النص المفهرس

صفحات 421-440

وأخرجاه على نحو من هذا من حديث عبد الرحمن بن أبي نُعم عن أبي سعيد
قال: بعثَ عليٍّ رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي ◌َّ بِذُهَيْبَة(١) في تربتها،
فقَسَمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع، وبين عُبَيْنة بن
بدر الفزاري، وبين علقمة بن علائة العامري ثم أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل
الطائي ثم أحد بني نبهان، فغَضِبَتْ قريشُ والأنصارُ، فقالوا: يُعطيه صناديدَ أهل
نجد ويَدَعُنا. قال: ((إنّما أتألَّفُهم)) فأقبلَ رجلٌ غائرُ العينين، ناتِئْ (٢) الجبين، كثُّ
اللحية، مُشْرِقُ الوجنتين، محلوقُ الرأس، فقال: يا محمد، اتّقِ الله، فقال:
((فمن يطيع الله إذا عصْتُه، فيأمنُني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟)) فسأل رجلٌ
من القوم قتلَه- أُراه خالد بن الوليد، فمنعه، فلمّا ولّى قال: ((إنّ من ضِئْضئ(٣)
هذا قوماً يقرءون القرآنَ لا يُجاوزُ حناجرَهم، يمرُقُون من الإسلام مُرُوقَ السهمِ من
الرّمّيّة، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أدركْتُهم لاقْتُلَنَّهم قتلَ
عاد)) (٤).
وفي رواية مسلم(٥) عن قتيبة نحوه وزيادة ألفاظ، وفيها: والرابع إمّا علقمة بن
علائة، وإما عامر بن الطفيل. وفيها: ((ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء، يأتيني
خبرُ السماء صباحاً ومساءً؟)وفيها: فقال: يارسول الله، اتّقِ الله. فقال: ((ويلك،
أوَ لَسْتُ أحقَّ أهلِ الأرضِ أن يتَّقِيَ الله)). قال ثم ولّى الرجلُ. فقال خالد بن
الوليد: يا رسول الله، ألا أَضْرِبُ عُنْقَه؟ فقال: لا، لعلّه أن يكونَ يُصَلِّي)). قال
خالد: وكم من مُصَلِّ يقول بلسانِه ما ليس في قلبهِ. فقال رسول اللّه ◌َّهِ: ((إنّي لم
أؤمْر أن أنقٌبَ عن قلوب النّاس، ولا أشقَّ بطونَهم)): قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍ
(١) وفي رواية مسلم: ((بذهبة)).
(٢) ناتئ: بارز.
(٣) ضئضئ: نسل وسلالة.
(٤) البخاري- الأنبياء ٣٧٦/٦ (٣٣٤٤)، والتوحيد ٤١٥/١٣ (٧٤٣٢)، ومسلم ٧٤٢/٢.
(٥) مسلم ٢/ ٧٤٢، وهي أيضاً في البخاري- المغازي ٦٧/٨ (٤٣٥١).
٤٢١

فقال له: ((يخرُجُ من ضِئضئ هؤلاء قومٌ يتلون كتابَ الله رَطْباً، لا يجاوزُ.
حناجِرَهم، يمرُقُون من الدِّين كما يمرُقُ السهمُ من الرّمية)) قال: أظنّه قال: ((لئن
أدرَكْتُهم لأقْتُلَنّهم قتلَ ثمود)».
وفي حديث جرير عن عمارة: فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله،
ألا أضرِبُ عُنقَه؟ قال: ((لا)) فقام إليه خالد سيفُ الله فقال: يا رسول الله، ألا
أضربُ عُنْقَه؟ قال: ((لا))(١).
وأخرج البخاري منه طَرَفاً مختصراً من حديث مَعْبَد بن سيرين عن أبي سعيد
عن النبي وَّ قال: سيخرجُ ناسٌ من قِبَلِ المشرق، يقرءون القرآن لا يجاوزُ
تراقِيَهم، يمِرُقُون من الدِّينَ كما يمرُقُ السّهمُ من الرّمّيّة، لا يعودون فيه حتى يعود
الّهمُ إلى فُوقه)). قيل: ما سيماهم؟ قال: ((سيماهم التحليق)) أو قال:
((التسبيد))(٢).
وأخرجه مسلم على مساقٍ آخر، وفيه زيادة من حديث أبي نَضْرة عن أبي سعيد
أن النبي ◌ُ ◌ّ ذكر قوماً يكونون في أُمّه، يخرجون في فرقة من النّاس سيماهم
التحاليق. قال: هم شرّ الخلق أو من أشرّ الخلق، يقتُلهم أدنى الطائفتَين إلى
الحقّ). قال: فضَرَبَ النبيِّوَله لهم مثلاً أو قالَ قَوْلاً: ((الرجلُ يسرمي الرميّة - أو
قال الغرضَ، فينظُرُ في النّصل فلا يرى بصيرة(٣)، وينظرُ في الفُوق فلا يرى
بصيرة)) قال أبو سعيد: وأنتم قتلْتُموهم يا أهلَ العراق.
وفي رواية القاسم بن الفضل الحُدَّاني عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول .
اللّهِوَِّ قال: ((يَمْرُقُ مارِقةٌ عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ»
مختصر (٤).
(١) مسلم ٢/ ٧٤٣.
(٢) البخاري - التوحيد ٥٣٥/١٣ (٧٥٦٢)، والتحليق والتسبيد واحد.
(٣) في مسلم ٢/ ٧٤٥ (وينظر في النَّضِيّ فلا يرى بصيرة)).
(٤) مسلم ٧٤٥/٢.
٤٢٢

وفي رواية قتادة، وداود بن أبي هند عن أبي نَضْرَةً كذلك بمعناه(١).
وأخرج مسلم هذا الطرف منه من حديث الضحّك المِشْرَقِيّ عن أبي سعيد عن
النبي ◌َّ، وذكر فيه قوماً يخرجون على فرقة مختلفة، يقتُلُهم أقربُ الطائفتين من
الحقّ. هكذا قال، ولم يزد(٢).
١٧٣٧ - الخامس: عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: كُنّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْع على
عهد رسول اللّه ◌َ ﴿ - وهو الخلطُ من التمر(٣) - فكنّا نبيعُ صاعَيْن بصاعٍ. فبلغ ذلك
رسول اللّه ◌َ ا﴿ فقال: ((لا صاعَين تمراً بصاع، ولا صاعَين حنطةً بصاع، ولا درهمَ
بدرهمین»(٤).
وفي رواية أبي نعيم عن شيبان فقال النبي ◌َّ: ((ولا درهمين بدرهم))(٥).
وعندهما من حديث عقبة بن عبد الغافر العوذيّ عن أبي سعيد قال: جاء بلالٌ
إلى النبي ◌َّ ه بتمرٍ بَرْنِيٌّ فقال له النبي ◌ُ له: ((من أين هذا؟)) فقال بلال: كان عندنا
تمرٌ رديءٌ، فِبِعْتُ منه صاعَين بصاع ◌َطْعَم النبيِّوَّهِ. فقال النبيِ وَلِّ عند ذلك:
((أوَّهُ، عينُ الرَّبًا، عينُ الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولكنْ إذا أَردْتَ أن تشتريَ فِبِعِ التمرَ ببيعٍ
آخر، ثم اشْتَرِ به)»(٦).
ولمسلم من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي عن أبي سعيد
الخدري قال: أُتي رسول الله ◌َّ بِتَمْرٍ، فقال: ((ما هذا التمرُ من تمرنا» فقال
الرجلُ: يا رسولَ الله، بِعْنا تمرَنَا صاعَين بصاعٍ من هذا. فقال رسول الله وَلّهِ: ((هذا
الرِّبًا، فرُدُّوه، ثم بيعوا تَمْرنا واشتروا لنا من هذا))(٧).
(٢،١) مسلم ٢/ ٧٤٦.
(٣) الخلط: المختلط من أنواع مختلفة.
(٤) مسلم - المساقاة ١٢١٦/٣ (١٥٩٥).
(٥) البخاري- البيوع ٣١١/٤ (٢٠٨٠).
(٦) البخاري - الوكالة ٤/ ٤٩٠ (٢٣١٢)، ومسلم ١٢١٥/٣ (١٥٩٤).
(٧) مسلم ١٢١٦/٣.
٤٢٣
:

ومن حديث أبي نضرة أيضاً قال: سألْتُ ابن عمر وابن عباس عن الصّرف،
فلم يَريا به بأساً، فإنّي لقاعدٌ عند أبي سعيد الخدري، فسألّتُه عن الصرف فقال: ما
زاد فهو ربا. فأنكَرْتُ ذلك لقولِهما. فقال: لا أحُدَّتُك إلاّ ما سَمِعْتُ من رسول
الله ◌ََّ: جاءه صاحب نخلةٍ بصاعٍ من تمرٍ طيّب، وكان تمرُ النبيِوَ ◌ّ هذا اللَّونِ،
. فقال له النبيِوَّ: (( أَنَّى لَكَ هذا؟)) قال: انْطَلَقْتُ بصاعَين فاشْتَرَيْتُ به هذا الصاعَ،
فإن سعرَ هذا في السُّوق كذا، وسعرَ هذا كذا. فقال رسول اللّهِوَّهِ: ((أَرْبَيْتَ، إذا
أردْتَ ذلك، فبِعْ تمرَك بسلعةٍ، ثم اشْتَرِ بسلْعِتِك أيَّ تمرٍ شِئْتَ). قال أبو سعيد:
فالتمرُ بالتمرِ أحقّ أن يكون رباً أَم الفَضَّةُ بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعدُ
فنهاني، ولم آتِ ابن عباس. قال: فحدَّثَني أبو الصَّهباء أنّه سأل ابنَ عبّاس عنه
بمكة فکرِهَ،(١).
وفي رواية سعيد الجُريري عن أبي نَضْرةَ قال: سألْتُ ابن عباس عن الصَّرْف
فقال: أيداً بيد؟ فقلت: نعم. قال: لا بأس. فأخبَرْتُ أبا سعيد فقُلْتُ: إني سألتُ
ابن عباس عن الصرف، فقال: أيداً بيد؟ قلتُ: نعم، قال: فلا بأس به. قال: أوَ
قال ذلك؟ إنا سنكتبُ إليه فلا يُفْتَكُموه. قال: فوالله لقد جاء بعضُ فتيان رسول
اللهَِّهُ بتمرٍ فأنكره، قال: ((كأن هذا ليس من تمرِ أرضِنا)) قال: كأن في تمرٍ
أرضنا أو في تمرنا- العامَ بعضُ الشيء، فأخذْت هذاَ وزِدْتُ بعضَ الزيادة. فقال:
((أضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لا تَقْرَبَنّ هذا، إذا رابَك من تمرِك شيء فبِعْه، ثم اشْتَرِ الذي
تريدُ من التمر)»(٢).
--
وهو في مسند أبي هريرة بنحو هذا المعنى، عنه وعن أبي سعيد من رواية سعيد
ابن المسيَّب عنهما، وهو مذكور هنالك(٣).
(١) مسلم ١٢١٧/٣.
(٢) مسلم ١٢١٦/٣.
(٣) مسلم ١٢١٥/٣ (١٥٩٣) وينظر ٢٢٣٦.
٤٢٤

. وقد أخرجا من حديث أبي صالح السمان(١) قال: سَمِعْتُ أبا سعيد الخدريّ
يقول: ((الدِّينار بالدِّينار، والدِّرهم بالدِّرهم)) كذا في رواية ابن جُريج عن عمرو،
لم يزد. وفي رواية ابن عيينة عن عمرو: ((الدِّينار بالدِّينار، والدِّرهم بالدِّرهم مثلاً
بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى)) ومن الرّوايتين بعد هذا القول: فقُلْتُ له: فإن
ابن عباس لا يقوله. فقال: أبو سعيد: سألتُه فقُلْتُ: سَمِعْتَه من النبيِّ وَِّ أو
وَجَدْتَه في كتاب الله؟ قال: كلّ ذلك لا أقول، وأنتم أعلمُ برسول الله وَلِّمِنّي،
ولكن أخبرني أسامةُ بن زيد أن رسول اللهِ ◌ِّ قال: ((لا ربا إلّ في النسيئة))(٢).
أخرجه أبو مسعود الدمشقي في مسند أبي سعيد، وليس لأبي سعيد فيه إلاّ متن
موقوف عليه، وإنما هو من مسند أسامة. وقد أخرجاه جمیعاً كما ذكرناه أو بمعناه،
فكان يلزمُه إخراجُه في مسند أسامة كما أخرج هناك حديث عطاء بن أبي رباح عن
أبي سعيد: إذ لَقِي ابن عباس فقال له: أَرَأَيْتَ قولَك في الصرف، أشيئاً سَمِعْت
من رسول الله ◌َّ﴿ ... الحديث بنحو حديث أبي صالح.
وقد أخرج مسلم بن الحجّاج قول أبي سعيد مسنداً من حديث سهيل بن أبي
صالح عن أبيه عن أبي سعيد أن رسول الله ◌َ ﴿ قال: ((لا تبيعوا الذَّهبَ بِالذّهبِ،
ولا الوَرِقَ بالورِقِ إلا وزناً بوزن، مثلاً بمثل، سواءً بسواء))(٣).
وقد انفرد مسلم بإخراج هذا المعنى من حديث أبي صالح عن أبي سعيد.
وليس هذا المتن أصلاً عند البخاري من حديث أبي صالح عن أبي سعيد، بل هو
عنده وعند مسلم من غير حديث أبي صالح، أخرجاه جميعاً من حديث نافع مولى
ابن عمر عن أبي سعيد أن رسول الله ◌ِّ لي قال: «لا تبيعوا الذّهبِ بَالذّهب إلا مثلاً
بمثل، ولا تُشْفُّوا(٤) بعضَها على بعض، ولا تبيعوا الوَرَقَ بالوَرِقِ إلا مثلاً بمثل،
(١) وهو ذكوان، السمّان، الزيّات.
(٢) البخاري- البيوع ٣٨١/٤ (٢١٧٨)، ومسلم ١٢١٧/٣ (١٥٩٦).
(٣) مسلم ١٢٠٩/٣ (١٥٨٤).
(٤) لا تُشْفّوا: لا تفضلوا.
٤٢٥

ولا تُشْقُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز))(١) زاد في رواية الليث
عن نافع «إلاّ يداً بيد)»(٢).
وليس لنافع عن أبي سعيد في الصحيحين غير هذا(٣).
وأخرج البخاري من حديث سالم عن ابن عمر أن ابن عمر لقي أبا سعيد،
فقال: أبا سعيد، ما هذا الذي تُحَدِّثُ عن رسول الله ◌َّ؟ فقال أبو سعيد: في
الصّرف سَمِعْتُ رسول اللّهِ لِّ يقول: ((الذّهَبُ بالذّهب مثلاً بمثل، والورِقُ
بالورقِ مثلاً يمثل)» (٤).
وأخرجه مسلم بأكملَ من هذا من حديث أبي المتوكّل علي بن داود الناجي عن
أبي سعيد قال: قال رسول الله ◌َل: ((الذَّهبُ بالذّبِ، والفضّةُ بالفضّة، والبُرّ:
بالبُرّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتَّمْرُ بالَّمْرِ، والملحُ بالملحِ، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن
زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمُعْطِي فيه سواء)» (٥).
١٧٣٨ - السادس: عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي سعيد عن
النبيِّقال: ((إذا رأيْتُم الجنازة فقُوموا، فمن تَبِعَها فلا يَفْعُدْ حتى تُوضَعَ) (٦)
وأخرجه مسلم من حديث أبي صالح السّمّان عن أبي سعيد قال: قال رسول
اللّه ◌َّهِ: ((إذا اتَبَعْتُم جنازةً فَلا تَجْلِسوا حتى تُوضَعَ))(٧).
(١) الناجز: الحاضر ..
(٢) البخاري ٣٧٩/٤ (٢١٧٧)، ومسلم ١٢٠٨/٣ (١٥٨٤).
(٣) التحفة ٤٧٢/٣.
(٤) البخاري ٣٧٩/٤ (٢١٧٦).
(٥) مسلم ١٢١١/٣ (١٥٨٤).
(٦) البخاري-الجنائز ١٧٨/٣ (١٣١٠).
(٧) مسلم - الجنائز ٢ / ٦٦٠ (٩٥٩):
٤٢٦

وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد المقبري- واسمه كَيسان- قال: كُنّا في
جنازة، فأخذ أبو هريرة بيد مروان فجلس قبل أن تُوضَعَ، فجاء أبو سعيد الخُدْري
فأخذ بيد مروان فقال: قُمْ، فوالله لقد عَلِمَ هذا أن النبي ◌ُّ نهى عن ذلك. فقال
أبو هريرة: صدق(١).
١٧٣٩- السابع: عن أبي سلمة بنِ عبدالرحمن عن أبي سعيد قال: اعْتَكَفْنا مع
رسول الله ◌ُ اللهِ العَشْرَ الأوسطَ، فلما كان صبيحة عشرين نَقَلْنا متاعَنَا، فأتانا
النبيَِِّّ فقال: ((من كان اعْتَكَفَ فَلَيَرْجِعْ إلى مُعْتَكَفِه، فإنّي رأيْتُ هذه الليلةَ،
ورأيتني أسجُدُ في ماء وطين)). فلما رجعَ إلى مُعْتَكَفِه هاجت السّماء فمُطرْنا،
فوالذي بعثَه بالحقِّ لقد هاجتِ السماءُ في آخر ذلك اليوم، وكان المسجدُ على
عريشٍ، فلقد رأيْتُ على أنفه وأرنبتِه أثرَ الماء والطِّين(٢).
وفي رواية محمد بن إبراهيم التّيمي عن أبي سلمة من رواية مالك عن يزيد بن
عبدالله بن الهادِ عن محمد بن إبراهيم نحوه، إلاّ أنه قال: حتى إذا كان ليلة
إحدى وعشرين- وهي الليلة التي يخرُجُ من صبيحتها من اعتكافه قال: ((من كان
اعتكف معي فلْيَعْتِكِفْ العَشْرَ الأواخر)»(٣).
وفي حديث الدَّراوَرْديّ وابن أبي حازم عن يزيد عن محمّد نحوه أيضاً، إلاّ أنه
قال: كان النبيُّ نََّ يُجَاوِرُ في رمضانَ العَشْرَ التِي فِي وَسَطِ الشهر، فإذا كان حين
يُمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مَسْكِنِهِ، ورجعَ
من كان يُجاوِرُ معه. وأنّه أقام في شهر جاورَ فيه الليلة التي كان يرجِعُ فيها،
فخطبَ النّاسَ، وأمرَهم بما شاء الله، ثم قال: ((كُنْتُ أُجاورُ هذه العَشرَ، ثم قد بدا
لي أن أجاور هذه العَشْرَ الأواخر، فمن كان اعْتَكَف معي فلْيَثْبُت في مُعْتَكَفِهِ. » ثم
(١) البخاري ١٧٨/٣ (١٢٠٩).
(٢) البخاري- فضل ليلة القدر ٢٥٦/٤ (٢٠١٦)، والاعتكاف ٢٨٤/٤ (٢٠٤٠).
(٣) البخاري - الاعتكاف ٢٧١/٤ (٢٠٢٧).
٤٢٧

ذكره، وفيه: فوَكَف(١) المسجدُ في مصلّى النبيُّ له ليلة إحدى وعشرين ..
الحديث(٢).
وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: انطلقْتُ إلى أبي سعيد
فقُلْتُ: ألا تخرجُ بنا إلى النخل فنتحدَّثُ، فخرجَ، فقُلْتُ: حدّثْنِي ما سَمِعْتَ من
رسول الله ◌َّه في ليلة القدر. قال: اعتكفَ رسول الله ◌َّ عَشرَ الأول من رمضانَ
واعتكفْنا معه، فأتاه جبريلُ عليه السّلام فقال: إن الذي تطلُبُ أمامَك، فاعتكفَ
العَشْرَ الأوْسَط واعتكفْنا معه، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الذي تطلبُ
أمامك، ثم قام النبي ◌َ ◌ّ﴿ خطيباً صبيحةً عشرين من رمضانَ فقال: ((مَن كان
اعْتَكَفَ مع النبيّ فَلْيَرْجِعْ، فإني رأيتُ كأنّي أسجُدُ في طين وماء)) وكان سقفُ
المسجد جريدَ النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قَزْعة (٣) فمُطِرْنَا، فصلَّى
النبيَِّ ﴿ حتى رأيْتُ أَثر الطين والماءِ على جَبْهةٍ رسول الله ◌َّهِ وأرنبتِه، تصديق
رؤیاہ(٤).
قال البخاري: كان الجميديّ يَحْتَجّ بهذا الحديث، يقول: لا تُمسحُ الجبهة في:
الصلاة، بل تُمْسحُ بعد الصلاة، لأن النبيِوَّهِ رُتّي الماءُ والطينُ في أرنِتِه وجبهته
بعدما صلّى(٥).
أعاد البخاري طَرَفاً منه في الصلاة من رواية يحيى عن أبي سلمة عن أبي سعيد
قال: رأيْتُ رسول اللهِ له سجدَ في الماء والطين، حتى رأيْتُ أثَر الطين في
جبهته(٦). لم يزد.
(١) فوكف: سال وقطر الماء منه.
(٢) البخاري - فضل ليلة القدر ٢٥٩/٤ (٢٠١٨)، ومسلم- الصيام ٢/ ٨٢٤، ٨٢٥ (١١٦٧).
(٣) القزعة: القطعة من السحاب.
(٤) البخاري - الأذان ٢٩٨/٢ (٨١٣)، ومسلم ٨٢٦/٢.
(٥) البخاري ٣٢٢/٢ (٨٣٦).
(٦) البخاري ٢/ ١٥٧ (٦٦٩).
٤٢٨

وهذا عند مسلم بألفاظ فيها زيادة بيان من حديث عمارة بن غَزِيّة عن محمد بن
إبراهيم عن أبي سلمة عنه: أن رسول الله ◌َّ اعْتكَفَ في العَشْرِ الأَوَّل من
رمضان، ثم اعْتَكَفَ العَشْرِ الأوسط في قُبّ تُركّة على سُدَّتَها (١) حَصيرٌ، فأخذ
الحصيرَ بيده فنحّاها من ناحية القُبّة، ثم أطلع رأسَه فكلَّم النّاس، فدنَوا منه
فقال: ((إني اعتكفْتُ العَشْرَ الأوّل التمسُ هذه الليلةَ، ثم إني اعتكفْت العَشْرَ
الأوسط، ثم أُتَيتُ فقيل لي: إنّها في العَشْرِ الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكِفَ
فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ الناسُ معه، فقال: ((وإنّي أُريتُها ليلةَ وترٍ، وإني أسجدُ في
صبيحتها في طين وماء.)) فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح،
فمطرت السماء، فوكَفَ المسجدُ، فأبصرْتُ الطينَ والماءَ، فخرج حين فرغَ من صلاة
الصبح، وجبينُه وروثة(٢) أنفه فيها الطينُ والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين،
من العَشِرِ الأواخر(٣).
وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول
الله ◌َّهُ العَشْرِ الأوْسَطَ من رمضان يلتمسُ ليلةَ القدر، قبل أن تُبان له، فلما
انقضَيْنَ أمَرَ بالبناء فقُوٌّض(٤)، ثم أُبِينَتْ له أنها في العَشْرِ الأواخر، فأمر بالبناء
فَأُعِيد، ثم خرج على النّاس فقال: ((يأيّها النّاس، إنها كانَتْ أُبِينَتْ لي ليلةُ القدر،
وإنّي خرجْتُ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقّان(٥) معهما الشيطانُ فُسِّيتُها،
فالْتَمِسوها في العَشْرِ الأواخر من رمضان، الْتَمِسوها في التاسعة والسابعة
والخامسة)). قال: قُلْتُ: يا أبا سعيد، إنّكم بالعدد أعلمُ منا. قال: أجل، نحن
أحقُّ بذاك منكم. قال: قُلْتُ: ما التاسعةُ والسابعةُ والخامسةُ؟ قال: إذا مَضَتْ
(١) السُّدّة: الظلّة على الباب، أو الباب.
(٢) الرّوثة: الطرف.
(٣) مسلم ٨٢٥/٢.
(٤) قُوّض: أزيل.
(٥) یحتقان: يختصمان، ویطلب كل واحد حقًّ.
٤٢٩

واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتان وعشرون، فهى التاسعة، وإذا مضت ثلاث
وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة.
قال ابن خلّد مكان يحتقّان: يختصمان(١).
١٧٤٠ - الثامن: عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وأبي سعيد: أن
رسول اللّه ◌َله رأى نُخامةً في جدار المسجد- وفي رواية ابن عيينة: في قبلة
المسجد - فتناول حصاةً فحتَّها، وقال: ((إذا تنخَّمَ أحدُكم فلا يَتْنَخَّمنّ قِبَلَ وجهِه ولا
عن يمينه، ولَيَبْصُق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)).
ليس فى حديث ابن عيينة ذكر أبي هريرة، وهو عنده عن أبي سعيد وحده،
وقال: فحكّها بحصاة، ثم نهى أن يَبْصُقَ الرجلُ بين يديه أو عن يمينه ولكن عن
يساره أو تحت قدمه اليسرى(٢).
١٧٤١ - التاسع: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبي سعيد قال: نهى
رسول اللّه ◌َّله عن لبستَين وعن بيعتَين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع.
والملامسةُ: لَمْسُ الرجل ثوبَ الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يَقْلِبُه. والُنابذةُ: أن
ينِذَ الرجلُ بثوبه، وينبذُ الآخرُ بثوبه، ويكون ذلك بيعَهما عن غير نظرٍ ولا
تراضٍ. واللبسَتين: اشتمال الصمّاء، والصمّاء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتِقيه،
فیبدو أحدُ شقیه لیس عليه ثوب. واللّسة الأُخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس
على فرجه منه شيءٌ. هذا لفظ حديث البخاري، وهو أتمّ(٣).
وليس لعامر بن سعد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدريّ غيرُ هذا الحديث
الواحد (٤) ..
(١) مسلم ٨٢٧/٢.
(٢) البخاري - الصلاة ٥٠٩/١، ٥١٠، ٥١١ (٤٠٨، ٤١٠، ٤١٤)، ومسلم - المساجد ٣٨٩/١ (٥٤٨)
(٣) البخاري - اللباس ٢٧٨/١٠ (٥٨٢٠)، وجزء منه في البيوع ٣٥٩/٤ (٢١٤٧)، وهو في مسلم-البيوع
١١٥٢/٣ (١٥١٢).
(٤ ) التحقة ٣٦٩/٣.
۔۔۔
٤٣٠

وأخرجه البخاري من حديث عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد قال: نهى
النبىِّله عن لبستَين، وعن بيعتَين: اشتمالِ الصمّاء، والاحتباءِ في ثوب واحد
ليس على فرج الإنسان منه شيء (١).
ومن حديث عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن أبي سعيد: أن النبي ◌َّ-
نهى عن اشتمال الصَّمَّاءِ، وأن يحتبيَ الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ ليس على فرجِه منه
شيءٌ(٢). لم يزد.
١٧٤٢ - العاشر: عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف عن أبي سعيد قال:
قال رسول اللّه ◌َّ﴾: ((بينا أنا نائم، رأيتُ النّاس يُعْرَضُون عليّ وعليهم قُمُص، منها
ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرِضَ عليّ عمرُ بن الخطاب وعليه
قميصٌ يجُرُّه)». قالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يارسولَ الله؟ قال: ((الدِّين)) (٣).
١٧٤٣ - الحادي عشر: عن أبي أمامة عن أبي سعيد: أن أهل قُريظة نزلوا على
حكم سعد، فأرسل رسول الله يَّله إلى سعد- هو ابن معاذ- فأتاه على حماره،
فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله صَ ل﴿ل: (( قُوموا إلى سيّدكم)) أو قال ((خيركم)).
فقعد عند النبي ◌َّ، فقال: ((إن هؤلاء نزلوا على حُكْمِك)) قال: فإني أحْكُمُ أن
تُقْتَل مُقَاتِلَتُهم، وتُسْبَى ذراريهم. فقال: ((لقد حكَمْتَ بما حكمَ به الملكُ))(٤).
وفي رواية محمد بن المثنّى عن محمدبن جعفر عن شعبة نحوه، وقال: فقال
النبى ◌َّ: ((قَضَيْتَ بحكم الله))(٥).
(١) زاد البخاري ((والملامة والمنابذة ))-الاستئذان ٧٩/١١ (٦٢٨٤).
(٢) البخاري - الصلاة ٤٧٦/١ (٣٦٨).
(٣) البخاري - الإيمان ١/ ٧٣ (٢٣)، ومسلم - فضائل الصحابة ١٨٥٩/٤ (٢٣٩٠).
(٤) البخاري - الجهاد ١٦٥/٦ (٣٠٤٣)، ومناقب الأنصار ١٢٣/٧ (٣٨٠٤)، ومسلم - الجهاد ١٣٨٩/٣
(١٧٦٨).
(٥) مسلم ١٣٨٨/٣.
٤٣١

١٧٤٤ - الثاني عشر: عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد قال: جاء أعرابيَّ إلى
النبيَِّّ فسأله عن الهجرة، فقال: ((وَيْحَكَ، إنّ الهجرةَ شأنُها شديدٌ، فهل لك من
إبل؟)). قال: نعم. قال: ((فَتُعْطِي صَدَقَتَها؟)) قال: نعم. قال: ((فهل تمنحُ منها)).
قال: نعم. قال: «فتحلِبُها یومَ وردها؟)) قال: نعم، قال: فاعمل من وراء
البحار(١)، فإن الله لن يَتِرَك من عمِلك شيئاً)(٢).
١٧٤٥ - الثالث عشر: عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد: أن ناساً من الأنصار
: سألوا رسول اللّه ◌َ ﴿ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفِدَ ما عنده، فقال لهم
حين أنفق كلَّ شيءٍ بيده: (مَا يَكُنْ عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومِن
يَسْتَغْفِفْ يُعِفَّ الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، ومن يتصبَّرْ يُصَبِّره الله، وما أُعْطِيَ أحدٌ
عطاءً خيراً وأوسعَ من الصبر)»(٣).
١٧٤٦ - الرابع عشر: عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد قال: قال رجل: أيُّ
النّاس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: ((مؤمنٌ يجاهِدُ بنفسه وماله في سبيلِ الله)). قالَ:
ثم مَنْ؟ قال: ((ثم رجلٌ مُعْتَزِلٌ في شِعْبٍ من الشِّعاب، يعبُدُ ربَّه)) وفي روايةِ شُعِيبٍ
عن الزهري: «يَتّقي الله ويَدَّعُ النّاسَ من شرّه)»(٤).
١٧٤٧ - الخامس عشر: عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد عن رسول الله صَلّه
قال: ((إذا سَمِعْتُم النّداء فَقُولُوا مثلَ ما يقول المؤذِّنُ))(٥).
١٧٤٨ - السادس عشر: عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد عن رسول اللّه ◌َل
قال: ((لا صلاةَ بعدَ الصبح حتى ترتفعَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ العصر حتى تغيبَ
الشّمْسُ))(٦).
(١) أي إن عملك لن يضيع، في أي موضع كان.
(٢) البخاري - الزكاة ٣١٦/٣ (١٤٥٢)، والهبة ٢٤٣/٥ (٢٦٣٣)، ومسلم - الإمارة ١٤٨٨/٣ (١٨٦٥).
(٣) البخاري - الزكاة ٣٣٥/٣ (١٤٦٩)، ومسلم- الزكاة ٧٢٩/٢ (١٠٥٣).
: (٤) البخاري - الجهاد ٦/٦ (٢٧٨٦)، والرقاق ٣٣٠/١١ (٦٤٩٤)، ومسلم- الإمارة ١٥٠٣/٣ (١٨٨٨).
(٥) البخاري- الأذان ٢/ ٩٠ (٦١١)، ومسلم- الصلاة ٢٨٨/١ (٢٨٣).
(٦) البخاري - المواقيت ٢/ ٦١ (٥٨٦).
٤٣٢

وفي حديث يونس عن الزّهري: (( لا صلاةَ بعد صلاة العصر حتى تغرُبَ
الشمسُ، ولا صلاة بعدَ صلاة الفجر حتى تطلُعَ الشمسُ))(١).
وقد أخرج البخاريّ هذا الفصل مع فصول أُخر من حديث قَزَعَة بن يحيى
مولى زياد عن أبي سعيد، وأخرج مسلم بعضها ولم يذكر باقيها. والحديثُ بكماله
المشتمل على الفصول التي هذا الفصل منها عند البخاري في غير موضع من
کتابه، وهذا نصّه:
عن قزَعة قال: سَمِعْتُ أبا سعيد الخُدري يحدِّثُ بأربع عن النبيِ وَِّ، فأعجبتني
وآنْقَشْني قال: ((لا تسافر المرأةُ يومَين إلاّ معها زوجُها أو ذو مَحْرَم. ولا صومَ في
يومّين: الفطر والأضحى. ولا صلاة بعد صلاتين: بعدَ الصُّبْح حتى تطلعَ
الشمسُ، وبعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس. ولا تُشَدُّ الرحالُ إلاّ إلى ثلاثة
مساجدَ: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي))(٢).
وفي رواية سليمان بن حرب عن شعبة (٣): أن قَزَعةَ مولى زياد قال: سَمِعْتُ أبا
سعيد وقد غزا مع النبيُّهَ ثِنْتَ عشرةَ غزوةً، قال: أربع سَمِعْتُهُنَّ من رسول
سے
اللّهَِهُ، أو قال: يحدّثُّهنّ عن رسول الله ◌َّ، فأعجبتْنِي وآنَقَّْني، وذكر نحوه(٤).
والذي أخرج مسلم منه من حديث قزَعة عن أبي سعيد في كتاب ((الحجِّ) قال:
قال رسول اللّه ◌َ له: ((لا تشُدُّوا الرِّحال إلّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا،
والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)». قال: وسَمِعْتُهُ يقول: ((لا تسافرِ المرأةُ يومَين
من الدّهر إلاّ ومعها ذو مَحْرَمٍ منها أو زوجها))(٥).
وعنده من رواية سَهم بن منجاب عن قزعة عن أبي سعيد أن رسول الله له
(١) مسلم- صلاة المسافرين ١/ ٥٦٧ (٨٢٧).
(٢) البخاري- فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ٣/ ٧٠ (١١٩٧).
(٣) عن عبد الملك بن عمير عن قزعة.
(٤) البخاري - جزاء الصيد ٧٣/٤ (١٨٦٤).
(٥) مسلم - الحج ٩٧٥/٢ (٨٢٧).
٤٣٣

قال: ((لا تسافر امرأةٌ ثلاثاً إلّ مع ذي محرم))(١).
ومن رواية قتادة عن قزعة عن أبي سعيد: أن رسول اللّه ◌َ ﴾ قال: «لا تسافر
امرأةٌ فوق ثلاثٍ إلاّ مع ذي محرم))(٢) .
وفي كتاب ((الصيام)) عِن قزَعَة قال: سَمِعْتُ منه- يعني أبا سعيد - حديثاً
فأعْجَبني .. قُلْتُ له: آنْتَ سَمِعْتَ هذا من رسول اللهِّ؟ قال: فأقولُ على رسول
الله ◌َّهِ ما لم أسمع؟ قال: سَمِعْتُهُ يقولُ: ((لا يَصْلُحُ الصيامُ في يومَين: يوم
الأضحى، ويوم الفطر في رمضان))(٣).
هذا الذي أخرج مسلم من الفصول المذكورة في حديث البخاري فقط، وقد
أهمل أبو مسعود بيان ذلك في الأطراف، فيوهم ذلك أنّهما قد أخرجا جميعه،
لأنّه ذكره فيما اتّفقا عليه. وقد أهمل أبو مسعود مثل هذا الإهمال في ترجمة
أخرى متن هذا الحديث: فإن البخاري أخرج من حديث يحيى بن عمارة عن أبي
سعيد قال: نهى رسول اللّه ◌َ و عن صوم يومَين: الفطر والنحر، وعن
الصّمَّاء، وأن يحتبيَ الرجلُ في ثوب واحد، وعن الصلاة بعد الصبح(٤).
وأخرج منه مسلم من حديث يحيى بن عمارة عن أبي سعيد: أن رسول اللّه ◌َله
نهى عن صيام يومَين: يوم الفطر، ويوم النحر (٥). لم يزد شيئاً. فقد انفرد
البخاري بالفصول الثلاثة الباقية من هذه الترجمة، وذكر ذلك أبو مسعود في المتفق
علیه، ولم یبیّن هذا.
وقد أخرج البخاري أيضاً من حديث فَزَعة في موضع من كتابه طرفاً من أوله
منقطعاً، قال: سمعتُ أبا سعيد أربعاً (٦). قال: سمعتُ النبي ◌َّ - وكان غزا مع
(٢،١) مسلم ٢ /٩٧٦.
(٣) مسلم - الصيام ٧٩٩/٢ (٨٢٧).
(٤) البخاري- الصوم ٢٣٩/٤ (١٩٩٢،١٩٩١).
(٥) مسلم ٢/ ٨٠٠(٨٢٧).
(٦) البخاري- فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ٦٣/٣ (١١٨٨). قال ابن حجر: أي يذكر أربعاً، أو
سمعت منه أربعاً: أي أربع كلمات.
٤٣٤

النبيّ وَّ ثنتي عشرة غزوة- لم يزد. فأهمل ولم يبيّن، وأوقع السامع في حيرة،
لأنّه أتى به هاهنا منقطعاً مما يتمّ به.
وقد أخرجه في موضع آخر من كتابه في ((الصوم)) وفي ((الحجّ) في الترجمة
بعينها(١)، من حديث فزعة قال: سَمِعْتُ أبا سعيد - وقد غزا مع النبي وَطِّ - قال:
أربعٌ سَمِعْتُهنّ من رسول الله وَهِ، أو قال: يحدّثُهن عن رسول اللهِ وََّ،
فأعجبَتْنِي وآنْقَتَي: أن لا تسافرَ المرأة مسيرة يومَين ليس معها زوجُها أو ذو مَحْرَمٍ،
ولا صوم يومَين: الفطر والأضحى، ولا صلاةَ بعد صلاتَين: بعد العصرِ حتى
تغرُب الشمسُ، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تُشَدَّ الرِّحال إلّ إلى ثلاثة
مساجدَ: مسجدِ الحرام، ومسجدي، والمسجدِ الأقصى.
وأخرج مسلم من حديث أبي صالح عن أبي سعيد أن رسول الله وَيُ ؤ قال: ((لا
يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافرَ سفراً يكون ثلاثة أيّام فصاعداً إلاّ
ومعها أبوهاً أو ابنُها أو زوجُها أو أخوها أو ذو محرم منها))(٢).
١٧٤٩ - السابع عشر: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَل
قال: ((إياكم والجلوسَ في الطَّرقات)) فقالوا: يارسولَ الله، مالنا من مجالسنا بُدَّ،
نتحدَّثُ فيها. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فإذا أَبَيْتُم إلا المجْلسَ فأعْطوا الطريقَّ حقَّه))
قالوا: وما حقُّ الطريق يارسول الله؟ قال: ((غَضُّ البَصَرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ
السَّلامِ، والأمرُ بالمعروف، والنَّهي عن المنكر)»(٣).
١٧٥٠ - الثامن عشر: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدرى أن رسول الله
وَّه قال: ((غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كل مُحْتْلم))(٤). وفي رواية يحيى بن يحيى:
(الغُسْلِ يومَ الجمعة واجبٌ على كلّ مسلم))(٥).
(١) في كتاب الصوم - باب صوم يوم النحر ٤/ ٢٤٠ (١٩٩٥)، وفي كتاب الحجّ (جزاء الصيد) باب حجّ النساء
٧٣/٤ (١٨٦٤)
(٢) مسلم - الحج ٩٧٧/٢ (١٣٤٠).
(٣) البخاري - المظالم ١١٢/٥ (٢٤٦٥)، ومسلم - اللباس ١٦٧٥/٣ (٢١٢١).
(٤) البخاري - الجمعة ٣٥٧/٢ (٨٧٩)
(٥) مسلم - الجمعة ٢/ ٥٨٠ (٨٤٦) وفيه ((على كل محتلم)) وفى النسخ والجامع ٣٢٣/٧ ((على كل ملم))
٤٣٥
:

وأخرجاه من حديث عمرو بن سُليم الزُّرقي عن أبي سعيد قال: ((الغُسْلُ يومَ
الجمعة واجبٌ على كل مُحتلم، وأن يستنَّ، وأن يَمَسَّ طِيباً إن وَجَد)) قال عمرو : .
أما الغُسل فأشهدُ أنّه واجب، وأما الاستنان والطّيب - فالله أعلمُ - أواجبٌ هو أم
لا، ولكن هكذا في الحديث. كذا عند البخاري(١).
وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن سليم عن عبدالرحمن بن أبي سعيد
الخُدري عن أبيه أن رسول الله :﴿﴿ه قال: ((غُسلُ الجمعةِ على كلِّ مُحتلمٍ،
وسواكٌ، ويَمَسُّ من الطِّيب ماقدِرَ عليه)) إلا أن بعض الرَّواة لم يذكر عبدالرحمن،
وقال في الطِّيب: ((ولو من طيب المرأة))(٢).
١٧٥١ - التاسع عشر: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيّ
وَله: (( تكون الأرض يومَ القيامةِ خبزةً واحدةً، يتكفّأُها(٣) الجبّارُ بيده كما يتكفّاً
أحدُكم خُبزْتَه فِي السَّفَرِ، نُزُلاَ لأهل الجنَّة)) فأتى رجل من اليهود فقال: بارَك
الرحمنُ عليك يا أبا القاسم، ألا أُخْبِرُكُ بنُزُلِ أهلِ الجنّة يومَ القيامة؟)) قال:
(بلى). قال: تكون الأرضُ خبزةً واحدة. كما قال النبيُّ وَِّ. فنظر النبيُّ ◌َّ
إلينا ثم ضَحِك حتى بَدَت نواجذُه، ثم قال: ألا أُخْبِرُك بإدامهم؟ قال: بلى. قال:
إدامُهم بالام ونون(٤) قالوا وما هذا؟ قال: ثور ونون. يأكل من زائدة كبدهما
سبعون ألفاً (٥).
١٧٥٢ - العشرون: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ان رجالاً من
المنافقين على عهد رسول الله وَل كان إذا خرج رسول الله وَ يله إلى الغزو تخلّفوا
عنه، وفرِحوا بمفْعَدهم خلاف رسول الله وَّه، فإذا قدم رسول الله ◌َلۇ اعتذروا
إليه وحلَفوا وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفْعَلُوا، فنزلَتْ: ﴿لا تَحْسَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا
أَتَوا ..... (٨٨))(٦). الآية [ سورة آل عمران].
(١) البخاري ٢/ ٣٦٤ (٨٨٠) ..
(٢) مسلم ٥٨١/٢ .
(٣) يتكفأ: يميل
(٤) النون: الحوت. وقد ذكر ابن حجر في الفتح ٣٧٤/١١ أن بالام ونون تعمية وإبهام، أو بكلام اليهود.
(٥) البخاري - الرقاق ٣٧٢/١١ (٦٥٢٠)، ومسلم - صفات المنافقين ٢١٥١/٤ (٢٧٩٢)
(٦) البخاري - التفسير ٢٣٣/٨ (٤٥٦٧)، ومسلم - صفات المنافقين ٤/ ٢١٤٢ (٢٧٧٧)
٤٣٦

١٧٥٣ - الحادي والعشرون: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: قال رسول
اللهِ وَّةِ ((لِتَتَبَّعُنّ سَنَنَ من قَبْلَكُم، شِيراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر
ضَبٌّ لتَبِعْتُّموهم)) قلنا: يارسول الله، اليهود والنَّصارى؟ قال: ((فَمَن؟))(١).
١٧٥٤ - الثاني والعشرون: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال:
قُلْنا: يارسول الله، هل نرى ربَّنا يومَ القيامة؟ قال رسول الله وَ له: ((نعم، فهل
تُضَارُّون في رؤية الشمس بالظّهيرة ضَحْواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارّون في
رؤية القمر ليلة البدر ضَحْواً ليس فيها سحاب؟)) قالوا: لا يارسول الله. قال:
((ماتُضارُون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارُّون في رؤية
أحدهما. إذا كان يومُ القيامة أذّن مؤذّن: لَتْبَعْ كلُّ أمةٍ ماكانَتْ تعبُد، فلا يبقى
أحدٌّ كان يعبدُ غيرَ الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم
يَبْقَ إلا مَنْ كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ وغيرُ أهل الكتاب، فيُدْعى اليهود فيقال
لهم: ماكُنْتُم تعبدون؟ قالوا: كُنَّا نعبُدٌ عزيرَ ، ابن الله. فيقال: كذّبْتُم، ما اتّخذ
الله من صاحبةٍ ولا ولد، فماذا تَبْغُون؟ قالوا: عطِشْنا ياربِّ فاسْقِنا، فيُشارُ إليهم:
أَلا تَرِدون؟ فَيُحْشَرون إلى النّار كأنّها سرابٌ يَحْطُمُ بعضُها بعضاً، فيتساقطون في
النار، ثم يُدعَى النَّصارى، فيُقال لهم: ماكنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبدُ المسيحَ،
ابن الله. فيقال لهم: كذَبْتُم، ما اتّخذ الله من صاحبةٍ ولا ولد، فماذا تَبغون؟
فيقولون: عَطِشْنا ياربَّنا فاسْقِنا. قال: فيُشار إليهم: أَلَا تَرِدون؟ فَيُحْشَرون إلى
جهنّم كأنَّهم سرابٌ يحطمُ بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلاّ
من كتاب يعبدُ الله من برٍّ وفاجرٍ، أتاهم الله في أدنى صورةٍ من التي رأوه فيها،
قال: فما تنظرون؟ تتبعُ كلُّ أمّةً ماكانت تعبُدُ. قالوا: يارَبَّنَا، فَارَقْنا الناسَ في
الدُّنيا أفقَرَ ما كُنّا إليهم،، ولم نُصَاحِبْهم. فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذُ بالله
منك، لا نُشركُ بالله شيئاً - مرّتين أو ثلاثاً، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلبَ.
فيقول: هل بينكم وبينَه آيةٌ فَتَعرِفونه بها؟ فيقولون نعم. فيُكشفُ عن ساقه، فلا
(١) البخاري - أحاديث الأنبياء ٤٩٥/٦ (٣٤٥٦)، ومسلم - العلم ٤/ ٢٠٥٤ (٢٦٦٩).
٤٣٧

يبقى من كان يسجُدُ لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى مَنْ كان
يسجُدُ اتّقاء ورياءً إلا جَعَلَ الله ظهرَه طَبقةً واحدةً، كلّما أراد أن يسجُدَ خَرَّ على
قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّلَ في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرَّةً، فقال:
أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربّنا. ثم يُضربُ الجِسْر على جهنّم، وتَحلُّ الشفاعةُ،
ويقولون: اللهمّ سلِّمْ سِلِّمْ)). قيل: يارسول الله، وما الجسْر؟ قال: ((دَحْضُ
مَزَلَّةٍ(١)، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحَسَكُ (٢) يكون بنجد، فيها شُويكة يقال لها،
سَعْدان، فيمرّ المؤمنون كطَرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل
والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوش مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ في نار جهنّم، حتى إذا
خلَص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحدٍ منكم بأشَدَّ مُناشدَةً لله
في استقصاء الحقّ من المؤمنين الله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار)) وفي رواية
يحيى بن بكير عن الليث: ((فما أنتم بأشدَّ مناشدةً في الحقّ، قد تبيّن لكم من
المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا أنهم قد نجَوا في إخوانهم، يقولون: ربّنا، كانوا
يصومون معنا ويُصَلّونِ ويحجُّون، فيقال لهم: أخرِجُوا من عَرفْتُم، فتحْرُمُ.
صورُهم على النار، فيُخْرِجون خلقاً كثيراً قد أخذتِ النارُ إلى نصف ساقه، وإلى
ركبتيه، ثم يقولون: ربَّنا مابقي أحدٌ ممن أمَرَتَنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدْتُم
في قلبه مثقالَ دينارٍ من خير فأخرجوه، فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا.
لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً. ارجعوا، فمن وجدْتُم في قلبه مثقال نصف دينار
من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها ممّن أمَرْتَناً
أحداً، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدْتُم في قلبه مثقال ذرّةٍ من خيرٍ فأخْرِجُوه،
فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون: لم نَذَرْ فيها خيراً)) وكان أبوسعيد الخدرى يقول:
إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّاللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّذِنْهُ أَجْرًاً عَظِيمًا (٤٤)﴾ [سورة النساء]، فيقول الله عزَّ وجلَّ:
شَفَعت الملائكة، وشفَعَ النّبّيون، ولم يبقَ إلا أرحم الراحمين، فيقبضُ قبضةً من
(١) دحض مزلة: أي تزل فيه الأقدام
(٢) الحسك جمع حسكة: شوك صلب
٤٣٨

النار، فيُخرِجُ منها قوماً من النّار لم يعملوا خيراً قطُّ، قد عادوا حُمَماً، فَيُلقيهم
في نهر في أفواه الجنة يقال له نهرُ الحياة، فيخرجون كما تخرج الحِبّة من حَميل
السيل(١) ألا تَرونها تكونُ إلى الحجر، أو إلى الشجر، مايكونُ إلى الشمس أصيفرُ
وأخيضرُ، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض)) فقالوا: يارسول الله، كأنّك
كُنْتَ ترعى بالبادية. قال: ((فيخرجون کاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيمُ، يعرفهم أهلُ
الجنة، هؤلاء عُتُقَاءُ الله الذين أدْخَلَهم الجنّة بغير عمل عملوه، ولا خيرٍ قدّموه، ثم
يقول: أُدْخلوا الجنّة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: رَبَّنَا أعْطَيْتَنَا مالم تُعطِ أحداً
من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضلُ من هذا. فيقولون. ياربَّنا ، وأيُّ شيءٍ
أفضلُ من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم أبداً)(٢).
وقد أخرجا جميعاً في هذا المعنى المخصوص أنّه يقول تعالى أيضاً لعامة أهل
الجنة، من رواية عطاء بن يسار بأسانيد أُخر عن أبي سعيد أن النبى وَّه قال: ((إن
الله عزَّ وجلَّ يقولُ لأهل الجنّة: أهلَ الجنّةِ. فيقولون: لَبَّيكَ ربَّنا وسَعدَيك،
والخيرُ في يدَيك. فيقولُ: هل رَضِيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى ياربّ وقد
أعطيْتَنَا مالم تُعطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أُعطيكم أفضلَ من ذلك؟
فيقولون: ياربِّ، وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ أُحِلُّ عليكم رضاي، فلا أسخط
عليكم بعده أبداً»(٣).
وفي حديث زيد بن أسلم عن عطاء فى الحديث الذى بدأنا به بعد قوله: ((بغير
عمل عملوه، ولا قَدَم قدّموه)) فيقال لهم: ((لكم مارأيتم ومثلُه معه)) قال أبو سعيد
الخدري: بلغني أن الجِسْرَ أدقُّ من الشعرة، وأحدٌّ من السيف(٤).
وأخرجا جميعاً طرفاً منه من حديث يحيى بن عمارة بن أبى حسن المازني عن
(١) الحبّة: البذور، أو نبت صغير. وحميل السيل: مايجيء به من الطين والغناء.
(٢) هذه الرواية بتمامها فى مسلم - الإيمان ١/ ١٦٧ (١٨٣)، وهي مختصرة في البخاري - التفسير ٢٤٩/٨
(٤٥٨١)، والتوحيد ١٣/ ٤٢٠ (٧٤٣٩).
(٣) البخاري- الرقاق ٤١٥/١١ (٦٥٤٩)، والتوحيد ٤٨٧/١٣(٧٥١٨)، ومسلم - الجنة ٢١٧٦/٤ (٢٨٢٩).
(٤) مسلم ١/ ١٧١.
٤٣٩

أبي سعيد أن رسول الله صَلّه قال: ((يُدْخِلُ الله أهل الجنّة الجنّة، ويدخلُ أهلَ النارِ
النارَ، ثم يقولُ: انظُروا، من وجَدْتُم في قلبه مثقالَ حبة من خردل من إيمان
فأخرجوه، فيخرجون منها حُمَماً قد امتَحشوا(١)، فيُلْقَون في نهر الحياة أو الحياء
فينبتون فيه كما تنبُتُ الحِبّةُ إلى جانب السيل، ألم تَرَوْها كيف تخرجُ صفراء
ملتوية)) .
وفي رواية وُهيب وخالد نحوه، وقالا: فيُلقَون في نهرٍ يقال له الحياة - ولم
يشكّا - لفظ حديث مسلم.
وفي حديث مالك للبخاري ((فيخرجون منها قد اسودّوا)). وقال البخاري: قال
وُهيب: حدّثنا عمرو - يعني ابن يحيى: الحياة. وقال: ((خردل من خير))(٢) ..
وأخرج مسلم طَرَفاً منه بمعناه وفيه ألفاظ أُخر وزوائد من حديث المنذر بن مالك
ابن قطعة العبديّ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ((أما أهلُ النار الذين
هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيّون، ولكن ناسٌ أصابتهم النارُ بذنوبهم - أو
قال: بخطاياهم - وأماتتهم إماتةً، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم
ضبائرَ ضبائر(٣)، فُثّوا على أنهار الجنّة، ثم قيل: يا أهلَ الجنّة، أفيضوا عليهم،
فينبتون نبات الحِبّة في حَمِيل السيل)) فقال رجل من القوم: كأنّ رسول الله وَظله قد
كان بالبادية (٤).
وفي رواية يحيى بن بكير عن الليث أن أبا سعيد الخدري قال: قُلْنا: يارسولَ
الله هل نرى ربَّنا؟ قال: ((هل تُضارّون في رؤية الشمس إذا كان صحوٌ؟)) قلنا: لا ..
قال: «فإِنّکم لاتضارون في رؤية ربِّکم يومئذٍ إلا كما تضارون في رؤيتها». ثم
قال: «ينادي منادٍ: ليذهب كلَّ قومٍ إلی ماکانوا یعبدون)) فذکر نحو معنی حدیث
عطاء بن يسار عن أبي سعيد بطوله. وفيه: قُلْنا: يارسول الله، وما الجسْر؟ قال:
(١) امتحشوا: احترقوا
(٢) البخارى - الإيمان ٧٢/١ (٢٢)، والرقاق ٤١٦/١١ (٦٥٦٠)، ومسلم ١٧٢/١ (١٨٤)
(٣) ضبائر: جماعات.
(٤) مسلم ١٧٢/١ (١٨٥)
٤٤٠