخ للطالب، أستاذ للمتعلم، مرشد للمشتغل به، فيالها نعمة عظيمة أخلصت لك نقاوتها ، وطعمة جسيمة حببت لك حلاوتها ، وغنيمة باردة اخترت صنعها، ولقمة هنيئة أعددت لك نقيها، وهكذا تنعى الجدود.وتسفر عن مطالعها السعود، فعش بحد صاعد، فرب ساع لقاعد، فانك أستغنيت به عن ألف كتاب أو أزيد ، ولوكان لكتابى هذا نفس ناطقة، ولسان مطلقة، لقال بمقال صريح، وكلام فصيح. لله در مؤلف هذا التأليف الرائق الرئيس، ولا شلت يد مصنف هذا التصنيف الفائق النفيس، وهذا الكتاب لا بد أن يقع لأحدرجلين: إما عالم منصف فيشهد لى بالخير ، ويعذر نى ٦ مقدمة فما كان من العثار، الذى هو لازم الا كثار، وإما جاهل متعسف ، فلا اعتبار لوعوعته ، ولا اعتداد بوسوسته ، ومثله لا يعبأبه ، لالمخالفته، ولالموافقته، وإنما هو الاعتبار بذى النظر الذى يعطى كل ذى حق حقه اذا رضيت عنى كرام عشيرتى فلا زال غضبانا على الثامها هذا ولا أدعى العصمة والبشر محل النقصان ، الا من عصم الله والخطأ والنسيان من لوازم الانسان ، لكن المقصود طلب الانصاف ، والتجنب عن الحسدوالعناد والاعتساف، وفقنا الله تعالى للسداد ، وثبتناعلى الصواب والرشاد ، وماتو ملت به الى غرض دنيوى، من مال أو جاه، أو تقرب الى سلطان أو خليفة ، كما هو عادة أبناء زماننا من أصحاب الهمم القاصرة ، والعقول الضعيفة ، بل جعلته لله ولوجهه خالصاً ، سائلا أن ينفعنى به حين يكون الظل فى الآخرة قالصاً،وأن يهب عليه قبول القبول ، فإنه أكرم مسئول وأعزمأمول، وشرفت ديباجته باسم حبيبه سيد الأولين والآخرين، محمد عليه أفضل الصلوات وأكملها ، وأشرف التسليمات وأجلها ، وجعلته وسيلة الى حضرته الشريفة المطهرة المعظمة ووسيطة الى عتبته الجليلة المقدسة المكرمة، صلى الله عليه وعلى آله أزكى صلاة وأعلاها، وكنت زمان مجاورتى بمكة المشرفة مكملا لهذا الشرح فيها اذا عانقت الملتزم المبارك كنت أجعل الكعبة المعظمة - زادها الله تعالى عظمة وجلالا - شفيعاً فى أن يتقبله الله تعالى منى أحسن التقبلات، ويصير عنده صلى الله عليه وسلم من أشرف الوسائط وأحسن الوسيلات، ولكل مئن على من أثنى عليه وكل متوسل على من يتوسل اليه مثوبة من جزاء، أو عارفة من عطاء ، فأنا أرجو شفاعته فى أن يعفو عن الزلات ، ودعوته فى أن يرحمنى ويرفع لى الدرجات ، جائزة وادخاراً ، وعطية واستظهاراً، اللهم لاتخيب رجانا، واستجب دعانا! ولازلت متفكراً فى تسميته، إذكنت فى بعض الليالى فى المطاف، بعد فراغى من الطواف، فألهمنى ملهم بأنه هو ((الكواكب الدرارى، فى شرح صحيح البخارى، فسميته به، وأسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا فيه، وأن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا انه هو الجواد الكريم ، الرءوف الرحيم. ٧ مقدمة لمَّةُ اعلم أن صحيح البخارى لا حاجة له فى بيان حاله، الى تعديل رجاله. لأنه ينقسم إلى قسمين: رجال بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار، فما ذكرنا الا أنسابهم ووفياتهم، ونحو ذلك مما تميل الخواطر اليها.، ذلك لتكثير الفوائد، وتغزير العوائد، والاستئناس بها، لا للتعديل والتجريح، أو التصفيف والتصحيح، وصححنا أسماءهم احترازاً عن الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف، وذلك انما هو من كتب متعددة مشهورة عند أبناء الزمان، وصحف متكثرة مذ كورة بين أصحاب هذا الشان، وأكثرها من كتاب الشيخ أبى نصر أحمد بن محمد بن الحسن الكلاباذى، ومن تقييد المهمل للحافظ أبى على حسين الغسانى ((بالمعجمة وشدة المهملة والنون)) الجيانى (بالجيم وتشديد التحتانية وبالنون)) المغربى، ومن كتاب الا كمال، للأمير أبى نصر ابن ماكولا ، ومن جامع الأصول للإمام أبى السعادات ابن الأثير، جزاهم الله خيرا ، ورجال بيننا وبين البخارى ، ولاحاجة لنا الى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة الينا متواتر . ولا الى الاسناد اليهم، لكن لما كان الاسناد خصيصة هذه الأمة المباركة ، ومن جملة شرفها ، فلا بدمن اعتباره اقتداء بالسلف. وحفظا للشرف. فأقول: فأما اسنادى اليه فهو من شيوخ متوافرة، وعلماء متكاثرة، من أهل الحرمين الشريفين، مكة والمدينة، ضاعف اللّه شرفهما، والقدس، والخليل، ومصر، والشام، والعراق، وغيرها. ورحلت لأجله خاصة إلى هذه البلاد برها وبحرها. لكن السماع التام الشافى ، والاستماع الكامل الكافى، انما هو من شيوخ ثلاثة: الأول: الشيخ الإمام العلامة محدث الجامع الأزهر من القاهرة المعزية ، بالديار المصرية ، ناصر الدين محمد بن أبى القاسم بن اسماعيل بن محمد بن المظفر أبو عبد الله الفارقى، كان شيخا فقيهاً صحفياً عالماً بما يقرأ. ضابطا مصنفاً، كان يأكل من أجرة الكتابة، وكان قدداوم سنين على قراءة شىء من صحيح البخارى صبيحة كل يوم بالجامع الأزهرمات فى حدودستين وسبعمائة. فانه حدثنى بأ كثرهقراءة منه، وأخبرنى بالباقى قراءة عليه. قال: أخبر نى مشايخ جمة منهم أبو عبد الله محمد بن أبى الحرم ((بالمهملة والراء المفتوحتين)) مكى منسوب الى مكة المشرفة، ابن أبى الذكر ((بكسر المعجمة)) عبد الغنى القرشى الغزى الدمشقى،كان شيخامباركا صحيح السماع مكثرا، وكان رقامايدار الطراز من القاهرة، مات سنة تسع وتسعين وستمائة سماعا. قال: ٨ مقدمة أخبر نى الشيخ أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد الربعى (( بفتح الراء والموحدة وبالمهملة )) الزبيدى (بفتح الزاى وكسر الموحدة) البغدادى الفقيه، كان دينا خيرا حنبليا، حدث بالعراق والشام ، وألحق الاحفاد بالاجداد. ولدسنة ست وأربعين وخمسمائة، ومات سنة إحدى وثلاثين وستمائة سماعاً قال: أخبر نى أبو الوقت، عبد الاول بن عيسى بن شعيب السنجرى ( بكسر المهملة ) الهروى ، الصوفى، قراءة عليه، وكان أبوه قد حمله على رقبته من هراة إلى فوشنج لسماع الحديث، وصار شيخا صالحا، ألحق الصغار بالكبار، وكان حاضر الذهن، مستقيم الرأى ، وصحب شيخ الاسلام أبا عبد الله الانصارى ، ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ومات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد ، ودفن بالشونيزية قال: أخبر ناأبو الحسن، عبدالرحمن بن محمد بن المظنمر بن محمد بن داود الداودى الفوشنجى ( بضم الفاء وسكون الواو وفتح المعجمة وتسكين النون وبالحيم) منسوب الى بلد بقرب هراة خراسان، قراءة عليه ونحن نسمع، كان أحد أعيان الشافعية، والأئمة أثنوا عليه فى علمه، وورعه، ورسوخ قدمه فى التقوى، يحكى أنه ترك أكل اللحم وقت نهى التركمان (١) مكتفيا بالسمك، فحكى له أن بعض الأمراء أكل على حافة الموضع الذى يصادمنه السمك له ونفض ما فضل من سفرته فيه فماأ كل السمك منه بعد ذلك، مات سنة سبع وستين وأربعمائة. قال: أخبر نا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية (بفتح المهملة وشدة الميم المضمومة واسكان الواو بالتحتانية ( السرخى ) بفتح المهملة والراء وسكون المعجمة، وقد يقال بسكون الراء وفتح المعجمة) سماعا عليه، كان ثقة صاحب أصول حسان، ولد سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، ومات سنة احدى وثمانين وثلثمائة. قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفربرى) بفتح الفاءوكسرها وفتح الراء الأولى وإسكان الموحدة) منسوبا الى قرية من قرى بخارى قراءة عليه كان ثقة ورعا، سمع الصحيح من البخارى مرتين : مرة بفربر، ومرة بخارى وقيل ثلاث مرات وهو حامل لواء البخارى رواية، ونعم الحامل، ونعم المحمول، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات سنة عشرين وثلثمائة الثانى: الشيخ الإمام الحافظ، محدث الحرم الشريف النبوى صلى اللّه على ساكنه، أبو الحسن على ابن يوسف بن الحسن الزرندى ( بفتح الزاى والراء وإسكان النون وبالمهملة ) الأنصارى كان عالم المدينة فى أوانه، المضروب اليه اكباد المطى فى زمانه، وكفاه فضلا أنه كان من أصحاب الاسماع عند الروضة الشريفة، وأرباب الافادة عند العتبة الكريمة المنيفة، صلوات الله وسلامه على صاحبها ، مات سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة. قال: أخبرنا الشيخ المعظم جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الله (١) هكذا بالأصول التى بأيدينا ولعلها ((نهب التركمان)» ٩ مقدمة ابن يوسف الأنصارى، عرف بابن شاهد الجيش ((بالجيم والتحتانية والمعجمة)) كان ثبت العلم وكان رئيساً لديوان الانشاء بحلب الشام ؛ مات بعد ستين وسبعمائة سماعا. قال أخبرنا الشيخ أبو الطاهر اسماعيل بن عبد القوى بن أبى العز بن أبى عزون ((وهو بفتح المهملة وضم الزاى المشددة وبالواو والنون» الأنصارى الشافعى المصرى؛ والشيخ نظام الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن رشيق ((بفتح الراء وكسر المعجمة)) الربعى ((بالراء والموحدة المفتوحتين وبالمهملة» المالكى قراءة عليهما وأنا أسمع خلا شيئا يسيراً وهو من باب المسافر اذا جد به السير، الى كتاب الصيام، ومن باب ما يجوز من الشروط فى المكاتب الى باب الشروط فى الجهاد، ومن باب غزوة المرأة فى البحر الى باب دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الناس فانه بالاجازة، قالا أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن على بن مسعود الأنصارى البوصيرى ((بضم الموحدة وسكون الواو وكسر المهملة واسكان التحتانية وبالراء) قراءه عليه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات ويقال ابن هلال السعدى النحوى اللغوى سماعا، قال: أخبرتنا أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية سماعا، قالت: أخبرنا الامام أبو الهيثم «بفتح الهاء · واسكان التحتانية وبالمثلثة)) محمد بن مكى ((بفتح الميم وشدة الكاف والتحتانية)) ابن محمد بن زراع ((بضم الزاى وخفة الراء وبالمهملة) الأديب الكشميهنى «بضم الكاف وتسكين المعجمة وبفتح الهاء وكسرها وقد تمال الألف وقيل الياء على الأصل» وهى قرية بمرو، سماعا عليه ، قال : أخبرنا الفربرى سماعا عليه الثالث: الشيخ الكبير الثقة بقية السلف ، قدوة الخلف، جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن عبد المعطى الأنصارى المكى، متحدث الحرم الشريف الالهى، كثير الطاعات والعبادات، غزير المناسك والطوافات، أخبرنا أنه حج خمسة وسبعين حجة، سمعنا عليه صحيح البخارى بمكة المشرفة بالمسجد الحرام بباب الرحمة ، تجاه الكعبة المعظمة، زادها الله عظمة؛ حذاء الركن اليمانى الا من كتاب الشهادات الى سورة الفتح، فانه كان بداره المباركة التى بقرب الباب المشهور بباب ابراهيم من الحرم الشريف، فى ثلاثة أشهر آخرها شهر رمضان سنة خمس وسبعين وسبعمائة ، قال أخبرنا الشيخ الراوية شيخ علماء الشرق والغرب ، إمام مقام إبراهيم الخليل ، صلوات الله تعالى وسلامه عليه رضى الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ابراهيم الطبرى ، مات سنة اثنين وعشرين وسبعمائة سماعا بسماعه على الشيخ الجليل المسند ، ركن الدين عبد الرحمن بن أبى حرمى ((بالمهملة والراء المفتوحتين» ابن بنين «بلفظ جمع الابن» الكاتب المكى، ما خلا من باب قول الله تعالى والى مدين أخاهم شعيبا، الى باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فانه بالاجازة، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن على «٢ - کرمانی۔۔۔ ١) ١٠ مقدمة ابن حميد ((بضم الحاء)) ابن عمار ((بتشديد الميم» الأطرابلسى ((بفتح الهمزة واسكان المهملة وبالراء وضم الموحدة وباللام وبالمهملة» المكى سماعا، قال أخبر ناأبو مكتوم ((بالفوقانية)» عيسى بسماعه عن والده الحافظ أبى ذر ((بفتح المعجمة وشدة الراء) عبدبن محمد بن أحمد الهروى، ولد سنة خمس أوست وخمسين وثلاثمائة، ومات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ، بسماعه عن الأئمة الثلاثة أبى الهثيم التكشميهنى وأبى محمد السرخسى المتقدم ذكرهما، وأبى اسحاق بن ابراهيم بن محمد بن أحمد المستملى يبلغ وكان من الثقاة إ مات سنة ست وسبعين وثلاثمائه؛ هذا وللشيخ رضى الدين أمام المقام طريقة غير طريقة الفربرى، وهى من النفائس ، وبها يكمل لنامن البخارى فى كل مرتبة راوبان، وهو مهتم به معتنى عليه عند أهل هذا الشأن، قال: أخبرنا الشيخ ركن الدين عبد الرحمن الكاتب، عن الحافظ أبى طاهر أحمد بن محمد بن سلفه ((بكسر المهملة وفتح اللام وبالفاء)) وهو أعجمى ومعناه بالعربى: ثلث شفاه، لأن شفته كانت مشقوقة، وأصله كان بالموحدة فأبدلت بالفاء، الأصفهانى؛ ولد سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة ومات سنة ست وسبعين وخمسمائة فيأة بالاسكندرية قال أخبرنى أبو الخطاب ((بالمعجمة وشدة المهملة)» نصر ((بسكون المهملة)). ابن أحمد بن البطر «بفتح الموحدة وكسر المهملة» القارىء من القراءة سماعا، ولد فى سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ومات سنة أربع وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحيى بن زكريا المؤدب، ويعرف بابن البيع ((بفتح الموحدة وكسر التحتانية الشديدة)» ولد سنة احدى وعشرين وثلثمائة، ومات سنة ثمان وأربعمائة، قال: أخبرنا القاضى الفقيه أبو عبد الله الحسين بن اسماعيل الضى (بالمعجمة)» المحاملى؛ كان أحد أجداده يتبع المحمل الذى يركب عليه، وهو آخر من رو ی عن البخاری ببغداد، وقال بعضهم : سماعه منه انما هو لبعض صحیحه لا لكله ؛ ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين ومات سنة ثلاثين وثلاثمائة ١١ ترجمة البخار)، ترجمة البخارى رضى الله تعالى عنه - وأما البخارى فهو ابو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزية ((بفتح الموحدة وإسكان الراء وكسر المهملة وتسكين الزاى وبالموحدة) الجعفي «بضم الجيم وسكون الجملة وبالفاء)» البخارى؛ أسلم المغيرة وكان مجوسياً على يد اليمانى الجعفى وإلى بخارى، وأنوه اسماعيل كان من خيار الناس ، وأمه كانت مجابة الدعوة وكان البخارى رحمه الله قد ذهب بصره وهو صغير، فرأت أمه فى المنام ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وقال: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة دعائك أو بكائك فأصبح بصيراً ؛ ولد بيخارى سنة أربع وتسعين ومائة، وألهم حفظ الحديث فى صغره وهو ابن عشر سنين أو أقل ، ثم حج به أبوه، فرجع أبوه وهو أقام بمكة المكرمة فى طلب العلم، وذلك سنة ثمان عشرة من عمره؛ ورحل رحلات واسعة فى طلب الحديث إلى أمصار الإسلام، وكتب عن شيوخ متوافرات، وأئمة متكاثرات، قال رحمه الله تعالى: كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم الا صاحب حديث كلهم كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. حتى صار إمام أئمة الحديث والمقتدى به فى هذا الشان، وأجمع المحققون على أن كتابه أصح كتاب بعد القرآن. وروى عنه خلائق كثيرون، نحو من مائة ألف أو يزيدون، أو ينقصون، وعظمه العلماء غاية التعظيم، وكرمه الفضلاء نهاية الاجلال والتكريم ، حتى أن مسلما صاحب الصحيح كلما دخل عليه يسلم ويقول دعنى أقبل رجليك ياطبيب الحديث فى علله، ويا أستاذ الأستاذين، وياسيد المحدثين؛ وقال أبو عيسى الترمذى : لم أر مثله وجعله الله زين هذه الأمة . وقال أبو نعيم: إنه فقيههذه الأمة ، وقال محمد بن بشار (باعجام الشين)) وكان علماء مكة يقولون هو امامنا وفقيهنا وفقيه خراسان، وقال ابن المدينى: ماهو رأى مثل نفسه، وقال ابن خزيمة ((مصغر الخزمة، بالمعجمة والزاى)) ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ وقال بعضهم هو آية من آيات الله يمشى على وجه الأرض، ونحو ذلك ؛ وكان رحمه الله فى سعة من الدنيا، وقدورث من أبيه مالا ، وكان يتصدق به، وربما كان يأتى عليه نهار ولا يأكل فيه وانما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا، وكان يختم فى كل ثلاث ليال، وكان حفظه الله فى غاية الكمال وقال: خرجت هذا الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث ، وقال : ما وضعت فى كتابى هذا حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وقيل كان ذلك بمكة المشرفة ، شرفها الله تعالى والغسل بماء زمزم والصلاة خلف المقام؛ وقيل كان بالمدينة صلى الله على صاحبها ، وترجم أبوابه فى الروضة المباركة ترجمة البخارى رضى الله عنه ١٢ ترجمة البخارى وصلى لكل ترجمة ركعتين، وقيل صنف الجامع فى ست عشرة سنة والله أعلم بذلك، ودخل بغداد] مرات، وانقاد أهلها له فى الحديث بلا منازعة؛ ولهم معه حكاية مشهورة فى امتحانهم له بقلب الأسانيد والمنون، فصحح كلها فى الساعة، وحين وقعت الفتنة واشتدت المحنة فى مسألة خلق القرآن رجع من بغداد الى بخاري فتلقاه أهلها فى تجمل عظيم، ومقدم كريم ؛ وبقى مدة يحدثهم فى مسجده فأرسل اليه أمير البلد خالد بن محمد الذهيلى يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ، ويحدثهم به فى قصره فامتنع البخارى من ذلك، وقال: لا أذل العلم ولا أحمله الى أبواب الناس، حصلت وحشة بينهما فأمره الامير بالخروج من البلد ويقال إن البخارى دعا عليه فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على خالد فى البلد، فنودى عليه على أتان، وحبس إلى أن مات؛ولماخرج من بخارى كتباليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم فساراليهم فيما كان بقرية خرتنك ( يفتح المعجمة وأسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون)» وهى على فرسخين من سمر قند ، بلغه أنه قد وقع بينهم بسببه فتنة فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه، فأقام بها حتى ينجلى الأمر فضجر ليلة ودعا - وقد فرغ من صلاة الليل - اللهم قد ضاقت على الأرض بما رحبت فاقبضنى اليك فمات فى ذلك الشهر سنة ست وخمسين ومائتين وعمره اثنان وستون سنة فان قلت : كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو فى صحيحه (( لا يتمنين أحدكم الموت لضرنزل به» قلت : نصوا بأن المراد بالضر هو الدنيوى، وأما اذا نزل به ضر دينى فأنه يجوز تمنيه خوفامن تطرق الخلل فى الدين؛ ولمنا دفن رحمة الله عليه فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب من المسك، وظهر سوار بيض فى السماء مستطيلة حذاء القبر ؛ وكانوا يرفعون التراب منه للبركة حتى ظهرت الحفرة للناس ، ولم يكن يقدر على حفظ القبر بالحراس، فنصب على القبر خشب مشبكات، فكانوا يأخذون ما حواليه من التراب والحصيات، ودام ريح الطيب أياماً كثيرة حتى تواتر عند جميع أهل تلك البلاد ، وأمثال هذه الكرامات الالهية لا يستعظم بالنسبة إلى أمثال هؤلاء العباد، رفع الله تعالى ذكره الشريف وقد فعل ، وجعل له لسان صدق فى الآخرين وقد جعل! واعلم أن الحديث ، موضوعه : هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث انه رسول الله وحده: هو علم يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، وغايته: الفوز بسعادة الدارين؛ وأن عدد كتب الجامع مائة وشىء، وعدد الأبواب ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسون بابا مع اختلاف قليل فى نسخ الأصول؛ وعدد الأحاديث المسندة فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا؛ والمكررات منه قريب النصف؛ فأحاديثه بدون التكرار تقارب أربعة آلاف وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه مائتان وتسعة وثمانون، وعدد من تفرد بالرواية عنهم دون ١٣ كيف كان بدء الوحى بسم الله الرحمن الرحيم قَالَ الشَّيْخُ الْأَمَامُ الْحَافِظُ أَبُوُ عَبْدِ الله ◌ُّدُ بْنُ الْعِيَ بْنِ أَبْرَاهِيمٍ بِ الْمُغِيرَةِ الْغَرِىُّ رَحَهُ اللهُ تَعَلَى آمِينَ باسُبُ كْفَ كَانَ بَدْءُ الَوْخِي إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ كْرٍ وَقَوْلُ الله جَلَّ ذِكْرُهُ (إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ) مسلم مائة وأربعة وثلاثون ؛ وتفرد أيضا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم كبقية أصحاب الكتب الخمسة إلا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثا عاليا رفيعا، ثلاثى الاسناد ، أعلى الله درجته ودرجتنا يوم التناد، على رؤس الاشهاد، ورزقنا شفاعة من توسلنا اليه بكلامه، خير خلائقه وأفضل أنامه، وجمعنا عند حضرته الشريفة صلى الله عليه وسلم فى دار الكرامة، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ! قال أبو عبد الله البخارى رضى الله عنه :- بِلهُ الرَّحْمنِ الرَّيّة .7' باب كيف كان بدء الوحى. قوله (باب) يجوز فيه وفى نظائره أوجه ثلاثة أحدها رفعه مع التنوين والثانى رفعه بلا تنوين على الاضافة وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف أى هذا باب والثالث باب على سبيل التعداد للابواب بصورة الوقف فلا إعراب له . قوله ﴿وقول الله﴾ هو مجرور عطفا على محل الجملة التى هى كيف كان بدء الوحى أو هو مرفوع عطفا على لفظ البدء وأجاز القاضى ٠١٤. كيف كان بدء الوحى : الرفع على الابتداء وذكر البخارى الآية الكريمة لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها وأراد أن الوحى سنة اللّه تعالى فى أنبيائه. وقال الامام أبو الحسن على بن بطال المالكى المغربى: معنى هذه الآية أن اللّه تعالى أوحى الى محمدصلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحى رسالة لا وحى إلهام لأن الوحى ينقسم الى وجوه . وأقول انما ذكر نوحا ولم يذكر آدم لأنه أول مشرع عند بعض العلماء أو لأنه أول نبى عوقب قومه :خصصه به تهديداً لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (بدء الوحى} البدء على وزن فعل محتمل أن يكون مهموزا فهو بمعنى الابتداء أو أن يكون ناقصا فهو بمعنى الظهور والوحى أصله الاعلام فى خفاء وقيل الاعلام بسرعة وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحى ومن الوحى الرؤيا والالهام وأوحى ووحى لغتان والأولى أفصح وبها ورد القرآن وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه أى من الموحى وأما بحسب اصطلاح المتشرعة فهو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه. وقال الإمام أبو عبد الله التيمى: الاصفهانى الوحى أصله التفهيم وكل ما فهم به شىء من الاشارة والالهام والكتب فهو وحى قيل فى قوله تعالى ((فأوحى اليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)) أى كتب وفى قوله ((وأوحى ربك الى النحل )» أى ألهم وأما الوحى بمعنى الاشارة فكما قال الشاعر يرمون بالخطب الطوال وتارة وحى الملاحظ خيفة الرقباء ٢٠ وقال واعلم انه لما كان كتابه معقودا على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم طلب تصديره بأول شأن الرسالة والوحى ولم يرد أن يقدم عليه شيئا ولهذا لم يقدم عليه الخطبة . فان قيل ترجمه لبيان بدء شأن الوحى والحديث لبيان كون الأعمال محتاجة الى النية قلنا. قال العلماء: البخارى رحمه الله أورد هذا الخبر بدلا من الخطبة وأنزله منزلتها فكأنه قال بدأت بهذا الكتاب وصدرته بكيفية بده الوحى وقصدت به التقرب الى الله تعالى فان الاعمال بالنيات . قال واعلم أنه لو قال كيف كان الوحى وبدؤه لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحى لا بيان كيفية بدء الوحى . وكان ينبغى أن لا يقدم عليه بعقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحسن وكذا حديث ابن عباس رضى الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس لا يدل على بدء الوحى ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وانما مقصوده فهم القارىء والسابع إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا على فهم القارئ. أقول ليس قوله لكان أحسن مسلما لأنا لا نسلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحى إذ يعلم بما فى الباب أن الوحى كان ابتداؤه على حال المنام ثم فى حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونخوه ثم مافر هو عنه لازم عليه على هذا، ٧٥ کیف کان بدء الوحى 3. حَثنا الُمَيْدِىُّ عَبْدُ اللهبْنُ الَّبَيْ قَلَ حَدَّثَنَ سُفْيَنُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْ بِنْ سَعِيدُ ١ التقريب أيضا إذ البدء عطف على الوحى كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيراداً عليه أيضاً وليس قوله كان ينبغى أيضا مسلما إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب كما قال هو بنفسه والسلف كانوا يستحبون افتتاح کلامهم بحديث النية بیانا لاخلاصهم فيه وليس قوله و گذا حدیث ابن عباس مشلنا اذ فيهیات حال الرسول صلى الله عليه وسلم عند ابتداء نزول الوحى أو عند ظهور الوحى والمراد من حال ابتداء الوحى حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أى تعاق كان كما فى التعلق الذى للحديث الهرقلى وهو أن القصة وقعت فى أحوال البعثة ومبادئها أو المراد من الباب بحملته بيان كيفية بدء الوحى لا كل حديث منه فلو علم من مجموع مافى الباب كيفية بدء الوحى من كل حديث شىء ما يتعلق به لضحت الترجمة . قوله ﴿الحميدى) أُشَرْفُ الكتابَ أولا بنسبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يناسب ثم أشرح الباقى بترتيب نسب النبي الكتاب وهو صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى عليه السلام ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن اليأس (١) بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. إلى هنا إجماع الأمة وما بعد مختلف فيه والنصر هو أبو قريش فى قول الجمهور وقيل فهر وقيل غيره. وأمه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المذكور ومناف بفتح الميم وقضى بصيغة التصغير وكلاب بكسر الكاف وباللام الخفيفة ومرتبضم الميم وتشديد الراء ولؤى بالتصغير وغالب بالغين المنقطة وفهر بكسر الفاء وبالراء والنضر بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وخزيمة مصغر الخزمة بالمعجمة والزاى ومدركة بصيغة اسم الفاعل ومضر بضم الميم وفتح الضاد المنقوطة ونزار بكسر النون وبالزاى والراء ومعد بفتح الميم . وأما مولده صلى الله عليه وسلم فالصحيح من الأخبار أنه . عام الفيل وقيل بعده بثلاثين أو أربعين سنة وأنه فى يوم الاثنين من ربيع الأول الثنتى عشرة خلت منه وقيل ثمان أو لليلتين أو لعشر. وبعث رسولا الى الناس كافة بمكة ابن أربعين سنة ثم . : أقام بعد النبوة بها ثلاث عشرة سنة على الأصح ثم هاجر الى المدينة فأقام عشراً بالاتفاق فالصحيح فى عمره ثلاث وستون سنة وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى اثنتى عشرة خلت من ربيع الأول وابتدأ التاريخ الاسلامى من حجرته صلى الله عليه وسلم. قال الحاكم أبو أحمد ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وخرج من مكة مهاجراً يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفى يوم الاثنين صلى الله (١) اليأس بالهمز: وهو أول من أصابه اليأس ((أي السن)) ١٦ کیف کان بدء الوحی الْأَنْصَارِىُّ قَالَ أَخْبَفِى مَّدُ بْنُ أَبْرَاهِيمَ النَّيْعِ أَنَّهُسَمعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاص الَّنْىّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمنْبَرَ قَلَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله الحميدي عليه وسلم. وأما الرواة فالحميدى بصيغة التصغير وياء النسبة هو أبو بكر الحميدى عبد الله بن الزبير ابن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشى الأسدى منسوب الى جده الأعلى وهو سفیان ابن عيينة رئيس أصحاب سفيان بن عيينة توفى بمكة سنة تسع عشرة ومائتين . وأما (سفيان) فهو بضم السين على المشهور وحكى فتحها وكسرها أيضا وهو أبو محمد بن عيينة بن أبى عمران الهلالى الكوفى سكن مكة ومات بها قال قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين وروى عن ابن أخيه الحسن بن عمران بن أبى عبينة قال قال لى سفيان بمزدلفة قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أفول كل مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأنه فتوفى فى السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وروى سفيان الثورى عن يحيى القطان عن ابن عيينة وهذا من الطرف لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر . أما ﴿يحي) فهو أبو سعيد بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الانصارى تابعى اتفق العلماء على جلالته وحفظه وعدالته قال أحمد بن حنبل رضى الله عنه يحيى بن سعيد أثبت الناس توفى سنة أربع أو ثلاث أو ست وأربعين ومائة بالعراق وقيل بالهاشمية مكان والانصارى نسبة الى الانصار الذى هو كالعلم للقبيلتين الأوس والخزرج ولهذا أجاز النسبة الى لفظ الجمع وسموا أنصاراً لانهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ((والذين آووا ونصروا وواحد)) الانصار نصير محمد التيمى كشريفة أشراف. وأما (محمد) فهو أبو عبد الله بن ابراهيم بن الحارث بن محمد بن خالد بن صخر ابن عامر بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة المدنى القرشى التيمى تابعى توفى بالمدينة سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائة وأما ﴿ علقمة) فهو بفتح العين المهملة (والوقاص) بتشديد القاف علقمة الليثى حي إبن سعيد ابن الخطاب ﴿ والليثى) بالياء المثناة من تحت والثاء المثلثة توفى بالمدينة فى خلافة عبد الملك. وأما ( عمررضى الله عنه) فرو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بالمثناة التحتانية ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وبالطاء المهملة ابن رزاح براء مفتوحة ثم زاى والحاء المهملة بن عدى ابن كعب القرشى العدوى أسلم رضى الله عنه بمكة قديما وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ولمشاهد كلها وهو أول من سمى بأمير المؤمنين من الخلفاء ولى الخلافة عشر سنين وخمسة ١٧ كيف كان بدء الوحى صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَمَ يَقُولُ إِنَّ الْأَعْمَالُ بالنَّاتِ وَإنََّا لِكُلّ امْرِىءٍ مَا نَوَى فَنْ أشهر أو ستة أشهر طعنه أبو لؤلؤة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة أو لثلاث سنة ثلاث وعشرين وتوفى فى مستهل المحرم لسنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين سنة مثل سن النى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر رضى الله عنه على الصحيح ودفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر رضى الله عنه فى حجرة عائشة رضى الله عنها صلى عليه صهيب ومناقبه أكثر من أن تحصى وقد ذكر البخارى طرفا منها كما سيجىء بشرحه ان شاء اللّه تعالى. واعلم أن البخارى رضى الله عنه على ما فى بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بافظ السماع والرابع بلفظ الاخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدى فى كتاب العلم لا تفاوت بينها قال ثمة قال الحميدى كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا والجمهور قالوا على الدرجات لهذه الثلاثة سمعت ثم حدثنا ثم أخبرنا مع فرق أيضا بين المفرد والجمع كما قال فى الاخبار بلفظ أخبرنى مفرداً وفى التحديث بلفظ حدثنا جمعا وقيل بغير ذلك أيضا . ثم اعلم أن فى هذا الاسناد لطيفة وهو أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروى بعضهم عن بعض وهم يحيي ومحمد وعلقمة وقد يقع ما هو ألطف منه وهو ما عن أربعة من التابعين . قوله (على المنبر) بكسر الميم وهو مشتق من النبر وهو الارتفاع وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع واللام فيه للعهد يعنى به منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . قوله (إنما الأعمال بالنيات) هذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين أى لا عمل الا بالنية فقيل لأن الأعمال جمع محكى باللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للقصر إذ معناه كل عمل بالنية فلا عمل الا بالنية والا فلا يصدق كل عمل بالنية وأما انما فلا تفيد الا التأكيد وعليه بعض الأصوليين وقيل إنما للحصر فقيل انما أفادته له بالمنطوق وقيل بالمفهوم ووجهه بأن إن للاثبات وما للنفى فيجب الجمع بينهما وليس كلاء) متوجهين الى المذكور ولا الى غير المذكور بل الاثبات متوجه الى المذكور والنفى الى غير المذكور اذ لا قائل بالعكس اتفاقا واعترض عليه بأنه لا يجوز اجتماع ما المنفية بأن المثبتة لاستلزام اجتماع المتصدرين على صدر واحد ولما يلزم من إثبات النفى لأن النفى هو مدخول الكلمة المحققة فلفظ ما هى ما المؤكدة لا النافية فتفيه الحصر لأنه يفيد التأكيد على التأكيد ومعنى الحصر ذلك وأقول المراد بذلك التوجيه أن إنما كلمة موضوعة للحصر وذلك سر الوضع فيه لأن الكلمتين والحالة هذه باقيتان على أصلهما مرادتان بوضعهما فلا يرد الاعتراض وأما توجيهه بكونه تأكيداً على تأكيد ١٨ كيف كان بدء الوحى كَانَتْ هْجَرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِها أَوْ الَى أَمْرَأَةُ يَنْكُهَا فَهِجْرَفُهُإِلَى مَا هَاجَرَإِلَيْه / فهو من باب إيهام العكس إذ لما رأى الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصر وليس كذلك والا لكان والله ان زيدا لقائم للحصر وهو باطل. قوله ((بالنيات)) هو جمع النية وهو القصد الى الفعل. قال الشيخ أبو سليمان الخطابى: معنى النية قصدك الشىء بقلبك وتحرى الطلب منك له وقيل هى عزيمة القلب. التيمى: النية ههنا وجهة القلب. القاضى البيضاوى : النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا ، أو مآ لا. والشرع خصصها بالارادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه والنية فى الحديث محمولة على المعنى اللغوى ليحسن تطبيقه لما بعده تقسيمه الى من كانت هجرته الى كذا وكذا فانه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله وقال والحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية والمراد به نفى أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفى الصحة أولى لأنه أشبه بت فى الشىء نفسه ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفى الذات وبالتبع على نفى جميع الصفات فلما منع الدليل دلالته على نفى الذات بقى دلالته على نفى جميع الصفات . النووى: النية القصدوهو عزيمة القلب أقول ليس هو عزيمة القلب لما قال المتكلمون القصد الى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الايجاد والعزم قديتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوابينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به وكلام الخطابى أيضا يشعر بالمغايرة بينهما . فان قلت النيات جمع قلة كالأعمال وهى للعشرة فمادونها لكن المعنى أن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلا أو كثيرا . قلت الفرق بالقلة والكثرة إنماهو فى النكرات لا فى المعارف. قوله (لكل امرىء مانوى) الامرؤ الرجل وفيه لغتان امرىء نحو زبرج ومر. نحو فلس ولاجمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابع للام فى الحركات الثلاث دائما وكذا فى مؤنثه أيضا لغتان امرأة ومرأة وفى هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذ قال ((لكل امرىء والى امرأة)) قوله (هجرته) الهجرة الترك وههنا أراد ترك الوطن ومفارقة الأهل وسمى الذين تركوا مكة وتحولوا الى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك قوله ﴿إلى دنيا) لفظة دنيا مت صورة غير منونة لأنها فعل من الدنو وموصوفها محذوف أى الحياة الدنيا قال الشيخ ابن مالك فى كتاب الشواهد فى استعمال دنيا منكرا اشكال لأنها أفعل التفضيل فكان حقها أن تستعمل باللاء كالكبرى والحسنى إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسا وأجريت مجرى مالم يكن وصفا ونحوه قول الشاعر ١٩ حکیف کان بدء الوحى وان دعوت إلى جلى ومكرمة يوما سراة كرام الناس فادعينا فان الجلى مؤنث الأجل :خلعت عنها الوصفية وجعلت اسما للحادثة العظيمة . أقول والدليل على جعلها اسما قلب الواو ياء لأنه لا يجوز القلب إلا فى الفعلى الاسمية. التيمى: الدنيا مؤنث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيها أحدهما الوصفية والثانى لزوم التأنيث . أقول ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها اذلا وصفية ههنا بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للالف المقصورة وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه ،قوله ((إلى دنيا» هو إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ كانت تامة أو خبر لكانت ان كانت ناقصة. فان قلت لفظ كانت ان كان باقيا فى المضى فلم يعلم أن الحكم بعد صدور الكلام من الرسول أيضا لذلك أم لا وأن نقل العكس فيها بسبب تضمين من لحرف الشرط الى معنى الاستقبال ففى الجملة الحكم إما للماضى وإما للمستقبل. قلت جاز أن يراد به أصل الكون أى الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة أو يقاس أحد الزمانين على الآخر أو يعلم من الاجماع أن حكم المكلفين على السواء لا لعارض. قوله ﴿إلى ماهاجر إليه) إما أن يكون متعلقاً بالهجرة والخبر محذوف أى هجرته إلى ماهاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة وإما أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذى هو من كانت وأدخل الفاء فى الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط . فان قلت المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة فى الاخبار . قلت لا اتحاذ اذ الخبر محذوف وهو فلا ثواب له عند الله والمذكور مستلزم له دال عليه أو فهى هجرة قبيحة خسيسة لأنه الخبر وكذا الشرط والجزاء اذا اتحداصورة يعلم منه التعظيم نحو أنا أنا وشعرى وشعرى ومن كانت هجرته الى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله أو التحقير نحو فهجرته إلى ما هاجر إليه ثم لا يخفى أن إنما الأعمال بالنيات لقصر المسند اليه على المسند وإنما لكل امرئ مانوى قصر المسند على المسند اليه اذ المراد إنما لعمل كل امرئ مانوى إذ القصر بانما لا يكون الا فى الجزء الآخر واذا قلنا تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففى إنما لكل امرىء مانوى نوعان من الحصر. واعلم أنه تقرر فى الأصول أن الجمع اذا ذكر فى مقابلة الجمع يفيد التوزيع فمعناه كل عمل انما هو بنية . فان قلت النية أيضا عمل لأنه من أعمال القلب فان احتاج كل عمل الى نية فالنية أيضا تحتاج الى نية وهلم جرا. قلت المراد بالعمل عمل الجوارح نحو الصلاة والزكاة فاذ ذاك خارج عنه بقرينة العقل دفعا للتسلسل . فان قلت المتروك أيضا عمل لأن الأصح أن الترك كف النفس فيحتاج الى النية. قلت نعم اذا كان المقصود منه امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب أما فى إسقاط العقاب فلا فالتارك للزنا يحتاج فيه لتحصيل الثواب الى النية وما اشتهر أن المتروك لايحتاج اليهايريدون به فى الاسقاط وههنا بعدماذكرنامن اللغة والاعراب والبيان والأصول وانفقه يستفاد منه مسألة أخرى أصولية وهى أنه لا يجوز تكليف الغافل فان الفعل ٢٠ كيف كان بدء الوحى امتثالا يعتمد العلم ولايكفي مجرد الفعل. فان قلت فما قولك فى إيجاب معرفة اللّه تعالى للغافل عنه قلت لامدخل له فى المبحث لأن المراد تكليف الغافل عن تصور التكليف لا عن التصديق بالتكليف ولهذا كان الكفار مكلفين لأنهم تصوروا التكليف لما قيل لهم أنهم مكلفون وإنما كانوا غافلين عن التصديق الخطابى. صدر أبو عبد اللّه البخارى كتابه بحديث النية وهو حديث كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديمه أمام كل شىء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة اليها فى جميع أنواعها ووقع فى روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره وهو قوله ((فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته الى الله وإلى رسوله)) ولست أدرى كيف وقع هذا الاغفال ومن جهة من عرض من روايته وقد ذكره البخارى فى هذا الكتاب فى غير موضع من غير طريق الحميدى فجاء به مستوفى مذكورا بشطريه ولا شك فى أنه لم يقع من جهة الحميدى فقد رواه لنا الاثبات من طريقه تاماغير ناقص قال وقوله ((إنما الأعمال بالنية)» لم يردبه أعيان الأعمال لأنها حاصلةحساوعيانا بغير نية وانما معناه أن صحة أحكام الاعمال فى حق الدين انما يقع بالنية وأن النية هى الفاصلة بين ما يصح ومالا يصح وكلمة انما عاملة بر كنيها إيجابا ونفيا فهى تثبت الشىء وتنفى ما عداه فدلالتها أن العبادة اذا صحبتها النية صحت واذا لم تصحبها لم تصح. أقول علم من تقريره أن الباء للمصاحبة وأنها متعلقة بيقع صحيحا أى بيصح قال ومقتضى حق العموم فيها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها الا بنية ودخل فيها التوحيد الذى هو رأس أعمال الدين فلا يصح الا بقصد الاخلاص فيه أقول ليس قوله ودخل فيها التوحيد مسلما لأن التوحيد من الاعتقاديات لامن العمليات اللهم الا أن يراد بالتوحيد قول كلمة الشهادة وبالعمل ما يتناول عمل اللسان وقال قوله ((لكل امرئ ما نوى)) تفصيل لبيان ما تقدم ذكره وفيه معنى خاص لا يستفاد من انما الأعمال بالنيات وهو إيجاب تعيين النية للعمل الذى يباشره فلو نوى أن يصلى ركعتين يكونان عن فرضه ان فاته والا فهى تطوع لم تجزه عن فرضه لانه لم يمحضر النية له وانماداول فى النية بين الفرض وبدله فلم تجد النية قرارا وأما مواضع النية فمنها ما يجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة ومنها ما يجوز تقديمها عليه كالصيام وقد يقع فى بعض الأحوال على إبهام ثم يقع التعيين فيما بعد كمن عليه كفارتان من قتل وظهار فأعتق رقبة ونوى بعده لأحدهما وعلى كل حال فلا ينفك عمل من العبادات عن نيتها وانما جاز التقديم والتأخير لاسباب ليس هذا موضع ذكرها وقد يستدل من هذا الحديث فى مواضع من المعاملات وما يتصل بها كمن أكره على الكفر فتكلم به وهو ينوى خلافه فانه لا يكفر وككنايات انطلاق فانه لو لم ينو الطلاق لم يقع وزعم قوم أن الاستدلال به فى غير العبادات غير صحيح لأن الحديث انما جاء فى اختلاف مصارف وجوه العبادات لكن عوام الفقهاء ينظرون الى اتساع اللفظ واحتمال الاسم