النص المفهرس

صفحات 301-320

بهن، فهو في النار مخلد. فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي
-وَل و - من نقل العدول الثقات، وأنكرت ما أشبهه من تلك الأحاديث،
ودفعت قول الله - عزوجل -: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به،
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فضلت وأضلت: فذكرنا في هذا
الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم - والحمد لله.
- 301 -

حديث ثالث وثلاثون نيحيى بن سعيد
٦
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان عن
عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول إن ناسا
يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت
المقدس، قال عبد الله: لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا، فرأيت
رسول الله - 94 على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته. (431)
لم يختلف عن مالك في هذا الحديث، وتابعه على لفظه في
هذا الحديث عبد الوهاب الثقفي وسليم بن بلال. ذكره المروزي عن
إسحاق، عن عبدالوهاب، وعن القعنبي عن سليمان كلاهما عن يحيى
ابن سعيد بإسناده هذا، مثل حديث مالك في استقبال بيت المقدس
خاصة لا زيادة.
ورواه جماعة عن يحيى بن سعيد بإسناده فقالوا فيه: على لبنتين
يقضي حاجته نحو القبلة، وربما زاد بعضهم: أو بيت المقدس.
ورواه عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه عن
ابن عمر قال فيه: رأيت رسول الله مؤ جالسا لحاجته، مستقبل
بيت المقدس مستدبر الكعبة. وفي هذا الحديث أن قوما يقولون: لا
تستقبل الكعبة ولا بيت المقدس لحاجة الإنسان، ومن قال ذلك في بيت
المقدس من العلماء ابن سيرين، ومجاهد، وإبراهيم، وقد ذكرنا ما
للفقهاء من المذاهب في هذا الباب في باب إسحاق - والحمد لله.
(431) الموطأ رواية يحيى ص 131 - 132 - حديث (456) والحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف
عن مالك به انظر الزرقاني على الموطأ 393/1.
- 302 -

حديث رابع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان أن
عبدا سرق وديا (432) من حائط رجل فغرسه في حائط سيده،
فخرج صاحب الودي يلتمس وديه فوجده، فاستعدى على العبد
مروان بن الحكم، فسجن مروان العبد وأراد قطع يده؛ فانطلق
سيد العبد إلى رافع بن خديج، فسأله عن ذلك فأخبره أنه سمع
رسول الله - #- يقول: لا قطع في ثمر ولا في كثر والكثر الجمار.
قال الرجل: فإن مروان بن الحكم أخذ غلاما لي وهو يريد قطعه،
فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعت من رسول
الله -بَلل؛ فمشى معه رافع إلى مروان بن الحكم فقال: أخذت
غلاما لهذا؟ فقال: نعم، قال: فما أنت صانع به؟ قال: أردت قطع
يده، فقال له رافع: سمعت رسول الله - ◌َل يقول: لا قطع في
ثمر ولا في كثر، فأمر مروان بالعبد فأرسل.(433)
قال أبو عمر :
هذا حديث منقطع، لأن محمد بن يحيى لم يسمعه من رافع بن
خديج، وقد رواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى
ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن رافع بن خديج؛ فإن صح
(432) الودي كغني: صغار الغسيل، والفسيلة: النخلة الصغيرة.
(433) الموطأ رواية يحيى ص 604 - حديث (1526)
- 303 -

هذا، فهو متصل مسند صحيح، ولكن قد خولف ابن عيينة في ذلك،
ولم يتابع عليه إلا ما رواه حماد بن دليل المدائني عن شعبة، فإنه
رواه عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان،
عن عمه، عن رافع بن خديج. وأما غير حماد بن دليل، فإنما رواه عن
شعبة، عن يحيى عن محمد، عن رافع - كما رواه مالك؛ وكذلك رواه
الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة، ويزيد بن
هارون، وأبو خالد الأحمر؛ وعبد الوارث بن سعيد، وأبو معاوية -
كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رافع بن
خديج.
ورواه ابن جريج، وأبو أسامة، والليث بن سعد، على اختلاف عنه،
عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رجل من
قومه، (434) عن رافع بن خديج.
ورواه بشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى
ابن حبان، عن رجل من قومه، عن عمه، عن رافع بن خديج.
ورواه الليث، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان،
عن عمة له أن غلاما سرق وديا - وساق الحديث.
ورواه الدراوردي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن أبي ميمون، عن رافع بن خديج؛ فأما رواية ابن عيينة،
فحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
(434) في ١ زيادة (عن عمته) - ويأتي للمؤلف أن رواية أبي أسامة لا ذكر فيها لعمته.
- 304 --

أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال
حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان،
عن عمه واسع بن حبان - أن عبدا سرق وديا من حائط، فجاء به
فغرسه في حائط أهله؛ فأتي به مروان بن الحكم، فأراد أن يقطعه،
فشهد رافع بن خديج أن رسول الله -مخ لل- قال: لا قطع في ثمر ولا
کثر - فارسله مروان. (435)
قال الحميدي: قال لنا سفيان: أخبرنا عبد الكريم، قال: اسم الذي
سرق الودي فیل.
قال الحميدي: فقيل لسفيان: ليس يقول أحد في هذا الحديث عن
عمه، فقال: هكذا حفظي، قال الحميدي: فقال لي أبو زيد المدائني:
حماد بن دليل أثبت عليه، فإن شعبة كذا حدثنا عن يحيى بن سعيد،
عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه. (436)
وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: حماد بن دليل
ليس به بأس، كان على المدائن قاضيا، ولا أدري من أين أصله.
وأما حديث شعبة من غير رواية حماد بن دليل، فحدثنا عبد
الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن
شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: سرق
(435) انظر مسند الحميدي 199/1 - حديث (407).
(436) لم نقف على هذه الزيادة في المسند (فقيل لسفيان ... فقال لي أبو زيد .. )
- 305 -
التمهيدج٢٣

غلام من الأنصار نخلا صغارا فأتي به مروان، فأمر به أن يقطع،
فقال رافع بن خديج: سمعت رسول الله يقول: لا يقطع
السارق في ثمر ولا كثر. فقلت ليحيى، ما الكثر؟ قال: الجمار، فضربه
وحبسه.
وأما رواية الثوري، فحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحر بن أبي أسامة، قال حدثنا أبو
نعيم، قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله - *- لا قطع في ثمر
ولا كثر.
وأما رواية حماد بن زيد، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد،
قال حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان
- أن غلاما لعمه واسع بن حبان سرق وديا من أرض جار له -
فغرسه في أرضه، فرفع إلى مروان، فأمر بقطعه؛ فأتى مولاه رافع بن
خديج - فذكر ذلك له، فقال: لا قطع عليه؛ فقال له: تعال معي إلى
مروان، فجاء به فحدثه أن رسول الله - قال: لا قطع في ثمر ولا
كثر، فدرا عنه القطع.
وأما رواية أبي أسامة، فأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
حمزة بن محمد، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا الحسين بن
منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
- 306 -

يحيى بن حبان، عن رجل من قومه، عن رافع بن خديج، قالٍ: سمعت
رسول الله - مخ يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر (437)
وأما رواية بشر بن المفضل، فأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا
محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن
علي، قال حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد
ابن يحيى بن حبان - أن رجلا من قومه حدثه عن عمة له أن رافع
بن خديج قال: سمعت رسول الله _َُلـ يقول: لا قطع في ثمر ولا
کثر.(438)
ورواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى
ابن حبان أنه أخبره أن غلاما لعمه يقال له فيل أسود سرق وديا
لرجل، فأتي به مروان بن الحكم، فأراد أن يقطعه، فقال له رافع:
سمعت رسول الله - # يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر، فأرسله
مروان فباعه أو نفاه.
وأخبرنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
محمد بن فطيس، قال أخبرنا عمران بن موسى، قال حدثنا مسدد بن
مسرهد، قال حدثنا أبو عوانة، قال: كنت عند أبي حنيفة، فأتاه رسول
صاحب الشرطة فقال: أرسلني إليك فلان - يعني صاحب الشرطة،
أتي برجل سرق وديا من أرض قوم، فقال: إن كان قيمة الودي عشرة
(437) انظر سنن النسائي 88/8.
(438) المصدر السابق.
- 307 -

دراهم فاقطعه، فقلت له: يا أبا حنيفة حدثنا يحيى بن سعيد، عن
محمد بن يحيى بن حبان، عن رافع بن خديج أن رسول الله - مقالهـ
قال: لا قطع في ثمر ولا كثر، قال: ما تقول؟ قلت: نعم، أرسل في إثر
الرسول، فإني أخاف أن يقطع الرجل، فقال: قد مضى(439) الحكم
فقطع الرجل.
قال أبو عمر :
هذا لا يصح عن أبي حنيفة، لأن مذهبه المشهور عنه أنه لا قطع
في ثمر ولا كثر ولا في أصل شجرة (440) يقلع، ولا في كل ما يبقى من
الطعام ويخشى فساده، لأنه عندهم في معنى الثمر المعلق.
واختلف الفقهاء في هذا الباب: فقال مالك: لا قطع في كثر - والكثر
الجمار، ولا قطع في النخلة الصغيرة ولا الكبيرة؛ ومن قلع نخلة أو
قطعها من حائط فليس فيها (441) قطع، قال: ولا قطع في ثمر الأشجار،
ولا في الزرع، ولا في الماشية؛ فإذا أوى الجرين الزرع أو الثمر، وأوى
المراح الغنم، فعلى من سرق من ذلك قيمة ربع دينار القطع.
قال ابن المواز: من سرق نخلة أو ثمرة في دار رجل قطع، بخلاف
شعر شجر الحائط والجنان.
(39) قضى: أ، مضى: ق ي - ولعلها أنسب.
(40) شجرة: أ، شجر: ي.
(447) فيها: أق، عليه: ي.
- 308 -

قال أبو عمر :
لم يختلف قول (442) مالك وأصحابه أن القطع واجب على من سرق
رطبا أو فاكهة رطبة إذا بلغت قيمتها ثلاث دراهم - وسرقت من حرز،
وهو قول الشافعي لحديث عثمان - أنه قطع سارقا سرق أترجة
قومت بثلاثة دراهم، قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها الناس.
قال أبو عمر :
وهذا يدل على أن القطع واجب في الثمر الرطب - صلح أن ييبس
أو لم يصلح، لأن الأترج لا بيبس.
وقال أشهب: يقطع سارق النخلة المطروحة في الجنان المحروسة.
وقال ابن القاسم: لا يقطع.
وقال الثوري: إذا كانت الثمرة في رؤوس النخل أو في شجرها،
فليس فيه قطع ولكن يعزر.
وقال عطاء: يعزر ويغرم، ولا قطع عليه إلا فيما أحرز الجرين.
وقال الشافعي: الحوائط ليست بحرز للنخل ولا للثمر، لأن أكثرها
مباح يدخل من جوانب الحائط حيث شاء، فمن سرق من حائط شيئا
من شجرة، أو ثمر معلق لم يقطع؛ فإذا أواه الجرين قطع. قال
الشافعي: وذلك الذي تعرفه العامة عندنا أن الجرين حرز للثمر،
والحائط ليس بحرز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه في الثمر يسرق من رؤوس النخل
والشجر أو السنبل من قبل أن يحصد فلا قطع في شيء من ذلك،
(442) كلمة (قول) ساقطة في ١.
- 309 -

وسواء كان الحائط قد استوثق منه وحظر أو لم يكن، لأنه بلغنا أن
رسول الله - * قال: لا قطع في ثمر ولا كثر قالوا: وكذلك النخلة
تسرق بأصلها والشجرة تسرق بأصلها لا قطع في شيء من ذلك.
وقال أبو ثور: إذا سرق ثمر نخل، أو شجر، أو عنب كرم - وذلك
الثمر قائم في أصله، وكان محرورا فبلغ قيمة المسروق من ذلك ما
تقطع فيه اليد قطعت يده، وذلك أن هذا كله ملك لمالكه لا يحل أخذه؛
وعلى من استهلكه قيمته في قول جماعة أهل العلم، لا أعلمهم اختلفوا
في ذلك؛ فلذلك رأينا على من سرق من ذلك ما يوجب القطع القطع.
قال أبو عمر :
لأهل العلم في تأويل حديث هذا الباب قولان، أحدهما أن المعنى
المقصود إليه بهذا الحديث، جنس الثمر والكثر من غير مراعاة حرز؛
فمن ذهب إلى هذا المذهب لم ير القطع على سارق سرق من الثمر كله،
وأجناس الفواكه والطعام الذي لا يبقى (443) ولا يؤمن فساده كثيرا،
كانت السرقة من ذلك كله أو قليلا من حرز كانت أو من غير حرز؛
قالوا: وهذا معنى حديث هذا الباب، لأنه لو أراد ما لم يكن محروزا ما
كان لذكر الثمر وتخصيصه فائدة - هذا كله قول أبي حنيفة
وأصحابه.
والقول الآخر أن المعنى المقصود بهذا الحديث، الحرز، وفيه بيان
أن الحوائط ليست بحرز للثمار حتى يأويها الجرين، وما لم تكن في
الجرين فليست محروزة.
(443) في ي زيادة (ولا يدخر).
- 310 -

وقد قيل: (444) إن الحديث إنما قصد به حوائط المدينة خاصة، لأنها
حوائط لا حيطان لها، وما كان لها حيطان منها فهي حيطان لا تمنع
- لقصرها - من أراد الوصول (445) إلى ما داخلها، (446) فهذا ما في هذا
الحديث من المذاهب لمن استعمله ولم يدفعه، وقد دفعته فرقة ولم تقل
به.
قال أبو عمر :
قد ثبت عن النبي -2# من حديث البراء بن عازب أنه قضى بأن
على أهل الحوائط حفظها وحرزها بالنهار، وقضى بأن لا قطع في
ثمر؛ - فخرج ما في الحيطان والأجنة من الثمار بذلك من حكم الحرز
في سقوط القطع كما خرج المقدار المعتبر في المسروق بالسنة عن جملة
وجوب القطع على عموم الآية في السراق والسارقات - والله أعلم.
وذكر محمد بن الحسين الخرقي الحنبلي في مختصره على مذهب
أحمد بن حنبل قال: وإذا سرق السارق ربع دينار من الذهب أو ثلاثة
دراهم من الورق أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض كلها طعاما كان
أو غيره، وأخرجه من الحرز، فعليه القطع ما لم يكن ثمرا ولا كثرا.
(444) وقد قيل: اق، وقيل: ي.
(445) الوصول: أ، الدخول: ي.
(446) ما داخلها: أق، ما في داخلها: ي.
- 311 -

وذكر إسحاق بن منصور قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول:
القطع فيما أوى الجرين أو المراح، قال: والمراح للغنم، والجرين للثمار؛
قال: وقال إسحاق يعني (447) بن راهويه كما قال أحمد. (448)
قال أبو عمر :
ذكر ابن خواز بنداد أن أحمد بن حنبل وأهل الظاهر وطائفة من
أهل الحديث - لا يعتبرون الحرز في السرقة ويقولون: إن كل سارق
سرق ما يجب فيه القطع من حرز ومن (449) غير حرز.
قال أبو عمر :
هذا غير صحيح عن أحمد بن حنبل، والصحيح ما ذكرنا عنه في
هذا الباب مما ذكره الخرقي، وإسحاق بن منصور - على ما ذكرنا.
وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يذهب إلى حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي _82* فيمن سرق الثمر المعلق -
أنه لا قطع فيه حتى يأويه الجرين، وأن عليه غرامة مثليه. واحتج
أيضا بحديث عمر في ناقة المدني.
قال أبو عمر:
حديث عمرو بن شعيب أصل عند جمهور أهل العلم في مراعاة
الحرز واعتباره في القطع، حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد
ابن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا
(447) كلمة (يعني) ساقطة في أ.
(448) كما قال أحمد: أ، كما قال: بإسقاط (أحمد) : ق.ي.
(49) أو من: أ. ومن: ق - وهي أنسب.
- 312 -

الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن
عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن النبي - قَلّ- أنه سئل عن الثمر
المعلق، قال: ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبئة فلا شيء
عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه والعقوبة؛ ومن سرق
منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع.
قال أبو عبيد: الثمر المعلق همو الذي في رؤوس النخل، لم يجذ ولم
يحرز في الجرین.
قال أبو عمر :
وكذلك سائر ما في رؤوس الأشجار من سائر الثمار، قال أبو
عبيد: والجرين يسميه أهل العراق البيدر، ويسميه أهل الشام الأندر،
ويسمى بالبصرة الجودان، ويقال بالحجاز: (450) المربد. قال أبو عبيد:
والودي النخل الصغار، وأكثر جمار النخل في كلام العرب.
قال أبو عمر :
أما داود وأهل الظاهر، فذهبوا إلى قطع كل سارق تلزمه الحدود إذا
سرق ما يجب فيه القطع من حرز ومن غير حرز على عموم قول الله
- عز وجل - وظاهره في السارق والسارقة؛ وظاهر قول النبي رَ هو:
(«القطع في ربع دينار فصاعدا - ولم يذكر الحرز، وضعف داود
حديث عمرو بن شعيب.
(450) ويقال الحجاز: أق، ويقال له بالحجاز- بزيادة (له): ي.
- 313 -

وحدث رافع بن خديج وشذ في ذلك عن جمهور الفقهاء، كما شذ
أهل البدع في قطع كل سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز ومن غيره؛
والذي عليه جمهور العلماء: القول بهذين الحديثين على ما ذكرنا
عنهم، وكذلك لا أعلم أحدا قال بتضعيف القيمة غير أحمد بن حنبل؛
وسائر العلماء يقولون بالقيمة أو المثل على حسبما ذكرنا في باب نافع
من هذا الكتاب.
قال أبو عمر :
قوله في هذا الحديث: فعليه غرامة مثليه - منسوخ بالقرآن والسنة،
فالقرآن قول الله - عز وجل -: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما
عوقبتم به﴾. (451) ولم يقل بمثلي ما عوقبتم به، وقضى النبي - مقلى
فيمن أعتق شقصا له في عبد بقيمته قيمة عدل، ولم يقل بمثلي قيمته
ولا بتضعيف قيمته؛ وقضى في الصحفة بمثلها لا بمثليها، وقد ذكرنا
خبر الصحفة في باب نافع؛ وأجمع فقهاء الأمصار على أن لا تضعيف
في شيء من الغرامات، وأجمعوا على إيجاب المثل على مستهلك المكيلات
والموزونات، واختلفوا في العروض على ما ذكرناه في باب نافع من هذا
الكتاب، والحمد لله وبه التوفيق.
(451) الآية: 126 - سورة النحل.
- 314 -

حديث خامس وثلاثون ليحيى بن سعيد
يحيى عن محمد بن إبراهيم - أربعة أحاديث (452)
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث
التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي - أن رسول الله -الغو
خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال:
إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به (453) ولا يجهر
بعضكم على بعض بالقرآن. (454)
محمد بن إبراهيم بن الحرث هذا هو أحد ثقات أهل المدينة،
ومحدثيهم معدود في التابعين، روي عنه أنه قال: رأيت سعد بن أبي
وقاص، وعبد الله بن عمر يأخذان برمانة المنبر ثم ينصرفان. ويكنى
أبا عبد الله، وهو محمد بن إبراهيم بن الحرث بن خالد بن صخر بن
عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. قال الواقدي: كان جده
الحرث بن خالد من المهاجرين الأولين، وتوفي محمد بن إبراهيم سنة
عشرين ومائة في خلافة هشام. (455)
(452) عبارة (يحيى عن محمد بن إبراهيم أربعة أحاديث) - ساقطة في ق.
(453) كلمة (به) ساقطة في أ، وهي ثابتة في ق ي، وفي سائر نسخ الموطأ، وثبتت كذلك في التجريد.
(454) الموطأ رواية يحيى ص 63 - حديث (174).
(455) انظر ترجمته في تاريخ الطبري 283/8، وابن الأثير 96/5.
- 315 -

وأبو حازم التمار يقال: اسمه دينار مولى الأنصار، ويقال: مولى
أبي رهم الأنصاري. وذكر حبيب عن مالك، أن اسم أبي حازم التمار:
يسار مولى قيس بن سعد بن عبادة. (456)
وأما البياضي، فيقولون: اسمه فروة بن عمرو بن وذفة (457) بن
عبيد بن عامر بن بياضة - فخذ من الخزرج. (458)
وهذا الحديث معناه في صلاة النافلة: إذا كان كل أحد يصلي
لنفسه، وأما صلاة الفريضة، فقد أحكمت السنة سرها وجهرها، وأنها
خلف إمام الجماعة أبدا، هذه سنتها؛ وكان أصل هذا الحديث في صلاة
رمضان، لأن رسول الله -12- لم يجمعهم لها إلا على ما قد
مضى (459) في باب ابن شهاب، عن عروة - من أنه صلى بهم ليلة
وثانية وثالثة، ثم امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض (460)
عليهم.
وقد روى هذا الحديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد - فقال
فيه: إن ذلك في رمضان:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان - قراءة مني عليه - أن قاسم بن
أصبغ حدثهم، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا
(456) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 65/12.
(457) كذا في سائر النسخ، والذي في الاستيعاب: (ودقة).
(458) انظر ترجمته في الاستيعاب 1259/3 _ 1260.
(459) قد مضى: أق، قدمنا: ي.
(460) يفرض: أق، تفرض: ي.
- 316 -

حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي
حازم مولى الأنصار - أن رسول الله - *- كان معتكفا في رمضان في
قبة على بابها حصير، قال: وكان الناس يصلون عصبا، عصباً؛ قال:
فلما كان ذات ليلة، رفع باب القبة، فأطلع رأسه، فلما رآه الناس،
أنصتوا؛ فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم ما (461) يناجي به
ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن . - هكذا قال حماد بن زيد
في هذا الباب (462) عن يحيى بن سعيد، عن محمد عن أبي حازم، عن
النبي -*- مرسلا ــ لم يذكر البياضي؛ كذلك رواه كل من رواه عن
حماد بن زيد.
وقد روى هذا الحديث يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن
أبي حازم، عن البياضي؛ وعن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار،
عن البياضي: حدثناه خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن الحجاج
الطبراني، حدثنا الحسين بن محمد المدني، حدثنا يحيى بن بكير،
حدثنا الليث حدثنا ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن
يسار، عن رجل من بني بياضة من الأنصار - أنه سمع رسول الله
-*- يقول - وهو مجاور في المسجد يوما، فوعظ الناس وحذرهم
ورغبهم؛ ثم قال: ليس مصل يصلي إلا وهو يناجي ربه، فلا يجهر
بعضكم على بعض بالقرآن.
(461) ما: أق، بما: ي.
(462) الباب: أ، الحديث: ي.
- 317 -

قال الليث: وحدثنا ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي
حازم مولى الغفاريين أنه حدثهم هذا الحديث البياضي (463) عن رسول
مناالله
الله محمد
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن إسماعيل، وعبيد بن عبد الواحد؛ قالا حدثنا ابن أبي
مريم، قال أخبرنا يحيى بن أيوب، وابن لهيعة، قالا حدثنا ابن الهادي،
عن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني بياضة -
أنه سمع رسول الله - مَله - فذكره سواء إلى آخره.
وقد روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري، عن النبي - فَق؛ أخبرنا
عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا الحسن بن علي، قال حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول
الله -3َلـ في المسجد - فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر
وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع
بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة - لم يذكر أبو داود
حديث البياضي، وذكر حديث أبي سعيد هذا. (464)
وقد روى خالد الطحان، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن الحرث،
عن علي قال: نهى رسول الله - *- أن يرفع الرجل صوته بالقرآن
(463) البياضي: أق، عن البياضي: ي.
(464) انظر سنن أبي داود 306/1
- 318 -

قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون - وهذا تفرد (465) به
خالد الطحان - وهو ضعيف، وإسناده كله ليس مما يحتج به.
وحديث البياضي، وحديث أبي سعيد، ثابتان صحيحان - والله أعلم
- والحمد لله، وليس فيهما معنى يشكل يحتاج إلى القول فيه - إن
شاء الله.
وإذا لم يجز التالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على
مصل (466) إلى جنبه، فالحديث في المسجد مما (467) يخلط على المصلي -
أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم - والله أعلم؛ وإذا نهي المسلم عن أذى
أخيه المسلم في عمل البر، وتلاوة الكتاب، فأذاه في غير ذلك أشد
تحريما، وقد نظر عبد الله بن عمرو إلى الكعبة فقال: والله إن لك
لحرمة، ولكن المومن عند الله أعظم (468) حرمة منك، حرم منه عرضه،
ودمه، وماله، وأن لا يظن به إلا خير. (469) وحسبك بالنهي عن أذى
المسلم في المعنى الوارد في هذا الحديث، فكيف بما هو أشد من ذلك -
والله المستعان.
(465) تفرد: ١، إنفرد: ق ي.
(466) على مصل إلى جانبه: ١، على من إلى جنبه يصلي: ي.
(467) مما: أ. بما: ي.
(468) أعظم: أ، أشد: ي.
{469) خيرا: أق، خير: ي.
- 319 -

حديث سادس وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث
التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي سعيد الخدري
قال: سمعت رسول الله -2# يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون
صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع
أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين
كما يمرق السهم من الرمية؛ تنظر في النصل فلا ترى شيئا،
وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتنظر في الريش فلا ترى شيئا،
وتتمارى في الفوق. (470)
هذا حديث صحيح الإسناد ثابت، وقد روي معناه من وجوه كثيرة
عن النبي ◌ّ- ولم يختلف عن مالك فيما علمت في إسناد هذا
الحديث.
ورواه القعنبي عن الدراوردي عن يحيى بن سعيد - أن محمد بن
إبراهيم أخبره عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، وعطاء بن يسار -
أنهما سألا أبا سعيد الخدري عن الحرورية فقالا: هل سمعت رسول
الله - ◌َله يذكرها؟ فقال: لا أدري ما الحرورية، ولكني سمعت
رسول الله -12- يقول: يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم
تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم، أو
(470) الموطأ رواية يحيى ص 137 - حديث (478) - والحديث أخرجه البخاري في التفسير عن عبد الله ابن
يوسف عن مالك به، انظر الزرقاني على الموطأ /18.17.
- 320 -