النص المفهرس

صفحات 81-100

مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه
31
المُخَرّج في الصَّحْيحَين البخاريّ ومسلم
أو في أحدهما (١)
المتّفق عليه من ذلك ستّة أحاديث(٢):
١ - الأول: عن عبدالله بن عمرو بن العاص عنه أنه قال لرسول الله
(وَلَّه: ((علِّمْنِي دُعاءً أدعو به في صلاتي). قال: ((قُلْ: اللهمّ إنّي ظلَمْتُ نفسي
ظلماً كثيراً، ولا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت، فاغفرْ لي مغفرةً من عندك، وارحمني،
إنّك أنت الغفورُ الرَّحیمُ)).
جعله بعضُ الرواة من مسند عبدالله بن عمرو، لأنه قال فيه عنه: إن أبا بكر
قال لرسول الله وَ﴾. وقد أخرجاه أيضاً كذلك(٣) من طريق عمرو بن الحارث، عن
يزيد بن أبي حبيب (٤) ، وهو مذكور في مسند ابن عمرو (٥) .
٢ - الثاني: عن أنس بن مالك الأنصاري، عنه، قال: ((نظرتُ إلى أقدام
المشركين ونحن في الغارِ وهُم على رؤوسنا، فقُلتُ: يا رسول الله لو أنّ أحدَهم
نظرَ إلى قدمَيه أبْصَرَنَا تحتَ قدَمَيه. فقال: ((يا أبابكر، ما ظنُّك باثنين اللهُ
ثالثُهما)»(٦).
(١) في ك (مسند أبي بكر الصديق المخرج للبخاري ومسلم أو في أحدهما) وفي م (مسند أبي بكر الصديق
المخرج في الصحيحين للبخاري ومسلم).
(٢) والعدد نفسه المذكور هنا فيما اتفق عليه الشيخان، أو ما انفرد به كل واحد منهما: في التلقيح لابن الجوزي
٣٦٤، ٣٩٤، والرياض المستطابة العامري ١٤٥ .
(٣) في س (كذلك أيضاً) وهذه من ك، م.
(٤) البخاري - الأذان ٣١٧/٢ (٨٣٤) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، وأضاف في
الدعوات ١٣١/١١ (٦٣٢٦) وقال عمرو بن الحارث عن يزيد عن أبي الخير إنه سمع عبدالله بن عمرو:
قال أبو بكر للنبي وَّر ... ومسلم - الذكر والدعاء ٢٠٧٨/٤ (٢٧٠٥). وروي (ظلماً كبيراً).
(٥) في التحفة والنكت ٦/ ٣٨٠ في مسند عبدالله بن عمرو.
(٦) البخاري - فضائل الصحابة ٨/٧ (٣٦٥٣) ومسلم فضائل الصحابة ٤/ ١٨٥٤ (٢٣٨١).
٨١

٣ - الثالث: حديث الرَّحْل: عن البراء بن عازب قال: جاء أبو بكر إلى أبي في
منزله فاشترى منه رَحْلاً، فقال لعازبٍ: ابعَتْ معي ابنَك يحملْه معي إلى منزلي،
فقال لي أبي: احْمِلْه، فَحَملْتُهُ، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا
أبابكر، كيف صنعتُما ليلةَ سَرَّيْتَ مع رسول الله وَّ؟ قال: نعم، أَسْرَيْنَا لِيلَتَنَا كلَّها
حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمرُّفيه أحد، حتى رُفعتْ (١) لنا صخرةٌ
طويلةٌ لها ظلٌّ لم تأتِ عليه الشمسُ بعد، فتزلْنا عندها، فأتيْتُ الصخرة، فسوَّيْت
بيدي مكاناً ينامُ فيه رسولُ اللهِ وَّهِ في ظلّها، ثم بسطْتُ عليهِ فَرْوَةٌ، ثم قلتُ: نَمْ
يا رسولَ الله وأنا أنفُضُ لك ما حولك، فنامَ، وخرجتُ (٢) أنفضُ ما حوله، فإذا
أنا براعٍ مقبلٍ بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلتُ: لمن أنت
ياغلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة. فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قُلْتُ:
أفتحلبُ لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت: انفُضِ الضَّرْعَ من الشَّعر والتراب
والقذى - قال : فرأيتُ البراءَ يضربُ بيده على الأخرى ينفُضُ - فحلبَ لي في
قَعْبٍ معه كُثُبةً (٣) من لبن، قال: ومعي إداوةٌ (٤) أرتوي فيها للنبي وَّ
ليشرب منها ويتوضّاً. قال: فأتيتُ النبي ◌َ ◌ّ وكرهتُ أن أُوقظَه من نومِه، فوقفتُ.
حتى استيقظَ، وفي أخرى: فوافقْته حين استيقظَ، فصَبَيْتُ على اللبن من الماءِ.
حتى بردَ أسفلُه، فقلْتُ: يارسول الله، اشرب من هذا اللبن، قال: فشربَ حتى
رَضِيتُ، ثم قال: ((ألم بأنِ الرَّحيل؟)) قلتُ: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت
الشمسُ، واتّبَعَنا سراقةُ بن مالك ونحن في جَلَدِ(٥) من الأرض، فقلتُ: يارسولَ
الله أتينا، فقال: ((لا تَحْزَنْ، إنّ الله معنا)). فدعا عليه رسول الله وَّل، فارتطمتْ
فرسُهُ إلى بطنها - أرى(٦)- فقال: إني قد علمت أنكما قد دَعَوْتُما عليّ، فادِعُوًا
(١) رفعت : ظهرت.
(٢) سقط من س (أنفض .. وخرجت).
(٣) القعب : القدح . والكُبة: حلبة خفيفة قدر قدح
(٤) الإدارة : إناء من جلد.
(٥) الجَلّد: الصَّلْب.
(٦) هكذا في الأصول وفي النص تقديم وتأخير عما في البخاري.
٨٢

لي، فالله لكما أن أرُدَّ عنكما الطَّلب. فدعا رسول اللهِ وَ ◌ّهِ، فنجا، لا يلقى أحداً
إلاّ قال: كُفِيتُم ما ها هنا، ولا يلقى أحداً إلاّ ردّه، ووفى لنا (١).
زاد في رواية إسرائيل: أن سراقة قال: وهذه كنانتي، فخُذْ سهماً منها، فإنّك
ستمرّ على إيلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخُذْ منها حاجَتَك. قال: ((لا حاجة لي
في إبلك)). فقدِمْنا المدينةَ ليلاً، فتنازعوا أيُّهم ينزلُ عليه، فقال: ((أنزلُ على بني
النجار أخوال عبد المطلب، أُكرمُهم بذلك)) فصَعِدَ الرجالُ والنساءُ فوقَ البيوت،
وتفرّقَ الغلمانُ والخدمُ في الطُرقِ ينادون: يا محمَّدُ، يا رسولَ الله، يا محمَّدُ،
يا رسولَ الله (٢).
وفي رواية أخرى : جاء محمَّدٌ، جاء رسول الله .
زاد في أخرى من رواية إبراهيم بن يوسف: وقال البراء : فدخلْتُ مع أبي
بكر على أهله، فإذا عائشةُ ابنته مضطجعة قد أصابتها حمّى، فرأيتُ أباها يقبّل
خدَّها، وقال: كيف أنتٍ يا بُنيّة (٣).
في حديث شعبة زيادة لفظة : أن البراء قال : قال أبو بكر - يعني لما خرج
رسول الله وَله من مكة إلى المدينة -: مررنا براعٍ وقد عطش رسولُ اللهِ وَلّر، قال
أبو بكر الصدّيق: فأخذتُ قدحاً، فحلبتُ فيه لرسول اللهِ وَ لِ كُثْبة من لبنِ، فأتيتُه
بها، فشرِب حتى رَضِيتُ. وقعَ مفصولاً من حديث الرَّحْل، وكذا أخرجاه(٤).
٤- الرابع: عن أبي هريرة من رواية حُميد بن عبد الرحمن عنه: أنّ
أبا بكر الصدّيق بعثَه في الحَجَّة التي أمَّرَه عليها (٥) رسولُ اللهِ وَلِّ قبل
(١) هذه رواية البخاري - المناقب ٦ / ٦٢٢ (٣٦١٥)، ووقع الحديث في مواضع - ينظر أطرافه في اللقطة
٩٣/٥ (٢٤٣٩). وهي في ملم - الأشربة ١٥٩٢/٣، والزهد ٢٣٠٩/٤ (٢٠٠٩).
(٢) وهي في مسلم - الزهد ٤/ ٢٣١١ (٢٠٠٩).
(٣) البخاري - مناقب الانصار ٢٥٥/٧ (٣٩١٨).
(٤) البخاري - الأشربة ١٠/ ٧٠ (٥٦٠٧) (٣٦٩)، ومسلم الأشربة ١٥٩٢/٣ - (٢٠٠٩).
(٥) (علیھا) ساقطة من س.
٨٣

...
حَجّة الوداع في رهطٍ يؤذّن في النّاس يومَ النحر: ألاَّ يحجَّ بعد العام.
مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان(١).
وفي رواية عُقيل: قال حُميد: ثم أردف النبي ◌َّهبعلىّ بن أبي طالب، فأمره
أن يؤذِّنَ بـ ((براءة)) قال أبو هريرة: فأذَّنَ معنا (٢) في أهل منى بـ ((براءة)): ألاّ
يحجَّ بعد الام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عُريان(٣).
وفي رواية أبي اليمان: ويوم الحجّ الأكبر: يوم النحر. والحجّ الأكبر: الحجّ،
وإنما قيل الحجّ الأكبر من أجل قول الناس: الحجّ الأصغر. قال: فَنَبَذَ أبو بكر إلى
النّاس في ذلك العام، فلم يَحُجَّ في العام القابلِ الذي حجّ فيه النبيّ وَّ حجّة
الوداع - مشركٌ (٤)، وأنزل الله تعالى في العام الذي نَبَذَ فيه أبو بكر إلى
المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْد عَامِهِم
هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [ سور التوبة: ٢٨] وكان المشركون
يُوافون بالتجارة، فينتفعُ بها المسلمون، فلمّا حرّمَ الله على المشركين أن يقْرَبُوا:
المسجد الحرامَ وَجَد (٥) المسلمون في أنفسهم ممّا قُطعَ عليهم من التجارة التي كان
المشركون يوافون بها، فقال الله عزّ وجلّ: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من
فضله إن شاء﴾ ثم أحلّ في الآية التي فيها (٦) تتبعها الجزية، ولم تؤخذ قبل ذلك،
فجعلها عوضاً ممّا منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال عزّ وجلّ: ﴿قَاتِلُوا
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]، فلمّا أحلّ الله عزّ وجلّ
(١) البخاري - الصلاة ٤٧٧/١ (٣٦٩) فيه الأطراف، ومسلم - الحجّ ٩٨٢/٢ (١٣٤٧).
(٢) في البخاري (فأذن معنا عليّ)
(٣) وهي في البخاري- الصلاة ٤٧٧/١، والتفسير ٣١٧/٨ (٤٦٥٦).
(٤) البخاري - الجزية ٢٧٩/٦ (٣١٧٧).
(٥) وجد : خزن.
(٦) (الآية) ليست في س. و(فيها) ليست في جامع الأصول.
٨٤

ذلك للمسلمين(١) عرفوا أنّه قد عاضَهم بأفضل مما خافوه ووجدوا عليه ممّا كان
المشركون يوافون به في التجارة (٢).
وفي رواية ابن وهب : وكان حميد يقول : يوم النحر : يوم الحجّ الأكبر، من
أجل حديث أبي هريرة(٣).
٥- الخامس: عن أبي هريرة أيضاً قال: لما تُوفّي رسول الله وَلَه، واستُخلفَ
أبو بكر بعده، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِن العرب. قال عمرُ بن الخطاب لأبي بكر: كيف
تُقاتلُ النّاسَ وقد قال رسول الله وَ﴿: ((أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله
إلّ الله، فمن قال لا إله الله عَصَمَ مني مالَه ونفسَه إلاّ بحقّه، وحسابُه على الله))
فقال أبو بكر: والله لأُقاتِلَنّ من فرَّقَ بين الصلاة والزكاةِ، فإنّ الزّكاة حقُّ المال،
والله لو منعوني عَنَاقًا (٤) كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله وَّهِ لقاتَلْتُهم على منعها،
فقال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيْتُ أنّ اللهَ شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتالِ، فَعَرَفْتُ
أنّه الحقّ.
وفي رواية : عقالاً كانوا يؤدُّونه(٥).
ويدخل أيضاً هذا الحديث في مسند عمر، بقوله فيه: إن رسول الله وَل قال:
(أُمِرْت أن أقاتل الناس .. )).
٦- السادس عن عمر عن أبي بكر (٦)، المسند منه فقط وهو: ((لا نورث، ما
ترکنا صدقة)) .
(١) في س (فلما أحلّ الله عزّ وجلّ للمسلمين) وفي ك (فلما أحل الله ذلك للمسلمين).
(٢) من (وأنزل الله تعالى .. ) ليس في البخاري أو مسلم. وقد نقل ابن الأثير هذه الزيادة في الجامع
١٥٣/٢، وعلق المحقق: لعلها من زيادات الحميدى.
(٣) البخاري - الغير ٣٢٠/٨ (٤٦٩٧)، ومسلم - الحج ٢/ ٩٨٢ (١٣٤٧). عن ابن وهب وغيره.
(٤) العناق : الأنثى من أولاد المعز.
(٥) البخاري - الزكاة ٢٦٢/٣ (١٣٩٩، ١٤٠٠)، والاعتصام ١٣/ ٢٥٠ (٧٢٨٤، ٧٢٨٥)، ومسلم - الإيمان
٥١/١٠ (٢٠).
(٦) في ك (عنه).
٨٥

لمسلم من رواية جُويريةَ بن أسماءَ، عن مالك، وعن عائشةَ بطوله: أنّ فاطمة
سألت أبا بكر أن يقسِمَ لها ميراثَها.
وفي رواية أخرى : أن فاطمةً والعباسَ أَّيا أبا بكر يلتمسان ميراثَهما من رسول
الله وَلّ وهم حينئذٍ يطلبان أرضَه من فَدَك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر :.
إني سمعْتُ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((لا نورثُ، ما تَرَكْنا صدقةٌ، إنّما يأكل (١) آل
محمد في هذا المالِ» وإنّي والله لا أُدَع أمراً رأيْتُ رسولَ اللهِوَ لَّهِ يصنعُه فيه إلا
صَنَعْتُه. زاد في رواية صالح بن كيسان: إنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن
أَزيغَ. قال: وأمّا صدقتُه بالمدينة فدفَعَها عمرُ إلى علىّ وعَّاس، فغلَبه عليها عليّ.
وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمرُ وقال: هما صدقةُ رسول الله وَلهو، كانتا لحقوقه
التي تَعروه ونوائبه، وأمرُهما إلى مَن وَلِي الأمرَ. قال: فهما على ذلك إلى:
اليوم.
قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر: فهَجَرَتْه فاطمة، فلم تكلِّمْه في
ذلك حتى ماتَتْ، فدفَتَها عليٌّ ليلاً، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكر، قال : فكان لعلىِّ وَجْهٌ
من النّاس حياةً فاطمة(١)، فلما تُوفّيت فاطمةُ انصرفَتْ وجوهُ النّاسِ عن عليّ،
ومكّنَتْ فاطمةُ بعدَ رسولِ اللهِِّ ستّةَ أشهرٍ ثم تُوُفِيَت. فقال رجلٌ للزُّهري: فلم
يُبايعه علىٌّ ستّة أشهر .. فقال: لا والله، ولا أحدٌ من بني هاشم حتى بايعه
عليّ (٢) وفي حديث عروة: فلما رأي عليّ انصراف وجوه الناس عنه فَزِعَ إلى
مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر : ائْتِنا، ولا يَأتِنا معك أحدٌ، وکرِهَ أن يأتيَه
عمر ، لما علِم من شدّة عمر ، فقال عمر: لا تأتِهم وحدك. فقال أبو بكر: والله
لآتِيَنَّهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي. فانطلقَ أبو بكر، فدخلَ على عليّ وقد
جمعَ بني هاشم عندَه، وقام عليّ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهلهُ، ثم قال: أما
بعد، فلم يَمْنَعْنَا أن نُبايعَك يا أبا بكر إنكاراً لفضلك، ولا نفاسةً عليك لخيرِ ساقَه
(١) في س (كان يأكل) وهي في مسلم.
(٢) النصّ السابق رواية مسلم، ولم يرد فيه (فقال رجل للزهرى) ولكنها في الفتح ٧/ ٤٩٥ عن مسلم.
٨٦

اللهُ إليك، ولكنّا كنّا نرى أنه لنا في هذا الأمر حقّاً فاستبددتُم علينا، ثم ذكر
قرابتهم من رسول الله وَّ وحقّهم، فلم يزل عليّ يذكر حتى بكى أبو بكر،
وصَمَت عليّ. فتشهدَّ أبو بكر، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال:
فوالله لَقرابةُ رسول اللهِ وَ لّ أحبُّ إليَّ أَنْ أَصِلَ من قرابتي، والله ما أَلَوْتُ في هذه
الأموالِ التي كانَتْ بيني وبينكم عن الخيرِ، ولكنّي سَمِعتُ رسول الله وَل يقول:
((لا نُورَّثُ، ما تَرَكْنا صدقة، إنما يأكلُ آلُ محمدٍ في هذا المال)) وإنّي والله لا أدعُ
أمراً صنَعه رسولُ الله ◌َّهِ إلاّ صنعتُه إن شاء الله. وقال عليّ: موعدُك العشيّةَ
للبيعة .
فلما صلّى أبو بكر الظهرَ، أقبل على النّاس يعذُر عليّاً ببعضٍ ما اعتذَر به، ثم
قام عليٌّ فعظَّمَ من حقّ أبي بكر وذكر فضيلته وسابقتَه، ثم قام إلى أبي بكر
فبايعه، فأقبل الناسُ على عليّ، فقالوا : أصبْتَ وأحسنتَ، وكان المسلمون إلى
عليّ قريباً حين راجعَ الأمر المعروفَ - رضي الله عنهم أجمعين(١).
(١) روايات الحديث في البخاري - فرض الخمس ١٩٦/٦، ١٩٧ (٣٠٩٢، ٣٠٩٣)، والمغازي ٤٩٣/٧ (٤٢٤٠،
٤٢٤١)، وفي الأول ذكر أطراف أخر، وهو في مسلم - الجهاد ٣/ ١٣٨٠ - ١٣٨٢ (١٧٥٩).
٨٧

ما انفرد البخاري بإخراجه من ذلك (١)
٧- الأول: عن عمر، من رواية عبد الله بن عمر: أن عمر حين تأيَّمتْ (٢)
حفصهُ بنتُ عمرَ من خُنَيْس بن حذافةَ السَّهْمي - وكان من أصحاب رسول الله
وَلَّه، قد شهد بدراً وتوفّي بالمدينة(٣) - قال عمر: فلَقِيتُ عثمانَ بن عفّانَ
فعرضْتُ عليه حفصةَ فقلتُ : إن شئتَ أَنْكَحْتُكَ حفصةَ ابنةَ عمر ، فقال: سأنظرُ
في أمري. فَلَبِثْتُ ليالي ، ثم لِقِيَي فقال: قد بدا لي ألاّ أتزوّجَ يومي هذا. قال
عمر: فلَقِيتُ أبا بكر الصّديق فقلت: إن شِئْتَ أنكحْتُك حفصةَ ابنةَ عمر ،
فصَمَتَ أبو بكر فلم يَرْجِعْ إليّ شيئاً، فَكُنْتُ منه أَوْجد(٤) منّي على عثمان،
فَبِثْتُ لياليَ، ثم خَطَبها النَّبيُّ ◌ََّ فَأَنْكَحْتُها إياه، فلقِيَني أبو بكر فقال: لعلّك
وَجَدْتَ عليَّ حين عَرَضْتَ عليَّ حفصةَ فلم أرجعْ إليك شيئاً(٥)؟ فقلتُ : نعم.
قال: فإنّه لم يمنعني أن أرجعَ إليك فيما عَرَضْتَ عليّ إلاّ أنّي قد كُنْتُ عَلَمْتُ أن
النبيّ وَ ل قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سرَّ السبيّ وَّ ◌ٍ، ولو تركها النبيّ ◌َّ
لَقَبَلْتُها(٦).
يقال : انفردَ مَعْمَر بقوله فيه: إلا أني سمعتُ رسول الله ◌ّ﴾ یذکرها، وسائر
الرواة يقولون : عَلِمْتُ (٧).
قال فيه الراوي عن مَعْمر : حُبَيْش بالحاء المهملة والشين المعجمة والباء، وهو
تصحيف، لأنّه بالخاء المعجمة والنون والسين المهملة (٨) .
(١) هكذا في النسخ. وعلى حاشية ك أن في نسخة (أفراد البخاري)، وهو الذي سلكه المؤلف في الكتاب.
(٢) أي مات زوجها.
(٣) ينظر الاستيعاب ٤٣٩/١، والإصابة ٤٥١/١.
(٤) الوجد : الغضب.
(٥) سقط من ك (شيئاً).
(٦) البخاري - المغازي ٣١٧/٧ (٤٠٠٥) وفيه أطراف الحديث.
(٧) الذي في روايات البخاري (علمت). وفي النسائي - النكاح ٧٨/٦ (سمعت).
(٨) وهو ما قيّده به ابن حجر في الفتح ١٧٦/٩، وما ذكره المترجمون. وقد نقل هذه العبارة عن الحميدي ابن
حجر في الإصابة ١/ ٤٥١ .
٨٨

اختصر البخاري حديث معمر احتراراً مما وقع للراوي فيه، فقال: إن عمرَ حين
تأيَّمَتْ حفصةُ من ابن حُذافةَ السَّهمي، ولم يسمِّه، وقَطَعه عند قوله: قال عمر :
فَلَقِيت أبا بكر فقلت: إن شِئتَ (١) أنكحْتُك حفصة، لم يزد(٢).
وهذا الحديث أيضاً يذكر في مسند عمر لقوله فيه: ثم خطبها رسول الله وَله،
فأنكَخْتُها إيّاه(٣).
٨- الثاني : عن عبد الله بن عمرَ. عن أبي بكر موقوفاً أنّه قال: ارقُبُوا
محمداً وَلقره في أهل بيته (٤).
٩- الثالث : في جمع القرآن :
عن زيد بن ثابت قال : أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهلِ إليمامةٍ، فإذا عمرُ جالسٌ
عنده، فقال أبو بكر : إنّ عمر جاءني فقال: إن القتلَ قد استحرّ (٥) يومَ اليمامة
بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرَّ القتلُ بالقرّاء في كلّ (٦) المواطن، فيذهب من
القرآن كثير، وإني أرى أن تأمرَ بجمع القرآن. قال: قُلْتُ لعمر: وكيف أفعالُ
شيئاً لم يفعلُه رسول الله وَلَهُ؟ فقال عمر: هوَ والله خيرٌ. فلم يَزَلْ يُراجعُني في
ذلك حتى شَرَحَ الله صدري للذي شرحَ له صدرَ عمر، ورأيْتُ في ذلك الذي رأى
عمر.
قال زيد - وفي رواية (٧) فقال لي أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌ عاقلٌ لا نتّهمُك، قد
كُنْتَ تكتبُ الوحيَ لرسول اللهِ وَّ، فَتَّعِ القرآن فاجْمَعْه. قال زيدُ: فوالله لو
كلَّفَنِي نَقْلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقلَ علىّ مَّا أمرني به من جمع القرآن. قال:
۔۔
(١) (إن شئت) سقطت من ك.
(٢) البخاري - النكاح ١٨٣/٩ (٥١٢٩) وهذا الحديث بأكمله في جامع الأصول ٤٠٨/١١.
(٣) وهو كذلك في تحفة الأشراف ٥٦/٨. والنسائي ٧٨/٦، ٨٣.
(٤) البخاري - فضائل الصحابة ٧٨/٧، ٩٥ (٣٧١٣، ٣٧٥١) وارقبوا : احفظوا وراعوا.
(٥) استحرّ : كثر.
(٦ ( (كل) من س فقط.
(٧) (وفي رواية) ليست في س.
٨٩

كيف تفعلان شيئاً لم يفعلْه رسول الله وَل*؟ فقال أبو بكر: هو - والله - خيرٌ،
قال : فلم يزل أبو بكر يراجعني. وفي أخرت : فلم يزل عمرُ يراجعني حتى شرح
الله صدري للذي شرح له صدرَ أبي بكر وعمر .
قال: فتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعُه من الرِّقَاع والعُسبِ واللِّخاف(١) وصدور الرجال،
حتى وجدْتُ آخرَ سورة التوبةِ مع خزيمةَ، أو مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها
مع أحد غيره. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (١٢٨)﴾ [سورة التوبة] خاتمة ((براءة)).
قال : فكانت الصحفُ عندَ أبي بكر حتى توفّه الله، ثم عند عمر حتى توفّاهِ
الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
قال بعض الرواة فيه: اللِّخاف يعني الخَزَف (٢).
زاد ابن شهاب عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وکان یغازي
أهل الشام في فتح أرمينية وأذْرَبيجانَ مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في
القراءة، فقال حذيفةُ لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمّةَ قبلَ أن يَخْتَلِفُوا في
الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسلَ عثمانُ إلى حفصةَ: أن أرسلي إلينا
بالصحف ننسخُها في المصاحف ثم نردُّها إليك، فأَرْسَلَتْ بها إليه، فأمرَ زِيدَ بنِ
ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن الحارث بن هشام،
فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمانُ للرَّهْط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن
ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزلَ بلسانهم ، ففعلوا، حتى
إذا نسخوا الصَّحُفَ في المصاحف ردَّ عثمانُ الصَّحُفَ إلى حفصةَ، فأرسلَ إلى كلّ
أَفُقِ بمصحف ممّا نسخوا، وأمَر بما سوى ذلك من القرآن في كلّ صحيفة أو
مصحفٍ أن يُحرَق (٣).
(١) الرِّفَاع جمع رُقعة: القطعة من الورق أو الجلد يكتب فيها. والعُسُب جمع عسيب : جريد النخل.
(٢) وهذه في الأحكام ١٨٣/١٣ (٧١٩١)، والذي قال ذلك محمد بن عبد الله أبو ثابت، شيخ البخاري الذي
روى عنه هذا الحديث. وفي النهاية ٢٤٤/٤: اللّخاف: الحجارة البيض الرقاق، جمع لَخْفة ..
(٣) هذه الرواية في فضائل القرآن ١١/٩ (٤٩٨٧)
٩٠

قال ابن شهاب: وأخبرني خارجةُ بن زيد بن ثابت أنّه سمعَ زيد بن ثابت
يقول: فقدْتُ آيَةً من سورة الأحزاب - حتى نَسَخْتُ الصِّحُفَ - قد كُنْتُ أسمعُ
رسول الله ﴾ يقرأها، فالتمسْناها، فوجدْناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِن
الْمُؤْمِنَيْنَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّه (٢٣)﴾ [سورة الأحزاب] فألحقناها في سورتها من
المصحف(١).
قال: وفي رواية أبي اليمان: مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله وَاله
شهادته شهادةَ رجلین (٢) .
زاد في رواية أخرى: قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذٍ في ((التابوت)) (٣) فقال
زيدٌ: ((التابوه))، وقال ابن الزَّبير وسعيد بن العاص ((التابوت))، فرفع اختلافهم
إلى عثمانَ فقال: أُكْتُبُوه («التابوت)) فإنّه بلسان قريش(٤).
المسند من هذا الحديث قولُ أبي بكر لزيد بن ثابت: قد كُنْتَ تكتبُ الوحي
لرسول الله وَّ﴾. وقولُ عثمانَ: فإنّما نزل بلسان قريش. وقول زيد: قد كنت
أسمعُ رسولَ الله وَّو يقرأ بها. وقوله عن خزيمة: الذي جعلَ رسولَ الله وَليه
شهادته شهادة رجلين .
١٠ - الرابع : حديث الصدقات: ذكره البخاري في عشرة مواضع من كتابه
بإسناد واحد مقطعاً من رواية(٥) تُمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك:
أن أبا بكر الصّديق لما استُخلفَ كتبَ له حينَ وجّهه إلى البحرين هذا الكتاب ،
وكان نقشُ الخاتم ثلاثة أسطر : محمدٌ سطر، ورسول سطر، والله سطر(٦).
(١) هذه أيضاً في فضائل القرآن ١١/٩ (٤٩٨٨). وقد ذكر ابن حجر ٢٤/٦ أن الحديثين معاً صحّاً عند
البخاري. أي أنّ الآية التي فقدها آخر التوبة، أو آية الأحزاب.
(٢) ورد جزء من حديث جمع القرآن في البخاري - الجهاد ٢١/٦ (٢٨٠٧) وذكر هناك أطرافه، والجزء الأكبر
منه في فضائل القرآن ٩/ ١٠، ١١ (٤٩٨٦ - ٤٩٨٨) ..
(٣) وردت كلمة (التابوت) في سورة البقرة ٢٤٨، وفي سورة طه ٣٩.
(٤) هذه الرواية لم أقف عليها في البخاري، وهي في سنن الترمذي - التفسير (٣١٠٤)، وينظر الدر المنثور
٣١٦/١
(٥) في ك: حديث) والمثبت من س، م ، والجامع.
(٦) هذه في البخاري - فرض الخمس ٢١٢/٦ (٣١٠٦)، واللباس ٣٢٨/١٠ (٥٨٧٨) ..
٩١

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه فريضةُ الصدقة التي فرضَها رسولُ اللهِ وَّرِ على المسلمين، والتي أمرَ اللهُ
بها رسولَه ◌َ﴿ فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعْطِها، ومن سئل فوقها فلا
يُعْطِ.
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم(١) في كل خمس شاة، فإذا
بَلَغَت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض(٢) أنثى، فإن لم تكن
ابنةُ مخاضٍ فابن لَبون ذكر. فإذا بلغت ستّاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنتُ
لَبون أنثى(٣)، فإذا بلغت ستّاً وأربعين إلى ستين ففيها حقّةٌ طروقةُ الجمل(٤). فإذا
بَلَغَتْ واحدةً وستين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جَذَعة (٥)، فإذا بَلَغَتْ ستَّاً وسبعين
إلى تسعين ففيها بنتا لَبون. فإذا بَلَغَت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها
حقّتان طروقتا الجمل(٦)، فإذا زادَتْ على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لّبون،
وفي كلّ خمسين حِقّة. ومَن لم يكن معه إلّ أربع من الإبل فليست فيها صدقةٌ
إلاّ أن يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة.
وصدقةُ الغنم في سائمتها(٧) إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاةً، فإذا
زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان. فإذا زادت على مائتين إلى:
ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كلّ مائة شاةٌ. فإذا كانت
سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعين شاةٍ شاةً واحدةً فليس فيها صدقةٌ إلاّ أن يشاءَ
ء
ربُّها.
(١) أي يعطي زكاتها غنماً
(٢) بنت المخاض : التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني.
(٣) ابن الليون: ما استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة.
(٤) الحقّة: ما أكملت الثالثة ودخلت في الرابعة. وطروقة الجمل: أي استحقت أن يطرقها الجمل.
.(٥) الجذعة: ما استكملت السنة الرابعة ودخلت في الخامسة.
(٦) من (عشرين ومائة .. الجمل) سقط من ك.
(٧) السائمة : التي ترعى دون علف.
٩٢

ولا يُجْمَعُ بين متفرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمع خشية الصدقة. وما كان من
خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسّويّة. ولا يخرج في الصدقة هَرِمَةٌ ولا ذاتُ
عَوار(١) ولا تيس إلاّ أن يشاء المُصَدِّق(٢). وفي الرِّقَة (٣) رُبْعُ العشر. فإن لم يكنْ
إلاّ تسعين ومائة فليس فيها صدقةٌ إلّ أن يشاء ربُّها
ومن بَلَغتْ عنده من الإبل صدقةُ الجَذَعة وليست عنده جَذَعةٌ وعنده حقَّةٌ فإنّها
تُقبل منه الحقّة ويجعل معها شاتين إن استيسرَتّا له أو عشرين درهماً. ومن بلغت
عنده صدقة الحقّة وليست عنده الحقّة وعنده الجَذَعة فإنها تُقبل منه الجذعة ويعطيه
المُصَدِّق عشرين درهماً أو شاتين. ومن بلَغَت عنده صدقَةُ الحقّة وليست عنده إلاّ
بنت لبون فإنّها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهماً. ومن بلغت
صدقته بنت لبون وعنده حقّة فإنّها تُقبل منه الحقّة ويعطيه المصدّق عشرين درهماً
أو شاتين. ومن بلغت صدقتُه بنتَ لَبون وليست عنده بنتُ لبون وعنده بنتُ
مَخاضٍ فإنّها تُقبل منه بنتُ مخاضٍ ويُعطي معها عشرين درهماً أو شاتين. ومن
بلغت صدقتُه بنتَ مخاضٍ وليست عنده وعنده بنتُ لَبون فإنها تقبل منه، ويعطيه
المصدّقُ عشرين درهماً أو شاتين. فمن لم يكن عنده بنتُ مخاض على وجهها
وعنده ابن لبون فإنّه يُقُبل منه وليس معه شيء (٤).
قال البخاري: وزادتا أحمد - يعني ابن حنبل - عن الأنصاري، وذكر الإسناد
عن أنس، قال: كان خاتم النبيّ وَّ* في يده وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد
أبي بكر، قال: فلما كان عثمان، جلس على بئر أريس(٥)، وأخرج الخاتم فجعل
(١) العوار : العيب.
(٢) المُصَدّق : عامل الصدقة.
(٣) الرقة : الدراهم المضروبة.
(٤) الحديث مفّرق في مواضع - كما ذكر المؤلف، ونقلها عنه مجموعة ابن الأثير في الجامع ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٧ .
وينظر مواضع الأحاديث في الزكاة ٣١٢/٣، ٣١٤، ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢١ (١٤٤٨، ١٤٥٠، ١٤٥١،
١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥) والشركة ١٣٠/٥ (٢٤٨٧) وفرض الخمس ٢١٢/٦ (٣١٠٦)، والحيل ٣٣٠/١٢
(٦٩٥٥).
(٥) وهي بئر مجاورة لقباء.
٩٣

يعبثُ به، فسقطَ. قال: فاختلفْنا ثلاثةَ أيام مع عثمانَ نزَحُ البئر، فلم نجدْه(١)
وهذه(٢) الزيادة التي زادها أحمد ينبغي أن تكون في مسند أنس.
١١ - الخامس: عن عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، يكنى
أباسَرْوَعَةَ، له صحبة(٣)، قال: صلَّى أبو بكر العصرَ ثم خرج يمشي - يعني ومعه
عليٌّ - فرأى الحسنَ يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه وقال : بأبي، شبيه
بالنبيّ، ليس شبيهاً بعليٌّ، وعليٌّ يضحك(٤).
١٢ - السادس: عن عائشة قالت: لما استُخْلِف أبو بكر قال : لقد عِلِمَ قَومي
أن حِرفتي لم تكن تُعجزُ عِن مَؤْنَة أهلي، وشُغَلْتُ بأمر المسلمين، فسيأكلُ آلُ أبي
بكر من هذا المال، ويحترفُهُ للمسلمين فيه(٥).
١٣ - السابع: عن عائشة - موقوف - قالت : كان لأبي بكر الصدّيق غلامٌ
يُخرج له الخَراج (٦) ، وكان أبو بكر يأكل من خَراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه
أبو بكر، فقال له الغلام : أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ
تكهُّنْتُ لإنسان في الجاهلية، وما أُحسِنُ الكهانة، إلاّ أنّي خدعتُه، فلقِيَنِي (٧)
فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه. فأدخلَ أبو بكرِ يدَه، فقاءَ كلّ شيءٍ في
بطنه (٨).
١٤ - الثامن: في ذكر وفاة النبي ◌َّلام: عن عائشة، وعن ابن عباس من رواية
أبي سلمة بن عبد الرحمن عنهما، قالت عائشة في حديثها : أقبل أبو بكر على
فَرَسٍ من مسكنه بالسَّنْح(٩)حتى نَزَلَ، فدخل المسجدَ، فلم یکلّم الناس حتى دخل
(١) هذا النص في البخاري - اللباس ٣٢٨/١٠ (٥٨٧٩).
(٢) في ك (قال الشيخ : وهذه .. ) وهي في الجامع
(٣) ينظر الإصابة ٢/ ٤٨١.
(٤) البخاري - المناقب ٥٦٣/٦ (٣٥٤٢).
!
(٥) البخاري - البيوع ٣٠٣/٤ (٢٠٧٠). ويحترف: أي ينظر في أمورهم، ويميز أرزاقهم ومكاسبهم.
(٦) الخراج : ما يقرّره السيّدُ على عبده من كسبه.
(٧) (فلقيني) ليست في البخاري.
(٨) البخاري - مناقب الأنصار ١٤٩/٧ (٣٨٤٢).
(٩) السُّح: محلّة بأطراف المدينة، كان بها منزل لزوجة أبي بكر. ينظر معجم البلدان ٢٦٥/٣.
٩٤

على عائشة، فبصُر برسول الله وَّهِ وهو مُسجَّىَ ببردة، فكشفَ عن وجهه وأکبّ
عليه، فقبّله ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبيَّ الله، لا يجمعُ الله عليك
موتتين، أما الموتةُ التي كُتبتْ عليك فقد مِنَّها. قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس
أن أبا بكر خرجَ وعمرُ يكلّمُ الناسَ، فقال: اجلس، فأبى، فقال : اجلس ،
فأبى. فتشهّد أبو بكر، فمال إليه النّاس وتركوا عمر، فقال: أمّا بعد، فمن
كان منكم يعبدُ محمداً فإن محمداً وَّل﴿ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله
حيٌّ لا يموت، قال الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
إلى ... ﴿الشَّاكِرِين (٥٤)﴾ [سورة آل عمران] قال: والله لكأن الناس لم يكونوا
يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناسُ، فما يُسْمَع
بشرٌ إلاّ يتلوها (١).
١٥ - التاسع: أورده أبو بكر البرقاني ها هنا، وأخرجه غيره في مسند عائشة (٢)
من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها : أن أبا بكر لم يكن يحنَثُ قطّ في يمين
حتى أنزل الله عزّ وجلّ كفّارة اليمين، فقال : لا أحلف على يمين فرأيتُ غيرها
خيراً منها إلّ أتْتُ الذي هو خيرٌ وكفّرْت عن يميني(٣).
١٦ - العاشر: عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصدّيق على امرأة
من أحمس(٤) يقال لها زينب(٥)، فرآها لا تتكلّم، فقال: ما لها لاتكلّم، قالوا:
حجَّتْ مُصْمَتَةً (٦) فقال لها : تكلّمي ، فإن هذا لا يحِلّ، هذا من عمل الجاهلية،
فتكلّمَتْ، فقالَتْ: من أنت؟ قال : امرؤ من المهاجرين. قالت : أيّ المهاجرين؟
قال: من قريش . قالت: من أيّ قريش؟ قال : إنَّكِ لسؤول، أنا أبو بكر. قالت:
ما بقاؤُنًا على هذا الأمرِ الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه
(١) البخاري - الجنائز ١١٣/٣ (١٢٤١، ١٢٤٢) وفيه أطراف الحديث.
(٢) في جامع الأصول ٦٧٣/١١، والتحفة ١٦٢/١٢ عن عائشة. وينظر الحديث (٣٣٣٨)
(٣) البخاري - التفسير ٢٧٥/٨ (٤٦١٤).
(٤) أحمس : قبيلة من بجيلة.
(٥) ذكر ابن حجر في الفتح ٧/ ١٥٠ : أنها بنت المهاجر، أو بنت عوف، أو بنت جابر.
(٦) مُصْمَتَة: ساكتة.
٩٥

ما استقامَت به أئمتكم. قالت: وما الأئمّة؟ قال: أما كان لقومك رؤوسٌ وأشرافٌ
يأمرونهم فيُطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس (١).
١٧ - الحادي عشر: عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بُزاخةَ من أسدٍ
وغَطَفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيّرهم بين الحرب المُجْلِية والسلم
الْمُخْزِيَةَ(٢)، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها ، فما المخزية؟ قال: ننزع منكم الحلقة
والكُراع(٣)، ونغنم ما أصَبْنا منكم، وتردُّون علينا ما أصبتم منّا، وتدُون(٤) لنا
قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقواماً يتْبعون أذنابَ الإبلِ حتى يُريَّ الله
خليفةَ رسول الله وَّه والمهاجرين أمراً يعذرونكم به. فعرضَ أبو بكرٍ ما قال على:
القوم. فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيتَ رأياً وسنشير عليك. فأما ما ذكرْتَ.
من الحرب المُجلية والسلم المخزية فِنِعْمَ ما ذكرْتَ، وما ذكرْتَ أن نغنمَ ما أصبْنا.
منكم وتردُّون ما أصبتم منّا فنِعْم ما ذكرْتَ. وأمّا ما ذكرْتَ: تَدُون قتلانا وتكون
قتلاكم في النار، فإنّ قتلانا قاتَلَتْ فقُتلَتْ على أمر الله، ◌ُجورُها على الله، لیس
لها دياتٌ ، فتتابع القوم على ما قال عمر.
اختصره البخاري، وأخرج طرفاً منه، وهو قوله لهم : تُتْبعون أذناب الإبل
حتى يُرِيَ الله خليفةَ نبيّهِ وَّهِ والمهاجرين أمراً يعذرونكم به. وأخرجه بطوله أبو.
بكر البرقاني في كتابه المخرّج على الصحيحين بالإسناد الذي أخرج البخاري ذلك
القدر الذي اختصره منه كما أوردناه، والله أعلم (٥).
(١) هكذا في البخاري، س، م، وفي ك (فأولئك هم على الناس) البخاري- مناقب الأنصار ١٤٧/٧ (٣٨٣٤).
(٢) المجلية : التي تجلي الناس عن ديارهم. والمخزية: الملحقة بهم الخزي.
(٣) الحلقة: الدرع، أو اسم جامع للسلاح، والكراع: اسم للسلاح والخيل.
(٤) تدون : تدفعون الديات.
(٥) أخرج البخاري في الأحكام ٢٠٦/١٣ (٧٢٢١) الجزء المختصر الذي أشار إليه المؤلف. ونقل ابن الأثير في
جامع الأصول ٧٩٣/١١ الحديث كاملاً عن الحميدي ، عن البرقاني قال : هذا طرف من حديث طويل .
أخرجه الحميدي في كتابه عن أبي بكر البرقاني، ولم يخرج البخاري منه إلاّ هذا الطرف لا غير، والحديث
هو .. وفعل مثله ابن حجر في الفتح ١٣/ ٢١٠.
٩٦

١٨- ولمسلم وحده حدیث واحد:
عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله وَله:
انطَلِقْ بنا إلى أمّ أيمن (١) نزورُها كما كان رسول الله وَلِ يزورُها. فلما انتهينا إليها
بكتْ، فقالا: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله وَخله. قالت:
إني لا أبكي، إنّي لأعلمُ (٢) أن ما عند الله خير لرسول الله وَّر، ولكن أبكي لأن
الوحي قد انقطع من السماء. فهيّجَتْهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها(٣).
(١) وهي بركة مولاة النبي وَ ل﴿ وحاضته. ينظر طبقات ابن سعد ٢٢٣/٨، والإصابة ٤٣٢/٤.
(٢) في مسلم : ((ما أبكي أن لا أكون أعلم)).
(٣) مسلم - فضائل الصحابة ١٩٠٧/٤ (٢٤٥٤). وزادت ك (والله أعلم). وقد كثر ختم (ك) للمسانيد بهذه
العبارة .
٩٧

(٢)
المتفق عليه من
مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه(١)
١٩ - الأول: عن عبد الله بن عمرو، وعن أبي هريرة بمعناه أن عمر بينما هو
يخطبُ النّاسَ يومَ الجمعة، إذ دخل رجلٌ من أصحاب النبيّ وَّر من المهاجرين
الأوّلين. وفي حديث أبي هريرة من رواية الأوزاعي: إذ دخلَ عثمانُ بن عفانَ،
فناداه عمرُ: أيةُ ساعةٍ هذه؟ قال: إني شُغِلْتُ اليومَ فلم أنقلِبْ إلى أهلي حتى
سمعتُ التأذين، فلمّ أَزِدْ على أن توضّأْتُ. فقال عمر: والوضوء أيضاً؟ وقد
عَلِمْتَ أن رسول الله وَِّ كان يأمرُ بالغُسْلِ.
وفي حديث أبي هريرة عنه أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله وَّله يقول: ((إذا
جاءَ أحدُكم إلى الجمعة فَلْيَغْتَسِلِ))(٢).
٢٠ - الثاني: عن عبدالله بن عمر - لمسلم: أن رسول الله ◌ٍَّ كان يُعطي عمر
العطاءَ. وعن عبدالله بن السعديّ لهما (٣): أن عمر قال: كان رسولُ الله ◌َو
يُعطيني العطاءَ فأقول: أَعْطِهِ مَنْ هو أفقرُ إليه منّي. فقال رسول الله وَلِّ: ((خُذْه،
وما جاءَك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ (٤) ولا سائلٍ فخُدُهُ، وما لا، فلا تُتْبعْه:
نفسك»(٥).
(١) جمع المؤلف رحمه الله لعمر رضي الله عنه هنا ستة وعشرين حديثاً متفقاً عليها بين الإمامين، وأربعة
وثلاثين للبخاري، وواحداً وعشرين لمسلم. وهذا العدد موافق لما في المصادر. ينظر المجتبى ٥٤، والرياض
١٥٢.
(٢) البخاري - الجمعة ٣٥٦/٢، ٣٧٠ (٨٧٨، ٨٨٢)، ومسلم - الجمعة ٢ / ٥٨٠ (٨٤٥)، وينظر فتح الباري
٣٧٠/٢.
(٣) وأيضاً عن عبدالله بن عمر لهما، فقد رويا عن عبد الله بن عمر ((كان يعطينى ... )).
(٤) أي غير متعرّض له، ولا حريص عليه .
(٥) البخاري- الزكاة ٣٣٧/٣ (١٤٧٣)، والأحكام ١٣/ ١٥٠ (٧١٦٤،٧١٦٣)، ومسلم-الزكاة ٧٢٣/٢ (١٠٤٥).
٩٨

وفي رواية شُعيب عن الزُّهريّ عن السائب: ((خُذْه فتموَّلَه(١) وتصدَّقْ به))(٢).
وفي رواية عمرو (٣)، عن الزُّهريّ عن سالم: ((أو تصدّق به))، زاد في رواية
عمرو: من أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يردّ شيئاً أُعطِيَه(٤).
وفي حديث بُكَير عن بُسر بن سعيد أن ابن الساعدي المالكيّ قال: استعملني
عمرُ على الصدقة، فلما فَرَغْتُ منها وأدَّيَّتُها إليه، أمر لي بعَمالة (٥)، فقلت: إنّما
عملتُ الله وأجري على الله. فقال: خُذْ ما أُعْطِيتَ، فإنّي عملْتُ على عهد رسول
اللّهَ وَهَ فعمَّلني، فقلْتُ مثلَ قولك، فقال لي رسول الله وَّرَ: ((إذا أُعْطِيتَ
شيئاً من غيرِ أن تسْأَلَ فَكُل وتصدَّقْ))(٦).
٢١ - الثالث: عن عبدالله بن عمر، من رواية سالم عنه، قال: سمعت عمر
يقول: قال رسول الله وَيقول: ((إن الله ينهاكُم أن تحلِفوا بآبائكم))(٧).
وهو في أفراد مسلم عن ابن عمر من رواية نافع عنه(٨).
وفي رواية سالم عنه زيادة، قال: قال عمر: فوالله ما حَلَفْتُ بها منذُ سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ و9َّ ينهى عنها، ذاكراً ولا آثِراً (٩).
٢٢ - الرابع: عن ابن عمر، من رواية سالم عنه: دخلت على حفصة
ونوساتُها تنطفٌ(١٠) فقالت: أَعَلِمْتَ أن أباك غير مُسْتَخْلِفِ؟ قُلتُ: ما كان ليفعلَ.
قالت: إنه فاعل. قال: فحلَفْتُ أن أُكَلِّمَهَ في ذلك، فَسكْتُّ حتى غَدَوْتُ، ولم
(١) أى اجعله مالاً لك.
(٢) البخارى-الأحكام ١٣/ ١٥٠ (٧١٦٤).
(٣) وهو عمرو بن الحارث.
(٤) مسلم ٧٢٣/١.
(٥) وهي أجرة العمل. ويجوز في العين الحركات الثلاث.
(٦) مسلم ١/ ٧٢٣.
(٧) البخاري -الأيمان والنذور ٥٣٠/١١ (٦٦٤٧)، ومسلم - الأيمان ١٢٦٦/٣ (١٦٤٦).
(٨) ما ذكره المؤلف هنا أنه من رواية نافع في مسلم-١٢٦٧/٣، مع قصة إدراك النبي ◌َ * عمر في ركب
يحلف بأبيه ... وهذا الحديث في البخاري أيضاً، عن نافع ١١/ ٥٣٠ (٦٦٤٦).
(٩) وهي في البخاري ومسلم. وآثراً: أي حالفاً عن غيري، أو راوياً حلفه.
(١٠) النوسات: الذوائب. وتنطف: تقطر وتسيل. ولم ترد الجملة في مسلم.
44

أكلِّمْه، فكنْتُ كأنما أحمِلُ بيمينِي جَبَلاً، حتى رجعْتُ، فدخلْتُ عليه، فسألني عن
حال النّاس وأنا أُخبره، قال: ثم قُلت: إنّي سمعْتُ النّاس يقولون مقالةً، فَآَلَيْت(١)
أن أقولها لك: زعموا أنّك غيرُ مُستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبلٍ أو راعي
غنمٍ ثم جاءك وتركها لرأيتَ أنْ قد ضيّعَ، فرعاية الناس أشدُّ. قال: فوافقه قولي،
فوضع رأسَه ساعةً ثم رفعه إليّ فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يحفظ دينَه، وإني لا
أستخلف، فإنّ رسول الله وَ لَّوَ لم يستخلف، فإن أستَخْلِفْ فإن أبا بكر قد
استَخْلَفَ. قال: فوالله ما هو إلا ذكر رسول الله وَله وأبا بكر، فَعَلِمْتُ أنه لم
يكن ليعدلَ برسول الله وَ لا أحداً، وأنه غير مستخلف(٢).
وأخرجاه أيضاً من رواية عروة بن الزبير عن ابن عمر بمعناه فى
((الاستخلاف))(٣). وأنه لما طُعنَ عمرُ قيل له: لو اسْنَخْلَفْتَ. قال: أتحمّلُ أمركم
حيّاً وميّاً، إن أستخلف فقد استَخْلَفَ من هو خيرٌ منّي: أبو بكر، وإن أَتْرِكَ فقد
تَرَكَ من هو خيرٌ مني: رسول الله وَّرِ، وَدِدت أنّ حظّيَ منها الكَفَافُ، لَا علّي
ولا لي. قال عبدالله: فعلِمْتُ أنه غير مستخلف. فقالوا: جزاك اللهُ خيراً . فقال ::
راغب ، وراهب.
٢٣ - الخامس : عن ابن عمر من رواية نافع عنه، عن عمر قال: قلتُ: یا
رسول الله، إنّي كنتُ نذرتُ فى الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً. وفي رواية أخرى: يوماً.
في المسجد الحرام. قال: ((فأوْفٍ بِنَذْرِك)) ولم يذكر بعض الرواة يوماً ولا ليلة
وجعله في مسند ابن عمر. قالوا فيه إن عمر قال: يا رسول الله ... (٤) ..
٢٤ - السادس: عن ابن عمر من رواية سعيد بن المسيب عنه عن عمر قال: قال
النبيُّ ◌َِّ: ((يُعذّبُ المّتُ بما نِيحَ عليه))، وفي رواية: ((ما نِيحَ عليه)) قال آدم عن
شعبة فيه: (( يعذّب الميّتُ ببكاءِ الحيّ عليه)).
(١) آليت: أقسمت.
(٢) هذه رواية مسلم-الإمارة ١٤٥٥/٣. (١٨٢٣).
(٣) البخاري - الأحكام -باب الاستخلاف ٢٠٥/١٣ (٧٢١٨)، ومسلم الإمارة - باب الاستخلاف وتركه:
١٤٥٤/٣ (١٨٢٣).
(٤) البخارى-الاعتكاف ٢٧٤/٤ (٢٠٣٢) وفيه الأطراف، ومسلم - الأيمان ١٢٧٧/٣، ١٢٧٨ (١٦٥٦).
١٠٠