النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٢ - كتاب الصلاة
٣١٣ - بابُ: ما جاء فيمنْ تَفوتَه الركعتان
قبلَ الفجْرِ يُصلِيهِمَا بعدَ صَلاَةِ الفجر
٤٢٢ - حدَّثنا محمدُ بن عمرو السواقُ البلخي، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن
سعدٍ بن سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن جدِه قيسٍ قال: خرج رسولُ اللهِ وَّهِ فَأُقيمَت
الصلاةُ، فصليتُ معهُ الصبحَ، ثم انصرفَ النَّبِيُّ نَّرَ فوجدنِي أصلِّي، فقال: ((مهلاً يا قيسُ
أصَلاَتَانٍ معاً؟»
مكاناً بين سنن الظهر وفريضتها مع أنه لم يقل أحد بهذا، نعم مسألة كراهة مخالطة الصفوف صحيحة
في نفسها كما في مسلم في باب الجمعة إلا أن حمل هذا الحديث على هذه المسألة غير صحيح،
وبالجملة بحث الطحاوي صحيح ومحمله ظاهر، ومحمله عندي أن الفصل أعم من أن يكون زماناً أو
مكاناً، ولا يرد سنن الظهر فإن عدم الفصل زماناً صحيح فيها وجائز، وأمر النبي وَّر بأداء الركعتين
بعد المغرب في البيت لما في سنن النسائي بسند قوي: ((عليكم بهذه الصلاة في البيوت))، فدل على
أن المطلوب من حديث: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة» إلخ الفصل زماناً ومكاناً، ثم أقول: إن
للإقامة أيضاً بعض دخل في مناط النهي.
(٣١٣) باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان
قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الصبح
اشتهر فيما بين المصنفين أنه لا قضاء للسنن عند أبى حنيفة، والحق أن للسنن قضاءً ولكنه أخف
بعد خروج الوقت كما في العناية، وإذا فاتت ركعتا الفجر فنقول: لا يقضيهما بعد طلوع الشمس وهو
القول القديم للشافعي، وأما جديده فهو أن يصلي قبل طلوع الشمس، وأما مالك وأحمد فموافقان
لأبي حنيفة، وقال محمد بن حسن: يقضيهما بعد طلوع الشمس قبل الزوال وهو المختار، فإن أبا
حنيفة، وأبا يوسف أيضاً لا يمنعان من القضاء بعد طلوع الشمس، وفي الدر المختار قضاء الفرض
فرض، وقضاء الواجب واجب وقضاء السنن سنة.
قوله: (عن جده) أي جد سعدٍ، وفي جده اختلاف كثير، قيل: هو إنه قيس، وقيل: قيس بن
عمرو، وقيل: قيس بن فهد، وقيل: قیس بن زید.
قوله: (مهلاً يا قيس إلخ) قوله عليه الصلاة والسلام هذا إما قبل شروعه في الركعتين، وإما حال
شروعه فهيما، وإما بعد أدائه إياهما، وظني أنه بعد أدائهما لا حال شروعه كما يدل الذوق السليم،
ولا قبل شروعه، فإن نص الحديث يدل على أنه قد شرع فيها، ومهلاً بمعنى اترك واكفف، ولعله أراد
الذهاب إلى بيته فقال عليه الصلاة والسلام: اكفف، وليس المراد مهلاً أي انقص صلاتك.
قوله: (أصلانان معاً) هذا الحديث يفيدنا في نفي الجمع بين الصلاتين في وقت واحد فإن
مدلول اللفظ الإنكار على الجمع بين الصلاتين، وأما كلامه عليه الصلاة والسلام فمن قبيل إلزام

٤٠٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قلت: يَا رَسُولَ الله إني لم أكنْ ركعتُ ركعتَي الفجر، قال: ((فَلاَ إذنْ)).
قال أبو عيسى: حديثُ محمدِ بن إبراهيمَ لا نعرفه مثلَ هذا إلاّ مِنْ حديثٍ سعدِ بنِ
سعید .
وقال سفيانُ بن عُيَيْنَةَ: سمعَ عطاءُ بن أبي رباحٍ، من سعدِ بن سعيدِ هذا الحديثَ. وإنَّما
يُزْوَى هذا الحدیثُ مرسلاً.
المخاطب بما لا يلتزمه، لا أنه عليه الصلاة والسلام زعم أنه يصلي فريضةً أخرى، بل زعمه عليه
الصلاة والسلام أيضاً أنه يصلي السنة، وإنكاره عليه الصلاة والسلام ثابت مثل هذا في أحاديث، منها
ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: ((أتصلي الصبح مرتين))، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام
لعبد الله بن سرجس: ((بأية صلاتيك اعتددت))(١)، ومنها ما في حديث عبد الله بن بحينة قال
النبي ◌َّ: ((الصبح أربعاً))(٢) وحديث الباب مرسل(٣)، ولنا ما روي عن ابن عمر: لا صلاة بعد الفجر
حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس(٤). إلخ، وقال بعضهم: الحديث متواتر لأنه
مروي عن قريب من عشرين صحابياً.
قوله: (فلا إذاً .. إلخ) قال العلامة محي الدين الكافيجي: إن (إذن) التي هي ناصبة المضارع
ويقال: إنها من الحروف مغيرة من إذا الشرطية، ويجوز كتابتهما بالنون أي إذن في حديث الباب ورد:
((فلا إذاً)) وفي ابن ماجه: (فسكت النبي ◌ََّ)، وفي مصنف ابن أبي شيبة: فلم يأمره ولم ينهه، وفي
بعض الرويات: أنه عليه الصلاة والسلام ضحك، واختلف أهل المذهبين في شرح لفظ الباب: ((فلا
إذا)) فقال، الشافعية: معناه فلا بأسَ إذن، أي يجوز أداؤهما بعد الفجر قبل الطلوع، وقال، الأحناف:
معناه فلا تصلي مع هذا، العذر أيضاً، أي، ((فلا إذاً))، للإنكار، وكان يختلج في صدري أن الفاء
صحيحة وفصيحة على قول الشافعية، أما على قول الأحناف فلا تكون مربوطة فنظرت هل أجد نظيراً
أم لا؟ فوجدت في الآية ﴿أَفَسِحْرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴾ [الطور: ١٥] قال الزمخشري: إنه إنكار
وقد دخلت الفاء، ثم تتبعت الأمثلة لمثل هذه المحاورة أي استعمال مثل ((فلا إذن)) للإنكار فوجدت
أمثلة، منها ما في مسلم المجلد الثاني: أن نعمان(٥) بن بشير وهب لابنه من الزوجة الثانية حصة ما له
فقالت له زوجته: إني لا أرضى ما لم يكن النبي وَلير، شاهداً على هبتك فجاء إلى النبي اَلّ: فقال
النبي ◌َّر ((وهبت لغير هذا لابن من النبين أم لا فقال لا فقال النبي ◌َّر: ((فلا إذن)) .. إلخ، فاستعمل
(١) رواه ابن ماجه (١١٥٢).
(٢) رواه البخاري (٢٣٢)، ومسلم (٧١١).
(٣) وصله أسد بن موسى في صحيح ابن حبان، وأكثر المحدثين إلى إرساله (من هامش الأصل).
(٤) البخاري (٥٦٣)، ومسلم (٨٢٥) عن أبي هريرة.
(٥) الصواب: (النعمان).

٤٠٣
٢ - كتاب الصلاة
وقد قال قومٌ من أهلِ مكةَ بهذا الحديثِ: لم يروا بأساً أن يصلّيَ الرجلُ الركعتَيْنِ بعدَ
المكتوبةِ، قبلَ أن تَطلُعَ الشمسُ.
قال أبو عيسى: وسعدُ بن سعيدِ هو أخو يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ. قال: وقيسٌ هو جدُّ
يحيى بن سعيدِ الأنصاري. ويقالُ: هو قيسُ بن عمرو.
ويقالُ هو: قيسُ بن قهدٍ. وإسنادُ هذا الحديثِ ليسَ بمتصلٍ: محمدُ بنُ إبراهيمَ التيميُّ
لم يسمَعْ منِ قيسٍ.
وروىَ بعضُهم هذا الحديثَ عن سعد بن سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ: أن النبيَّ ◌َُّ خرِجَ
فرأى قيساً.
وهذا أصحُ من حديث عبد العزيز، عن سعد بن سعيدٍ.
٣١٤ - بابُ: ما جاءَ في إعادتِهِما بعدَ طُلوعِ الشمسِ
٤٢٣ - حدَّثْنا عقبةُ بنُ مُكْرَم العميُّ البصريّ، حدَّثنا عمرُو بن عاصمِ حدَّثنا همامٌ، عن
اللفظ للإنكار والنهي، ومنها ما في معجم الصحابة للبغوي استعمال لفظ: ((فلا إذن)) للإنكار، وأمثلة
أخر، فإذن شرحُنا نافذ، وتمسك الشافعية ((بلفظ فسكت النبي و9َّ))، وأقول: لما سبق الإنكار أولاً
فكيف ما كان لا يدل على الإباحة والإجازة، وشبيه هذا ما في سنن النسائي عن عائشة قالت في حجة
الوداع: صمت يا رسول الله وأفطرت، وقصرت وأتممت، فقال رسول الله وَ ل ﴿ لقد أحسنت يا عائشة،
فظاهره يدل على أن الصوم والإتمام حسن في السفر، ولم يثبت في واقعة من وقائعه ◌َّ: والشيخين
الإتمام في السفر واستمر أمره عليه الصلاة والسلام بالقصر في السفر بإقرار المحدثين، وأنكر الحافظ
ابن تيمية جواز الإتمام في السفر، وعن ابن عمر مرفوعاً في العمدة: صلاة السفر ركعتان ومن ترك
السنة كفر، وروايات أخر دالة على النهي عن الإتمام في السفر، فليس مراد قولهفعّ الَّلهُ لعائشة:
(أحسنت) إجازة الإتمام بل مراده إغمازه عليه الصلاة والسلام عما فعلت عن عدم علم بالمسألة،
فكذلك هاهنا إغماض عن فعله عن عدم علم، ومن مستدلاتنا ما سيأتي من الحديث القولي وفعله عليه
الصلاة والسلام حين رجع من غزوة تبوك، وكان إمام القوم عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو داود
ص (٢٠) باب المسح على الخفين وفيه: ((فلما سلم قام النبي ◌َّ فصلى الركعة التي سبق بها ولم يزد
عليها شيئاً)) انتهى، ورد أبو داود على من قال: من أدرك الإمام في الركعة المنفردة عليه سجدتا
السهو .
(٣١٤) باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس
ينبغي للحنفي أن يأتي بهما بعد طلوع الشمس قبل الزوال لما مر سابقاً، حديث الباب قوي

٤٠٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قتادةً، عن النضْرِ بنِ أنسٍ، عنِ بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ، عن أبي هريرةَ قال: قالَ: رسولُ الله ◌َّ :
(من لم يصلِّ ركعتَيْ الفجرِ فليصلِّهمَا بعد ما تَطلُعُ الشمسُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ. وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ أنَّه
فعلهُ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ.
وبه يقول سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المبارك والشافعي، وأحمدُ، وإسحاقُ، قال: ولا نعلمُ
أحداً رَوَىَ هذا الحديثَ عن همام بهذا الإسنادِ نحو هذا إلاَّ عمرو بن عاصمِ الكلابيَّ.
والمعروفُ من حديثٍ قتادةَ، عن النضرِ بن أنسٍ، عن بشيرِ بنِ نَّهِيكِ، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ وََّ قال: ((مَنْ أدركَ ركعةً مِن صلاةِ الصبحِ قَبْلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدركَ
الصبح)).
٣١٥ - بابُ: ما جاءَ في الأربع قَبلَ الظهرِ
٤٢٤ - حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا أبو عامرِ العَقديُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي
صححه الحاكم في المستدرك، ولعل في تلخيص المستدرك إقرار الذهبي بصحة الحديث، وإني تتبعت
الحديث واجتمع عندي بعشرين طريقاً وما وجدت فيها ما ذكر الترمذي من المتن؛ خمسة في مسند
أحمد، وخمسة في سنن الدارقطني، وثلاثة في السنن الكبرى للبيهقي، واثنان في صحيح ابن حبان،
واثنان في مستدرك الحاكم، وواحد في جامع الترمذي واحد في تذكرة الحفاظ للذهبي، وواحد في
السنن الكبرى للنسائي، ومدار كلها قتادة إلا أن بعضاً من الرواة يعبرون متن الحديث بمن أدرك من ركعة
من الفجر قبل طلوع الشمس وفليصل ركعة بعد طلوع الشمس، والمراد من الركعة الصلاة لا الركعة
الزائدة، ومراد الحديث ليس ما دعم الحافظ من لحوق هذا الحديث بما مر من أدرك ركعة من الفجر
قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة بعض التفصيل مر مني سابقاً، وبالجملة الحديث في حق سنتي
الفجر لا الفريضة.
قوله: (إلا عمرو بن عاصم إلخ) هو من رجال الصحيحين.
قوله: (والمعروف) غرض المصنف إعلال الحديث، وأقول: لا يمكن إعلال الحديث لما
رويت فإن في مسند أحمد عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، وفي سنن الدارقطني
والسنن الكبرى للبيهقي عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة، وفي بعض الكتب عن عزرة بن تميم
عن أبي هريرة فلا يمكن إعلال الحديث المروي بثلاث طرق.
(٣١٥) باب ما جاء في الأربع قبل الظهر
قال ابن جرير الطبري: الأربع والثنتان قبل الظهر ثابتة، والأكثر عملاً الأربع، أقول: لقد أخذ

٤٠٥
٢ - كتاب الصلاة
إسحاقَ، عن عاصم بن ضَمْرَةً، عن عليٍّ قال: كانَ النَّبِيُّ وَّهِ يصلّي قبلَ الظهرِ أربعاً وبعدها
ركعتَیْنِ.
قال: وفي الباب عن عائشةَ وأمّ حبيبةَ.
قال: أبو عيسى: حديثُ علي حديث حسنٌ.
قال أبو بكرِ العطارُ: قال عليُّ بن عبدِ الله: عن يحيى بن سعيدٍ، عن سفيانَ قال: كنّا
نعرفُ فضلَ حديثٍ عاصمٍ بِنِ ضَمْرَةً على حديثِ الحارثِ.
والعملُ على هذا عندَ أكثرَ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ وَّ ومن بعدَهُم: يختارونَ أن
يُصلِّيَ الرجلُ قبلَ الظهرِ أربعَ ركعاتٍ. وهو قولُ سفيانَ الثوريٍّ، وابنِ المباركِ، وإسحاقَ،
وأهل الكوفة.
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مثنَى مثنَى، يرونَ الفصلَ بين كل ركعتَيْنِ .
وبه يقولُ الشافعيُّ وأحمدُ.
٣١٦ - بابُ: مَا جَاء في الركعتَيْنِ بعدَ الظُّهرِ
٤٢٥ - حدَّثنا أحمدُ بن منيع، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عنَ أيوبَ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ قال: صليتُ مع النبيِّ وَّهِ ركعتَين قبل الظهرِ وركعتينِ بعدَها .
قال: وفي البابِ عن عليّ وعائشةً.
قال أبو عیسی: حدیثُ ابنِ عمرَ حدیثٌ صحيحٌ.
ابن جرير في الكلام والدليل على أكثرية الأربع ما في أبي داود ص (١٧٨) عن عائشة ◌َلُبه كان يصلي
أربعاً قبل الظهر في بيتي ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يرجع إلخ.
قوله: (عن عاصم بن ضمرة) حسنه المصنف رحمه الله ونقل في هذا الكتاب توثيقه عن
البخاري في أبواب الزكاة ص (٧٩) باب زكاة الذهب، فقال: عن عاصم بن ضمرة عن علي وعن
الحارث عن علي ربه ثم قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: كلاهما عندي
صحيح، وصحح رواية ابن قطان المغربي في كتاب الوهم والإبهام وروى الحافظ عن علي بن أبي
طالب أنه يرى التطبيق، وفيه عن عاصم بن ضمرة وحسنه الحافظ فثبت تقوية الحافظ رواية عاصم،
وأما أهل المذهبين فلهم كلام يقول الشافعية: إن الأربعة هذه سنن في الزوال وقال الأحناف: إن
الركعتين تحية المسجد أو تحية الوضوء، ولكن الحق لا يتجاوز كلام ابن جرير الطبري.

٤٠٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٣١٧ - بابٌ: منه آخرٌ
٤٢٦ - حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبيدِ الله العَتَكِيُّ المروَزِيُّ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المباركِ،
عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عبدِ الله بنِ شقيقٍ، عن عائشةً: أنَّ النبيَّ نَِّ كان إذا لم يُصَلِّ أربعاً قبلَ
الظهرِ صلّهنَّ بعده.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، إنما نعرفهُ مِن حديثِ ابنِ المباركِ من هذا
الوجهِ. وقد رواه قيسُ بن الربيعِ، عن شعبةً، عن خالدٍ الحذّاء نَحو هذا.
ولا نعلمُ أحداً رواهُ عن شعبةً غيرَ قِيسٍ بِنِ الربيعِ .
وقد رُوِيَ عن عبدِ الرحمْنِ بنِ أبي ليلى عن النبيِّ وَِّ نحوُ هذا.
٤٢٧ - حدَّثنا عليَّ بن حُجْرٍ، أخبرنا يزيد بن هارونَ، عن محمدِ بنِ عَبْدِ الله الشُّعَيْئِيِّ،
عن أبيهِ، عن عنبسةَ بن أبي سُفيانَ، عن أم حبيبةَ قالت: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ صَلّى قبلَ
الظهرِ أربعاً وبعدها أربعاً حرَّمَهُ اللَّهُ على النارِ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ غريبٌ وقد رُوِيَ من غير هذا الوجهِ.
٤٢٨ - حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن إسحاقَ البغداديَّ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ التنيسيُّ
الشاميُّ، حدَّثنا الهيثمُ بنُ حُميدٍ، أخبرني العلاءُ هو ابن الحارثِ، عن القاسم أبي عبدِ الرحمْنِ،
عن عنبسةً بنِ أبي سفيانَ قال: سمعتُ أختي أمَّ حبيبةَ زوجَ النبيِّ وَّ تقولُ: سمعتُ
رسولُ اللهِ وَلَّهِ يقولُ: ((من حافظ على أربع ركعاتٍ قبلَ الظهرِ وأربعٍ بعدَها حرَّمهُ الله على
النار)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ.
والقاسمُ: هو ابنُ عبدِ الرحمنِ، يُكنَى: أبا عبدِ الرحمْنِ، وهو مولى عبدِ الرحمُنِ بنِ
خالدٍ بن يزيدَ بنِ معاويةَ، وهو ثقةٌ شاميٌ، وهو صاحبُ أبي أمامةً.
(٣١٧) باب آخر
من فاتته الأربعة قبل الظهر يأتي بها بعد الفريضة، ثم لنا فيه قولان، قيل: يأتي بها قبل الركعتين
البعديتين، وقيل: بعدهما وهو المختار لوفاقه الحديث.
قوله: (من صلى قبل الظهر أربعاً) حديث أم حبيبة يفيدنا في أربع قبل الظهر وصححه الترمذي

٤٠٧
٢ - كتاب الصلاة
٣١٨ - بابُ: ما جاءَ في الأربعِ قبلَ العضْرِ
٤٢٩ - حدَّثنا بُندارٌ محمدُ بنُ بشارٍ، حدَّثنا أبو عامرٍ: هو العَقَدي عبد الملك بن عَمرِو،
حدَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ ضَمْرَةً، عن عليٍّ قال: كان النَّبيُّ ◌َلم يصلّي
قبلَ العصرِ أربَع ركعاتٍ يفصلُ بينهنَّ بالتسليم على الملائكةِ المقربينَ ومن تَبِعهمْ من المسلمينَ
والمؤمنينَ .
قال أبو عيسى: وفي البابِ عن ابنِ عمرَ وعبدِ الله بن عمرٍو.
قال أبو عيسى: حديثُ عليٍّ حديثٌ حسَنّ.
واختارَ إسحاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أن لاَ يَفْصِل في الأربعِ قبلَ العصرِ، واحتجَّ بهذا الحديثِ،
وقال إسحاقُ: معنى أنَّه يفصلُ بينهنَّ بالتسليم يَعْنِي: التشهدَ.
ورأى الشافعيُّ وأحمدُ: صلاةً الليلِ والنهارِ مثنَى مثنَى. يختاران الفصلَ في الأربع قبل
العصر .
٤٣٠ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، ومحمودُ بن غَيْلانَ وأحمدُ بن إبراهيمَ الدورقي وغيرُ
واحدٍ قالوا: حدَّثنا أبو داود الطيالسيُّ، حدَّثنا محمدُ بن مسلم بن مهرانَ سَمعَ جدَّه، عن ابنِ
عمرَ، عن النبيِّ وٍَّ قال: ((رحِمَ الله أمراً صلى قبلَ العصرِ أربعاً».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ غريبٌ.
٣١٩ - بابُ: ما جاء في الركعتَيْنِ بعدَ المغربِ والقراءة فيهما
٤٣١ - حدَّثنا أبو موسى محمدُ بن المثنَّى، حدَّثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، حدَّثنا عبدُ الملكِ بن
معدانَ، عن عاصم بن بَهدلَةَ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ أنه قال: ما أُحصِي ما
سمعتُ مِن رسولِ اللهِ وَّهِ: يقرأْ في الركعتينِ بعدَ المغربِ وفي الركعتَيْنِ قبلَ صلاةِ الفجرِ بـ
﴿قُلْ بَأَيُّهَاَ اَلْكَفِرُونَ﴾ [الكافِرون: الآية، ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: الآية، ١].
قال: وفي الباب عن ابن عمرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مسعودٍ حديثٌ غريبٌ من حديث ابن مسعودٍ، لا نعرفه إلا
من حديثٍ عبدِ الملكِ بن معدانَ عن عاصمٍ .

٤٠٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٣٢٠ - بابُ: ما جاءَ أنهُ يصليهِما في البيتِ
٤٣٢ - حدَّثنا أحمدُ بن منيع، حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ قال: صليتُ مع النبيِّ وَّوَ ركعتَيْنِ بعدَ المغربِ في بيتِهِ.
قال: وفي الباب عن رافعٍ بنٍ خَديجٍ، وكعبٍ بن عُجرةً.
قال أبو عيسى: حدیثُ ابنِ عمرَ حدیثْ حَسَنٌ صحيحٌ.
٤٣٣ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليّ الحلْوانِيُّ الخلال، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن
أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: حفِظتُ عن رسولِ اللهِ وَ﴿ عَشْرَ ركعاتٍ كان يصليها
بالليلِ والنهارِ: ركعتينٍ قبلَ الظهرِ، وركعتينٍ بعدَها، وركعتين بعد المغربِ، وركعتينٍ بعد
العشاءِ الآخرةِ.
٤٣٣م - قال: وحدثتني حفصةُ أنه كانَ يصلّي قبلَ الفجرِ ركعتَيْنِ .
هذا حديث حسن صحيح.
٤٣٤ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمر، عن الزهريٌّ، عن
سالمٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَلير: مثلَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ .
(٣٢٠) باب ما جاء أنه يصليهما في البيت
أداء السنن في البيت سنة وأفضل كما في الهداية، وهذا أصل المذهب، وأما أرباب الفتيا فأفتوا
بأن الأفضل في المسجد لئلا يلزم التشبه بالروافض، فإنهم لا يأتون بالسنن، ولو تركت في المسجد
يتوهم الناظر أن أهل السنة أيضاً يتركون، وأما في زماننا فيمكن الفتوى بأدائها في المسجد فإن الناس
متكاسلون ولا يأتون بها في البيوت أن فاتتهم في المسجد، وأما النبي وَّر فسنته المستمرة أداء السنن
في البيت إلا في واقعتين في ركعتي المغرب، إحداهما: أنه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى مسجد بني
عبد الأشهل فصلى المغرب ثم صلهما فيه، وروى محمد بن نصر المروزي عن ابن عباس أن عباساً
أرسله إلى النبي والتر فرآه يصلي في المسجد بعد المغرب إلى العشاء، أقول هذا معلول فإن قصة ابن
عباس مشهورة مروية بطرق تبلغ خمسين أو ستين وليست فيها هذه الزيادة في مسند أحمد: أن
عبد الله بن أحمد سأل أباه أن بعض أهل كوفة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أفتى بعدم
جواز السنن في المسجد، قال أحمد: صدق، والله أعلم بالصواب.

٤٠٩
٢ - كتاب الصلاة
٣٢١ - بابُ: ما جاء في فضلِ التطوعِ وست ركعاتٍ بعدَ المغرب
٤٣٥ - حدَّثنا أبو كريبٍ، يعني: محمدُ بن العلاءِ الهمداني حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ،
حذَّثنا عمرُ بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةً قال: قال:
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((من صلّى بعدَ المغربِ ستَّ ركعاتٍ لم يتكلمْ فيما بينهنَّ بسوءٍ عُدِلْنَ له بعبادةِ
ثِثْتَيْ عَشْرةَ سنةً)) .
قال أبو عيسى: وقد روي عن عائشةً، عن النبيِّ وَلّ قال: ((من صلّى بعد المغرب
عشرينَ ركعةٌ بَنَّى الله له بَيْتاً في الجنَّة)).
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ غريبٌ. لا نعرِفه إلا من حديث زيدٍ بن
الحُبابِ، عن عمرَ بنِ أبي خثعم.
قال: وسمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولُ: عمرُ بنُ عبدِ الله بن أبي خثعم منكرُ الحديثُ
وضعَّفَهُ جداً.
٣٢٢ - بابُ: ما جاء في الركعتَيْنِ بعدَ العشاءِ
٤٣٦ - حدَّثنا أبو سَلَمَةً يحيىَ بنُ خلفٍ، حدَّثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن خالدِ الحذَّاءِ،
عن عَبْدِ الله بن شقيقٍ قال: سألتُ عائشةَ عن صلاةِ رسولِ الله وَّ﴿ فقالت: كان يصلّي قبلَ
الظهر ركعتَينِ وبعدَها ركعتَينِ وبعدَ المغربِ ثِثْتَينٍ، وبعدَ العشاءِ ركعتَينٍ، وقبلَ الفجرِ ثِْتينٍ .
قال: وفي الباب عن عليٍّ وابن عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله بنِ شقيقٍ عنْ عائشةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(٣٢١) باب ما جاء في فضل التطوع ست ركعات بعد المغرب
تسمى هذه الصلاة بصلاة الأوابين في عرف الناس ولم يصح فيها حديث وحديث، الباب أيضاً
ضعيف والعمل به مع ضعفه، وصح الحديث في الأربع بعد العشاء، وفي الأربع قبله ضعيف وفي
الأربع قبل الظهر والأربع بعدها صحيح، وكذلك في الأربع قبل العصر.
(٣٢٢) باب ما جاء في الركعتين بعد العشاء
هذه الصلاة من السنن الرواتب عندنا، حديث الباب يفيد الشافعية في الركعتين قبل الظهر، ولنا
عن عائشة ما في أبي داود ص١٧٨ .

٤١٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٣٢٣ - بابُ: ما جاءَ أن صلاةَ الليلِ مِثْنى مِثنَى
٤٣٧ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، حدَّثنا الليثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيّ ◌َّهِ أنه قالَ:
((صلاةُ الليلِ مثْنَى مثْنَى فإذا خِفْتَ الصبحَ
(٣٢٣) باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى
قال أبو حنيفة: إن الأفضل أربع بتسليمة في الملوين(١)، وقال صاحباه بأفضلية الأربع بتسليمة
بالنهار، والمثنى بالليل، وقال الشافعي بأفضلية مثنى مثنى في الملوين، وقال مالك بن أنس لا تجوز
أربع بتسليمة بالليل وصورة الاختلاف من أراد أن يصلي أربعاً، وأما لو أراد أن يصلي ركعتين فقط
فليس بمورد النزاع.
قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) هذه الجملة مفيدة للقصر، وقال الشافعية: إن القصر قصر
الأفضلية، وقال الموالك: قصر الجواز، ولا يصح القصران على مذهب أبي حنيفة وقال تقي الدين بن
دقيق العيد: إن القصر ليس بمنحصر في هذين القسمين بل قصر آخر أي قصر أقل ما يصح وما يجوز،
وأقول: إن هذا القصر يراد به إذا لم تكن قرائن القصرين الأوليين من قوله عليه الصلاة والسلام أو
فعله في أكثر الأحيان، ولم يثبت حديث ينص على أربع بالليل بتسليمة، وتمسك الأحناف في مذهب
أبي حنيفة بحديث عائشة حديث الصحيحين: كان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. إلخ،
وأقول: إنه ليس بحجة لنا، فإن الحديث مبهم ولا يدل على أنها بتسليمة واحدة بل هي محمولة عندي
على هيأة التراويح في زماننا أي التسليمة على ركعتين ركعتين والترويحة على أربعة، ومر عليه أبو عمر
في التمهيد، وقال في شرح الحديث مثل ما قلت، وإنما جمعت بين أربع لعدم الوقفة والترويحة على
ركعتين، ثم وجدت في السنن الكبرى مرفوعاً: يصلي أربعاً فيتروح إلخ، ويدل على التسليم على
ركعتين عن عائشة ما في مسلم ص ٢٥٤ يسلم بين كل ركعتين، وفي النسائي عن أم سلمة: يسلم على
كل ركعتين، فلا يكون حجة لنا ناهضة فإن الرواة بعضهم يعبرون المراد مجملاً، وبعضهم يفصحون
بالمراد ويذكرون التسليم على كل ركعتين والأولون لا يذكرون التسليم فلا يمكن الاستدلال بالإجمال،
فالحاصل أني لم أجد ما يدل على مختار أبي حنيفة رحمه الله إلا ما روي عن ابن مسعود موقوفاً،
ولكنه مرفوع حكماً بسند قوي أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: من صلى أربعاً بتسليمة واحدة بالليل
عدلن بمثل قيام ليلة القدر، وإنما قلت: إنه مرفوع حكماً فإن ذكر فضل العمل لا يمكن لأحد بلا
إخبار الشارع، ولهذا تتبعت الكتب لأجد الرواية عن أبي حنيفة مثل الصاحبين، ولكني لم أجد مع
التتبع الكثير ولو وجدت عنه لرجحت ولو شاذة.
أجاب ابن همام عن حديث الباب بتأويلين:
الأول: أن لفظ مثنى ناف للواحد والثلاثة وأما الأربع فليست بداخلة تحته.
(١) الملوين: الليل، والنهار.

٤١١
٢ - كتاب الصلاة
فأوْتَر بواحدةٍ واجعلْ آخرَ صلاتِكَ وتراً)) .
والثاني: أن معنى مثنى اثنان اثنان فيكون المجموعة أربع ركعات ولم يقل النبي وَلّم أربعاً أربعاً
كيلا يرفع القعدة على ركعتين ركعتين، أقول: يخالفه قول الزمخشري أن المراد من مثنى اثنان فقط لا
اثنان اثنان، وهذا إذا كان اللفظ مكرراً، وأيضاً يخالف قول الشيخ ما ورد عن ابن عمر راوي الحديث
تفسير المرفوع أنه سئل ما مراد من مثنى مثنى؟ قال: أن تسلم على كل ركعتين أخرجه مسلم في
صحيحه (٢٥٧)، ثم فيما فسر ابن عمر بحث لأنه ثبت عنه موقوفاً: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى،
أخرجه في معاني الآثار، وعمله بالنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة، كما في معاني الآثار ص (١٩٨):
أن ابن عمر صلى قبل الجمعة أربعاً لا يفصل بينهن بسلام، وسنده صحيح فإن فهداً شيخ الطحاوي
ثقة، وعلي بن معبد تلميذ محمد بن حسن من رواة الصحيحين ورواة الجامع الصغير، وسائر الرواة
ثقات، وإن قيل: إنه يدل على أربع قبل الجمعة لا تظوع النهار مطلقاً قلت: إن في تلك الصفحة عن
ابن عمر: أنه كان يصلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعاً، وسنده قوي فإن رواته رواة الصحيحين إلا
فهداً، وروي عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) إلا أنه أعله الطحاوي
والدارقطني وابن حبان وجمهور المحدثين، وقالوا: إن لفظ النهار وهم الراوي، وخالفهم البخاري،
ويقوي لفظ النهار في خارج الصحيح، ثم أقول لدفع ذلك البحث: إن مراد ما قال ابن عمر هو القعدة
على الركعتين لا السلام على ركعتين، وأما قوله لرجل سأل عن تفسير مثنى مثنى في مسلم ص(٢٥٧)
فالمراد به أن التسليم أولى وأفضل، والله أعلم وعلمه أتم فأذن دار المثنوية على القعدة عندنا وعلى
التسليم عند الشافعية، وعلى هذا يقول الشافعية في الوتر: إن المثنوية لما كانت بالتسليم تكون الشفعة
في الوتر أيضاً بالتسليم لا بالقعدة، لحديث عام: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فيكون الوتر ثلاث ركعات
بتسليمتين، فإذن يكون مضي الواحدة في ((أوتر بواحدة)) المنفردة (أكيلا) عند الشافعية، وأما عند
الأحناف فمعناه الواحدة (إيك).
قوله: (أوتر بواحدة) هذا اللفظ لا يدل على الوتر بركعة واحدة فإن لفظ الوتر محمول إلى الخارج
وليس المراد الوتر لغة، فإن معناه اجعل صلاتك وتراً معهوداً في الشريعة بركعة أي بضم ركعة لمقدمة.
إن الأسماء الشرعية كانت في اللغة متعدية مثل القراءة والوتر والمسح وغيرها، فإذا نقلت إلى
الشريعة صارت لوازم فإن المراد يكون منها المدلولات الشرعية، فإذا أردنا تعديتها نجعلها متعدية
بواسطة الباء فالباء في: ((أوتر بواحدة)) ((وامسحوا برؤوسكم) باء التعدية، فإن المسح كان متعدياً في
اللغة، فإذا نقلناه إلى المعنى الشرعي صار لازماً أي إمرار اليد المبتلة فعديناه بالباء، ولا يتوهم أن في
المعنى الشرعي أيضاً تعدياً، فإنه شبيه ما قيل: أن لا يعلمون، بمعنى: ليس لهم علم لازم، وكذلك
فرق بين السميع صيغة الصفة المشبهة اللازم، والسامع صيغة اسم الفاعل المتعدي، ومر مني بعض
كلام في هذه المقدمة في القراءة خلف الإمام.
قوله: (واجعل آخر صلاتك وتراً) هذا محمول على الاستحباب عند الجمهور، وفي متوننا من
كان يثق بالانتباه يؤخر الوتر إلى آخر الليل.

٤١٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: وفي البابِ عن عمرٍو بنِ عَبَسَة.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ: أنَّ صلاةً الليلِ مثنى مثنى.
وهوَ قولُ سُفيانَ الثوريِّ، وابنِ المباركِ، والشافعيّ، وأحمدَ، وإسحاقٌ.
٣٢٤ - باب: ما جاءَ في فضْل صلاةِ الليلِ
٤٣٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا أبو عَوَانَةَ، عنْ أبي بِشرٍ، عن حميدٍ بن عبدِ الرحمُنِ
الحِمْيَرِيِّ، عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَطِّ: ((أفضلُ الصيام بعدَ شهر رمضانَ شهرُ الله
المحرَّمُ وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليلِ)) .
قال: وفي الباب عن جابرٍ، وبلالٍ، وأبي أُمامةً.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسَنْ صحيح.
قال أبو عيسى: وأبو بشرِ اسمهُ: جعفرُ بنُ أبي وحشية واسم أبي وحشية، إياسٌ.
٣٢٥ - بابُ: ما جاءَ في وصفٍ صلاةِ النبيِّ ◌َّ بالليل
٤٣٩ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ، حدَّثنا معنٌ حدَّثنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي
سعيد المقْبُريّ، عن أبي سَلَمَةً أنهُ أخبرهُ أنهُ سألَ عائشةَ: كيفَ كانتْ صلاةُ رسولِ اللهِ وَيه
بالليل في رمضانَ؟ فقالتْ: ما كانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرهِ على إحدَى
(٣٢٥) باب ما جاء في وصف صلاة النبي ◌َّ بالليل
صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل في أصح الروايات بإحدى عشر ركعة، وفي بعض الصحاح
ثلاث عشرة ركعة، وقال المحدثون: إن صلاة الليل كانت إحدى عشر ركعة إلا أن الراوي جمع بها
ركعتي الفجر، الحديث: صلى النبي وَلَه بالليل ثلث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر وقيل أن الركعتين
صلاة التحية، وقيل: هي الركعتين الخفيفتين قبل صلاة الليل أو بعدها، وقيل: هما ركعتا النفل جالساً
بعد الوتر، وورد في رواية صلاته الَّل بالليل خمس عشرة وسبع عشرة ركعة أيضاً، وتردد فيهما
المحدثون .
قوله: (ما كان يزيد في رمضان إلخ) هذه الرواية رواية الصحيحين، وفي الصحاح صلاة تراويحه
عليه الصلاة والسلام ثماني ركعات، وفي السنن الكبرى وغيره بسند ضعيف من جانب أبي شيبة فإنه
ضعيف اتفاقاً عشرون ركعة، وأما عشرون ركعة الآن إنما هو سنة الخلفاء الراشدين، ويكون مرفوعاً

٤١٣
٢ - كتاب الصلاة
عشرةَ ركعةً يصلي أربعاً فَلاَ تسأل عن حسنِهِنَّ وطولِهِنَّ ثمَّ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ
وطولهنَّ ثمَّ يصلي ثلاثاً. فقالت عائشةُ: فقلتُ يَا رَسُولَ الله أتنامُ قبلَ أنْ توترَ؟ فقال: ((يا عائشةُ
إنَّ عينيَّ تَنامان ولا ينامُ قَلبي)).
قال أبو عيسى: هذا حديثُ حسَنٌ صحيحٌ.
٤٤٠ - حدَّثنا إسحاقُ بن موسى الأنصاريّ، حدَّثنا معنُ بن عيسى، حدَّثنا مالكٌ، عنْ
ابن شهاب، عنْ عُزْوَةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ كانَ يصلي منَ الليل إحدى عشرةَ ركعةٌ
يوتُر منها بواحدةٍ، فإذا فرغ منها اضطجعَ على شِقْهِ الأيمنِ .
٤٤١ - حدَّثْنَا قُتَنِيَةُ عنْ مالكِ، عن ابن شهابٍ نحوَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٣٢٦ - بابٌ: منْهُ
٤٤٢ - حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عنِ ابن
عباسٍ قال: كان النبي ◌َّر يصلي من الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأبو جمرة الضُّبَعِيُّ اسمه: نصر بن عمران الضُّبَعِيُّ.
٣٢٧ - باب: منْهُ
٤٤٣ - حدَّثنا هنادٌ، حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بن
يزيد، عن عائشةَ قالت: كان النَّبِيُّ وَّرَ يصلّي منَ الليلِ تسعَ ركعاتٍ .
قال: وفي البابِ عنْ أبي هُرَيرَةً، وزيدِ بنُ خالدٍ، والفضل بن عباسٍ.
حكماً وإن لم نجد إسناده قوياً، وفي التاتار خانية سأل أبو يوسف أبا حنيفة: هل كان لعمر نظراته عهد
عن النبي ◌ّ﴿ حين قرر التراويح عشرين ركعة وأعلن بها؟ قال أبو حنيفة: لم يكن عمر مبتدعاً أي لا
بد من كون عشرين ركعة مرفوعةً، قال المصنف لم تكن صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل أقل من
تسع ركعات، أقول: لم تكن أقل من سبع ركعات لحديث عائشة أخرجه أبو داود في سننه
ص(٢٠٠): كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، وقال الحافظ ابن
حجر: إن هذا الحديث أصح ما وقفت عليه في عدد الركعات.

٤١٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: حديثُ عائشةً حديثٌ حسَنٌ صحيح غريبٌ منْ هذا الوجهِ.
٤٤٤ - ورواه سفيانُ الثوريُّ، عنْ الأعْمَشِ نحوَ هذاَ، حدَّثنا بذلك محمودُ بنُ غَيْلاَنَ،
حذَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ .
قال أبو عيسى: وأكثرُ ما رُوِيَ عن النبيِّ وَّ في صلاةِ الليلِ ثلاثُ عشرةَ ركعةً مع الوترِ،
وأقلُ ما وُصفَ منْ صلاتهِ بالليلِ تسعُ ركعاتٍ.
٣٢٨ - تابع - باب: إذا نام عن صلاته بالليل صلى بالنهار
٤٤٥ - حدَّتنا قُتَيْبَةُ، حذَّثنا أبو عوانةَ، عن قتادةَ، عن زرارةَ بن أوْفى، عنْ سعدٍ بن
هشام، عن عائشةَ قالتْ: كانَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ّهِ إذا لم يُصلُ منَ الليلِ منعهُ منْ ذلكَ النوم أوْ غلبتهُ عيناهُ
صلىَّ منْ النهارِ ثنتي عشرةَ ركعةٌ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال أبو عيسى: وسعدُ بن هشام: هوَ ابنُ عامرٍ الأنصاريُّ، وهشامٍ بن عامرٍ: هوَ منْ
أصحاب النبيّ ◌َلّد .
٤٤٥م٠٠ - حدَّثنا عباسٌ: هو ابن عبدِ العظيم العنبريّ، حدَّثنا عتَّابُ بن المَثنَّى، عن
بُهزِ بن حكيم قالَ: كانَ زُرَارةُ بن أوْفى قاضي البصرةِ، فكان يؤمُّ في بني قشيرٍ، فقرأ يوماً في
صلاةِ الصبح: ﴿فَإِذَا يُّفِرَ فِىِ النَّقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَ عَسِيرُ ﴾﴾ خرَّ ميتاً وكنتُ فيمنْ احتملَهُ إلى
داره.
٣٢٩ - بابُ: ما جاء في نزولِ الربِّ عزَّ وجلَّ إلى السماء الدنيا كلّ ليلةٍ
٤٤٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ، حدَّثنا يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الإسكندرانيُّ، عنْ سهيلِ بنِ أبي
قوله: (صلى من النهار ثنتي عشر ركعة) تمسك البعض بهذا على وحدة ركعة الوتر فإن عمله
عليه الصلاة والسلام لم يزد على ثلاث عشرة ركعة، فلما قضى ثنتي عشر ركعة، وعلم أن صلاته
بالليل ثنتا عشر ركعة، علم أن الوتر ركعة يقال: ثبت صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل خمسة عشر
ركعة أيضاً، وأيضاً لعل هذه الصلاة ليست قضاء صلاته بالليل بل رواتبه النهارية، وتوهمه رواية
أخرجها أحمد في مسنده عن علي: أنه غُ لَّل كان يصلي ثلاث عشرة بالليل وثنتي عشر ركعة بالنهار،
والله أعلم.
(٣٢٩) باب ما جاء في نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة
حديث الباب حديث الصحيحين، ومسألة الباب تتعلق بالاعتقاديات لا بالفقهيات، ويكفي

٤١٥
٢ - كتاب الصلاة
صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَ لَه قال: ((ينزلُ الله إلى السماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ
الاعتقاد إجمالاً كما في الفقه الأكبر إذ لا يعلم أحد تفصيل المسألة، فليقل: آمنت بالله وآمنت بهذا
كما هو المراد عند الله تعالى، والفقه الأكبر من تصنيف أبي مطيع البلخي الحكم بن عبد الله تلميذ
أبي حنيفة، وهو متكلم فيه وعندي أنه صدوق، وفي الميزان: كان ابن المبارك يعظمه ويوقره (ف)
اشتهر على الألسنة أن المتأول ليس بكافر، في آخر الخيالي على شرح العقائد وفي بعض تصانيف
الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: إن المتأول في ضروريات الدين كافر.
(واعلم) أن في علم الغيب مقامين: أحدهما: مقام المدح، والثاني: مقام ذكر المسألة، وأما
في مقام المسألة فتكون القيود والشروط مذكورة، وأما في مقام المدح فلا فإنه مقام المبالغة وليس
بكذب، فلا يغرنك ما قال صاحب القصيدة البردة:
ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن من جودك الدنيا وضرتها
فإنه مقام المدح والمناقب، والحاصل أني لا أذكر هاهنا لا نبذة من الكلام.
واعلم أن الفلاسفة ينكرون صفات الله تعالى، وأما قولهم: إن صفات الباري عين ذاته فيغالطون
به الناس ويلزمهم أن صفات الله زائدة على الذات، فإنهم لا يقولون إلا بصفة العلم للباري وينكرون
سائر الصفات، وعلم الله تعالى حصولي عند أرسطو والفارابي وابن سينا كما هو مصرح في
تصانيفهم، وغفل عنه الناس فلا يكون العلم إلا زائداً على الذات، وأما الوجود فهو عين ذات عندهم
ومتحد به كما قال الأشعري بأنهما متحدان في الحقيقة، ثم الاتحاد على أنواع: الاتحاد في المفهوم
وهو أضيق، والاتحاد في الحقيقة وهو أوسع من الأول، ثم الاتحاد في الوجود وهو أوسع من الثاني
كما قال ابن سينا: إن الحيوان والناطق متحدان في الوجود ومختلفان في الحقيقة، وينكر الفلاسفة
الملاعنة الإرادة له تعالى والقدرة فإنهم يقولون: إن الباري فاعل بالإيجاب والعلة، ولعل كنه مذهبهم
أن الحوادث بالعلة الأخيرة ومحصله أنها بغير محدث، ولقوله: إنه فاعل بالاختيار وخالق، وإنكار
القدرة للباري كفر صريح جلي بإجماع الأديان السماوية، وأما الكلام والبصر والسمع له تعالى
فمختلف بين أهل القبلة فكيف يرجى قبوله من الملاعنة؟ فلم يبق إلا العلم وهو أيضاً حصولي هذا ما
نقح لي من مذهب الملاعنة.
(ف) قال مولانا المرحوم النانوتوي: إن النزاع بين الصوفية القائلين بعينية الصفات للذات،
والمتكلمين القائلين بغيرية الصفات للذات، نزاع لفظي وأخذ كل واحد منهما بمرتبة وسكت عن
المرتبة الأخرى، فإن منبع كل صفة ذات وأما انتشارها ووفور آثارها فزائد ليس عين ذات ولا غيرها،
فإن ضوء الشمس في قرصها وذاتها عين ذات وإذا وقع على الأرض فغير ذاتٍ أقول: قد صرح العارف
الجامي بتسليم المرتبتين عند الصوفية كما قال اتفق القوم على أن الله تعالى كمالين كمال ذاتي وكمال
أسمائي .
(ف) في تحرير الشيخ ابن الهمام أن أفعال الباري معللة بالحكم، وأجمع عليه المحدثون
والفقهاء، ولا يلزم منه الاستكمال بالغير كما زعم الفلاسفة الملاعنة، فإن الصفات فروع كمال الذات

٤١٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وليست بلاحقة من الخارج مثل ضياء الشمس ذكره في بحث الأمر، وفي تحريره: أن العلة التامة .
مقدمة على المعلول تقدماً زمانياً لا أن الزمان قد يكون قليلاً فيتوهم عدمه، وهو مختار ابن تيمية حين
قال: لا يتصور عدم تقدم الفاعل على فعله، وهو مختار المتكلمين والسبكي في جمع الجوامع.
(واعلم) أن المشابهات مثل نُزول الله إلى السماء الدنيا، واستواءه على العرش، فرأى السلف
فيها الإيمان على ظاهره ما ورد إمهاله على ظاهره بلا تأويل وتكييف، ويفوض أمر الكيفية إلى الله
تعالى، وأما ما نسب إلى بعض السلف مثل ابن عباس أنه يعلم معاني المقطعات القرآنية على تقدير
صحته بيان محتملات، ويتوهم من جامع الفصولين وهو من معتبراتنا النهي عن الترجمة اللغوية أيضاً
للمتشابهات، لكن قريحتي يحكم أن النهي عنه تفسيرها لا ترجمتها تحت الألفاظ من الحقوق واليد
والوجه وغيرهما، وأما مذهب المتكلمين فهو التأويل في المتشابهات موافقاً للشرع، وقال المتكلمون:
إن مذهب السلف التفويض وهو أسلم، ومذهبنا أي المتكلمين التأويل بالعقل وفاق الشرع وهو
أحكم، ومعناه أن أصل مذهب أهل السنة التفويض، وأما التأويل فعند الضرورة والمقابلة مع الغير من
مخالفي أهل السنة، والمتكلمون إنما احتاجوا إلى التأويلات عند المناظرة مع معاندي الإسلام، فما
قال بعض الناس من الألفاظ الركيكة في حقهم فبريؤون عنها، وأما مذهب المبتدعين في المتشابهات
فالتأويلات المخالفة للشريعة الغراء الموافقة لعقولهم القاصرة عياذاً بالله، ومذهب المشبهة أن الله جسم
كالأجسام، ومذاهب أخر لا أذكرها، وأما تفويض السلف فيحتمل المعنيين:
أحدهما: تفويض الأمر إلى الله وعدم الإنكار على من تأول كيف ما تأول بسبب إقرارهم بعدم
العلم.
ثانيهما: تفويض التفصيل والتكييف إلى الله تعالى والإنكار على من تأول برأيه وعقله ومرادهم
هو الاحتمال الثاني لا الأول، وأما المتأولون من أهل الحق فثلاث فرق: تأول أرباب اللغة بالاستعارة
أو التشبيه، وتأول الصوفية مثلاً في نزول الله بالتجلي وهو ظهور الشيء في المرتبة الثانية، وتأول
المتكلمون بنزول ملائكة الله أو رحمة الله الخاصة والمتكلمون طائفتان: الأشعرية هم المنسوبون إلى
أبي الحسن الأشعري وتوابعه الشافعية والمالكية والطائفة الثانية الماتريدية: هم المنسوبون إلى أبي
منصور الماتريدي وتوابعه الأحناف، وأبو الحسن وأبو منصور معاصران وأبو منصور أصغر سناً، وأما
الحنابلة فلا ينتسبون إلى الماتريدي والأشعري.
واعلم أن لفظ الأشاعرة يطلق على جميع من الأشعريين والماتريديين، وأما الأشعرية فقالوا: إن
لله تعالى صفات ذاتية أزلية قديمة وهذه سبعة: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة،
والكلام، والحياة، وصفات فعلية وهذه حوادث ومخلوقات له تعالى وليس بقائمة بالباري، وأما
الماتريدية فقالوا: إن الصفات الذاتية فسبع وقديمة، وأما الصفات الفعلية فقديمة أيضاً، وهي التي
تكون صفات الله تعالى مع أضدادها، ولم أجد هذا التعريف في كتب الكلام، نعم موجود في كتاب
الإيمان في الدر المختار، ومثال الصفات الفعلية فمثالها الإماتة والإحياء والغضب والرضا وغيرها

٤١٧
٢ - كتاب الصلاة
وأدمج الماتريدية جميع الأنواع تحت جنس واحد وسموها بالتكوين والبخاري أيضاً قائل بالتكوين،
والتكوين صفة ثامنة الله تعالى وقال الأشاعرة في الصفات القديمة: إن التعلقات حوادث وقال
الطحاوي: إن الله خالق قبل أن يخلق، ورازق قبل أن يرزق وأقول من جانب الماتريدية: إن شيئاً آخر
من ما يتعلق بالباري ويسمى بالفعل، وهذه التسمية مني وهو مثل النزول إلى سماء الدنيا وغيره من
الجزئيات التي تكون متعلقة بالباري، ولا يكون له نوع في الباري قديماً، وهذه الأفعال حوادث ويقول
الماتريدية: إنها ليست بقائمة بالباري بل من مخلوقاته، وأما مشرب الحافظ ابن تيمية في الصفات
الحوادث أنها قائمة بالباري وحوادث وغير مخلوقة، ويدعى أنه يوافق السلف الصالحين، ويقول: إن
الله تعالى يقوم به الحوادث باختياره ولكنه ليس ما لا يخلو من الحوادث بل قد يكون متصفاً بالحوادث
وقد لا يكون متصفاً بها، وقال: إن بين الحادث والمخلوق عموماً وخصوصاً فإن الصفات الحادثة
وسائر أشياء العالم حوادث، والصفات ليست بمخلوقة بخلاف سائر أشياء العالم الممكنة، وأما
الأشاعرة فيقولون بأن الباري عزَّ اسمه ليس بمحل للحوادث وقالوا لا فرق بين الحادث والمخلوق،
وأقول: إن اللغة تساعد الحافظ ابن تيمية فإنه إذا كان زيد قائماً يقال: إن القيام متعلق بزيد، وإن زيداً
متصف بالقيام، ولا يقال: إنه خالق القيام فكذلك لما كان الله موصوفاً بالنزول فلا بد من قيام النزول،
وكون الباري عز برهانه متصفاً بالنزول لا خالقاً، له وبعين ما قال ابن تيمية قال البخاري بأن الله
متصف بصفات حادثة، إلا أن الشارحين تأولوا في كلامه ومثله روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد بن حسن بسند صحيح في كتاب الأسماء والصفات، حيث قالوا: من قال: إن القرآن مخلوق
كافرٌ، أي من قال: بأن القرآن ليس صفة الباري وأنه بمعزل وبائن عن ذات الباري، وليسوا بقائلين بأن
القرآن قديم أي الكلام اللفظي فالحاصل أنهم قائلون بحدوث الكلام اللفظي لا بخلقه، وصنف ابن
تيمية في كون الباري يقوم به الأفعال الاختيارية مجلداً كاملاً، ودل ماروينا على رغم أنف من قال بأن
أبا حنيفة جهمي عياذاً بالله، فإن أبا حنيفة قائل بما قال السلف الصالحون، فالحاصل أن نزول الباري
إلى سماء الدنيا نزول حقيقة يحمل على ظاهره ويفوض تفصيله وتكييفه إلى الباري عز برهانه، وهو
مذهب الأئمة الأربعة والسلف الصالحين كما نقله الحافظ في فتح الباري عنه، وذهب الأشاعرة
المتكلمون إلى ما ذهبوا، ثم نقول: إن قول الأشعرية بأن الصفات الفعلية حوادث، لا دليل لهم عليه
فإنها ليست بحادثة، وإن قيل: إن للصفات الفعلية التي تحت الأسماء الحسنى للباري تعلقاً بالحوادث
فتكون حوادث، قلت: إن المقدرة(١) والإرادة وغيرهما أيضاً تعلقاً بالحوادث ولا تقولون بحدوثها ثم
المشهور بين المتكلمين أن الإرادة مثلاً قديمة والتعلقات بالمتعلقات الحادثة حوادث وقال الحذاق
منهم: إن الإرادة مثلاً والتعلق قديمان والمتعلق حادث كما قال الدواني في رسالة إثبات الواجب.
ويعلم أن العلم يتعلق بالمعدومات بدون واسطة الصور وأنكره الفلاسفة الملاعنة.
(١) هكذا في الأصل، والصواب: (للقدرة).

٤١٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
حينَ يمضي ثلثُ الليلِ الأوَّلُ، فيقولُ: أنا الملكُ، منْ ذا الذي يدعوني فأستجيبُ لهُ، منْ ذا
الذي يسألني فأعطيهُ، منْ ذا الذي يستغفرُنِي فأغفرُ لهُ، فلا يزالُ كذلكَ حتى يضيءَ الفجرُ)).
قال: وفي الباب عنْ عليّ بن أبي طالبٍ، وأبي سعيدٍ، ورفاعةَ الجُهنيِّ، وجبيرٍ بن
مطعم، وابنَ مسعودٍ، وأبي الدرداءِ، وعثمانَ بنِ أبي العاصِ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقذْ رُوِيَ هذا الحديثُ منْ أوْجهٍ كثيرةٍ عنْ أبي هريرةَ، عَنْ النّبِيّ وََّ ورُوي عنه أنهُ
قالَ: ((ينزل الله عز وجل حينَ يبقى ثلثُ الليلِ الآخرُ)). وهو أصحُ الرواياتِ.
٣٣٠ - بابُ: ما جاء في قراءة الليل
٤٤٧ - حدَّثنا محمودُ بن غَيلانَ، حدَّثنا يحيى بنُ إسحاقَ: هو السالحيني، حدَّثنا
حمادُ بنُ سلمةً، عن ثابتِ البُنانيِّ، عن عبدِ الله بن رباحِ الأنصاريِّ، عن أبي قتادةً أن النبيِّ وَّى
قال لأبي بكرٍ: ((مررتُ بكَ وأنتَ تقرأُ وأنتَ تخفضَ من صوْتِكَ)) فقال: إني أسْمَعْتُ من
(ف) قال المناطقة: إن العلم هي الصورة الحاصل وقال ميرزاهد: إن العلم هي الحالة
الإدراكية، وقال المتكلمون: إن العلم مبدء الحالة الإدراكية، ونظيره أن يكون بيت مظلم وفيه مشكاة
وضعت فيها السراج فانتشر ضياء السراج ووضعت ثمة تمثالاً فإذن قال المناطقة: إن العلم هي التمثال
وقال ميرزاهد: إن العلم هو ضياء السراج، المنتشر، قال أرباب الكلام: إن العلم هو السراج، فنحول
الأمر إلى ذوي الألباب وينظر فيه ويصدق الصادق ويكذب الكاذب، هذا ما تييسر لي الآن في ذكر
نبذة الكلام، والكلام أطول من هذا والله أعلم، وعلمه أتم، فحاصل الباب أن نؤمن بالمتشابهات كما
وردت بظاهرها ونفوض التفصيل إلى الله، وورد في النصوص أن لِلّه يميناً ورجلاً وحقواً ويداً ووجهاً
وغيرها فنؤمن بظاهرها.
قوله: (ثلث الليل الأول) في رواية نصف الليل وفي رواية ثلث الليل الأخير، واختار المحدثون
الثالثة، وأقول: تحمل الأحاديث والروايات الثلاثة على أصلها بلا ترجيح، ويقال بنزول الله في
الأوقات الثلاثة فإنه تعالى وتقدس لا يشغله شأن، والأوقات الثلاثة مباركة لأنها أوقات الفراغ عن غير
الله تعالى وتقدس.
(٣٣٠) باب ما جاء في القراءة بالليل
الأفضل عندنا في النافلة بالليل الجهر بالقراءة بشرط أن لا يؤذي النائم أو مصلياً آخر.
قوله: (أسمعت من ناجيت) قال الصوفية: كان أبو بكر الصديق رضيُله في مرتبة الجمع وكان
عمر الفاروق ريبه في مرتبة الفرق، فأمرهما النبي ◌َّر بمرتبة جمع الجمع.

٤١٩
٢ - كتاب الصلاة
ناجيتُ، قال: ((ارفعْ قليلاً)). وقال لعمرَ: ((مررتُ بكَ وأنت تقرأُ وأنت ترفع صوتك)) فقال:
إني أُوقظ الوسنَانَ وأطردُ الشيطانَ، قال: ((اخفضْ قليلاً)).
قال: وفي الباب عن عائشةَ، وأمُّ هانىءٍ، وأنسٍ، وأَمّ سلمةَ، وابنِ عباسٍ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ.
وإنما أسندَه يحيى بنُ إسحاقَ عن حمادٍ بنِ سَلَمَةَ. وأكثرُ الناسِ إنما رَوَوْا هذا الحديثَ
عن ثابتٍ عن عَبْدِ الله بن رباحٍ مرسلاً.
٤٤٨ - حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ نافعِ البصريُّ، حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، عنْ
إسماعيلَ بن مسلم العبديِّ، عن أبي المتوكّل الناجيِّ، عن عائشةَ قالتْ: قامَ النبيُّ نَّ بِآيَةٍ منَ
القرآنِ ليلةً.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه.
٤٤٩ - حدّثنا قتيبةَ، حدَّثنا الليثُ، عن معاويةً بن صالح، عن عبدِ الله بن أبي قيسٍ
قال: سألتُ عائشةَ: كيفَ كانَ قِراءةُ النبيِّ وَّ بِالليلِ؟ أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ فقالت: كلُّ
ذلك قد كان يفعلُ، رُبما أَسَرَّ بالقراءةِ ورُبما جهرَ فقلتُ: الحمدِ لله الذي جعلَ في الأمرِ سعةً .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غريبٌ.
قوله: (قام النبي وَ﴿) بآية وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
اَْكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. كان النبي ◌َّير في مرتبة الاستغراق، وادعيت أنه عليه الصلاة والسلام ما قرأ
الفاتحة ولا شيئاً غير هذه الآية في القيام والركوع والسجود فيشكل الأمر على القائلين بفرضية الفاتحة
أزيد منه على الأحناف فإن للصلاة أصلاً على مذهبنا لا على مذهبهم فيفيد الحديث في وجوب
الفاتحة، وأما الذي ادعيت يدل عليه طرق الحديث واستوفيت طرقه في الطحاوي ص(٢٠٥): كان بها
يقوم وبها يركع وبها يسجد فدل هذا الطريق أيضاً على دعواي.
مسألة: تعيين السور من جانب النفس في الصلاة بدون ورود الشرع به بدعة ويجوز تكرار الآية
في النافلة، واعلم أن البدعة ما لا يكون أصله في الأصول الأربعة ويزعم الناظر فيه أنه من أمور
الدين، فعلم أن رسوم النكاح ليست ببدعة، وإن كانت لغواً فإن الناظر لا يزعمها من أمور الشريعة،
بخلاف رسوم المأتم فإن الناظر يزعمها من أمور الشرع.

٤٢٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٣٣١ - باب: ما جاءَ في فضلِ صلاةِ التطوُّعِ في البيتِ
٤٥٠ - حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن سعيدٍ بن أبي
هندٍ، عن سالم أبي النضرِ، عن بُسْرٍ بن سعيدٍ، عن زيدٍ بن ثابتٍ، عن النبيِّ وَّ قال: «أفضلُ
صلائِكم في بيوتِكم إلاّ المكتوبةً» .
قال: وفي الباب عنْ عُمرَ بن الخطابِ، وجابرِ بن عبدِ الله، وأبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ،
وابنَ عُمرَ، وعائشةَ، وعبدِ الله بن سعدٍ، وزيدِ بن خالدِ الجهنيِّ.
قال أبو عیسی: حدیثُ زید بن ثابتٍ حديث حسن.
وقد اختلف الناس في رواية هذا الحديث؛ فروى موسى بن عقبةً وإبراهيمُ بن أبي
النضر، عن أبي النضر مرفوعاً.
ورواهُ مالكٌ بن أنس، عن أبي النضرِ ولَمْ يَرفعْهُ وأوقفه بعضهم، والحديثُ المرفوعُ
أصحُ.
٤٥١ - حدَّثنا إسحاقُ بن منصورٍ، أخبرنا عبدُ الله بن نميرٍ، عنْ عبيدِ الله بن عُمرَ، عنْ
نافعٍ، عن ابن عُمرَ، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((صلوا في بُيوتِكُمْ ولاَ تَّتَخذوها قُبُوراً)).
(٣٣١) باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت
الأفضل أداء السنن والنافلة في البيت كما في الهداية أيضاً
قوله: (أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة) وبهذا قصر أبو جعفر الطحاوي حكم إحراز
الثواب في المسجد النبوي والمسجد الحرام والمسجد الأقصى على المكتوبة، فإنه لم يثبت منه عليه
الصلاة والسلام أداء السنن في المسجد النبوي.
قوله: (ولا يتخذوها قبوراً) في تفسير هذه القطعة أقوال ذكرها الحافظ في فتح الباري قيل في
هذه الجملة النهي عن دفن الموتى في البيوت فلا يكون لهذه الجملة ربط بما قبلها، وقيل: إنها تدل
على كراهة الصلاة في المقابر وقيل مرادها أداء الصلوات في البيوت ولا يعطلها عن ذكر الله .
وأذن يدل الحديث على عدم ذكر الله في القبور ويخالفه ما في سنن ابن ماجه بسند قوي: أن
مؤمناً إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيجلسانه فينظر الشمس كادت تغرب، فيقول لهما دعاني دعاني
الأصلي العصر فإن الشمس كادت تغرب ويخالفه ما في الصحيحين: ((أن موسى عليه الصلاة والسلام
يصلي في القبر)) ويخالفه ما في صحيح مسلم: قال النبي ◌َّر ((رأيت موسى عليه الصلاة والسلام
يلبيّ))، وأما ما قيل من التأويلات في تلبية فلا أرضى به ويخالفه ما في الترمذي ص ١١٢ ج (٣) في
فضائل سورة الملك: أن بعض أصحاب النبي وَل# رأى رجلاً في القبر يقرأ سورة الملك حتى ختمها،