النص المفهرس

صفحات 341-360

حديث سابع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم
ابن الحرث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير
ابن سلمة الضمري، عن البهزي - أن رسول الله - *- خرج يريد
مكة - وهو محرم - حتى إذا كان بالروحاء، إذا حمار وحشي
عقير؛ فذكر ذلك لرسول الله - 990؛ فقال: دعوه، فإنه يوشك أن
يأتي صاحبه. فجاء البهزي - وهو صاحبه - إلى رسول الله
- ◌َلا- فقال: (516) يارسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول
الله - # أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى حتى إذا كان
بالأثاية بين الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل شجرة وفيه
سهم، فزعم أن رسول الله -2َ﴾ ـ أمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه
أحد من الناس حتى يجاوزه. (517)
لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث، واختلف أصحاب يحيى
ابن سعيد فيه على يحيى بن سعيد، فرواه جماعة كما رواه مالك؛
ورواه حماد بن زيد، وهشيم، ويزيد بن هارون، وعلي بن مسهر، عن
يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن
عمير بن سلمة، عن النبي ◌َ ◌ّ ..
(516) قال: أ، فقال: ق ي - وهي الرواية.
(517) الموطأ رواية يحيى ص 241 - حديث (785).
- 341 -

قرأت على سعيد بن نصر - أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا
عبد الله بن روح المدائني، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا
يحيى بن سعيد - أن محمد بن إبراهيم أخبره عن عيسى بن طلحة،
عن عمير بن سلمة الضمري.
وأخبرنا قاسم بن محمد - واللفظ الحديثه - قال حدثنا خالد بن
سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال
حدثنا عارم، قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثني يحيى، عن محمد
ابن إبراهيم بن الحرث التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن
سلمة الضمري - أن رسول الله - *- أقبل أو خرج - وهم محرمون
- حتى إذا كانوا بالروحاء، فإذا في بعض أفنائها حمار وحش عقير،
فقيل: يارسول الله، هذا حمار عقير، فقال: دعوه حتى يأتي طالبه؛
قال: فجاء رجل من بهز فقال: يا رسول الله، أصبت هذا بالأمس
فشأنكم به؛ فأمر رسول الله - *- أبا بكر أن يقسم لحمه بين
الرفاق، قال: ثم سار حتى - إذا كان بالأثاية بين العرج والرويثة، إذا
ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فقيل: يارسول الله، هذا ظبي حاقف في
ظل فيه سهم، قال: لا يعرض له حتى يمر آخر الناس، (فأمر رجلا
أن يقيم عنده حتى يمر آخر الناس). (518) - هكذا قال حماد بن زيد في
هذا الحديث، عن عمير بن سلمة، عن النبي _92 وعمير بن سلمة
من كبار الصحابة، (519) وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن
(518) ما بين القوسين ساقط في أ. ثابت في ي - والمعنى يقتضيه.
(519) انظر ج 1213/3.
- 342 -

ذكره ههنا. فالحديث لعمير بن سلمة، عن النبي ◌َ ◌ّ فيما قال حماد
ابن زيد، وتابعه على ذلك جماعة، منهم: هشيم، وعلي بن مسهر،
ويزيد بن هارون؛ وجعله مالك عن عمير، عن البهزي، عن النبي
- *. ومما يدلك (520) على صحة رواية حماد بن زيد ومن تابعه عن
يحيى بن سعيد على ما ذكرنا - أن يزيد بن الهادي - وعبد ربه بن
سعيد، رويا هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة،
عن عمير بن سلمة الضمري، قال: خرجنا مع رسول الله _ مَاه .. وفي
حديث يزيد بن الهادي: بينما نحن مع رسول الله -مَلهول رواه الليث
ابن سعد - هكذا عن يزيد بن الهادي، وقال موسى بن هارون:
والصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة، عن النبي _ حَ الدرس
مَلَايَ
ليس بينه وبين النبي - *- فيه أحد. قال: وذلك بين في رواية يزيد بن
الهادي، وعبد ربه بن سعيد؛ قال موسى بن هارون: ولم يأت ذلك
من مالك، لأن جماعة رووه عن يحيى بن سعيد - كما رواه مالك؛
ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد، كان يرويه أحيانا فيقول فيه
عن البهزي، وأحيانا لا يقول فيه عن البهزي، وأظن المشيخة الأولى
كان ذلك جائزا عندهم، وليس هو رواية عن فلان، وإنما هو عن قصة
فلان؛ - هذا كله كلام موسى بن هارون.
قال أبو عمر :
البهزي اسمه زيد بن كعب، وقد ذكرناه في الصحابة. (521)
(520) يدلك: اق، يدل: ي.
(521) انظر الاستيعاب 558/2.
- 343 -

قال أبو عمر :
الروحاء والأثاية والعرج مواضع ومناهل بين مكة والمدينة، وإلى
العرج نسب العرجي الشاعر، وقيل: بل نسب العرجي الشاعر إلى
موضع آخر يدعى أيضا بالعرج قرب الطائف كان نزله، (522) لأنه كان
له به مال.
واسم العرجي الشاعر: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن
عفان - وهو أشعر بني أمية. (523)
وفي هذا الحديث من الفقه أن كل ما صاد الحلال جائز للمحرم
أكله، وهذا موضع اختلف العلماء فيه قديما وحديثا، واختلفت الآثار
فيه أيضا؛ وقد بينا ذلك وأوضحناه في باب ابن شهاب عن عبيد الله
ابن عبد الله، وفي باب أبي النضر أيضا من هذا الكتاب - والحمد لله.
وفيه أيضا دليل على أن المحرم لا يجوز له أن ينفر الصيد ولا
يعين عليه، ألا ترى أن رسول الله -12- أمر رجلا أن يقف عند
الظبي الحاقف حتى يجاوزه الناس، لا يريبه أحد أي لا يمسه أحد ولا
يحركه ولا يهيجه أحد؛ والحاقف: الواقف المنثني والمنحني، وكل
منحن، فهو محقوقف، وإذا صار رأس الظبي بين يديه إلى رجليه
وميل رأسه فهو حاقف ومحقوقف؛ هذا قول الأخفش، وقال غيره من
أهل اللغة: الحاقف الذي قد لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل.
(522) نزله: أ، منزله: ي.
(523) انظر ترجمته في الشعر والشعراء للمرزباني: 224، وجمهرة الأنساب: 77، والأغاني 283/1.
- 344 -

وقال العجاج:
سماوة الهلال حتى احقوقف
يعني: انعطف، وسماوته: شخصه.
وقال أبو عبيد: حاقف يعني قد انحنى وتثنى في نومه، ويقال
للرجل إذا انحنى: حقف فهو حاقف؛ قال: وأما الأحقاف فجمع حقف،
ومن ذلك قول الله - عزوجل : ﴿إذ انذر قومه بالأحقاف﴾. (524)
قال أبو عبيد: إنما سميت منازلهم بالأحقاف لأنها كانت بالرمال.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه
أو نبله، فقد ملكه بذلك إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل ذلك الفعل،
لقول رسول الله - 9: يوشك أن يأتي صاحبه. وقد استدل قوم
بهذا الحديث أيضا على جواز هبة المشاع لقول البهزي للجماعة:
شأنكم بهذا الحمار، ثم قسمه أبو بكر بينهم بأمر من رسول الله
وفيه من الفقه جواز أكل الصيد إذا غاب عنه صاحبه أو بات
تحته، وإذا عرف أنها رميته؛ وليس في حديث مالك ما يدل على أن
ذلك الظبي كان قد غاب عن صاحبه ليلة وذلك في حديث حماد بن
زيد لقوله فيه: أصبت هذا بالأمس.
وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى: فقال مالك: إذا أدركه الصائد من
يومه أكله في الكلب والسهم جميعا، وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر
جرحه، وإن كان قد بات عنه لم يأكله.
(524) الآية: 21 - سورة الأحقاف.
- 345 -

وقال الثوري: إذا غاب عنه يوما وليلة كرهت أكله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا توارى عنه الصيد وهو في طلبه
فوجده وقد قتله جاز أكله، فإن (525) ترك الطلب واشتغل بعمل غيره
ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده، كرهنا أكله.
وقال الأوزاعي: إذا وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهما أو أثرا
فليأكله.
وقال الشافعي: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه.
وروي عن ابن عباس: كل ما أصبت، ودع ما أنميت - يريد: كل ما
عاينت صيده وموته من سلاحك أو كلبك، ودع ما غاب عنك.
وفي حديث أبي رزين عن النبي -* أنه كره أكل ما غاب عنك
مصرعه من الصيد وهو حديث مرسل، لأنه ليس بأبي رزين العقيلي،
وإنما هو أبو رزين مولى أبي وائل. رواه عنه موسى بن أبي عائشة
من حديث الثوري وغيره.
وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي .
يدرك صيده
الذی
في
بعد ثلاث يأكله ما لم ينتن.
وفي حديث عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله ـ عن الصيد
يغيب عن صاحبه الليلة والليلتين، فقال: إذا وجدت فيه سهمك ولم
تجد أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكله.
(525) وان: أ، فإن: ي - ولعلها أنسب.
- 346 -

وفي حديث هذا الباب رد لقول أبي حنيفة وأصحابه في اشتراطهم
التراخي في الطلب، لأن رسول الله -432 **- لم يقل للبهزي: هل تراخيت
في طلبه، وأباح أكله لأصحابه المحرمين ولم يسأله عن ذلك (وبالله
التوفيق). (526)
(526) جملة (وبالله التوفيق) ساقطة في ١.
- 347 -

حديث ثامن وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن
عائشة أم المؤمنين قالت: كنت نائمة إلى جنب رسول الله _مَ لـ
ففقدته من الليل، فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه - وهو
ساجد - يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك،
وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. (527)
هذا حديث مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة لم يختلفوا عن مالك
في ذلك، وهو يستند من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة؛
ومن حديث عروة، عن عائشة من طرق صحاح ثابتة.
حدثني أحمد بن محمد قراءة مني عليه، قال حدثنا أحمد بن
الفضل الدينوري، قال حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال حدثني
ابن عبد الرحيم البرقي، قال حدثنا ابن أبي مريم، قال أخبرنا يحيى
ابن أيوب، قال حدثني عمارة بن غزية، قال: سمعت أبا النضر يقول:
سمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة زوج النبي ◌َّة: فقدت
رسول الله - *- وكان معي على فراشي - فوجدته ساجدا راصا عقبيه
مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: أعوذ برضاك من
سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك أثني عليك لا أبلغ كل ما
327) الوطأ رواية يحيى ص 142 - حديث (499).
- 348 -

فيك. قالت: فلما انصرف. مال: يا عائشة، أخذك شيطانك، فقلت: أما لك
شيطان؟ قال: (28$) ما من آدمي إلا له شيطان. فقلت: يا رسول الله -
وأنت؟ قال: وأنا ولكني دعوت الله فأعانني عليه فأسلم.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛ وحدثنا أحمد بن
قاسم بن عيسى المقرئ، قال حدثنا عمر بن إبراهيم المقريَّ ببغداد،
قال حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال حدثنا علي بن شعيب؛
وحدثنا خلف بن القاسم الحافظ، قال حدثنا سعيد بن عثمان بن
السكن الحافظ، قال حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال حدثنا يعقوب
الدورقي، وعلي بن شعيب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، قالوا: حدثنا
أبو أسامة، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن عبد الرحمان الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت:
فقدت رسول الله -ول ذات ليلة من الفراش، فالتمسته في البيت،
وجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه - وهما منتصبتان. وفي
حديث قاسم منصوبتان - وهو ساجد، فسمعته يقول - أعوذ برضاك
من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء
عليك أنت كما أثنيت على نفسك. (529) ولفظهم متقارب، والمعنى سواء.
وفي هذا الحديث والله أعلم - دليل على أن اللمس باليد لا ينقض
الطهارة إذا كان لغير شهوة - والله أعلم، وفي ذلك نظر، لأن من العلماء
(528) قال: أ، فقال: ق =﴾.
(529) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، انظر الزرقاني على الموطأ 37/2.
- 349 -

من لا ينقض الطهارة بملامسة اليد على حال، ومنهم من ينقضها
بملامسة اليد على كل حال؛ وقد بينا مسئلة الملامسة وما للعلماء فيها
من المذاهب، وما بينهم في ذلك من التنازع، وما احتج به كل فريق
منهم لمذهبه، ومهدنا ذلك وأوضحناه في باب أبي النضر من كتابنا هذا
- والحمد لله.
وروينا عن مالك أنه قال في قوله في هذا الحديث: لا أحصي ثناء
عليك، يقول: وإن اجتهدت في الثناء عليك فلن أحصي نعمك وثناءك
وإحسانك.
قال أبو عمر :
في قوله: (530) أنت كما أثنيت على نفسك - دليل على أنه لا يبلغ
وصفه، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه تبارك اسمه، وتعالى
جده، ولا إله غيره.
وقد روي عن يحيى بن سعيد من حديث عائشة حديث يوافق
حديث هذا الباب في بعض معانيه، وهو - عندي - حديث آخر - والله
أعلم:
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا
محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا يزيد بن
هارون، قال أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة أن
عائشة ذكرت أنها فقدت النبي - ذات ليلة، فأتته فإذا هو في
المسجد، فأدخلت يدها في شعره وانصرفت، فقال: ما شأنك؟ أقد جاءك
(530) في قوله: اق، وقوله: ي.
- 350 -

شيطانك؟ قلت: أو مالك شيطان؟ قال: بلى ولكن الله أعانني عليه
فأسلم.
وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن
جرير، حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت
يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة أنه بلغه أن
عائشة كانت نائمة عند رسول الله - 903- ففقدته من الليل، فسمعت
صوته - وهو يصلي - قالت: فقمت إليه فأدخلت يدي في شعره
فمسسته أبه بلل؟ ثم رجعت إلى فراشي، ثم إنه سلم فقال: أجاءك
شيطانك؟ فقلت: أما لك شيطان؟ قال: بلى - ولكن الله أعانني عليه
فأسلم.
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح،
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن
سلمة، عن هشام بن عمرو، عن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام،
عن علي أن النبي _مَلو كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ
برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا .
أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
- 351 -

حديث تاسع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد
الرحمان بن أبي عمرة أنه قال: جاء عثمان بن عفان إلى صلاة
العشاء، فرأى أهل المسجد قليلا، فاضطجع في مؤخر المسجد
ينتظر الناس أن يكثروا؛ فأتاه ابن أبي عمرة فجلس إليه، فسأله
من هو، فأخبره؛ فقال له: ما معك من القرآن؟ فأخبره، فقال
عثمان: من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح
فكانما قام ليلة. (531)
وهذا أيضا لا يكون مثله رأيا، ولا يدرك مثل هذا بالرأي، وقد
روي مرفوعا عن النبي 2 *
ورواه ابن جريج عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن
إبراهيم بن الحرث التيمي، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة، قال: خرج
عثمان إلى العشاء الآخرة - فذكر مثل حديث مالك سواء إلى آخره
بلفظه ومعناه - موقوفا لم يرفعه. ذكره عبد الرزاق عن ابن
جريج، (532) وكذلك رواه عن يحيى بن سعيد - موقوفا كما رواه مالك،
وابن جريج ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب الثقفي.
(531) الموطأ رواية يحيى ص 95 - حديث (292).
(532) انظر مصنف عبد الرزاق 525/1 - حديث (2009).
-352-

ورواه عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف - وهو عندهم ثقة. لا
بأس به، (533) وليس كيحيى بن سعيد في الإتقان والجلالة، عن محمد
ابن إبراهيم، عن ابن أبي عمرة، عن عثمان - مرفوعا. رواه عن عثمان
ابن حكيم: سفيان الثوري، وعبد الواحد بن زياد العبدي، ذكره عبد
الرزاق عن الثوري، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمان بن أبي
عمرة، عن عثمان بن عفان عن النبي -وَل*ـ من صلى العشاء في
جماعة فهو كنصف قيام ليلة، ومن صلى العشاء (والصبح (534)) في
جماعة، فهو كقيام ليلة. (535)
وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود،
حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسحاق بن يوسف، قال حدثنا سفيان،
عن أبي سهيل - يعني عثمان بن حكيم، قال حدثنا عبد الرحمان بن
أبي عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله - اَلله: من صلى
العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في
جماعة، كان كقيام ليلة. (536) هكذا في حديث عثمان بن حكيم هذا
المرفوع: من صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة.
وفي حديث يحيى بن سعيد من قول عثمان - رضي الله عنه -: من
شهد الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة - لم يذكر معها العشاء،
(533) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 111/7 _112.
(534) كلمة (والصبح) ساقطة في أ.
(535) انظر مصنف عبد الرزاق 525/1- حديث (2008).
(536) انظر سنن أبي داود 131/1.
التمهيدج٢٣
~ 353 -

وكذلك في حديث الشفاء عن عمر بن الخطاب من قوله، ذكره مالك عن
ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عمر بن
الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى
السوق - ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم
سليمان، فقال: لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته
عيناه؛ فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح، أحب إلي من أن أقوم ليلة.
هكذا رواه مالك، وخالفه معمر في إسناده، والقول في ذلك قول مالك -
والله أعلم.
ورواه أبو حفص الأبار، عن يحيى بن سعيد - مرفوعا، إلا أنه
جعل في موضع العشاء الصبح، وفي موضع الصبح العشاء؛ حدثناه
أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن الحسن
الصيرفي، حدثنا أبو الربيع الزهراني: عن عمر بن عبد الرحمان الأبار،
عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمان بن أبي
عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله - 39: صلاة العشاء
في جماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة الصبح في جماعة تعدل قيام نصف
ليلة.
ذكر عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سليمان بن أبي
حثمة، عن الشفاء ابنة عبد الله، قالت: دخل علي بيتي عمر بن
الخطاب، فوجد عندي رجلين نائمين، فقال: ما شأن هذين؟ أما شهدا
معنا الصلاة؟ قالت: يا أمير المومنين، صليا مع الناس - وكان ذلك في
- 354-

رمضان، فلم يزالا يصليان حتى أصبحا، ثم صليا الصبح ثم ناما،
فقال عمر: لأن أصلي الصبح في جماعة، أحب إلي من أن أصلي ليلة
حتى أصبح. (537)
ليس في هذا الحديث حكم، وإنما فيه فضل صلاة الفريضة في
جماعة؛ وزعم (538) بعض الناس أن فيه دليلا على جواز صلاة الرجل
وحده - وإن كانت مفضولة، وليس ذلك بالبين في هذا الحديث، لأنه
يجوز أن يكون صلاها بعد كالفائتة، وقد مضى القول في هذه
المسألة.
(537) انظر مصنف عبد الرزاق 526/1- حديث (2011).
(538) وزعم: أ، وقد زعم: ي.
- 355 -

حديث موفي أربعين ليحيى بن سعيد
يحيى عن عمرة :
مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: حدثتني عمرة بنت عبد
الرحمان - أنها سمعت عائشة أم المومنين تقول: خرجنا مع
رسول الله -ز- لخمس ليال(539) بقين من ذي القعدة، ولا نرى
إلا أنه الحج؛ فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله - ◌َل من لم
يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة - أن
يحل. قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما
هذا؟ قالوا: (540) نحر رسول الله - ول عن أزواجه. قال يحيى بن
سعيد: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال: أتتك والله
بالحديث على وجهه.(541)
قال أبو عمر :
هذا خلاف رواية عروة عنها، لأن عروة يقول عنها: خرجنا مع
رسول الله - *- فأهللنا بعمرة - وهي حجة واحدة، وخروج واحد؛
(539) كلمة (ليال) ساقطة في ١. ثابتة في ق ي - والرواية على إثباتها.
(540) كذا في سائر النسخ - ومثلها في التجريد، والثابت في نسخ الموطأ: فقالوا.
(541) الموطأ رواية يحيى ص 272 - حديث (91%) والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسفه
والقعنبي، كما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن القاسم، ثلاثتهم عن مالك به.
- 356 -

وقد تقدم القول في ذلك كله مبسوطا في باب ابن شهاب، عن عروة -
من هذا الكتاب.
وأما قولها: فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله -مـ: من لم يكن
معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة - أن يحل، فهذا
فسخ الحج في العمرة، وقد تواترت به الرواية عن النبي مؤ من
طرق صحاح من حديث عائشة وغيرها، ولم يرو عن النبي رقمية
شيء يدفعه؛ إلا أن أكثر العلماء يقولون: إن ذلك خصوص لأصحاب
النبي لة خاصة، واعتلوا بأن النبي - ◌َلو- إنما أمر أصحابه أن
يفسخوا الحج في العمرة، ليوري الناس أن العمرة في أشهر الحج
جائزة، وذلك أن قريشا كانت تراها في أشهر الحج من أفجر الفجور،
وكانت لا تستجيز ذلك البتة؛ وكانت تقول: إذا خرج صفر - وكانوا
يجعلون المحرم صفر - وبرأ الدبر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر.
فأمر رسول الله -*- أصحابه من لم يكن منهم معه هدي أن يفسخ
حجه في عمرة، ليعلم الناس أنه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. واعتلوا
بقول الله - عز وجل : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله)، (542) وهذا
يوجب إتمام الحج على كل من دخل فيه، إلا من خص بالسنة الثابتة
- وهم أصحاب محمد ◌ٍقَلـ على الوجه الذي ذكرنا؛ واعتلوا بأن عمر
ابن الخطاب كان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله - ◌َالقر- أنا
أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج . - يعني فسخ
(542) الآية 196 سورة البقرة.
- 357 -

الحج في العمرة. ومعلوم أن عمر لم يكن لينهى عن شيء فعله رسول
الله - * - أو أباحه أو أمر به، ولا ليعاقب عليه - إلا وقد علم أن ذلك
إما خصوص، وإما منسوخ؛ - هذا ما لا يشك فيه ذولب.
واعتلوا أيضا بما روي في ذلك عن أبي ذر، وبلال بن الحرث
المزني - أن ذلك خصوص لأصحاب النبي _ ◌َله.
وممن ذهب إلى أن فسخ الحج في العمرة لا يجوز لأحد اليوم، وأنه
لم يجز لغير أصحاب رسول الله له: مالك، والشافعي، وأبو
حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد - في جماعة
من التابعين بالحجاز والعراق والشام ومصر، وبه قال أبو ثور،
وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، والطبري، وهو قول أكثر أهل العلم،
وكان أحمد بن حنبل، وداود بن علي - يذهبان إلى أن فسخ الحج في
العمرة جائز إلى اليوم ثابت، وأن كل من شاء أن يفسخ حجه في عمرة
إذا كان ممن لم يسق هديا، كان ذلك له اتباعا للآثار التي رويت عن
النبي - صل في ذلك.
وقال أحمد بن حنبل في فسخ الحج أحاديث ثابتة لا تترك لمثل
حديث أبي ذر، وحديث بلال بن الحرث - وضعفهما، وقال: من
المرقع بن صيفي (543) الذي يرويه عن أبي ذر؟ قال: وروي الفسخ عن
النبي - *- من حديث جابر، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر، وابن
عباس، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وسهل بن حنيف،
(543) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه ابن حزم أنه مجهول، وانتقده ابن حجر وقال: إنه من إطلاقاته
المردودة. انظر تهذيب التهذيب 88/10.
- 358 -

وأبي سعيد الخدري، والبراء بن عازب وابن عمر، وسبرة الجهني؛ قال
أحمد: من أهل بالحج مفردا أو قرن الحج مع العمرة، فإن شاء أن
يجعلها عمرة (فعل) (544) ويفسخ إحرامه في عمرة - إن شاء فعل، وإن
شاء لم يفعل.
واحتج أيضا أحمد ومن ذهب مذهبه بقوله - اللون لو استقبلت من
أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة؛ ويقول سراقة بن
جعشم: يا رسول الله، علمنا تعليم قوم أسلموا اليوم، أعمرتنا هذه
لعامنا هذا، أم لأبد؟ فقال: بل لأبد، بل لأبد.
قال أبو عمر :
ليس في هذا حجة، لأن قوله _ مَلو -: لو استقبلت من أمري ما
استدبرت لجعلتها عمرة - إنما معناه: لأهللت بعمرة، وجعلت إحرامي
بعمرة أتمتع بها؛ وإنما (في) (545) هذا حجة لمن فضل التمتع، وأما من
أجاز فسخ الحج في العمرة، فما له في هذا حجة، لاحتمال ما ذكرنا،
وهو الأظهر فيه.
وأما قوله لسراقة: بل للأبد - فإنما معناه: أن حجته تلك، وعمرته
ليس عليه ولا على من حج معه غيرها للأبد، ولا على أمته غير حجة
واحدة، أو عمرة واحدة في مذهب من أوجبها في دهره للأبد، لا فريضة
في الحج غيرها؛ - هذا معنى قوله لسراقة - والله أعلم.
(544) كلمة (فعل) ساقطة في أ، ثابتة في ي).
(545) كلمة (في) ساقطة في أ.
- 359 -

وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج، ومعمر، عن ابن طاوس،
عن أبيه، قال: قدموا بالحج خالصا لا يخالطه شيء، وكانوا يرون
العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور، وكانوا يقولون: إذا برأ الدبر،
وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. وكانوا يدعون
المحرم صفر، فلما حج النبي ◌ُلى، خطبهم فقال: من كان أهل بالحج
فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم ليحلق أو ليقصر، ثم ليحل إلا
من كان معه هدي. قال: فبلغه أنهم يقولون: يأمرنا أن نحل، فقال: لو
شعرت ما أهديت، نزل الأمر عليه من السماء بعدما طاف بين الصفا
والمروة، فكلمهم بذلك. فقال سراقة: يا رسول الله، علمنا تعليم قوم
أسلموا اليوم، عمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: بل لابد، (بل
لأبد). (546)
قال أبو عمر :
يحتمل أن يكون قوله هذا نحو حديث الزهري، عن أبي سنان، عن
ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل رسول اللهمن 58- فقال:
يارسول الله، الحج في كل عام أو مرة واحدة؟ قال: (547) بل مرة
واحدة، ومن زاد فهو متطوع.
وروى أبو هريرة، وأبو واقد الليثي، عن النبي ◌َّ- أنه قال
لأزواجه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر.
حدثنا أحمد بن قاسم، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد،
حدثنا البغوي، حدثنا جدي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن أبي
($46) جملة (بل للأبد) ساقطة في أ ثابتة في ي.
(547) قال: أ، فقال: ي.
- 360 -