النص المفهرس
صفحات 121-136
١٢١ مقدمة مسلم ما سمع من أبان فما عرف منها إِلا شيئًا يسيرًا خمسة أو ستّةً . ٧٨- (٧٨) حدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارميُّ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إسْحَقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَغْرُوفِينَ وَلا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَغَروفِينَ وَلا تَكْتُبْ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ عَيَّاشِ مَا رَوَى عَنْ الْمَغْرُوفِينَ وَلا عَنْ غَيْرِهِمْ. ٧٩- (٧٩) وحدَّثنا إسحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الْتَظَلِيُّ قَالَ: سَمِعتُ بَعْضَ أَصْحَاب عَبْدِ اللَّه قَالَ: قَالَ ابْنُ الْبَارَكِ: نَعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ لَوْلا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَّ وَيُسَمَّيَ الْكُنَى كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِي فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوس . ٨٠-(٨٠) وحدَّثني أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الَّزَّاق يَقُولُ مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ كَذَّابٌ إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ فَإِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ كَذَابٌ . ٨١- (٨١) وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي قال: سمعت أبا نُعيم وذكر ((المعلى بن عُرفان)) فقال: قال حدثنا أبو وائل، قال: خرج الفَزَارِي : بفتح الفاء. يكني الأسامي ويسمي الكنى: أي: إِذا روى عمَّن هو معروف باسمه كنَّه ولم يسمه وبالعكس، وهو نوع من التدليس (قبيح)(١) لا سيما إذا كان المكنى عنه ضعيفًا . الوُحاظي: بضم الواو، وحكي فتحها. وتخفيف الحاء المهملة وظاء معجمة نسبة إلى ((وحاظة)) بطنٌ من ((حمير)). عرفان : بضم المهملة، وحكي كسرها وراء ساكنة وفاء. (١) ساقط من ((ب)). ١٢٢ مقدمة مسلم علينا ابن مسعود بصِفِّين . فقال أبو نعيم : أتراه بعث بعد الموت ؟ ! ٨٢- (٨٢) حدَّثني عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ كِلاهُمَا عَنْ عَفَّانَ ابْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْن عُلَيَةً فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلِ فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتِ قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ . ٨٣- (٨٣) وحدثنا أبو جعفر الدارميُّ: حدثنا بشر بن عمر قال: سألت مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيَّب ؟ . فقال : ليس بثقة . وسألته عن: صالح مولى التوأمة؟ . فقال : ليس بثقة . أتُراه : بضم التاء. بعث بعد الموت : يعني (( ابن مسعود))، مات سنة اثنين وثلاثين وصفين كانت سنة سبع وثلاثين. وهي : بكسر المهملة والفاء المشددة، والياء لازمة في الأحوال الثلاثة ، وفي لغة تعرب بالواو رفعًا: موضع بين الشام والعراق . التوأمة : بفتح المثناة الفوقية ، وواو ساكنة، وهمزة مفتوحة، وقد تُسهل فتفتح الواو (وبنقل)(١) حركة الهمزة إِليها . ومن ضم التاء وهمز الواو فقد أخطأ . قاله عياض، وهي : بنت أمية بن خلف الجمحي ، كانت مع أخت لها (ق٢/١٦) في بطن واحد فقيل لها ذلك. (١) ساقط من ((م)). ١٢٣ مقدمة مسلم وسألته عن : أبي الحويرث؟ . فقال : ليس بثقة . وسألته عن : شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب ؟ . فقال : ليس بثقة . وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامٍ بْنِ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِثِقَة . وَسَأَلْتُ مَالِكْا عَنْ هَؤُلاءِ الْخَمْسَةِ . فَقَالَ : لَيْسُوا بِثِقَة فِي حَدِيثِهِمْ . وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُبِيٍ . قُلْتُ : لا. قَالَ : لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبي . ٨٤- (٨٤) وحَدَّثْني الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قال حَدَّثْني يَحْبِىَ بْنُ مَعِين حدَّثَنَا حَجاجٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا عَنْ شُرَحْيِيلَ بْنِ سَعْد وكَانَ مُنَّهَمًا . ٨٥- (٨٥) وحدَّثْني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن ◌ُهْزَادَ قَالَ سَمِعْتُ أَا إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ الْبَارَكِ يَقُولُ لَوْ خُيَّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَّةَ وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَرَّر لأَخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ فَلَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ. ٨٦- (٨٦) وحدَّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْل: حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحِ قَالَ قَالَ شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب : هو أبو عبد اللَّه الهاشمي المدني مولى: ابن عباس. حرام : بفتح الحاء والراء. أنيسة : بضم الهمزة وفتح النون. ١٢٤ مقدمة مسلم عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ زَيِّدٌ يَغْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ لا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي. ٨٧- (٨٧) حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال : حدثني عبد السلام الوابصيُّ قال : حدثني عبد الله بن جعفر الرقيّ: عن عبيد الله بن عمرو قال: (( كان يحيى بن أبي أنيسة كذابًا)). ٨٨- (٨٨) حدثني أَحْمَدُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : عَنْ حماد بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَتُوبَ فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيث . ٨٩- (٨٩) وحدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْبِىَ ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّنَ ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْنِيُّ فَضَعَّفَهُ جِدًّا فَقِيلَ لِيَحْتَى أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ : مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ . ٩٠- (٩٠) حدَّثني بِشْرُ بْنُ الْحَكُم قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى بْنَ سَعِيد الْقَطَّانَ ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرِ وَعَبْدَ الْأَعْلِى وَضَعَّفَ يَحْتَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى عن أخي : اسمه (يحيى)(١). الوابصي : - بكسر الموحدة وصاد مهملة - (عبد السلام بن)(٢) عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد الأسدي. الرَّقي : بفتح الراء . فَرْقَد : - بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة - بن يعقوب السَبَخي : - بفتح المهملة والموحدة وخاء معجمة - نسبة إلى سبخة البصرة . فضعفه جدًّا : - بكسر الجيم - مصدر جد يجد . أي : تضعيفًا بليغًا . (١) بياض في (ب)). (٢) ساقط من (( ب)). ١٢٥ مقدمة مسلم الْمَدَنِيَّ قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْبَارَك: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ إِلَّ حَدِيثَ ثَلاثَة لا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعتبٍ وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِم . قال مسلم: وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متَّهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معاييهم كثير. يطول الكتاب بذكره على استقصائه. وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا . وأَما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث، وناقلي الأخبار ، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر ، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي : بتحليل، أو تحريم ، أو أمر ، أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب. فإِذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آئمًا بفعله ذلك غاشًا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلَّها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها ، مع أنَّ وضعف يحيى بن موسى بن دينار: كذا في ((الأصول)) كلِّها وهو غلطّ كما قال= = الحفاظ، لكن من رواة ( كتاب)(١) مسلم لا من مسلم، والصواب إسقاط لفظ : ((ابن)) ( بعد)(٢) يحيى، أي: ضَّف يحيى بنُ سعيدِ القطانُ، موسَى بنَ دینارٍ. عبيدة : بضم العين، وحکي فتحها . ابن مُعتب: بضم الميم، وفتح المهملة ، وكسر المثناة الفوقية، وباء موحدة . لعلَّها أو أكثرها: كذا في ((الأصول)) المحققة بحرف التَّرجي، وفي بعضها بدله : (١) في (م): ((كتب)). (٢) ساقط من (( ب). ١٢٦ مقدمة مسلم الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يُضطرّ إِلى نقل من ليس بثقة ولا مَقْنَع وَلا أَحْسِبُ كَثِيرًا ممن يعرج من النَّاس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة وَيعتدُّ بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف إِلَّ أنَّ الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إِرادة التكثر بذلك عند العوام وَلأَنْ يقال: ما أكثر ما جمع فُلانٌ من الحديث وأَلَّف من العدد . ومن ذهب في العلم هذا المذهب وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه، وكان بأَنْ يُسَمَّى جاهلًا أولى من أن ينسب إلى علم . وقد تكلّم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا. إِذ الإعراض عن القول المُطْرح أحرى لإِماتته، وإخمال ذكر قائله وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه، غير أنَّا لما تخوَّفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إِلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، وردّ مقالته بقدر ما يليق بها من الرّد أجدى على الأنام، وأحمد ((وأقلَّها)) بهمزة وقاف، قال عياضٌ: وهو تصحيف. وأهل القناعة : - بفتح القاف - الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم . مَقْنَع: بفتح الميم والنون . ضربنا عن (حكايته)(١): قال النووي (١٢٨/١): كذا في ((الأصول)) بلا ألف، وهو لغةً قليلةٌ ، يقالُ : ضربتُ عن الأمر، والأشهرُ: أضربتُ. كففت وأعرضت . متينًا : قويًّا . إخمال : - بخاء معجمة - إسقاط . أجدى : - بجيم - أنفع . (١) في ((ب)): ((حكايتهم))! ١٢٧ مقدمة مسلم للعاقبة - إِنْ شاء الله - . وزعم القائل الّذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويّته، أنّ كلّ إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنّهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الّذي روى الرّاوي عمّن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنّه لا نعلم له منه سماعًا ولم نجد في شيء من الرّوايات أنّهما التقيا قطّ ، أو تشافها بحديث - أنّ الحجّة لا تقوم عنده بكلّ خبر جاء هذا المجيء، حتّى يكون عنده العلم بأنّهما قد اجتمعا من دهرهما مرّة فصاعدًا. أو تشافها بالحديث بينهما . أو يرد خبر فيه بَانُ اجتماعهما، وتلاقيهما، مرّة من دهرهما . فما فوقها . فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أنّ هذا الرّاوي عن صاحبه قد لقيه مرّة، وسمع منه شيئًا - لم يكن في نقله الخبر عمّن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا ، حجّة . وكان الخبر عنده موقوفًا. حتّى يرد. (٦) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وهذا القول، يرحمك اللَّه، في الطَّعن في الأسانيد، قول مخترع . مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه. ولا مساعد له من أهل العلم عليه . وذلك أنّ القول الشّائع المتّفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والرّوايات قديمًا الأنام : - بالنون - النَّاس، وفي بعض ((الأصول)) بمثلثة. رَویته : بفتح الراء، وکسر الواو ، وتشديد الياء - فِكْرَه. حتى يكون عنده العلم: كما في ((الأصول)) المعتمدة، وفي بعض النسخ: ((حين)) بالنون، قال النووي (١٢٩/١): وهو تصحيف. ١٢٨ مقدمة مسلم وحديثًا، أنّ كلّ رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد ، وإن لم يأت في خبر قطّ أنّهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرّواية ثابتة . والحجّة بها لازمة . إلّا أن يكون هناك دلالة بينة ، أنّ هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأمّا والأمر مبهم على الإمكان الّذي فسّرنا، فالرّواية على السّماع أبدًا، حتّى تكون الدّلالة الّتي بيّا . فيقال - لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذّاب عنه - : قد أعطيت في جملة قولك أنّ خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد فقلت: حتى نعلم أنّهما قد كانا التقيا مرة فصاعدًا أو سمع منه شيئًا . فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله ؟ وإلّا فهلمّ دليلًا على ما زعمت . فإن ادعى قول أحد من علماء السلف - بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر - طولب به. ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلاً. وإن هو ادّعى - فيما زعم - دليلًا يحتج به، قيل له: وما ذاك الدليل ؟. فإن قال: قلته لأنّي وجدت رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يعانيه ولا سمع منه شيئًا قط ، فلمَّا رأيتُهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد . فإِنْ ٦ ١٢٩ مقدمة مسلم عزَب عنِّي معرفة ذلك أوقفتُ الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه . فيقال له: فإن كانت العلّة في تضعيفك الخبر، وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تثبت إِسنادًا معنعنًا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره. ؟ وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة : عن أبيه: عن عائشة، فبيقين نعلم أن هشامًا قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة. كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي عَّهِ . وقد يجوز ، إذا لم يقل هشام، في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه، لما أحب أن يرويها مرسلًا. ولا يسندها إلى من سمعها منه . وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه، فهو أيضًا ممكن في أبيه عن عائشة . وكذلك كل إسناد لحديث ليس فيه ذكر سماع بعضهم من بعض . وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه عَزَب : - بفتح الزاي (ق ١/١٧) - ذهب وغاب ، والمضارُ : بالكسر والضم . أوقفتُ الخبر: قال النووي (١٣٢/١-١٣٣): كذا في الأصول بألف وهي لغة قليلة ، والأشهر وقفت . لمّ أحبَّ : - بفتح اللام وتشديد الميم، ويجوز تخفيف الميم - . الديباج - الجزء الأول - ملزمة (٩) ١٣٠ مقدمة مسلم سماعًا كثيرًا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانًا، ولا يسمي من سمع منه . وينشط أحيانًا فيسمي الرجل الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال . وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض، من فعل ثقات المحدثين، وأئمة أهل العلم . وسنذكر من رواياتهم على الجهة التي ذكرنا عددًا يستدل بها على أكثر منها إن شاء اللّه تعالى . فمن ذلك ، أن: ((أيوب السختياني، وابن المبارك، ووكيعًا، وابن ثُمير، وجماعة غيرهم)) روَوا عن: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللَّه عنها؛ قالت: كنت أطيّب رسول اللَّه عَظِيمٍ لحله ولحرمه بأطيب ما أجد . فروى هذه الرواية بعينها : الليث بن سعد، وداود العطار: ومحميد بن الأسود، وؤُهيب بن خالد، وأبو أسامة ، عن هشام؛ قال: أخبرني عثمان بن عروة: عن عروة: عن عائشة عن النبي عَّةٍ. وروى هشام ، عن أبيه ، عن عائشة؛ قالت: كان النبي ◌ٍَّ إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله وأنا حائض . فرواها بعينها مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة ، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي عٍَّ . مرسَلًا : - بفتح السّين ويجوز كسرها . ينشَط : - بفتح الياء - يخف. ١٣١ مقدمة مسلم وروى الزهري وصالح بن أبي حسّان، عن أبي سَلَمة، عن عائشة؛ كان النبي ◌ِّ يقبل وهو صائم. فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ؛ أنّ عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أنّ عائشة أخبرته أنّ النبيَّ عَّمِ كان يقبلها وهو صائم. وروى ابن عيينة وغيره، عن عمرو بن دينار، عن جابر؛ قال : أطعمنا رسول اللَّه عٍَّ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر. فرواه حماد بن زيد، عن عمرو ، عن محمد بن علي، عن جابر عن النبي ٹےٍ . وهذا النحو في الروايات كثير. يكثر تعداده . وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم . فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل، في فساد الحديث وتوهينه، إذا لم يعلم أن الراوي قد سمع ممن روى عنه شيئًا، إمكان الإرسال فيه، لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله برواية من يعلم أنه قد سمع لِجَرَمه : - بفتح الحاء وكسرها - لإحرامه . صالح بن (أبي)(١) حسّان: كذا في معظم ((الأصول)). وفي بعضها: ((ابن كيسان)) . وهو غلط . يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: فيه أربعة من التابعين، يحيى ومن فوقه. ورواية الأكابر عن الأصاغر: فإِنَّ أبا سلمة من كبار التابعين، وعمر بن عبد العزيز من أصاغرهم سنّا وطبقة، وإِنْ كان من أكابرهم علمًا وقدرًا . (١) ساقط من ((م). ١٣٢ مقدمة مسلم ممن روى عنه. إلا في نفس الخبر الذي فيه ذكر السماع. لما بينّا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار، أنهم كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالاً ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا. فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا. وبالصعود إن صعدوا، كما شرحنا ذلك عنهم . وما علمنا أحدًا من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقّد صحة الأسانيد وسقمها ، مثل: (( أيوب السختياني ، وابن عون ، ومالك بن أنسٍ، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي)) ومن بعدهم من أهل الحديث ، فتّشوا عن موضع السماع في الأسانيد. كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل . وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا کان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحدیث وشهر به. فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته. ويتفقدون ذلك منه. كي تنزاح عنهم علة التدليس . فمن ابتغى ذلك من غير مدّس، على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمّينا، ولم نسمّ، من الأئمة . فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي ◌ّاتٍ ، قد روى في قياد قوله : - بكسر القاف وتحتية - أي : مقتضاه . فمن ابتغى : - بضم التاء - مبني للمفعول وفي بعض ((الأصول)) بفتحها بالبناء للفاعل. وفي بعضها: ((فمن ابتغى)). وعن كل واحد: قال النووي (١٣٨/١): كذا في ((الأصول)) وعن: بالواو، والوجه حذفها فإنَّها تغيْرِ المعنى . ١٣٣ مقدمة مسلم عن : حُذيفة، وعن : أبي مسعود الأنصاري، وعن: كل واحد منهما حديثًا يسنده إلى النبيّ عَّه. وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما. ولا حفظنا في شيء من الروايات أنّ عبد اللَّه بن يزيد شافه محُذيفة وأبا مسعود بحديث قطّ. ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها . ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى ، ولا ممن أدركنا، أنه طعن في هذين الخبرين، اللذين رواهما عبد الله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود، بضعف فيهما. بل هما وما أشبههما، عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث، من صحاح الأسانيد وقوتها. يرون استعمال ما نقل بها، والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار . وهي في زعم من حكينا قوله، من قبل، واهية مهملة . حتى يصيب سماع الراوي عمن روى . ولو ذهبنا نعدد الأخبار الصحاح عند أهل العلم ممن يهن بزعم هذا القائل، ونحصيها لعجزنا عن تقصّي ذكرها وإحصائها كلها . ولكنا أحببنا أن ننصب منها عددًا يكون سمةً لما سكتنا عنه منها . وهذا أبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول اللَّه عَّم من البدريين هلمّ جرًّا. ونقلا عنهم الأخبار زُعِم : - مثلث الزاي - واهية : ضعيفة . هلم جرًّا: قال عياض: ليس هذا من مواضع استعمالها لأنَّها إِنَما تستعمل فيما = ١٣٤ مقدمة مسلم حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما. قد أسند كل واحد منهما عن أَبيّ بن كعب، عن النبيّ ◌َِّ حديثا. ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أيًّا أو سمعا منه شيئًا . وأسند أبو عمرو الشيباني - وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي ◌َّمِ رجلًا، وأبو معمر عبد اللَّه بن سخبرة - كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي مَاهِ ، خَبَرين. وأسند عُبيد بن عُمَير عن أم سلمة، زوج النبي ◌ِّمِ حديثًا . وعُبيد بن عُمَير ولد في زمن النبي عَيٍ . وأسند قيس بن أبي حازم، وقد أدرك زمن النبي ◌ٍَّ عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي عٍَّ ، ثلاثة أخبار. وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب ، وصحب عليًّا، عن أنس بن مالك، عن النبي ◌َ له، حديثًا. وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن مُحصَين، عن النبي ◌َِّ ، حديثين. وعن أبي بكرة عن النبي ◌َّهِ، حديثًا. وقد سمع ربعي من علي بن طالب ، وروى عنه . ایی = اتصل إلى زمان المتكلم بها، وإنّما أراد ((مسلم)) فمن بعدهم من الصحابة . وجرًّا: منوَّن، قال ابن الأنباري: معنى هلم جرًّا: سيروا وتمهلوا في سيركم وتثبتوا وهو من الجر، وهو ترك النعم في سيرها، فيستعمل فيما دووم عليه من الأعمال. ونصبه على المصدر أو الحال أو التمييز. وذويهما : فيه إضافة ذوي إِلى ضمير وهو ضعيف في العربية . ١٣٥ مقدمة مسلم وأسند نافع بن جبير بن مُطعم، عن أبي شُرَيح الخزاعي، عن النبي ◌َ همِ حديثًا . وأسند النُّعمان بن أبي عيّاش، عن أبي سعيد الخدري، ثلاثة أحاديث، عن النبي عٍَّ . وأسند عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، عن النبي ◌َ ◌ّه، حديثًا . وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج، عن النبي ◌َّم، حديثًا . وأسند محُميد بن عبد الرحمن الحِميّري عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ ، أحاديث . فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم ، لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه . وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد. لا نعلمهم ومَّنوا منها شيئًا قطّ. ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض. إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر. لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه . سَخْبَرة : - بفتح: المهملة والموحدة والراء، وسكون: الخاء المعجمة - . تميم الداري: قيل نسبة إلى جده: ((الدار بن هانئ)). وقيل إلى: ((دارين)) مكان بالبحرين. ولبعض رواة الموطأ: ((الديري)) نسبة إلى دير كان فيه قبل الإسلام، فإِنَّه كان نصرانيًّا. قاله الشافعي. قال النووي (١٤٢/١): والنسبان صحيحان لاجتماع الوصفین (ق٢/١٧) فيه . ١٣٦ :٠ مقدمة مسلم وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث، بالعلة التي وصف أقلّ من أن يعرّج عليه ويثار ذكره. إذا كان قولًا محدثًا وكلامًا خَلْفًا لم يقله أحد من أهل العلم سلف، ويستنكره من بعدهم خلف. فلا حاجة بنا في رده بأكثر مما شرحنا . إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه . والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء . وعليه التكلان . كلامًا خلْفا: بسكون اللّام - ساقطًا فاسدًا. والتكلان : - بضم التاء وسكون الكاف - الاتكال. ٠