النص المفهرس

صفحات 121-140

حديث أول لابن حماس
مالك، عن ابن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة - أن رسول الله
مر له- قال: لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب
أو الذئب فيغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر، فقالوا:
يارسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: للعوافي: الطير
والسباع. (2)
هكذا قال يحيى في هذا الحديث عن مالك، عن ابن حماس، عن
عمه، عن أبي هريرة - لم يسم (3) ابن حماس بشيء.
وقال أبو المصعب: مالك، عن يونس بن يوسف بن حماس، عن
عمه، عن أبي هريرة؛ وكذلك قال معن بن عيسى، وعبد الله بن
يوسف التنيسي: يونس بن يوسف.
وقال ابن القاسم: حدثني مالك، عن يوسف بن يونس بن حماس،
عن عمه، عن أبي هريرة؛ وكذلك قال ابن بكير، وسعيد بن أبي مريم،
ومطرف، وابن نافع، وعبد الله بن وهب، وسعيد بن عفير، ومحمد بن
المبارك، وسليمان بن برد، ومصعب الزبيري - كلهم قال: يوسف بن
یونس.
(2) الموطأ رواية يحيى ص: 641 - حديث (1600) - والحديث رواه البخاري من طريق شعيب، ومسلم
من طريق يونس وعقيل عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بنحوه وزيادة.
انظر الزرقاني على الموطأ 226/4.
(3) لم ١، ولم: ي.
- 121 -

وقال فيه زيد بن الحباب عن مالك، عن يوسف بن حماس، عن
عمه، عن أبي هريرة. (4)
وقد قيل عن عبد الله بن يوسف مثل ذلك أيضا.
وقد روي عن سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث: يونس بن
يوسف: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن جعفر، وعبد الله
ابن عمر بن إسحاق، قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، حدثنا
سعيد بن أبي مريم، أخبرنا مالك، عن يونس بن يوسف بن حماس،
عن عمه، عن أبي هريرة - أن رسول الله -*- قال: لتتركن المدينة
على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب فيغذي على بعض سواري
المسجد أو على المنبر، قالوا: يارسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك
الزمان؟ قال: للعوافي: الطير والسباع.
وقال القعنبي في هذا الحديث: مالك - أنه بلغه عن أبي هريرة - لم
يذكر اسم أحد، وجعل الحديث بلاغا عن أبي هريرة؛ وهذا
الاضطراب يدل على أن ذلك جاء من قبل مالك - والله أعلم.
ورواية يحيى في ذلك حسنة، لأنه سلم من التخليط في الاسم -
وأظن أن مالكا لما اضطرب حفظه في اسم هذا الرجل، رجع إلى
إسقاط اسمه وقال عن ابن حماس.
ويحيى من آخر من عرض عليه الموطأ وشهد وفاته، ويقال أن
القعنبي شهد وفاته أيضا، ولذلك انصرف إلى العراق.
(4) في ي زيادة (فذكر).
-122-

وفي قوله - ◌َّ : لتتركن المدينة أحسن ما كانت - دليل على علم (5)
الغيب بما كان ينبأ به ويطلع عليه من الوحي، وفي ذلك علم واضح
من أعلام نبوته لَ له ...
وأما قوله: فيغذي على بعض سواري المسجد، فمعناه أن الذئب
يبول على سواري المسجد أو على المنبر - شك المحدث وذلك لخلاء
المدينة من أهلها ذلك الزمان، وخروج الناس عنها وتغير الإسلام فيها
حتى لا يكون بها من يهتبل بالمسجد فيصونه ويحرسه؛ (6) يقال من
هذا الفعل غذت المرأة وليدها - بالتشديد إذا أبالته أي حملته على
البول وجعلته يبول، وغذت ولدها بالتخفيف - إذا أطعمته وربثة من
الغذاء.
وأما قوله في هذا الحديث للعوافي الطير والسباع، فالطير والسباع
تفسير للعوافي، وهو تفسير صحيح عند أهل الفقه وأهل اللغة أيضا!
ومما يعضد هذا التفسير أيضا: (7) حديث أم سلمة عن النبي حقَله: ما
من مسلم يحيي أرضا فتشرب منها كبد حرى، أو تصيب منها عافية
إلا كتب الله له بها أجرا. والعافية واحدة العوافي، والعافي ههنا: الطالب
لما يأخذ ويأكل.
قال الأعشى:
تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى ببيت الوثن
(5) علم الغيب: أ علمه من الغيب: ي.
(6) يقال: أ. ويقال: ي.
(7) كلمة (أيضا) ساقطة في ق ي.
~ 123 -

وقال أعرابي يمدح خالد بن برمك:
:
أخالد إني لم أزرك لحاجة ولكنني عاف وأنت جواد
ولهذه اللفظة معان في اللغة مختلفة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا عبيد بن عبد الواحد، قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا
وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، سمعت الأعمش يحدث عن
عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحرث، عن حبيب بن جماز، عن أبي
ذر، قال: أقبلنا مع رسول الله ﴾ - فنزلنا ذا الحليفة، فتعجل رجال
إلى المدينة فباتوا بها؛ فلما أصبح، سأل عنهم؛ فقيل: تعجلوا إلى المدينة
وإلى النساء، فقال: تعجلوا إلى المدينة؟ أما أنهم سيتركونها - وهي
أحسن ما كانت.
وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا أبان،
قال حدثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة - أن النبي حقَ ◌ّ-
قال: ليتركن المدينة أهلها خير ما كانت نصفين: رطبا وزهوا. قال:
ومن يخرجهم منها ياأبا هريرة؟ قال: أمراء السوء. قال إسماعيل:
هكذا حدثنا به مسلم - مرفوعاً إلى النبي -رقَ د.
ما الله
- 124 -

حديث ثان لابن حماس
مالك، عن يونس بن يوسف، عن عطاء بن يسار، عن أبي
أيوب (الأنصاري) - (8) أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية،
فطردهم عنه.
قال مالك، لا أعلم إلا أنه قال: أني حرم رسول الله -07 - يصنع
هذا؟ (9)
قال التنيسي: في هذا الحديث عن مالك فيه: أني حرم الله؟ وقال معن
وغيره عن مالك فيه: أني حرم رسول الله -رَّة - كما قال يحيى.
وقد تقدم القول في تحريم المدينة وحدود حرمها في الصيد وغيره
في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا الكتاب، وفي باب
عمرو بن أبي عمرو أيضا، ولم يختلف الرواة - فيما علمت عن مالك
في اسم شيخه في هذا الحديث، وكلهم قال فيه: يونس بن يوسف، وقد
قيل إنه غير ابن حماس وليس بشيء، وهو ابن حماس؛ وهذا يقضي
لرواية معن، وأبي المصعب - بالصواب - والله أعلم -
ولمالك عن يونس بن يوسف هذا حديث آخر في الموطأ في كتاب
البيوع عن سعيد بن المسيب أن عمر مر بحاطب وهو يبيع زبيبا في
السوق. (10)
(8) كلمة (الانصاري) ساقطة في ١، ثابتة في ق ي، وكذلك هي في التجريد.
(9) الموطأ رواية يحيى ص: 642 - حديث (1604).
(10) انظر الموطأ ص: 451 - حديث (1345).
- 125 -

مالك عن أبى عرفة يعقوب بن زيد بن طلحة
حديث واحد
وهو يعقوب بن زيد بن طلحة بن عبد الله بن أبي مليكة، وابن أبي
مليكة هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان
القرشي التيمي، واسم أبي مليكة زهير، وكان يعقوب بن زيد قاضيا
ثقة مأمونا؛ (1) روى عن أبيه زيد بن طلحة، وروى هو وأبوه عن
سعيد المقبري، روى عن يعقوب بن زيد مالك بن أنس، وهشام بن
سعد، وابن عيينة، وموسى بن عبيدة، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير،
وسمع أبوه زيد بن طلحة من ابن عباس.
روى عنه الثوري، وعبد الرحمان بن إسحاق، وابنه يعقوب، وأبو
علقمة الفروي، ولم يرو عنه مالك.
قال ابن معين: زيد بن طلحة ثقة، وقال ابن المديني: هو شيخ
معروف، وقال أبو زرعة: ليس به بأس - وليس بحجة وأبوه مثله.
مالك، عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن أبيه زيد بن طلحة،
عن عبد الله بن أبي مليكة - أنه أخبره أن امرأة جاءت إلى رسول
اللـه - ◌َلٍ فأخبرته أنها زنت - وهي حامل، فقال لها رسول الله
ـرَلي: اذهبي حتى تضعي؛ فلما وضعته (2) جاءته، فقال رسول
(1) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 11 / 185.
(2) وضعته: أق، وضعت: ي.
- 126 -

الله -مَحود اذهبي حتى ترضعيه، فلما أرضعته جاءته، فقال:
اذهبي فاستودعيه، (3) قال فاستودعته ثم جاءت، فأمر بها
فرجمت. (4)
هكذا قال يحيى - فيما رأينا من رواية شيوخنا في هذا الحديث عن
مالك، عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن أبيه زيد بن طلحة، عن عبد
الله بن أبي مليكة، فجعل الحديث لعبد الله بن أبي مليكة مرسلا عنه.
وقال القعنبي، (وابن القاسم)، (5) وابن بكير، عن مالك، عن يعقوب بن
زيد بن طلحة، عن أبيه زيد بن طلحة بن عبد الله بن أبي مليكة.
وقال أبو مصعب كما قال يحيى: زيد بن طلحة، عن عبد الله بن
أبي مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة - مرسلا عنه؛ وهذا هو
الصواب - إن شاء الله، وقد جوده ابن وهب، فرفع الإشكال فيه، لأنه
لم ينسب زيد بن طلحة، وجعل الحديث له.
قال ابن وهب: أخبرني مالك، عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي،
عن أبيه أن امرأة أتت رسول الله -{وَ ل *- فقالت إنها زنت - وهي حبلى،
فقال لها رسول الله -مَو: اذهبي حتى تضعيه، فذهبت، فلما
وضعت جاءته، فقال: اذهبي حتى ترضعيه، فلما أرضعته جاءته،
فقال: اذهبي حتى تستودعيه، فلما استودعته جاءته فأقام عليها
الحد. هكذا قال: وأقام عليها الحد، والحد الرجم على ما ذكره (6) يحيى
وغيره في هذا الحديث.
(3) فاستودعيه: أ ق، حتى تستودعيه: ي.
(4) الموطأ رواية يحيى ص: 590 - حديث (1496).
(5) جملة (وابن القاسم) ساقطة في أ، ثابتة في ق ي.
(6) ذكر: أ. ذكره: ق ي - ولعلها الصواب.
- 127 -

قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمان، عن
عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن محمود بن لبيد الأنصاري،
عن رسول الله ﴾﴾- مثله.
قال ابن وهب: وسمعت شمر بن نمير يحدث عن حسين بن عبد
الله، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عن رسول الله - وَل ـ
بذلك: إلا أن فيه أن رسول الله -*- قال: من يكفله؟ فقال رجل من
الأنصار: أنا أكفله، فقال: اذهبوا بها فارجموها. قال علي، فعير رجل
من أهلها بها، فجاء إلى النبي (- فأخبره، فقال رسول الله - شل.
ما بال تلك، لقد تابت توبة لو تابها عريف أو صاحب عشور لقبلت
منه.
قال أبو عمر :
حسين بن عبد الله هذا (هو) (7) حسين بن عبد الله بن ضميرة، (8)
متروك الحديث، (9) ومرسل حديث مالك خير عندهم من مسند حسين
هذا، وليس في واحد منهما (10) ما يحتج به أهل الحديث، لأن مرسل
مالك ليس من مراسيل الأئمة، وفيه علل يطول ذكرها، إلا أنه يستند
معناه من وجوه صحاح من حديث عمران بن حصين وبريدة
الأسلمي.
(7) كلمة (هنا) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والعبارة برمتها - ساقطة في ي.
(8) ضميرة: أ، ضمرة: ق ي - وهو تحريف.
(9) انظر ترجمته في لسان الميزان 289/2 - 290.
(10) منهم: أ، منهما: ق ي - ولعلها أنسب.
- 128 -

وروي مرسلا من وجوه كثيرة وهو مشهور عند أهل العلم
معروف، أعني رجم رسول الله - لهذه المرأة الحبلى بعد وضعها.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا (هشام) (11) الدستوائي
وأبان العطار - المعنى واحد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة،
عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، قال في حديث أبان إن امرأة من
جهينة أتت النبي - *- فقالت إنها زنت - وهي حبلى، فدعا وليا لها
فقال له رسول الله -*: أحسن إليها، فإذا وضعته فجئني بها؛ فلما
أن وضعت جاءه بها، فأمر بها النبي - ◌َطفي فشكت عليها ثيابها، ثم
أمر بها فرجمت، ثم أمرهم أن يصلوا عليها؛ فقال عمر: يارسول الله،
أنصلي عليها وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو
قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أكثر من أن
جاءت بنفسها . - لم يقل عن أبان: فشكت عليها ثيابها. (12)
قال أبو داود: وحدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، قال حدثنا
الوليد، عن الأوزاعي، قال: فشكت عليها ثيابها - يعني شدت. (13)
وهكذا رواه معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي
المهلب، عن عمران بن حصين، عن النبي ◌َّ- وخالفهم الأوزاعي
فرواه عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن عمران بن
حصين - إن صح عن الأوزاعي.
(11) كلمة (هشام) ساقطة في أ.
(12) انظر سنن أبي داود 461/2 - 462.
(13) المصدر السابق.
- 129 -
التمهيد ج٢٤

حدثنا أحمد بن عمر، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
i
محمد بن فطيس، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال
حدثنا بشر بن بكر، (14) قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن
أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن عمران بن حصين، قال:
أتت رسول الله - - امرأة من جهينة فقالت يارسول الله، إني
أصبت حدا فأقمه علي، فدعا رسول الله -12- وليها فقال: أحسن
إليها حتى تضع ما في بطنها، فإذا وضعت فأتني بها؛ فوضعت، فأتى
بها رسول الله -*- ـ فأمر بها، فشكت عليها ثيابها؛ ثم أمر بها
فرجمت ثم صلى عليها. فقال عمر بن الخطاب: تصلي (15) عليها وقد
زنت؟ فقال رسول الله -*-: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين
من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جاءت بنفسها . -
هكذا قال الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر - إن
صح عنه؛ والصواب ما قاله هشام عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي
المهلب؛ وهشام - عندهم أحفظ من الأوزاعي، وقد تابعه أبان، ومعمر.
وأما قول الأوزاعي في هذا الحديث: ثم صلى عليها - فهو وهم إلا
أن يكون أضاف الصلاة إليه، لأنه أمر بها - ◌َللق، فقد يضاف الفعل
إلى الآمر به، كما يضاف إلى فاعله؛ يقال: فلان بنى دارا، أو غرس
غرسا - ولم يصنع ذلك بنفسه؛ وهذا من قوله - عز وجل -:
﴿ونادى فرعون في قومه﴾. (16)
(14) بكر: ١ ق، بكير: ي - وهو تحريف، انظر ترجمة بشر هذا في تهذيب التهذيب 443/1.
(15) تصلي: ١، اتصلي: ق ي.
(16) الآية: 51 - سورة الزخرف.
.:- 130 -

وقد اختلف العلماء في صلاة الإمام على من قتله أو أمر بقتله في
قصاص أو حد أو رجم: فذهب مالك وأصحابه إلى أن من قتل في
قصاص أو حد أو رجم: لم يصل عليه الإمام وصلى عليه غيره،
وكذلك قطاع الطريق.
وقال الكوفيون وغيرهم: لا فرق بين صلاة الإمام وصلاة غيره،
إلا أنهم قالوا فيمن قتل نفسه: لا يصلي عليه الإمام وحده عقوبة له،
لأنه مطالب بنفسه (17) كما صنع رسول الله - *- بالذي مات بخيبر؛
فقال فيه رسول الله -* - لأصحابه: صلوا على صاحبكم، فنظروا في
متاعه فوجدوا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين؛ قالوا: (18)
فترك الصلاة عليه لما كان به مطالب من الغلول، وأمر غيره بالصلاة
عليه؛ قالوا: فكذلك الذي يقتل نفسه، لأنه مطالب بها الا يقدر أحد من
أهل الدنيا على تخليصه منها؛ وعلى هذا حمل أهل العلم حديث سماك
ابن حرب، عن جابر بن سمرة - أن رجلا قتل نفسه بمشقص فلم
يصل عليه النبي ◌ٍقَلـ حملوه على أنه صلى عليه غيره - والله أعلم -
وذهبوا إلى أن كل من كان من أهل القبلة لا تترك الصلاة عليه، وعلى
هذا جماعة العلماء؛ إلا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم خالفوا في البغاة -
وحدهم - فقالوا لا نصلي عليهم، لأن علينا منابذتهم واجتنابهم في
حياتهم، قالوا: وبعد الموت أحرى لوقوع اليأس من توبتهم.
(17) لنفسه: أ، بنفسه: ق ي - وهي أنسب.
(18) قالوا: ١ ق، قال: ي.
- 131 -
٠

قال أبو عمر :
ليس هذا بشيء، والذي عليه جماعة العلماء وجمهور الفقهاء من
الحجازيين والعراقيين: أنه يصلى على من قال: لا إله إلا الله - مذنبين
وغير مذنبين مصرين، وقاتلي أنفسهم وكل من قال لا إله إلا الله؛ إلا
أن مالكا خالف في الصلاة على أهل البدع، فكرهها للأئمة، ولم يمنع
منها العامة؛ وخالف أبو حنيفة في الصلاة على البغاة، وسائر العلماء
غير مالك يصلون على أهل الأهواء والبدع والكبائر والخوارج، وغيرهم.
وأما حديث بريدة الأسلمي في هذا الباب، فحدثنا سعيد بن نصر،
وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن
نمير، قال حدثنا بشير بن المهاجر، قال حدثني عبد الله بن بريدة، عن
أبيه، قال: جاءت الغامدية فقالت: يارسول الله، إني قد زنيت وأنا
أريد أن تطهرني، وأنه ردها؛ فلما كان الغد، قالت: يانبي الله، لم
تردني فلعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزا؟ فوالله إني لحبلى، قال:
أما الآن، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقه -
قالت هذا قد ولدته؛ قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فأرضعته،
فلما فطمته أتته بالصبي - وفي يده كسرة خبز، فقالت: يانبي الله قد
فطمته وقد أكل الطعام؛ فدفع الغلام إلى رجل من المسلمين، ثم أمر
بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس أن يرموا؛ وأقبل خالد بن الوليد
- 132 -

فرمى رأسها، وانتضح الدم وجه خالد؛ فسبها خالد؛ فسمع النبي
رة- سبه إياها، فقال: مهلا ياخالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت
توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له؛ ثم أمر بها، فصلي عليها ودفنت.
وحدثنا (19) عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، قال حدثنا
عيسى - يعني ابن يونس، عن بشير بن المهاجر، قال حدثنا عبد الله
ابن بريدة، عن أبيه - أن امرأة - يعني من غامد أتت النبي ◌َّ-
فقالت: إني قد فجرت فقال: ارجعي، فرجعت؛ فلما كان من (20) الغد،
أتته فقالت: لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إني
الحبلى؛ قال: ارجعي حتى تلدي، فرجعت؛ فلما ولدت أتته بالصبي،
فقال هذا قد ولدته؛ قال: ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه، فجاءت به
وقد فطمته وفي يده شيء يأكله؛ فأمر الصبي فدفع إلى رجل من
المسلمين، وأمر بها فحفر لها؛ وأمر بها فرجمت، وأمر بها فصلي عليها
ودفنت؛ وقال: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. (21)
قال أبو عمر :
في حديث بريدة هذا: أن رسول الله - ◌َّة - أمر بالصبي بعد أن
فطم إذ رجم أمه، فدفع إلى رجل من المسلمين يكفله.
(19) حدثنا: أ، وحدثنا: ق ي - وهي أنسب.
(20) كان من الغد: أ، كان الغد - بإسقاط (من): ق ي.
(21) انظر سنن أبي داود 462/2.
- 133 -

وروي من حديث علي بن أبي طالب، وحديث أبي بكر - في قصة
هذه المرأة أن رسول الله -32 14- كفل ولدها؛ وفي حديث علي: قال
رسول الله - *: أنا أكفله ــ ولا يصح حديث علي هذا؛ لأنه من
رواية حسين بن ضميرة لا غير. وكذلك حديث أبي بكرة لا يصح، لأنه
عن رجل مجهول؛ وأحسن إسناد لهذا الحديث حديث بريدة، وحديث
عمران - وبالله التوفيق وهو المستعان.
وقد تقدم حكم الإحصان الموجب للرجم وكثير من أحكام الرجم في
باب ابن شهاب، عن عبيد الله من هذا الكتاب، وتقدم أيضا في باب
مرسل (22) ابن شهاب، وفي باب نافع، عن ابن عمر - أصول من أحكام
الرجم، وفي باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا ما فيه كفاية - إن
شاء الله.
قال أبو عمر :
اختلف الفقهاء في انتظار المرأة التي قد وجب عليها الرجم إلى أن
تفطم ولدها: فقال مالك: لا تحد حتى تضع إذا كانت ممن تجلد، وإن
كان رجما رجعت بعد الوضع؛ وقد روي عنه أنها لا ترجم حتى تجد
من يكفل ولدها؛ والمشهور من مذهبه: أنه إن وجد للصبي من
يرضعه رجمت، وإن لم يوجد للصبي من يرضعه، لم ترجم حتى
تفطم الصبي، فإذا فطمت الصبي رجمت.
(22) مرسل: أق، مراسيل: ي
- 134 -

باب(١) الكني فيمن لا يوقف على اسمه
من شيوخ م مالك - رحمه الله
مالك عن أبي بكر بن عمر العمري
حديث واحد
مالك، عن أبي بكر بن عمرو بن عبد الرحمان بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار - أنه قال: كنت أسير مع
عبد الله بن عمر بطريق مكة، قال سعيد: فلما خشيت الصبح
نزلت فأوترت ثم أدركت، (3) فقال لي عبد الله بن عمر: أين كنت؟
فقلت: (4) خشيت الصبح فنزلت وأوترت، فقال عبد الله: أليس لك
في رسول الله أسوة حسنة؟ فقلت بلى والله، قال: فإن رسول الله
- يوتر على البعير. (5)
وقع عند أكثر شيوخنا في هذا الإسناد: (6) أبو بكر بن عمرو، وكان
أحمد بن خالد يقول: إن يحيى رواه أبو بكر بن عمرو - وهو خطأ،
وإنما هو أبو بكر بن عمر، كذلك رواه جماعة أصحاب مالك.
(1) كلمة (باب) ساقطة في ي.
(2) جملة (من شيوخ مالك - رحمه الله) - ساقطة في ق ي.
(3) أدركت: أ، أدركته: ق ي - وهو الذي في التجريد.
(4) قلت: أ، فقلت: ق ي - وهو الذي في التجريد.
(5) الموطأ رواية يحيى ص 90 - حديث (267).
(6) الحديث: أ، الإسناد: ق ي - وهي أنسب.
- 137 -

قال أبو عمر :
هو كما قال أحمد بن خالد: أبو بكر بن عمر، وهو معروف
بالنسب، مشهور عند أهل العلم؛ (7) وحديثه هذا حديث ثابت صحيح،
وفيه بيان أن الوتر نافلة لا فريضة، ورد لقول من أوجب الوتر
فرضا؛ لأن السنة المجتمع عليها: أن المسافر وغير المسافر لا يصلي
الفريضة على دابته أبدا - وهو آمن قادر على الصلاة بالأرض، ولا
يجوز له ذلك؛ وسن رسول الله - *- للمسافر أن يصلي على دابته
النوافل، وقد تقدم في هذا الكتاب بيان ذلك في مواضع منه.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو الميمون محمد بن عبد الله بن
مطرف العسقلاني بعسقلان، حدثنا محمد بن عبد الرحمان بن
عزوان، قال سمعت أبي، قال: سألت مالكا عن الرجل يصلي على
دابته، فقال: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمان بن عبد الله
ابن عمر، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر قال: أوتر رسول الله
+++- وهو راكب.
:
وحدثنا (8) خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن محمود بن خليد،
حدثنا عبد اللـه بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمان
ابن مهدي، حدثنا مالك، عن أبي بكر بن عمر، عن سعيد بن يسار،
عن ابن عمر قال: أوتر رسول الله - ◌َ ﴾- على البعير.
(7) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 33/12 - 34.
(8) حدثنا أ ق، وحدثنا: ي - وهي أنسب.
- 138 -

وقال أبو حنيفة: لا تحد حتى تضع، فإن كان جلدا حتى تقال من
النفاس، وإن كان رجما، رجمت بعد الوضع.
وقال الشافعي: أما الجلد، فيقام عليها إذا ولدت وأفاقت من
نفاسها؛ وأما الرجم، فلا يقام عليها حتى تفطم ولدها ويوجد من
یکفله.
قال أبو عمر :
ليس في حديث عمران بن حصين انتظار الفطام، وذلك محفوظ
صحيح في حديث بريدة الأسلمي، وفي مرسل مالك المذكور في هذا
الباب، وفي حديث أبي بكرة، وحديث علي، وحديث أبي المليح الهذلي،
عن النبي _مَ 9؛ كلهم ذكروا أن النبي - ◌َ *- لم يرجمها حتى فطمته.
وحديث أبي المليح يرويه عبد الله بن مهران الأسدي، عن عبد الملك
ابن عمير، عن أبي المليح، عن النبي - مَ لـ وعبد الله بن مهران
مجهول، وغيره يرويه عن عبد الملك بن عمير - مرسلا. وروي عن
علي بن أبي طالب من ثلاثة وجوه: من حديث أبي عبد الرحمان
السلمي، وأبي جميلة ميسرة الطهوي، وعاصم بن ضميرة، كلهم عن
علي أن أمة لرسول الله - - وبعضهم يقول لبعض نساء النبي
*- زنت، فلما ولدت، أمرني رسول الله - *- أن أجلدها بعدما
تعلت من نفاسها فجلدتها؛ وقد ثبت من حديث بريدة مراعاة الفطام،
وهي زيادة يجب قبولها.
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا ابن أبي دليم، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا عبد العزيز بن عمران بن مقلاص؛ قال
- 135 -

حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة،
قال: كان ابن عباس يقول في ولد الزنا: لو كان شر الثلاثة، لم يتأن
بأمه أن ترجم حتى تضعه.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا
أحمد بن جعفر بن المنادي، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا يزيد بن
هارون، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في
ولد الزنا، قالت: ما عليه من ذنب أبويه شيء، ثم قرأت: ﴿ولا تزر
وازرة وزر أخرى﴾.(23)
واختلفوا في المرجومة: هل يحفر لها، فقال مالك: لا يحفر للمرجوم.
قال ابن القاسم والمرجومة مثله.
وتقال أبو حنيفة: لا يحفر للمرجوم، وإن حفر للمرجومة فحسن.
قال أبو عمر :
ليس في حديث عمران بن حصين في قصة الجهينية أنه حفر لها،
ولكن في حديث بريدة أن رسول الله -مَله - أمر بها فحفر لها.
وروي عن علي أنه حفر لشراحة الهمدانية، واستدل أصحابنا بأن
المرجوم لا يحفر له - بحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر - في
اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله -مول فرأيت الرجل يحني على
المرأة، وفي ذلك دليل على أنهما لم يحفر لهما - والله أعلم. وقد ذكرنا
ما يجب من القول في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب - والحمد لله.
(23) جاء بهذا اللفظ أربع آيات:
آية: 164 - سورة الأنعام، وآية: 15 سورة الإسراء، وآية: 18 سورة فاطر، وآية: 7 - سورة الزمر.
- 136 -

قال أبو عمر :
لما أوتر رسول الله حقَّل على البعير، علمنا أن الوتر حكمه حكم
النافلة لا حكم الفريضة، إذ لا خلاف بين المسلمين ينقل كافتهم عن
كافتهم عن نبيهم - - أن الفريضة لا يصليها على الدابة أحد وهو
آمن قادر على أن يصليها بالأرض، وإنما تصلى الفريضة على الدابة في
شدة الخوف، لقول الله - عز وجل : ﴿فإن خفتم فرجالا أو
ركبانا﴾. (9)
وقالت طائفة من أهل العلم: إنما تصلى في شدة الطين والماء
والوحل على الدابة لعدم الاستطاعة على صلاتها في الماء، والله لا يكلف
نفسا إلا وسعها؛ فلما ثبت عن النبي ◌َّ- أنه كان يوتر على البعير،
بان بذلك أن الوتر نافلة لا فريضة. ومما يدل على ذلك أيضا: قوله
*_ ـ خمس صلوات كتبهن الله على العباد. (10) وقال الأعرابي
النجدي: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. وقال (11) الله - عز
وجل : ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى). (12) ولو كانت
الصلوات ستا، لم يكن فيها وسطى.
وقد تقدم ذكر الحالة التي يجوز فيها التنفل على الدابة وما للعلماء
في ذلك من التنازع والاعتلال في باب عبد الله بن دينار، وباب عمرو
ابن يحيى من هذا الكتاب - والحمد لله.
(9) الآية: 239 - سورة البقرة.
(10) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم - ذكره في الجامع الصغير، انظر
فيض القدير 453/3.
(11) فقال: أ، وقال: ق ي.
(12) الآية: 238 - سورة البقرة.
- 139 -

وقد روى هذا الحديث محمد بن داود بن أبي ناجية الإسكندراني،
عن ابن وهب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: رأيت النبي اَلر
يصلي على دابته (13) حيث توجهت به. وكذلك رواه محمد بن إبراهيم
ابن قحطبة، عن الحنيني، عن مالك، عن الزهري، عن أنس. وهذا
الإسناد خطأ عند أهل العلم بالحديث، ولا يصح فيه إلا ما في الموطأ:
مالك، عن أبي بكر بن عمر، عن أبي الحباب، عن ابن عمر.
(13) دابة: ١، راحلة: ق - والعبارة برمتها ساقطة في ي.
- 140 -