النص المفهرس

صفحات 261-280

ثم غَبَرْتُ(١) ما غَبَرْتُ، ثم أتَيْتُ رسول الله وَِّ فقال: ((إنّه قد وُجُهَتْ لي
أرضٌ ذاتُ نخلٍ، لا أُراها إلا يثرِبَ، فهل أنت مُبلِّغُ عنّي قومَك، عسى الله أن
ينفعهم بك ویأجُرك فيهم».
فأَتْتُ أُنيساً فقال: ما صَنَعْتَ؟ قلتُ: صنعتُ أنّي قد أسْلَمْتُ وصدَّقْتُ. قال:
ما بي رغبةٌ عن دينك. فاحتملْنا حتى أتّيْنا قومَنا غفاراً، فأسْلَم نصفُهم، وكان
يؤمّهم إيماء بن رَحَضَة الغفاريّ - وكان سيِّدَهم، وقال نصفُهم: إذا قدِمَ رسول الله
﴿﴿ المدينةَ أسلَمْنا. فقدِم رسول الله وَّل، وأسلم نصفُهم الباقي. وجاءت أسلمُ
فقالوا: يا رسولَ الله، إخوتُنا، نُسْلِم على الذي أسلَموا عليه، فأسلموا، فقال
رسول الله وَّهُ: ((غفارٌ غَفَرَ الله لها، وأسْلَمُ سالَمها الله))(٢).
زاد بعض الرُّواة بعدَ قول أبي ذرّ لأخيه: فاكفِني حتى أذهبَ فأنظرَ: فقال:
نعم، وكُن على حَذَرٍ من أهل مكّة، فإنّهم قد شنفوا له وتجهّموا(٣).
وفي رواية قال: فتنافَرا إلى رجل من الكُهّان، فلم يزل أخي يمدَحُه حتى غلبَه،
فأخذْنا صِرْمَتَه(٤).
أعاد مسلم في أفراده عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذرٍّ طرفاً من هذا
الحديث، وهو قوله وَله: ((أسلمُ سالَمها الله، وغِفارٌ غفر الله لها)»(٥).
جمعْنا الحديثين على اختلافهما لاتّفاقهما في ذكر إسلام أبي ذرّ رضي الله
عنه(٦).
(١) غير: بقي.
(٢) مسلم - فضائل الصحابة ٤/ ١٩١٩ (٢٤٧٣).
(٣) شتفوا: أبغضوا. وتجهموا: أغلظوا له وجوههم. وهذه في مسلم ٤/ ١٩٢٣.
(٤) مسلم ٤/ ١٩٢٣.
(٥) مسلم - فضائل الصحابة ٤/ ١٩٥٢ (٢٥١٤).
(٦) (رضي الله عنه) ليست في ك.
٢٦١

٣٥٥ - الثاني: في ذكر المعراج:
عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرٍّ يحدّثُ أنّ رسول الله وَّم قال: «فُرِجَ (١)
سقفُ بيتي وأنا بمكّة، فَتَزَلُ جبريلُ مَّةِ، فَفَرَجَ صدري، ثم غسله من ماء زمزم،
ثم جاء بطَسْتِ من ذهب ممتلىء حكمةً وإيماناً، فأفرغَها في صدري ثم أطبقه، ثم
أخذ بيدي فَعَرَّجَ بي إلى السّماءِ، فلمّا جئْنَا السّماءَ الدُّنْيا قال جبريلُ لخازن السماء
الدنيا: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم؛
معي محمد رسول الله وََّ. قال: فأُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فافْتَحْ. قال: فَلّما
عَلَوْنا السماءَ الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أسْوِدة(٢)، وعن يساره أَسْوِدةٌ. قال: فإذا:
نظرَ قِبَلَ يمينه ضحِكَ، وإذا نظرٍ قِبَلَ شماله بكى. قال: فقال: مرحباً بالنبيِّ
الصالح والابنِ الصالح. قال: قُلْتُ: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا آدمُ بِّل،
وهذه الأسودُ عن يمينه وعن شماله نَسَم (٣) بنيه، فأهلُ اليمين أهلُ الجَنّة،
والأسْودِةُ التي عن شماله أهل النار. فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحِكَ، وإذا نظر قِبَلَ
شماله بکی.
قال: ثم عرَجَ بي جبريل حتى أتى السماء الثانيةَ، فقال لخازنها: افتح. قال:
فقال له خازنُها مثل ما قال لخازِنِ السماءِ الدُّنيا، ففَتَح)).
فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وعيسى وموسى
وإبراهيم صلوات الله عليه وعليهم، ولم يُثْبت كيف منازلُهم، غيرَ أنّه ذكر أنّه
وجد آدم عليه السلام في السماء الدّنيا، وإبراهيم عليه السلام في السماء السادسة.
قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول الله بإدريس صلوات الله عليهم قال: مرحباً بالنبيّ
الصالح والأخ الصالح. قال: ثم مرَّ، فقلتُ: من هذا؟ قال: هذا إدريس. قال:
ثم مررتُ بموسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح والأخ الصالح. قال: قلت: من
(١) فرج: فتح.
(٢) الأسودة: الجماعات.
(٣) النسم: الأرواح، جمع نمة.
٢٦٢

هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مررْتُ بعيسى. فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح
والأخ الصالح. قال: قُلْتُ: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم. قال: ثم مررتُ
بإبراهيمَ عليه السلام فقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح والابن الصالحِ. قال: قُلْتُ من
هذا؟ قال: هذا إبراهيم)).
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حَزْمٍ أن ابن عباس وأبا حيَّةَ الأنصاري يقولان:
قال رسول الله وَل: ((ثم عَرَجَ بي حتى ظهرْتُ(١) لمستوى أسمعُ فيه صريف
الأقلام)(٢) قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله وَله: ((ففرَضَ الله على
أُمّتي خمسين صلاة. قال: فرجعْتُ بذلك حتى أَمُرَّ بموسى، فقال موسى عليه
السلام: ماذا فرض ربُّك على أمَّك؟ قال: قُلْتُ: فرضَ عليهم خمسين صلاةٌ.
قال لي موسى: فراجعْ ربَّك، فإنّ أمَّتَك لا تُطيقُ ذلك. قال: فراجعْتُ رَبّي،
فوضعَ شَطْرَها، قال: فرجعْتُ إلى موسى فأخبرتُه، قال: راجِعْ ربَّك؛ فإن أمَّتَّك
لا تطيقُ ذلك. قال: فراجعتُ ربّي فقال: هي خمسٌ، وهي خمسون(٣)، لا يُبَدّلُ
القولُ لديَّ. قال: فرَجَعْتُ إلى موسى فقال: راجع ربّك. فقلْتُ: قد استحيْتُ
من ربّي. قال: ثم انْطَلَقَ بي جبريلُ حتى نأتيَ سدرةَ الْمُنتَهَى، فَغَشِيَها ألوانٌ لا
أدري ما هي. قال: ثم أُدْخِلْتُ الجنّةَ، فإذ فيها جنابذُ(٤) اللؤلؤ، وإذا ترابُها
المسكُ))(٥).
٣٥٦ - الثالث: عن زيد بن وهب الجُهَني عن أبي ذرّ من رواية عبد العزيز بن
رُفيع عن زيد قال: خرجْتُ ليلة من الليالي، فإذا رسولُ اللهِ وَل يمشي وحدَه،
ليس معه إنسان، فظننتُ أنه يكرهُ أن يمشيَ معه أحد. قال: فجعلْتُ أمشي في ظلّ
القمر، فالتفتَ فرآني، فقال: ((مَن هذا؟)) فقلتُ: أبو ذرّ، جعلني الله فداك.
(١) ظهرتُ: علوت.
(٢) صريف الأقلام: صوت كتابتها، أي ما تكتبه الملائكة.
(٣) أي هي خمس عدداً، خمسون في الأجر والثواب.
(٤) الجنابذ جمع جُنُبذة: القبّة.
(٥) البخاري - الصلاة ١/ ٤٥٨ (٣٤٩)، ومسلم - الإيمان ١ / ١٤٨ (١٦٣).
٢٦٣

قال: ((يا أبا ذرِّ تعالَه)) قال: فمشَيْت معه ساعة، فقال: ((إنّ المكثرين هم المُقِلُّون
يوم القيامة(١)، إلاّ من أعطاه الله خيراً، فنفح(٢) فيه يمينه وشماله، وبين يديه
ووراءه، وعمل فیه خیراً) .
قال: فمشَيْتُ معه ساعةً فقال: ((اجْلسْ ها هنا)) قال: فأجْلَسني في قاعِ حولَه
حجارةٌ، فقال لي: ((اجلِسْ ها هنا حتى أرجعَ إليك)) قال: فانْطَلَقَ في الحَرَّةُ حتى
لا أراه، فلَبِث عِنّي، فأَطالَ اللُّبْثَ، ثم إنّي سمعتُه وهو مقبلٌ وهو يقول: ((وإن
سَرَقَ وإن زَنَى)). قال: فلما جاءَ لم أصِرْ، فقُلْتُ: يانبيَّ الله، جعلَني اللهُ فِداك،
من تُكَلِّمُ في جانب الجُرّة، ما سمعتُ أحداً يرجِعُ إليك شيئاً؟ قال: ((ذلك
جبريلُ، عَرَضَ لي في جانب الحرّة، فقال: بشُرْ أُمَّتَك أنّه من مات لا يُشْركُ بالله
شيئاً دخلَ الجنةَ. فقُلْتٍ يا جبريلُ، وإن سرقَ وإن زنى؟ قال: نعم)). فقلْتُ:
يارسول الله، وإن سرقَ وإن زنى؟ قال: ((نعم)). قلت: وإن زنى؟ قال: ((نعم،
وإن شرِب الخمر))(٣).
ليس عندنا في رواية مسلم ((يا رسول الله)) وصحّ في رواية البخاري، وبإسقاطه
يحتمل أن يكون ذلك من مخاطبة جبريل عليه السلام.
وفي رواية الأعمش وعبد العزيز بن رُفيع وحبيب بن أبي ثابت نحوه عن أبي
ذرّ(٤).
وفي الكتابين من رواية المعرور بن سُويد عن أبي ذرّ عنه بَّ أنّه قال: ((أتاني.
جبريل فبشّرني أنّه من ماتَ من أمّتِك لا يشركُ بالله شيئاً دخلَ الجنةَ. قُلْت: وإنْ
زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق))(٥).
(١) أي المكثرون من المال قليلو الأجر يوم القيامة.
(٢) نَفْح: أعطى.
(٣) البخاري - الرقاق ١١/ ٢٦٠ (٦٤٤٣)، ومسلم - الزكاة ٢ / ٦٨٨ (٩٤).
(٤) كلهم عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ. ينظر البخاري ١١/ ٢٦١. وفي مسلم عن الأعمش وابن رُفَيع.
(٥) البخاري - الجنائز ٣/ ١١٠ (١٢٣٧)، ومسلم - الإيمان ١/ ٩٤ (٩٤).
٢٦٤

ومن رواية أبي الأسود الدؤلي عن أبي ذرّ نحو هذا الفصل: أنّه وَلو قال: ((ما
من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة)) قلت: وإن زنى وإن
سرقٍ؟ قال: (وإن زنى وإن سرق)) ثلاثاً. ثم في الرابعة: ((على رغم أنفِ أبي
ذرّ)). وفيه: أتيتُهُ وعليه ثوب أبيضُ (١).
وفي أفراد البخاري عن حبيب وحده عن زيد بن وهب عنه: أن رسول الله وَلقر
قال: ((قال لي جبريل: من مات من أمّتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة، ولم
يدخل النار. قلت: وإن زنى إن سرق؟ قال: نعم))(٢).
٣٥٧ - الرابع: عن زيد بن وهب عنه - من رواية مُهاجر أبي الحسن الصائغ -
عن زيد قال: أَذّنَ موذِّن رسول الله وَّهِ بِالظُّهر، فقال النبيّ وَّ: «أَبْرِدْ، أَبْرِدْ)» أو
قال: ((انتظرْ، انتظرْ)) وقال: إنّ شدّة الحرّ من فيْحِ جهنّم(٣)، فإذا اشتدّ الحرّ
فأبرِدوا عن الصلاة)، قال أبو ذرّ: حتى رأينا فيءَ التَّلول(٤).
٣٥٨ - الخامس: عن قيس بن عُبادة قال: سَمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ قَسَماً أنَّ: ﴿هَذَانِ
خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (١٦)﴾ [سورة الحج]، أنّها نزَلَت في الذين برزوا يومَ
بدرٍ: حمزة وعليّ وعُبيدةُ بنُ الحارث، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة والوليدُ بن عتبة(٥).
وهذا آخر حديث في كتاب مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه. وفي مسند علي
نحوه من رواية قيس بن عُباد عنه أيضاً(٦).
٣٥٩ - السادس: عن يزيد بن شريك بن طارق التميمي عن أبي ذرّ قال: كنتُ
مع رسول الله و ﴿ في المسجد عندَ غروب الشمس، فقال: ((يا أبا ذرّ، أتدري أينَ
(١) البخاري - اللباس ١٠/ ٢٨٣ (٥٨٢٧)، ومسلم - الإيمان ١/ ٩٥ (٩٤).
(٢) البخاري - بدء الخلق ٦/ ٣٠٥ (٣٢٢٢).
(٣) الفَيْح: السطوع والانتشار. والمعنى: إن شدّة الحرّ كشدة حرّ جهنم.
(٤) البخاري - مواقيت الصلاة ٢/ ١٨ (٥٣٥)، ومسلم - المساجد ١/ ٤٣١ (٦١٦).
(٥) البخاري - المغازي ٢٩٦/٧ (٣٩٦٦)، ومسلم - التفسير ٤/ ٢٣٢٣ (٣٠٣٣).
(٦) الحديث الثامن من أفراد البخاري - ١٤٣.
٢٦٥

تذهبُ الشمسُ؟)) فقلتُ: الله ورسوله أعلم. فقال: ((تذهبُ تسجدُ تحتَ العرش،
فتستأذنُ فِيُؤْذَنُ لها، ويوشكُ أن تسجدَ فلا يقبلُ منها، وتستأذنَ فلا يؤذنُ لها،
فيقال لها: ارجعي من حيثُ جئتٍ، فتطلُعُ من مَغْرِبها، فذلك قوله عزّ وجلّ:
﴿والشَّمْسُ تَجْرِىٍ لِمُستَقَرٌّلَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيم (٣٨)﴾ [سورة يس].
في رواية: ثم قرأ (ذلك مُسْتَقَرٌّ لها) فى قراءة عبد الله(١).
وفي رواية: فقال رسول الله وَلَهُ: («تَدْرُون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفَعُ نفساً
إيمانُها لم تكن آمَنَتْ من قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمانها خيراً»(٢).
وفي رواية وكيع مختصرة: سألتُ النبيّ وَ ◌ّله عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرىٍ:
المُستَقَرَّلَّهَا﴾ قال: ((مُسْتَقَرُّها تحت العرش)) (٣).
٣٦٠ - السابع: في أول مَسْجُدٍ وُضع في الأرض:
عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي قال: كُنْتُ أقرأ على أبي القرآنَ في
السّدّة(٤)، فإذا قرأت السجدة سَجَدَ، فقلت: يا أَبَتِ، أتسجد في الطريق؟ قال:
إنّي سمعْتُ أبا ذرّ يقول: سأَلْتُ رسول الله وَّ عن أوّل مسجدٍ وُضِعَ في
الأرض. قال: (المسجد الحرام)). قلت: ثم أيّ: قال: ((المسجد الأقصى)) قُلْتُ:
كم بينَهما؟ قال: ((أربعون عاماً، ثم الأرضُ لك مسجد، فحيثما أدركَتْك الصلاةُ
فصل ))(٥)
زاد في رواية البخاري: ((فإنّ الفضل فيه)»، وأوّلُ حديثه: قلت: يا رسول
الله، أيَّ مسجدٍ وُضع في الأرض أوّل؟ ... (٦).
(١) البخاري - بدء الخلق ٦/ ٢٩٧ (٣١٩٩)، والتوحيد ١٣/ ٤٠٤ (٧٤٢٤)، ومسلم - الإيمان ١/ ١٣٨، ١٣٩
(١٥٩).
(٢) مسلم ١/ ١٣٨.
(٣) مسلم ١/ ١٣٩.
(٤) السدّة: الموضع الذي يُطلّ على المسجد، وليس منه.
(٥) هذه رواية مسلم - المساجد ١/ ٣٧٠ (٥٢٠).
(٦) البخاري - أحاديث الأنبياء ٦/ ٤٠٧ (٣٣٦٦) وهو في مسلم أيضاً، دون الزيادة.
٢٦٦

٣٦١ - الثامن: عن الأحنف بن قيس قال: قدمْتُ المدينة، فبينا أنا في حَلْقة فيها
مَلأُ (١) من قُريش، إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب، أخشن الجسد، خشن الوجه(٢)،
فقام عليهم فقال: بَشِّر الكانِزِين برَضْفٍ (٣) يُحمى عليه في نار جهنّم، فيُوضع على
حلمة أحدِهم حتى يخرُجَ من نُغْض (٤) كَتِفَيِهِ، ويُوضع على نُغْضِ كَتِفَيه حتى
يخرجَ من حَلَمَةِ ثَدْيَه، يَتَزَلْزَلُ(٥). قال: فوضعَ القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً
منهم رجع إليه شيئاً.
قال: فأدبر، فاتََّعْتُه حتى جلس إلى سارية فقُلْتُ: مَا رأيت هؤلاءِ إلا كرِهوا ما
قُلْتَ لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً، إن خليلي أبا القاسم ◌َآ﴾ دعاني
فأجَبْتُه، فقال: ((أترى أُحُداً؟)) فنظرتُ ما عليّ من الشمس(٦)، وأنا أَظُنُّ أنّه يبعثُني
في حاجة، فقلتُ: أراه. فقال: ((ما يسرُّني أن لي مثلَه ذهباً أَنْفِقُه كلَّه إلا ثلاثة
دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئاً)) قال: قُلْتُ: ما لك ولإخوانك
من قريش لا تَعتريهم (٧) وتُصيبُ منهم؟ قال: لا وربِّك لا أسألُهم عن دنيا ولا
أستفتيهم عن دينٍ حتى ألحقَ بالله ورسوله.
هذا لفظ حديث مسلم، وهو عند البخاري بمعناه (٨). وعند بعض الرُّواة فيه:
أنّ الأحنف قال: كُنْتُ في نفرٍ من قريش، فمرّ أبو ذرٍّ وهو يقول: بَشِّر الكانزين
بكيّ فى ظهورهم يخرج من جنوبهم، ويكيّ من قِبَلِ أقفائهم يخرجُ من جباههم.
ثم تنحّى فقعد، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: أبو ذرّ. قال: فقمتُ إليه فقُلْتُ: ما
(١) الملأ: الأشراف.
(٢) هكذا في النسخ: وفي مسلم كلّها (أخشن) وخشن وأخشن لغتان. وذكر النووي ٧/ ١٨٠ أن في بعض
الروايات (حسن الوجه).
(٣) الرضف: الحجارة المحمّة.
(٤) النُّغض: العظم الرقيق الذي على طرف الكتف، أو أعلى الكتف.
(٥) يتزلزل: يتحرّك، أي الرضف.
(٦) أي كم بقي من النهار.
(٧) تعتريهم: تطلب منهم.
(٨) مسلم - الزكاة ٢/ ٦٨٩ (٩٩٢)، والبخاري - الزكاة ٣/ ٢٧١ (١٤٠٧، ١٤٠٨).
٢٦٧

شيءٌ سمعتُك تقولُ قُبَيْلُ؟ قال: ما قُلْتُ إلا شيئاً سَمعْتُه من نبيّهِمْ وَِّ. قال:
قُلْتُ: ما تقولُ في هذا العطاء؟ قال: خُذْهِ، فإن فيه اليومَ معونةً، فإذا كان ثمناً
لدينك فدَعْه(١).
وبعض هذا المعنى في رواية الأعمش وعبد العزيز بن رفيع وحبيب بن أبي ثابت
عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ قال: كنت أمشي مع النبي رَّهِ وهو ينظرُ إلى أُحد
فقال: ((ما أُحبُّ أن يكون لي ذهباً يُمسي عليه ثالثةٌ وعندي منه شيء)» وفي رواية:
(«وعندي منه دينارٌ إلا دينارٌ أرصُدُه لدَيْنٍ، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا» حثا
بين يديَه - وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شماله ـ(٢). وهذا طرف من حديث قد
تقدّم طرفٌ منه(٣).
٣٦٢ - التاسع: عن المعرور بن سُويد قال: رأيت أبا ذرّ وعليه حُلّةٌ، وعلى
غلامه حُلّةٌ مثلُها، فسألْتُه عن ذلك، فذكر أنّه سابٌ رجلا على عهد رسول الله ێ،
فعيّره بأمّه، فأتى الرجلُ النبيّ وََّ، فذكر ذلك له، فقال النبيّ ◌َّ: ((إنّك امرؤٌ
فيك جاهليّة))(٤).
في رواية قلت: على ساعتي هذه من كِبَر السّنّ؟ قال: ((نعم، هم إخوانكم
وخَوَلُكم (٥)، جعلهم الله تحتَ أيديكم، فمن كان أخوه تحتَ يدَيَه فلْيُطْعِمْه ممّا
يأكل، ولْيُلْبِسْه ممّا يلبس ولا تُكَلِّفوهم ما يغلِبُهم، فإن كلَّفْتموهم فأعينوهم عليه».
في حديث عيسى بن يونس: ((فإنْ كلَّفَه ما يَغْلِبُهُ فَلْيَبِعْه)) وفي حديث زهير:
«فلیعنه علیه)»(٦).
٣٦٣ - العاشر: عن المعرور بن سويد عن أبي ذرّ قال: انْتَهَيْتُ إلى النبيّ ◌َِّه.
وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبة، فلما رآني قال: ((هم الأخْسَرون وربّ الكعبة)). قال:
(١) مسلم ٢ / ٦٩٠.
(٢) البخاري - الرقاق ١١/ ٢٦٣ (٦٤٤٤)، ومسلم - الزكاة ٢ / ٦٨٧ (٩٤).
(٣) ينظر الحديث ٣٥٦.
(٤) لأن التعبير بالأم من أعمال وعادات أهل الجاهلية.
(٥) الخول: الخدَم.
(٦) البخاري - الإيمان ١/ ٨٤ (٣٠) وفيه الأطراف، ومسلم - الإيمان ٣/ ١٢٨٢، ١٢٨٣ (١٦٦١).
٢٦٨

فجئْتُ حتى جلسْتُ، فلم أتقارَ (١) أن قُمْتُ فقُلْتُ: يا رسولَ الله، فداك أبي
وأُمّي، من هم؟ قال: ((هم الأكثرون أموالا، إلاّ من قال هكذا وهكذا وهكذا،
من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم.
ما مِن صاحبِ إبلٍ ولا بقَرِ ولا غنمٍ لا يؤدّي زكاتَها إلاّ جاءَتْ يومَ القيامة أعظمَ
ما كانَتْ وأسمنَه، تنطّحُهُ بقرونها، وتطَؤُهُ بأظلافها، كلّما نفدَت أُخراها عادتْ إليه
أُولاها، حتى يُقْضَى بين النّاس»(٢).
فرَّقَه البخاري بمعناه في موضعين(٣). والفصل الأول منه قد تقدّم معناه في
حديث زيد بن وهب، إلا أنّه قال ها هنا: في ظلّ الكعبة، وقال هناك: فانطلق
في الحرَّةَ(٤).
٣٦٤ - الحادي عشر: عن أبي الأسود الدؤلي عن أبي ذرّ: أنه سمعَ رسول الله وَه
يقول: ((ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلَمُهُ إلا كَفَرَ، ومن ادّعى ما ليس له
فليس منّا، ولْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَه من النّار. ومن دعا رجلاً بالكُفْرِ، أو قال: عدوَّ الله،
وليس كذلك، إلا حار(٥) عليه)) كذا في مسلم(٦).
وفي رواية البخاري: ((لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفُسوق، ولا يَرميه بالكفر إلا
ارتدَّتْ عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك)»(٧).
٣٦٥ - الثاني عشر: عن أبي مُراوحٍ الليثيّ عن أبي ذرّ قال: قُلْتُ: يا رسول الله،
أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمانُ بالله، والجهادُ فى سبيله)) قال: قلتُ: فأيُّ
· الرقاب أفضَلُ؟ قال: ((أنفَسُها عندَ أهلها، وأكثرُها ثَمنا)). قال: قُلْتُ: فإن لم أفْعَلْ
(١) أنقار: أي أستقرّ واسكن.
(٢) مسلم - الزكاة ٢/ ٦٨٦ (٩٩٠).
(٣) البخاري - الزكاة ٣/ ٣٢٣ (١٤٦٠)، والأيمان والتذور ١١/ ٥٢٤ (٦٦٣٨).
(٤) الحديث ٣٥٦.
(٥) حار: رجع.
(٦) مسلم - الإيمان ١/ ٨٠ (٦٣).
(٧) روي البخاري في المناقب ٦/ ٥٣٩ (٣٥٠٨) ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه ... مقعده من النار)) باختلاف
يسير عمّا هنا. ثم روى في الأدب ١٠/ ٤٦٤ (٦٠٤٥): ((لا يرمي ... )).
٢٦٩

قال: ((تُعين ضائعاً (١)، أو تصنع لأخرق))(٢) قال: قلتُ: يارسول الله، أرأيت إن
ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قال: ((تَكُفُّ شَرَّك عن النّاسِ؛ فإنّها صدقةٌ منك على:
نفسك)»(٣).
أفراد البخاري
٣٦٦ - الأول: عن حصين، عن زيد بن وهب قال: مررْتُ بِالرَّيَّذَةَ (٤)، فإذا بأبي.
ذرّ، فقلتُ له: ما أنْزَلَكَ مَنْزِلَك هذا؟ قال: كُنْتُ بالشام، فاخْتَلَفْتُ أنا ومعاوية(٥)
في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكِْزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ(٣٤)﴾ [سورةٍ
التوبة]، فقال معاوية: نَزَلَتْ في أهل الكتاب. فقلتُ: نَزَلَتْ فينا وفيهم(٦) فكان بيني:
وبينَه في ذلك كلامٌ، فكتبَ إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمانُ: أنَ اقدَم
المدينةَ، فقَدِمْتُها، فكثُر عليَّ الناسُ كأنّهم لم يرَوني قبل ذلك(٧). فذكرتُ ذلك
لعثمان، فقال لي: إن شئْتَ تنحَّيْتَ فَكُنْتَ قريباً. فذاك الذي أنْزلني هذا المنزل، لو
أمَّرُوا عليّ حبشيّاً لسَمِعْتُ وأَطَعْتُ(٨).
٣٦٧ - الثاني: عن خَرَشةَ بن الحُرِّ الفَزاريّ عن أبي ذرّ قال: كان رسول اللّهِ وَهُ
إذا أخذ مَضْجَعَه من الليل قال: (( باسمِك اللهمَّ أموتُ وأحيا)» وإذا استيقظ قال:
((الحمدُ لله الذي أحيانا بعدَ ما أماتنا وإليه النَّشُور))(٩)
وهو في مسند حذيفة بن اليمان أيضاً( ١٠).
*
(١) هكذا. وهي رواية البخاري، ورواية مسلم - المطبوعة (صانعاً). وينظر النووي ٢/ ٤٣٣، والفتح ٥ / ١٤٩.
(٢) الأخرق: الذي لا يحسن العمل.
(٣) البخاري - العتق ٥/ ١٤٨ (٢٥١٨)، ومسلم - الإيمان ١/ ٨٩ (٨٤). وزادت ك (والله أعلم).
(٤) الربذة: موضع بين مكة والمدينة .
(٥) وكان معاوية عاملا على الشام لعثمان رضي الله عنهم
(٦) ينظر الطبري ١٠/ ٨٦، والدر المنثور ٣/ ٢٣٢.
(٧) في الفتح ٣/ ٢٧٥: أي كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام ...
(٨) البخاري - الزكاة ٣/ ٢٧١ (١٤،٦).
(٩) البخاري - الدعوات ١١/ ١٣٠ (٦٣٢٥).
(١٠) ينظر مسند حذيفة - أفراد البخاري: الحديث ٤٠٤.
٢٧٠

أفراد مسلم
٣٦٨ - الأول: عن إبراهيم التَّيْمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كانت لنا رخصة -
يعني المُنْعة في الحجّ.
وفي رواية الأعمش عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كانَتْ المتعةُ في الحجّ
لأصحاب محمد الطّ خاصّة.
وفي رواية زبيد عن إبراهيم عن أبيه قال: قال أبو ذرّ: لا تصلح المُتعتان إلا لنا
خاصّة - يعني متعة النساء ومتعة الحجّ.
وعن عبدالرحمن بن أبي الشعثاء قال: أَتَّيْتُ إبراهيم التَّيْمي وإبراهيمَ النَّخَعيِ
فقلتُ: إنّي أهُمُّ أن أجمعَ العمرةَ والحجَّ العامَ. فقال: لكنْ أبوك لم يكن لِيَهُمَّ
بذلك.
وفي روايةٍ بَيان عن إبراهيم التّيْمي عن أبي ذرّ نحو الأول، قال: إنما كانت لنا
رخصة دونکم(١).
٣٦٩ - الثاني: عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ عن أبي ذرّ عن النبيّ نَ ◌ّه قال: ((ثلاثةٌ لا
يكلِّمهم الله يومَ القيامة ولا ينظُرُ إليهم ولا يزكِّيهم ولهم عذابٌ أليم)) قال: فقرأها
رسول الله ◌َ﴾ ثلاث مرار. قال أبو ذرّ: خابوا وخَسِروا، من هم يارسول الله؟
قال: ((المُسْبِلُ (٢)، والمنّانُ، والُمْفِقُ سِلْعَتَه بالحَلِف الكاذب))(٣).
٣٧٠ - الثالث: عن المعرور بن سويد عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله وَالٍ:
(إنّي لأعلم آخرَ أهلِ الجنّةِ دُخولاً الجنّة، وآخرَ أَهلِ النارِ خُروجاً منها، رجلٌ (٤)
يؤتَى به يومَ القيامة فيقال: اَعْرِضُوا عليه صغارَ ذُنُوبِهَ وارفَعوا عنه كبارَها، فيُعرضُ
عليه صغارُ ذنوبه، فيقال: عَمِلَّتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، وعمِلْتَ يوم كذا وكذا
كذا وكذا. فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكرَ، وهو مُشْفِقٌ من كِبارِ ذنوبه أن تُعرضَ
(١) الروايات كلّها في مسلم - الحج ٢/ ٨٩٧ (١٢٢٤). وينظر النووي ٨/ ٤٥٣.
(٢) المُسْبل: المرخي إزاره بطراً وخيلاء.
(٣) مسلم - الإيمان ١/ ١٠٢ (١٠٦).
(٤) (رجل) ساقطة من س.
٢٧١

عليه. فيُقال له: فإنّ لك مكانَ كلّ سيئةٍ حسنةً. فيقول: ربّ قد عَمِلْتُ أشياء لا
أراها ها هنا». فلقد رأيت رسول الله وَل ضحك حتى بَدَتْ نواجذُه(١).
٣٧١ - الرابع: عن المعرور بن سويد عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ وَّل: ((يقول
الله عزّ وجلّ: من جاء بالجسنة فله عشرُ أمثالها أو أزيدُ(٢)، ومن جاء بالسيئة فجزاء
سيئة مثلُها أو أغفرُ له. ومَنْ تقرَّبَ منّي شبراً تَقَرَّتُ منه ذِراعاً، ومن تقرَّباً مِنّي
م
ذراعاً تقرَّبْتُ منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومن لَقِيَنِي بقُرابِ الأرض (٣)
خطيئة لا يُشركُ بي شيئاً لقِيتُه بمثلها مغفرة» (٤).
٣٧٢ - الخامس: عن أبي الأسود الدؤلي، عن أبي ذرّ أن رسول الله وَل قال:
((يُصْبِحُ على كلّ سُلامَى(٥) من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقةٌ، وكلُّ تحميدة
صدقةٌ، وكلُّ تهليلة صدقةٌ، وكلُّ تكبيرة صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهي عن
المنكر صدقةٌ، ويُجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى))(٦).
٣٧٣ - السادس: عن أبي الأسود الدؤليّ عن أبي ذرٌّ قال: قال رسول الله وَل
((عُرْضَتْ عليَّ أعمال أُمَّتِي حَسَنُها وسَيْتُها، فوَجَدْتُ من مَحَاسنِ أعمالِها الأذَى
يُماط(٧) عن الطريق، ووجَدْتُ من مساوىءٍ أعمالها النُّخاعة (٨) تكونُ في المسجد
لاتُدْفن))(٩).
(١) مسلم - الإيمان ١/ ١٧٧ (١٩٠).
(٢) هكذا في المخطوطات. وفي مسلم (وأزيد).
(٣) قُراب الأرض: ملؤها.
(٤) مسلم - الذكر والدعاء ٤/ ٢٠٦٨ (٢٦٨٧).
(٥) السُّلامَى: عظام الأصابع والمفاصل والبدن.
(٦) مسلم - صلاة المسافرين ١/ ٤٩٨ (٧٢٠).
.(٧) يُماط: يبعد ويزال.
(٨) النخاعة: البصاق يخرج من الصدر.
(٩) مسلم - المساجد ١/ ٣٩٠ (٥٥٣).
٢٧٢

٣٧٤ - السابع: عن أبي الأسود عنه: أن ناساً من أصحاب النبيّ وَّ قالوا
للنبيّ وَّ: ذَهَبَ أهلُ الدُّثُور(١) بالأُجورِ، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويصومون كما
نصومُ، ويتصدّقون بفضول أموالهم. قال: ((أوَليسَ قد جعل الله لكم ما
تَصَدِّقون؟ إن بكلِّ تسبيحة صدقةً، وكلُّ تكبيرة صدقةٌ، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ
تهليلة صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهي عن المنكرِ صدقةٌ، وفي بُضعِ (٢)
أحدكم صدقة)). قالوا: يارسولَ الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟
قال: ((أرأيْتُم لو وضَعَها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ، فكذلك إذا وضَعها في الحلال
كان له أجرٌ)(٣).
٣٧٥ - الثامن: عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرّ عِن النبيّ وَّ فيما روى
عن الله عزّ وجلّ أنّه قال: ((يا عبادي، إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نفسي وجعلْتُه
بينكم محرَّماً، فلا تَظالموا(٤). ياعبادي، كلُّكم جائعٌ إلا مَن أَطْعَمْتُه، فَاسْتَطْعِمُوني
أُطْعِمْكم. كلُّكم عارِ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فاسْتَكْسُوني اُكْسُكُم. يا عبادي، إنّكم تُخَطئون
بالليل والنهار، وأنا أَغْفِرِ الذّنوب جميعاً، فاسْتَغفِروني أَغْفِر لكم. يا عبادي، إنّكم
لن تَبْلُغوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، ولن تَبَلُغُوا نَفْعِي فَنْفَعوني. يا عبادي، لو أنّ أوَّلَكم
وآخركم، وإِنْسكم وجِنَّكم كانوا على أتقَى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلك في
مُلكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر
قلبِ رجلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من ملكي شيئاً. ياعبادي، لو أن أولكم وآخركم،
وإنسكم وجِنّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ، وسألوني فأعطَيْتُ كلَّ إنسانٍ مَسْأَلَتَه ما
نَّقَص ذلك مما عندي إلا كما يَنقصُ المِخْيَطُ(٥) إذا أُدْخل البحر. ياعبادي، إنّما هي
أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أُوَفِيكُم إيّاها، فمن وَجَد خيراً فلْيَحْمَدِ اللهَ، ومن وجدَ
غيرَ ذلك فلا يلومَنّ إلا نفسَه))(٦).
(١) الدُّنُور: الأموال.
(٣) مسلم - الزكاة ٢/ ٦٩٧ (١٠٠٦).
(٥) المخيط: الإبرة.
(٢) البضع: الجماع.
(٤) أي لا يظلم بعضكم بعضاً.
(٦) مسلم - البرّ والصلة ٤/ ١٩٩٤ (٢٥٧٧).
٢٧٣

وهو في أفراد مسلم أيضاً من رواية أبي أسماء عمرو بن مرثد عن أبي ذرّ
نحوه، وحديث أبي إدريس أتمّ(١).
٣٧٦ - التاسع: عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ێ} :
((إنّ بعدي من أُمّتي، أو: سيكون بعدي من أُمّتي قومٌ يقرأون القرآنُ لا يجاوزُ!
حلاقیمهم، يخرجون من الدّين كما يخرج السَّهم من الرّمّة، ثم لا يعودون فيه.
هم شرّ الخلق والخليقة)).
قال ابن الصامت: فلقيت رافعَ بن عمرو الغفاريّ، فذكرت له هذا الحديث
فقال: وأنا سمعته من رسول الله وَل﴾(٢).
وليس لرافع بن عمرو الغفاري في الصحيح غير هذا الحديث المشترك، وليس
في صحيح البخاري لرافع شيء(٣).
٣٧٧ - العاشر: عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله وَله :
(إذا قامَ أحدُكم يصلّي فإنه يستُرُه إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةَ الرَّحْل، فإذا لم یکن
بينَ يدَيَه مثلُ آخرة الرَّحْلِ، فإنّه يقطع صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسود)).
قلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن
أخي، سألْتُ رسول الله وَّلَ كما سألْتَنَي. فقال: ((الكلبُ الأسودُ شيطان)) (٤).
٣٧٨ - الحادي عشر: عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ: قال لي النبيّ ◌َّ:
((كيف أنت إذا كانت عليك أُمراء يميتون الصلاة، أو قال: يؤخِّرون الصلاةَ عن
وقتها؟)). قلتُ: فما تأمرُني؟ قال: ((صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أَدْرَكْتَها معهم فصلِّ،
فإنّها لك نافلة)).
(١) مسلم ٤/ ١٩٩٥.
(٢) مسلم - الزكاة ٢ / ٧٥٠ (١٠٦٧).
(٣) ينظر التحفة ٣/ ١٦٤، والرياض المستطابة ٧٣ .
(٤) مسلم - الصلاة ١/ ٣٦٥ (٥١٠).
٢٧٤

في رواية: ((فإن أُقِيمْتْ الصلاة وأنت في المسجد فصلِّ)).
وفي أخرى: ((فإنْ أَدْرَكَنْكَ - يعني الصلاة - فصَلِّ، ولا تَقُلْ: إنّي قد صلَّيْتُ
فلا أُصَلّي)»(١).
وفي رواية عن شعبة فيه متّصلا به أنّ أبا ذرّ قال: إنّ خليلي أوصاني أن أسمعَ
وأطيعَ وإن كان عبداً مُجَدَّعْ(٢) الأطراف، وأن أُصلِّيَ الصلاة لوقتها. وذكر الحديث
بمعناه. فَصَلَ مسلمٌ فَصْلَ السمع والطاعة منه. وأخرجه في ((المغازي))(٣).
٣٧٩ _ الثاني عشر: عن عبدالله بن الصّامت عن أبي ذرّ قال قلتُ: يارسولَ
الله، ما آنيةُ الحوضِ؟(٤) قال: ((والذي نفسُ محمّدٍ بيده لآنيتهُ أكثرُ من عدد نجومِ
السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المُصْحِية، آنية الجنّةِ مَن شَرب منها لم يظمأ آخرَ
ما عليه، يَشْخُب(٥) فيه ميزابانَ من الجنَّةَ. مَنْ شَرِبَّ منه لم يظمأ. عُرْضُهُ مثلُ
طوله، ما بين عَمّانَ إلى أيْلَةَ(٦)، ماؤه أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من
العسل)) (٧).
٣٨٠ - الثالث عشر: عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: سُئل رسولُ الله
◌َه: أيّ الكلام أفضل قال: ((ما اصْطَفى اللهُ لملائكته أولعباده: سبحانَ الله
وبحمده)) .
وفي رواية شُعبة: قال لي النبيّ وَّهِ: ((ألا أُخبرُك بأحبّ الكلامِ إلى الله؟ إنّ
أحبَّ الكلام إلى الله سبحانَ الله وبحمده)»(٨).
(١) مسلم - المساجد ٤٤٨/١، ٤٤٩ (٦٤٨).
(٢) المجدّع: المُقَطَّع .
(٣) رواه مسلم ... عن شعبة عن أبي عمران الجوني، عن عبدالله بن الصامت، عن أبي ذرّ، في المساجد
٤٤٨/١، وفصل: ((إن خليلي ... مجدّع الأطراف)) في الإمارة ٣/ ١٤٦٧ (١٨٣٧).
(٤) أي حوض النبيّ وَّ في الجنّة .
(٥) یشخب: يسيل.
(٦) عمان: المدينة المعروفة. وأيلة: بين الحجاز والشام. ينظر معجم البلدان ١/ ٢٩٢.
(٧) مسلم - الفضائل ٤/ ١٧٩٨ (٢٣٠٠).
(٨) سلم - الذكر والدعاء ٤/ ٢٠٩٣، ٢٠٩٤ (٢٧٣١).
٢٧٥

۔۔
٣٨١ - الرابع عشر: عن ابن الصامت عنه قال: قيل لرسول الله وَله: أرأيتَ
الرجلَ يعملُ العملَ من الخير ويحمَدُه الناسُ عليه. قال: ((تلك عاجلُ بُشْرَى
المؤمن)»(١).
٣٨٢ - الخامس عشر: عن ابن الصامت عنه قال: إن خليلي أوصاني: «إذا
طَبَخْتَ مرقاً فَأَكْثِرْ ماءَه، ثم انْظُرْ أهلَ بيتٍ من جيرتك فأصِبُهم منها بمعروف» (٢).
٣٨٣ - السادس عشر: عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: «قال لي النبيّ
وَلَّه: ((لا تَحْقِرَنّ من المعروف شيئاً، ولو أنْ تَلْقَى أخاك بوجهٍ طَليقٌ)»(٣).
٣٨٤ - السابع عشر: عن عبدالله بن شقيق العقيلي عن أبي ذرّ قال: سألت
رسول الله وَّ﴾: هل رأيْتَ رَبَّك؟ قال: ((نورٌ أنَّى أراه))(٤).
٣٨٥ - الثامن عشر: عن عبدالرحمن بن حُجَيْرَةَ الأكبر عن أبي ذرّ قال: قلت:
يارسول الله، ألا تَسْتَعْمِلُني؟ قال: فضرب بيده على مَنْكِبي، ثم قال: ((يا أبا ذرّ،
إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يومَ القيامة خِزْيٌ وندامةٌ، إلا من أخذَها بحقُّها
وأدّى الذي عليه فيها)).
وفي ترجمة أبي سالم سفيان بن هانىء الجَيْشاني عن أبي ذرّ من أفراد مسلم
نحوه: أنّ رسول الله وَّو قال: ((يا أبا ذرّ، إنّ أراكَ ضعيفاً، وإنّي أحبُّ لك ما
أُحبُّ لنفسِي، لا تَأَمَّرَنّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مالَ يتيم))(٥).
٣٨٦ - التاسع عشر: عن أبي بَصْرَةً وعبدالرحمن بن شُماسة عن أبي ذرّ قال:
قال رسول الله وَله: ((إنكم ستَفْتَحون أرضاً يُذكر فيها القيراط))(٦) وفي الرواية
(١) مسلم - البرّ والصلة ٤/ ٢٠٣٤ (٢٦٤٢).
(٣) مسلم - ٤ / ٢٠٢٥ (٢٦٢٥).
(٣) مسلم - ٤/ ٢٠٢٦ (٢٦٢٦). ويروى (طلق) و(طليق).
(٤) مسلم - الإيمان ١/ ١٦١ (١٧٨). ينظر النووي ٣/ ١٥.
(٥) مسلم - الإمارة ٣/ ١٤٥٧، ١٤٥٨ (١٨٢٥).
(٦) القيراط: جزء من أجزاء الدينار والدرهم، وكان أهل مصر يستعملونه ..
٢٧٦

الأخرى: ((سَتَفْتَحون مصر، وهي أرض يسمّى فيها القيراطُ، فاستوصُوا بأهلها
خيراً، فإنّ لهم ذِمَّةً ورَحِمً))(١). وفي الرواية الأخرى: «فإذا فَتَحْتُموها فأحْسنوا
إلى أهلها، فإن لهم ذِمَّةً ورَحِماً)) أو قال: ((ذمّة وصهْراً (٢)، فإذا رأيْتَ رَجُلَين
يختصمان فيها في موضع لَبِنةٍ فاخْرُجْ منها)). قال: فمرَّ بربيعة وعبد الرحمن بن
شُرَحْبيل بن حَسَنَة يتنازعان في موضع لَبِنة، فخرج منها .
وفي الأخرى: فرأيْتُ ... فخَرجْتُ ...
آخر ما في الصحيحين من مسند أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه(٣).
(١) ذكر الرَّحم لكون هاجر أم إسماعيل عليه السلام من مصر، والصُّهر لأن مارية زوج النبي ◌ٍَّ منهم. ينظر
النووي ١٦/ ٣٣٠.
(٢) مسلم - فضائل الصحابة ٤/ ١٩٧٠ (٢٤٥٣).
(٣) رضي الله عنه من ك. وزادت (والله أعلم).
٢٧٧

(١٥)
المتفق عليه من
م
مسند حذيفة بن اليمان العبسي رضي الله عنه(١)
٣٨٧ - الأول: عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: أنّهم كانوا عند حُذيفة بالمدائن،
فاسْتَسْقَى فسقاه مَجُوسيٍّ في إناءٍ من فضّة - في رواية: فرماه به وقال: إنّي أمَرْتُه
ألاَّ يَسقيَني فيه؛ إنّ سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّ يقول: ((لا تَلبسوا الحريرَ ولا الديباج،
ولا تَشْرِبُوا في آنيةِ الذَّهب والفضّة، ولا تأكلوا في صحافها(٢)، فإنّها لهم في
الدُّنيا)) زاد في رواية: «ولكم في الآخرة)» (٣).
وهو في أفراد مسلم عن عبدالله بن عُكَيمِ الجُهَنيّ بنحوه. وليس في رواية ابن
عُكَيم: (ولا تَأكُلُوا في صحافها)»(٤).
٣٨٨ - الثاني: عن أبي وائل شقيق بن سَلَمة عن حذيفةً قال: قام فينا
رسولُ الله ◌ِّهِ مقاماً ما تَرَكَ شيئاً يكونُ من مقامِه ذلك إلى قيامِ الساعةِ إلا حدَّثَ.
به، حَفِظَه مَن حفِظه، ونَسِيَهَ من نَسِيَه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاءِ، وإنّه لیکونُ منه
الشيءُ قد نَسِيتُه، فأراه فأذكرُه كما يذكرُ الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه.
عرفه(٥) ..
٣٨٩ - الثالث: عن شقيق عن حذيفة قال: كُنّا عند عمرَ، فقال: أيُّكُم يحفَظُ
حديثَ رسول الله وَه في الفتنة كما قال؟ فقلتُ: أنا أحفظُ كما قال. قال:
(١) (رضي الله عنه) ليست في ك. وينظر الاستيعاب ١/ ٣١٦، والإصابة ١/ ٢٧٦، والمجتبى ٧٣، والتلقيح
٣٩٠، والرياض ٥٠.
(٢) الصِّحاف: جمع صَحْفة: إناء كالقصعة.
(٣) البخاري - الأطعمة ٩/ ٥٤٤ (٥٤٢٦) وفيه أطرافه، وملم - اللباس ٣/ ١٦٣٧ (٢٠٦٧).
(٤) ملم ٣/ ١٦٣٧.
(٥) البخاري - القدر ١١/ ٤٩٤ (٦٦٠٤)، وينظر الفتح ١١/ ٤٩٥، وهو بهذه الرواية في مسلم - الفتن ٤/
.. .-.
٢٢١٧ (٢٨٩١).
٢٧٨

هات، إنّك لجريءٌ، كيف قال؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ رسولَ الله وَهِ يقولُ: («فتنةُ الرجلِ
في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفِّرُها الصيامُ، والصلاةُ، والصدقةُ، والأمرُ
بالمعروف، والنهي عن المنكر)).
فقال عمر: ليس هذا أُريدُ، وإنّما أُريدُ ((التي تموجُ كموج البحر)). فقلت: مالك
ولها يا أميرَ المؤمنين، إنّ بينك وبينها باباً مُغْلَقاً. قال: فيكسرُ الباب أو يُفْتحُ؟ قال:
قلت: لا بلْ يُكْسَرُ. قال: ذلك أَحْرَى ألاّ يُغْلَقَ أبداً. قال: فقلتُ لحذيفة: هل
كان عمرُ يعلمُ مَن البابُ؟ قال: نعم، كما يعلمُ أن دون غدٍ ليلةً. إنّي حدَّثْتُه حديثاً
ليس بالأغاليط. قال: فهَبْنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقُلْنا لَسْرُوقِ: سَلْهُ،
فسألَه، فقال: عمر(١).
٣٩٠ - الرابع: عن شقيق عن حذيفة قال: كُنّا مع رسول الله وَ ◌ّ فقال:
((أحصوا لي كم يَلْفُظُ الإسلامَ)) قال: فقُلْنا: يارسول الله، أتخافُ علينا ونحن بين
الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: ((إنّكم لاتَدرون، لعلّكم أن تُبْتَلوا)) قال: فابتُلينا حتى
جعل الرَّجلُ منّا لا يصلّي إلا سراً)(٢).
٣٩١ - الخامس: عنه عن حذيفة قال: كان النبيّ ◌َّ إذ قام من الليلِ يشوصُ
فاه بالسّواك(٣).
٣٩٢ - السادس: عن شقيق عن حذيفة قال: كنت مع النبيّ ◌َّر فانتهى إلى
سُباطةً(٤) قوم، فبال قائماً، فتنحَيْت فقال: ((ادنُهُ)) فدنَوْتُ حتى قُمْت عند عَقِبَيْه،
فتوضَّاً ومَسَح على خُفَّيْه(٥).
(١) البخاري - مواقيت الصلاة ٨/٢ (٥٢٥) وفيه الأطراف، وهو بهذه الرواية في مسلم - الفتن ٢ / ٢٢١٨،
ويتفصيل في الإيمان ١/ ١٢٨ (١٤٤)، وسيأتي في أفراد مسلم - ٤١٦.
(٢) البخاري - الجهاد ٦/ ١٧٧ (٣٠٦٠)، ومسلم - الإيمان ١/ ١٣١ (١٤٩).
(٣) البخاري - الوضوء ١/ ٣٥٦ (٢٤٥)، وملم - الطهارة ١/ ٢٢٠ (٢٥٥). ويشوص: يدلك أسنانه عَرْضاً.
(٤) السُّباطة: موضع القمامة والتراب.
(٥) البخاري - الوضوء ١/ ٣٢٩ (٢٢٥)، وملم - الطهارة ٢٢٨/١ (٢٧٣).
٢٧٩

وفي حديث جرير وشعبة عن منصور عن أبي وائل قال: كان أبو موسى
الأشعري يشدِّدُ في البَولِ، ويبولُ في قارورةٍ ويقولُ: إنّ بني(١) إسرائيل كان إذا
أصاب جلدَ أحدِهم بولُ قَرَضَه بالمقاريض. فقال حُذيفة: لوَدِدْت أن صاحبكم لا
يشدِّدُ هذا التشديد، فلقد رأيتني أنا ورسولُ اللهِ وَلِّ نتماشى، فأتى سباطةَ قومٍ
خلفَ حائط، فقامَ كما يقومُ أحدُكم، فبال، فانْتَيَذْتُ منه، فأشارَ إليّ، فجِئْتُ،
فقُمتُ عندَ عَقِبَيْهِ حتى فَرَغْ(٢).
٣٩٣ - السابع: عن شقيق عن حذيفة قال: قال رسول الله وَّهو: ((لَبَيَرِدَنّ على
حوضي أقوامٌ، ثم يُخْتَلَجون(٣) من دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّك لا
تدري ما أحدثوا بعدك»(٤).
وقد تقدّم لابن مسعود نحوه(٥).
٣٩٤ - الثامن: عن زيد بن وهب عن حُذيفة قال: حدَّثَنا رسولُ اللهَِلـ
حديثَين، قد رأَيْتُ أحدَهما وأنا أنتظرُ الآخر:
حدَّثَنَا أن الأمانة تَزَلَتْ فِي جَذْرِ قلوب الرجال، ثم نزل القرآنُ، فَعَلِموا من
القرآن، وعَلِموا من السنّة.
ثم حدّثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينامُ الرجل الثَّومَةَ، فَتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبه،
فيظلُّ أثرُها مثلَ أثر الوَكْتُ (٦)، ثم ينامِ النَّوْمة فُتُقبضُ الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرُها
مثلَ أثر المَجْل (٧)، كجمر دَخْرَجْتَه على رجلك فنَقِط، فتراه مُنْتَرا(٨) وليس فيه
(١) في ك (أن في بني).
(٢) البخاري ٣٢٩/١ (٢٢٦،٢٢٥)، ومسلم ١/ ٢٢٨.
(٣) يختلجون: ينتزعون.
(٤) البخاري - الرقاق ١١/ ٤٦٣ (٦٥٧٦)، ومسلم - الفضائل ٤/ ١٧٩٧ (٢٢٩٧).
(٥) الحديث (٢٧٦).
(٦) الوَكْتُ: الأثر القليل.
(٧) الّجْل: انتفاخ يسير يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها.
(٨) نقط: أي صار في الانتفاخ ماء. والمنتبر: المرتفع.
٢٨٠