النص المفهرس

صفحات 21-40

قال أبو عمر :
رواه جماعة عن العلاء كما رواه شعبة سواء، وهذا حديث يخرج
في التفسير المسند في قول الله - عز وجل: ﴿ولا يغتب بعضكم
بعضا﴾. (4) فبين رسول الله - * - الغيبة وكيف (5) هي وما هي، وهو
المبين عن الله عزوجل
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن أسامة بن عبد
الرحمان بن أبي السمح، حدثنا أبي، قال حدثنا هارون بن سعيد،
حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا ابن زيد، قال: قال محمد بن المنكدر
رأيت النبي -2 98- في النوم خرج من هذا البيت، فمر برجلين أعرفهما
وأعرف أنسابهما؛ فقال: عليكما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،
فإنكما لا تومنان بالله ولا باليوم الآخر؛ فقلت: أجل يا رسول الله،
فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فما ذنبهما؟ قال: ذنبهما
أنهما يأكلان لحوم الناس.
قال أبو عمر :
يصحح هذا قوله -53: من كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل
خيرا أو ليسكت.(6) وهذا وما كان مثله إنما معناه نقصان الإيمان
وعدم كماله لا الكفر، وقد بينا مثل هذا في غير موضع والحمد لله.
(4) الآية : 12 سورة الحجرات.
(5) وكيف : أ ق ي، كيف : و.
(6) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
انظر الفتح الكبير 331/3.
- 21 -

أخبرنا عبد الرحمان، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون،
حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، قال: أخبرني سليمان بن كيسان،
قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر عنده رجل بفضل أو صلاح
قال: كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه، فإن قالوا: إنه ينتقصهم وينال
منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون؛ وإن قالوا: إنه يذكر منهم
جميلا وخيرا ويحسن الثناء عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء الله.
قال أبو عمر :
يكفي في ذم الغيبة قول الله - عز وجل -: ﴿يا أيها الذين آمنوا
اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا
يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾.
وقال(7) الشاعر: (8)
ـفسق لا رخصة فيه
احذر الغيبة فهي الــ
كل من لحم أخيه
إنما المغتاب كالاً
وروى ابن علية عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال:
ظلم لأخيك المسلم أن تقول أسوأ ما تعلم فيه.
وعن الحسن البصري أنه سأله رجل فقال: يا أبا سعيد، اغتبت
فلانا وأنا أريد أن أستحله؟ فقال: لم يكفك أن اغتبته حتى تريد أن
تبهته.
(7) قال : أ، وقال : وي - ولعلها أنسب.
(8) هو الصاحب بن عباد - كما في بهجة المجالس 398/1، وانظر التمثيل والمحاضرة : ص23.
- 22 -

وعن قتيبة بن مسلم أنه سمع رجلا يغتاب آخر فقال: أمسك
عليك، فوالله لقد مضغت مضغة طالما لفظها الكرام.
وعن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لابنه عمرو؟ إياك واستماع
الغيبة، نزه سمعك عن الخنا، كما تنزد لسانت عن البذا؛ فإن المستمع
شريك القائل، وإنما نظر إلى أخبت ما يكون في وعائه، فألقاها في
وعائك؛ ولقد أحسن القائل
وعد عن الموضع المشتبه
تحر من الطرق أوسمها
ـجٍ كصون اللسان عن القول به
وسمعك صُن عن سماع القبيـ
ـح شريك لقائله فانتبه
فإنك عند استماع القبيــ
وهذا مأخوذ من قول كعب بن زهير - والله أعلم:
ومطعم المأكول كالآكل(11)
فالسامع مع الذم شريك له
وكان أبو حازم يقول: أربح التجارة ذكر الله، وأخسر التجارة ذكر
الناس يعني بالشر: وهذا باب يحتمل أن يفرد له كتاب، وقد أكثر
العلماء والحكماء من ذم الغيبة والمغتاب، وذم النميمة والنمام؛ وجاء
عنهم في ذلك من نظم الكلام ونثره ما يطول ذكره، ومن وفق كفاه من
الحكمة يسيرها إذا استعملها، وما توفيقي إلا بالله، وقد ذكرنا في
(9) عمرو : أ - وهوما في البهجة المصدر السابق، عمر: ق و ي.
(10) هو محمود الوراق - كما في بهجة المجالس المصدر السابق آنفا 401/1.
(11) انظر الديوان ص 124.
- 23 -

بهجة المجالس في باب الغيبة (12) من النظم والنثر ما فيه كفاية والحمد
لله.
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى، قول القائل:
حين يلقاني وإن غبت شتم
إن شر الناس من يشكر (13) لي
وإذا يخلو له لحمي كدم
ويحييني إذا لاقيته
منه أذناي وما بي من صمم
وكلام سيء قد وقرت
في لحوم الناس كالسبع الضرم
لا يراني (14) راتعا في مجلس
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا أبو بكر محمد بن
عبد الله (15) الشافعي ببغداد إملاء يوم الجمعة سنة تسع وأربعين
وثلاثمائة، قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني، قال حدثنا شبابة بن
سوار، قال حدثنا المغيرة بن مسلم، عن يحيى البكاء، قال: كنت عند
ابن عمر فجاءه رجل فوقع في الحجاج وشتمه؛ فقال ابن عمر: أرأيت
لو كان شاهدا أكنت تقول هذا؟ فقال: لا، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على
عهد رسول الله - حق له
٦٠
(12) انظرج 397/1 405.
(13) يكشر : أي، يشكر : و - ولعلها أنسب.
(14) يراني : أ، تراني : وي.
(15) في (و) زيادة: (بن محمد بن يحيى).
-24-

باب الياء
يزيد بن خصيفة ثلاثة أحاديث
وهو يزيد بن(1) خصيفة بن يزيد بن عبد الله الكندي بن أخي
السائب بن يزيد الكندي، وكان ثقة مأمونا محدثا محسنا، لا أقف له
على وفاة، روى عنه جماعة من أهل الحجاز.(2)
حديث أول ليزيد بن خصيفة
مالك، عن يزيد بن خصيفة، عن عروة بن الزبير أنه قال:
سمعت عائشة زوج النبي -- تقول: قال رسول الله -حلقون لا
يصيب(3) المومن مصيبة حتى الشوكة إلا قص(4) بها أو كفر بها
من خطاياه لا يدري(5) أيهما قال عروة.(6)
(1) ظاهر المؤلف أن خصيفة والد يزيد دنية، والذي عند ابن حجر في التقريب وتهذيب التهذيب أن
خصيفة جد ليزيد وليس بوالد له دنية، قال : وزعم ابن عبد البر أنه ابن أخي السائب بن يزيد،
ومثله عند الزرقاني في شرحه على الموطأ 371/4.
(2) انظر تهذيب التهذيب 340/11.
(3) يصيب : أق و - وهو ما في التجريد والموطأ.
(4) قص بها : أق قص الله بها : ي.
(5) هكذا في سائر النسخ (لا يدري أيهما) والذي في التجريد ونسخ الموطأ (لا يدري يزيد أيهما) -
بزيادة (يزيد).
(6) الموطأ رواية يحيى ص 672 - حديث (1706) والحديث أخرجه مسلم في الأدب من طريق ابن
وهب، والنسائي عن قتيبة، كلاهما عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ ج 325/4
٠٫٠٠
~ 25 -

لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث في الموطأ، وتفرد فيه ابن
وهب فيه بإسناد آخر عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة عن
عائشة، وسائر أصحاب مالك يروونه عنه عن يزيد بن خصيفة كما
في الموطأ؛ ورواه هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة موقوفا، هكذا
حدث به عن هشام حماد بن سلمة، والدراوردي، ورواه يزيد بن
الهادي، عن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي حَلـ
مرفوعا، وهو مرفوع صحيح، وقد روي من حديث ابن شهاب عن
عروة، عن عائشة - مرفوعا، وفيه دليل على أن الذنوب تكفرها
المصائب والآلام والأمراض والأسقام، وهذا أمر مجتمع عليه - والحمد
لله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا
محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد، عن عمارة بن
عمير، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الوجع لا يكتب
به الأجر، وكان إذا حدثنا شيئا لم نسأله حتى يفسره لنا، قال: فكبر
ذلك علينا فقال: ولكن تكفر به الخطيئة.
- 26-

حديث ثان ليزيد بن خصيفة
مالك، عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد أخبره أنه
سمع سفيان بن أبي زهير وهو من ازدشنؤة من أصحاب رسول
الله -*- وهو يحدث ناسا معه عند باب المسجد فقال: سمعت
رسول الله - *- يقول: من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا
ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط، قال: أنت سمعت هذا من
رسول الله ؟ قال: إي ورب هذا المسجد.(7)
في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلب للزرع والماشية، وهو حديث
ثابت؛ وقد ثبت عنه أيضا * إباحة اتخاذه للصيد، فحصلت هذه
الوجوه الثلاثة مباحة بالسنة الثابتة، وما عداها فداخل في باب الحظر،
وقد أوضحنا ما في هذا الباب من المعاني في باب نافع من هذا الكتاب
- والحمد لله.
قال أبو عمر :
احتج بهذا الحديث ومثله من ذهب إلى إجازة بيع الكلب المتخذ
للزرع والماشية والصيد، لأنه ينتفع به (في ذلك، قال: وكل ما ينتفع
به)،(8) فجائز شراؤه وبيعه، ويلزم قاتله القيمة، لأنه أتلف منفعة أخيه.
(7) الموطأ رواية يحيى ص 688 حديث (1765) والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف،
ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 373/4.
(8) ما بين القوسين ساقط في أ ق، ثابت في وي - والمعنى يقتضيه.
- 27 -

وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في هذا الباب كله أيضا في باب ابن
شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي مسعود أن النبي .
صَل ◌َاللَّه
نهى عن ثمن الكلب، ولا معنى لتكرير ذلك ههنا.
-28 -
·

حديث ثالث ليزيد بن خصيفة
مالك، عن يزيد بن خصيفة أن عمرو بن عبد الله بن كعب
السلمي، أخبره أن نافع بن جبير أخبره عن عثمان ابن أبي
العاص أنه أتى رسول الله -8- قال عثمان: وبي وجع قد كاد
يهلكني، قال: فقال رسول الله -٤٤- امسحه بيمينك سبع مرات
وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، قال: فقلت ذلك،
فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بذلك أهلي ومن أطاعني.(9)
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة وجمهورهم عن مالك، وروته
طائفة عن مالك، عن يزيد بن خصيفة عن رجل أخبره أن نافع بن
جبير بن مطعم، أخبره أن عثمان بن أبي العاصي أتى رسول الله
ـر الله - الحديث.
في(10) هذا الحديث (دليل)(11) واضح على أن صفات الله غير
مخلوقة، لأن الاستعاذة لا تكون بمخلوق؛ وفيه أن الرقي يدفع البلاء
ويكشفه الله به، وهو من أقوى معالجة الأوجاع لمن صحبه اليقين
الصحيح، والتوفيق الصريح؛ وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وهو
رب العرش العظيم.
(9)) الموطأ رواية يحيى ص 673 حديث (1709) والحديث أخرجه الترمذي من طريق معن ابن
عيسى، عن مالك به، انظر الزرقاني على الموطأ 327/4.
(10) في: أ ق ي، وفي: و.
(11) كلمة (دليل) ساقطة في أ.
- 29 -

أخبرنا عبد الرحمان، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون،
حدثنا ابن وهب، قال أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال
أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان ابن أبي العاصي الثقفي
أنه شكا إلى رسول الله - # وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال
رسول الله - *: ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله
ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. (12)
(12) وأحاذر: أي، وأحْذّر: و - والعبارة برمتها ساقطة في ق.
- 30-

مالك عن يزيد بن رومان أبي روح
حديث واحد
ويزيد بن رومان هذا مولى الزبير بن العوام، كان أحد قراء أهل
المدينة، وكان عالما بالمغازي: مغازي رسول الله - ◌َل، وكان ثقة،
سكن المدينة، وبها كانت وفاته سنة ثلاثين ومائة.(1)
مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع
النبي - - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف - أن طائفة صفت معه
وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما
وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه(2) العدو؛ وجاءت
الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، (3) ثم
ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم صلى بهم. (4)
(1) انظر تهذيب التهذيب 11/ 325.
(2) وجاه بكسر الواو وضمها: مقابل.
(3)صلاته: أ ق ي، صلاتهم: و.
(4) الموطأ رواية يحيى ص 125 - حديث (441) - والحديث رواه البخاري عن قتيبة بن سعيد، ومسلم
عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به، انظر الزرقاني على الموطأ 370/1.
- 31 -

لم(5) يختلف عن(6) مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه، ورواه أبو
أويس عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن أبيه خوات بن
جبير - فذكر معناه.
ورواه عبد الله بن عمر، عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم
ابن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه مختصرا بمعناه.
ورواه شعبة، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن
خوات، عن سهل بن أبي خثمة - مرفوعا؛ ولم يختلف عن شعبة في
إسناده هذا، واختلف عنه في متنه على ما قد ذكرناه في باب نافع من
هذا الكتاب؛ وعند مالك فيه حديثه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم
ابن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي خثمة - موقوفا.
وإلى حديث مالك عن يزيد بن رومان المذكور في هذا الباب، ذهب
الشافعي - رحمه الله - وأصحابه في صلاة الخوف، وبه قال داود،
وهو قول مالك، إلا أن ابن القاسم ذكر عنه أنه رجع إلى حديث
القاسم بن محمد في ذلك، والخلاف منه (7) إنما هو في موضع واحد؛
وذلك أن الإمام عنده لا ينتظر الطائفة الثانية إذا صلى بها ركعة، ولكن
يسلم، ثم تقوم تلك الطائفة فتقضي لأنفسها؛ ذهب في ذلك إلى حديثه
عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن
سهل ابن أبي خثمة.
(5) لم: أ و ي، ولم: ق.
(6) عن: أ. على: ق و ي.
(7) كلمة (منه) ساقطة في أ.
- 32 -

قال ابن القاسم. كان مالك يقول: لا يسلم الإمام حتى تقوم
الطائفة الثانية فتتم لأنفسها، ثم يسلم بهم على حديث يزيد بن
رومان، ثم رجع إلى حديث القاسم بن محمد أن الإمام يسلم ثم تقوم
الطائفة الثانية فيقضون.
قال أبو عمر :
لأهل العلم أقاويل مختلفة ومذاهب متباينة في صلاة الخوف قد
ذكرناها وذكرنا الآثار التي بها نزع كل فريق منهم، ومنها: قال:
وإليها ذهب؛ وأوضحنا ذلك ومهدناه بحججه ووجوهه وعلله في باب
نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
وأما قوله: يوم ذات الرقاع، فهي غزاة معروفة عند جميع أهل
العلم بالمغازي، واختلف في المعنى الذي سميت به ذات الرقاع، فذكر
الأخفش عن أبي أسامة، عن يزيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن
أبي موسى، قال: خرجنا مع رسول الله 18 في غزاة، فكنا نمشي
على أقدامنا حتى نقبت، فكنا نشدها بالخرق ونعصب عليها العصائب،
فسميت غزوة ذات الرقاع. قال أبو بردة: فلما حدث أبو موسى بهذا
الحديث ندم، وقال: ما كنا نصنع بذكر هذا كأنه كره أن يذكر شيئا
من عمله الصالح. (8)
(8) أخرجه البخاري في صحيت. انظر فتح الباري 8/ 425.
التمهيدج٢٣
- 33 -

وقال غيره: إنما سميت ذات الرقاع، لأنهم رقعوا فيها راياتهم؛
والرايات دون البنود وفوق الطرادات إلى البنود ماهي. وقيل: كانت
أرضا ذات ألوان، وقيل: إن ذات الرقاع شجرة نزلوا تحتها وانصرفوا
يومئذ عن موادعة من غير قتال.(9)
(9) انظر سيرة ابن هشام بشرح الروض الأنف 253/3.
- 34 -

يزيد بن الهادي
وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي بن أخي عبد الله بن
شداد بن الهادي الليثي من أنفسهم، ويكنى أبا عبد الله، وكان أعرج؛
وهو أحد ثقات المحدثين بالمدينة، وتوفي بها في سنة تسع وثلاثين
ومائة.
روى عنه جماعة من الأئمة، منهم: مالك، والليث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال: سئل يحيى بن معين، عن يزيد بن الهادي
فقال: ثقة. (1) لمالك عنه من مرفوعات الموطأ ثلاثة أحاديث مسندة -
وبالله تعالى التوفيق.
(1) انظر تهذيب التهذيب 11 /339 _ 340.
- 35 -

حديث أول ليزيد بن الهادي
مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم
ابن الحرث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي
هريرة أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست
معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله -قد فكان
فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله -002#: خير يوم طلعت عليه
الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه،
(وفيه مات)(2)، وفيه تقوم الساعة؛ وما من دابة إلا وهي مصيخة
يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس - شفقا من
الساعة إلا الجن والإنس؛ وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم -
وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. قال كعب: ذلك في كل
سنة مرة. (3) فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة فقال:
صدق رسول الله - # قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي
بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو
أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله 2*ـ
يقول: لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام، أو
2 :
(2) جملة (وفيه مات) ساقطة في أ، ثابتة في باقي النسخ - والمعنى يقتضيها.
(3) مرة: أ ق و، يوم: ي وهو ما في التجريد والموطأ.
٥
- 36 -

إلى مسجدي هذا، أو إلى مسجد إيليا أو بيت المقدس يشك؛ قال أبو
هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب وما
حدثته في يوم الجمعة فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة مرة، قال:
قال عبد الله بن سلام: كذب كعب؛ فقلت: ثم قرأ كعب التوراة
فقال: بل هي في كل جمعة، قال عبد الله بن سلام: صدق كعب،
ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي، فقال أبو
هريرة: أخبرني بها ولا تضن علي، فقال عبد الله بن سلام: هي
آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت؛ كيف تكون آخر
ساعة في يوم الجمعة - وقد قال رسول الله/18: لا يصادفها
عبد مسلم وهو يصلي؟ وتلك الساعة لا يصلى فيها؛ فقال عبد
الله بن سلام: ألم يقل رسول الله -َـ من جلس مجلسا ينتظر
الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي، قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال:
فهو ذلك.(4)
قال أبو عمر :
لا أعلم أحدا ساق هذا الحديث أحسن سياقة من مالك عن يزيد بن
الهادي ولا أتم معنى منه فيه، إلا أنه قال فيه: بصرة بن أبي بصرة
ولم يتابعه أحد عليه، وإنما الحديث معروف لأبي هريرة: فلقيت أبا
(4)الموطأ رواية يحيى ص. 82 - 83، حديث (238).
- 37 -

بصرة الغفاري، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي أسامة عن أبي
هريرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري عن أبي هريرة -
كلهم يقول فيه: فلقيت أبا بصرة الغفاري، لم يقل واحد منهم: فلقيت
بصرة بن أبي بصرة كما في حديث مالك عن يزيد بن الهادي، وأظن
الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل يزيد بن الهادي - والله أعلم.
وفيه(5) من الفقه والعلم ضروب، فأما قوله: خرجت إلى الطور، فقد
بان في الحديث أنه لم يخرج إليه إلا تبركا به ليصلي فيه، ولهذا المعنى
لا يجب الخروج إلا إلى الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث، وعلى
هذا جماعة العلماء فيمن نذر الصلاة في هذه الثلاثة المساجد أو في
أحدها أنه يلزمه قصدها لذلك، ومن نذر صلاة في مسجد سواها،
صلى في موضعه ومسجده ولا شيء عليه، ولا يعرف العلماء غير
الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث: المسجد الحرام، ومسجد
الرسول، ومسجد بيت المقدس لا يجرى عندهم مجراها شيء من
المساجد سواها.
وقد روى محمد بن خالد الجندي عن المثنى بن الصباح عن عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلــ تعمل
الرحال إلى أربعة مساجد: إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصى، وإلى مسجد الجند.
(5) وفيه: أ، وفي هذا الحديث: وي - والعبارة برمتها ساقطة في ق.
- 38 -

قال أبو عمر :
هذا حديث منكر لا أصل له، ومحمد بن خالد الجندي والمثنى بن
الصباح متروكان، ولا يثبت من جهة النقل، والجند باليمن بلد طاوس.
قال أبو عمر :
من كانت له حاجة من حوائج دنياه إلى ناحية الطور، فليس
خروجه إلى ذلك من هذا في شيء. وأما قوله: فلقيت كعب الأحبار،
فكعب الأحبار هو كعب بن ماتع، يكنى أبا إسحاق من آل ذي رعين
من حمير؛ ذكر الغلابي عن ابن معين قال: هو كعب بن ماتع من ذي
هجر الحميري.
قال أبو عمر :
قيل: أسلم كعب الأحبار في زمن عمر بن الخطاب، وقيل: كان
إسلامه قبل ذلك، وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وكان من
أعلم الناس بأخبار التوراة، وكان حبرا من أحبار يهود ثم أسلم
فحسن إسلامه، وكان له فهم ودين، وكان عمر يرضي عنه وربما
سأله؛ وتوفي في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين قبل أن يقتل عثمان
بعام.(6)
وفيه الإباحة في الحديث عن التوراة لأهل العلم بها، وسماع ذلك
مباح ممن لا يتهم بالكذب، إلا أن الحكم في الحديث عن أهل الكتاب ما
(6) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 438/8 _ 440.
- 39 -

قد ذكرناه في آخر كتاب العلم،(7) فمن تأمل هذا المعنى هناك اكتفى إن
شاء الله.
وفيه أن خير الأيام يوم الجمعة، وهذا على الإطلاق والعموم، وفي
ذلك دليل على أن الأيام بعضها أفضل من بعض، ولكن الفضائل في
ذلك لا تعلم إلا بتوقيف، ولا تدرك بقياس.
وذكر موسى بن معاوية، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن
مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب الأحبار، قال: الصدقة يوم
الجمعة تضاعف.
قال: وحدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن هلال بن يساف،
عن كعب الأحبار، أنه قال في يوم الجمعة: إنه لتفزع فيه الخلائق كلها
إلا الجن والإنس، وإنه لتضعف فيه الحسنة، وإنه يوم القيامة. وفيه
الخبر عن خلق آدم وهبوطه إلى الأرض، وإنه قد تيب عليه من
خطيئته، وذلك والحمد لله ثابت بنص التنزيل الذي لا يجوز عليه
التحريف والتبديل، ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة.
وفيه دليل على إباحة الحديث عما يأتي ويكون، وهذا من علم
الغيب، فما كان منه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من
جهة الرسالة أو عمن أضاف إلى الله ذلك بخبر كتبه أو رسله، فذلك
جائز؛ وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد على حقيقة،
ونحن - وإن علمنا أنها تقوم يوم جمعة بهذا الحديث - فلسنا ندري
٠٧٠
(7) انظر ج 23/2 - 24.
- 40 -