النص المفهرس

صفحات 181-200

قال : وأما رواية سائر الرواة عن مالك في ذلك : واشترطي لهم الولاء،
فيحتمل أن يكون : اشترطي لهم الولاء، أي اشترطي عليهم الولاء أنه لك، أي
اشتريت وأعتقت، كقوله - عز وجل -: ﴿وان أسأتم فلها﴾(192) - بمعنى:
عليها، وكقوله: ﴿ ولهم اللعنة ﴾(193) - يعني عليهم اللعنة؛ قال : ويجوز أن
يكون معناه الوعيد كقوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم
بصوتك﴾(194).
قال أبو عمر :
ليس في حديث الشافعي عندنا من رواية المزني الا اشترطي بالتاء،
فالله أعلم.
وقال أبو بكر بن داود: قول رسول الله عَ له: اشترطي لهم الولاء، فإنما
الولاء لمن أعتق : - معلوم أنه لم يكن إلا بعد تحريم اشتراط الولاء، لأنه لا
يجوز في صفته ◌َ لّ أن يأمر بترك شيء ثم يخبر أنه لمن تركه بغير سبب
حادث من المتروك له، قال: وإنما معناه : اشترطي لهم الولاء، فإن اشتراطهم
اياه بعد علمهم بان اشتراطه لا يجوز غير ضائر لك، ولا نافع لهم؛ لأنه مَلّ أمر
باشتراط الولاء لهم ليقع البيع بينها وبينهم، فيبطل الشرط ويصح البيع وهم غير
عالمين بأن اشتراطهم ذلك لأنفسهم غير جائز لهم؛ لأن هذا مكر وخديعة لهم،
ورسول الله مؤهل أبعد الناس من أن يفعل ما ينهى عن فعله، أو يرضى لنفسه ما
لا يرضاه لغيره؛ وإنما كان هذا القول منه تهدداً لمن رغب عن حكمه وخالف
عن أمره وأقدم(195) على فعل ما قد نهى عن فعله، وتهاونا بالشرط إذا كان غير
192) الآية : 7 - سورة الاسراء.
193) الآية : 25 - سورة الرعد.
194) الآية : 64 - سورة الاسراء.
195) ويقدم : أ، وأقدم : و - وهي أنسب.
~ 181 -

نافع لمشترطه؛ قال الله - عز وجل - ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه
فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾(19)، والله عز وجل لم يجز
للمشركين كيد الأنبياء والمرسلين، ولا أباح لهم أن يكونوا بدعاء الأصنام
معتصمين؛ وإنما أعلمهم أن ذلك غير ضائر للمؤمنين، ولا نافع للمشركين؛ قال:
ومثله قوله تعالى ذكره : ﴿ قل ادعوا شركاء كم ثم كيدون فلا تنظرون ان
وليي الله الذي نزل الكتاب ﴾ (197) الآية.
وكذلك قول هود: ﴿فكيدوني جميعاً ثم لا تُنظِرون إني توكلت
على الله ربي وربكم)﴾(198) - الآية، وهذا ليس بأمر ولا إغراء، ولكنه تهاون
بكيدهم واستخفاف بتوعدهم، وإظهار لعجزهم؛ وذكر آيات كثيرة من هذا
الباب، وقال : هذا الباب مشهور في كلام العرب، يستعمله منهم من فلج
بحجته، وأمن من کید خصه.
قال المتلمس يهجو عمرو بن هند حين قتل طرفة بن العبد - يخبر أنه
غير خائف من توعده ولا جازع من تهدده.
(199) فإذا حللت ودون بيتي غارة فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد
قال : فليس هذا القول أمرا منه له بالدوام على تهدده، ولا نهيا له عن
الإقامة على تخويفه وتوعده؛ وإنما هو إعلام أن إيعاده غير ضائر له، وأن
مکائده غير لا حقة به.
قال : وكذلك قوله : ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك،
وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد
وعدهم ﴾، ثم قال: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾(200). فهذا كله داخل
196) الآية : 56 - سورة الإسراء.
197) الآية : 196 - سورة الأعراف.
198) الآية : 55 - سورة هود.
199) فإذا : أ، وإذا : و.
200) الآيتين : 44 - سورة الحجر، و65 سورة الاسراء.
- 182 -

في باب التهاون وللتحذير، خارج من باب الإباحة والتقويص، ومن معنى
الأغوار والتحريض: لأنه قد أخبر - عز وجل - أن فعله ذلك غير ضائر لمن
تولاه من عباده وأحب هدايته، وأنه لا سلطان له عليهم، وكفى بربك وكيلا.
أخبرنا محمد، حدثنا علي، حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد،
وأبو سهل بن زياد، وعثمان بن أحمد الرقاق: قالوا : حدثنا إسماعيل بن إسحاق،
قال حدثني أبو ثابت، قال حدثني عبد الله بن وهب، قال أخبرني مالك - أنه
سأل ابن شهاب عن رجل خطب على عبده وليدة قوم، واشترط أن ما ولدت
الأمة من ولد فلي شطره وقد أعطاها العبد مهرها، قال ابن شهاب : هذا من
الشرط الذي لا نرى له جوازا؛ قال : وقال ابن شهاب : أخبرني عروة بن الزبير
أن عائشة قالت: قام رسول الله - صَ لّ - فخطب الناس فقال: يا معشر
المسلمين، ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا
ليس في كتاب الله - وإن كان شرط مائة شرط: فليس له شرطه. شرط الله
أحق وأوثق.
قال أبو الحسن : هذا حديث صحيح غريب من حديث مالك، تفرد به
إسماعيل بن إسحاق، عن أبي ثابت.
قال أبو عمر :
وفي هذا الحديث أيضا : دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج ليس
بطلاق لها، لأن العلماء قد أجمعوا - ولم تختلف في ذلك الآثار أيضا - أن
بريرة كانت إذ اشترتها عائشة ذات زوج، وإنما اختلفوا في زوجها هل كان
حرا أو عبدا ؟ وقد أجمع علماء المسلمين على أن الأمة إذا أعتقت - وزوجها
عبد - أنها تخير؛ واختلفوا إذا كان زوجها حرا، هل تخير أم لا ؟ وقد ذكرنا
اختلافهم في ذلك كله وفي حكمها إذا. خيرت وحكم فرقتها وعدتها، وسائر
- 183 -

معانيها، وحجة كل فرقة منهم في باب ربيعة من هذا الكتاب(207) - والحمد
لله؛ وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها بعد أن اشترتها عائشة
فأعتقتها، خيرها النبي - مَ ◌ّ - بين أن تقر عند زوجها، وبين أن يفسخ
نكاحها؛ وفي تخييره لها في ذلك دليل على أن بيع الأمة ليس بطلاقها، لأن
بيعها لو كان طلاقا، ما خيرت وهي مطلقة؛ وعلى القول بأن بيع الأمة ليس
بطلاقها - جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وجمهور السلف.
وقد روي عن بعضهم أن بيع الأمة طلاقها، وممن روي ذلك عنه ابن
مسعود، وابن عباس.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمه الله - في فتوى ابن
عباس - رضي الله عنه - : إن بيع الأمة طلاقها - مع روايته لقصة بريرة، وتخيير
رسول الله - تعٍ - إياها بعد البيع والعتق، وشهادته أنه رأى زوجها يتبعها في
سكك المدينة؛ - دليل على أن المخبر عن النبي - مؤلفه - بالخبر وإن كان
فقيها عالما مبرزا، قد يعزب عنه بعض دلائل الخبر الذي رواه عن النبي -عالية.
؛ لأن ابن عباس قد عزب عنه مع علمه وفهمه وفقهه - موضع الاستدلال بذلك،
إذا كان يقول: بيع الأمة طلاقها؛ قال: ومن هذا الباب قول النبي - خلّ -:
نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها لمن لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى له
من سامع(202).
وروى ابن سيرين هذا الخبر وقال : قد والله كان ذلك : رب مبلغ كان
أوعى للخبر من سامعه.
201) انظر ج 3 / 56 - 57.
202) أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجه من حديث ابن مسعود.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 6 / 283.
- 184 -

وفيه أيضا دليل على أن من شأن الخطبة أن يقال فيها : أما بعد، وقد
اختلف في قول الله - عز وجل -: ﴿وآتيناه الحكمة وفصْل
الخطاب﴾(203) : فقال قوم : فصل الخطاب : أما بعد.
وقال آخرون : فصل الخطاب البينات والشهود ومعرفة القضاء.
وفيه أيضا أن النبي - ◌َيو - أجاز بيع بريرة على ذلك الشرط الفاسد،
وهو اشتراط موالي بريرة لأنفسهم الولاء دون عائشة - وهي المعتقة؛ وهذا
خلاف قول من زعم أن البيع يفسد إذا كان فيه شرط فاسد؛ وفي إجازة النبي
- وَجّ - البيع وشرط العتق معا وإبطاله شرط الولاء لغير المعتقة، دليل على أن
من الشروط ما يبطل ولا يلزم، ولا يضر البيع؛ والشروط في البيع على وجوه
ثلاثة، أحدها مثل هذا فاسد ولا يبطل البيع لبطلانه، بل يصح البيع ويبطل
الشرط؛ والآخر يجوز اشتراطه فيجوز البيع والشرط معا، والثالث قد يكون في
البيع شروط يكون البيع معها فاسدا، ولبيان ذلك وبسطه وتلخيصه موضع غير
هذا.
أخبرنا خلف بن القاسم، وعبد الله بن محمد بن أسد، قالا حدثنا محمد
ابن عبد الله بن أشته الأصبهاني المقرئ، قال أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد
الصحاف، قال حدثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير، قال حدثنا محمد بن
سليمان الذهلي، قال حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : قدمت مكة، فوجدت
بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة فقلت : ما تقول في
رجل باع بيعا وشرط شرطا ؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن
أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته
فقال : البيع جائز والشرط جائز: فقلت : يا سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق
اختلفتم في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال : لا أدري ما قالا،
203) الآية : 20 ـ ــورة ص.
- 185 -

حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صَ لّ - نهى عن بيع
وشرط، البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال : لا
أدري ما قال، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : أمرني رسول
الله - وَّامٍ - أن أشتري بريرة فأعتقها وإن أشترط أهلها الولاء، فإنما الولاء لمن
أعتق، البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال : ما أدري
ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله
قال: بعت من النبي - مُ ◌ّ - ناقة وشرط لي حلابها أو ظهرها إلى المدينة،
البيع جائز والشرط جائز.
قال أبو عمر :
كان ذلك من رسول الله - عليه - مع جابر في غزوة ذات الرقاع، وذلك
سنة أربع من الهجرة؛ كذلك ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن جابر،
قال: خرجت مع رسول الله - مخ لل - إلى غزوة ذات الرقاع، وذكر الحديث في
شرائه منه جمله، ولم يذكر أنه اشترط عليه فيه شيئا، واضطراب ألفاظ الناقلين
لخبر جابر في ذلك كثير.
وأما قوله : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، فمعناه: كل شرط
ليس في حكم الله وقضائه في كتابه أو سنة رسوله - طائر -؛ لأن الله قد قرن
طاعة رسوله بطاعته في آيات كثيرة من كتابه، وقال الله - عز وجل - :
﴿كتاب الله عليكم﴾(204) - يريد : حكم الله عليكم وقضاؤه فيكم أن حرم
عليكم ما ذكر في تلك الآية. وقد أخبر النبي - ◌َ ة - أن قضاء الله وشرطه أن
يكون الولاء لمن أعتق، ولا يعلم في نص كتاب الله، ولا في دلالة منه - أن
الولاء للمعتق، وإنما ذلك في سنة رسول الله المأثورة عنه بنقل أهل العدالة من
جهة الخبر الخاص.
204) الآية : 24 - سورة النساء.
- 186 -

وأما أمر الله - عز وجل - باتباع رسوله - الخلل - جاز أن يقال: لكل
حكم حكم بعد رسول الله - بيع - حكم الله وقضاؤه، ألا ترى إلى حديث
الزهري عن عبيد الله، عن أبي هريرة؛ وزاد ابن خالد الجهني في الرجلين
اللذين أتيا رسول الله - ◌َيج - فقالا: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله،
فقال رسول الله - ◌َجية -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: أما
المائة شأة والخادم، فرد عليك؛ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقد أقسم
رسول الله - حجج - أن يقضي بينهما بكتاب الله، وهو صادق في قوله - عليه -
وليس في كتاب الله أن على الزاني والزانية نفي سنة مع الجلد، ولا فيه أن
على الثيب الرجم، وهذه الأحكام كلها إنما هي في سنة رسول الله - سعد اته ..
وفيه أيضا دليل على أن الشروط - وإن كثرت حتى تبلغ مائة شرط أو
أكثر أنها جائز اشتراطها إذا كانت جائزة لا يردها كتاب ولا سنة، ولا ما كان
في معناهما؛ ألا ترى إلى قوله : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل .
وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.
وفي قوله: إنما الولاء لمن أعتق، نفي أن يكون الولاء إلا لمعتق، وذلك ينفي
أن يكون لمن أسلم على يديه ولاء، أو للملتقط ولاء، وأن يوالي أحد أحدا بغير
عتاقة؛ وقوله لمن أعتق يدخل فيه الذكر والأنثى والواحد والجميع، لأن من
يصلح لذلك كله إلا أن النساء ليس لهن من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو عتيقه؛
وقد ذكرنا كثيرا من أحكام الولاء مستوعبة ممهدة في باب ربيعة من هذا
الکتاب، فلا وجه لتکریر ذلك ههنا.
وفيه أيضا دلالة على أن المكاتب إذا بيع للعتق برضى منه بعد الكتابة،
وقبض بائعه، لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا، وسواء باعه لعتق أو لغير
عتق؛ وليس ذلك کالسيد يؤدي مكاتبه إليه كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من
آخرها نجما أو ما شاء على ما أمر الله - عز وجل - به في قوله: ﴿وآتوهم
-187 -

من مال الله الذي آتاكم﴾(205)، لأن النبي - اللّ - لم يأمر موالي بريرة
بإعطائها مما قبضوا شيئا، وإن كانوا قد باعوها للعتق.
واختلف أهل العلم في معنى قول الله - عز وجل -: ﴿وآتوهم من مال
الله الذي آتاكم﴾، فذهبت طائفة من أهل العلم. وهو قول بعض أهل النظر
من متأخري أصحاب الشافعي إلى أن قوله - عز وجل -: ﴿وآتوهم من مال
الله﴾ - لم يرد به سيدي المكاتبين، وإنما هو خطاب عام للناس، مقصود به
إلى من آتاه الله مالا تجب فيه زكاة؛ فأعلم الله عباده أن وضع الزكاة في العبد
المكاتب جائز وإن كان لا يؤمن عليه العجز، وخصه من بين سائر العبيد
بذلك، فجعل للمكاتبين حقا في الزكوات بقوله: ﴿وفي الرقاب﴾(206)،
قالوا : وهذا هو الوجه الذي يجب الاعتماد عليه في الإيتاء المذكور في الآية،
لأن وضع بعض الكتابة لا تسميه العرب إيتاء، والإيتاء هو إعطاء ما تتناوله
الأيدي بالدفع والقبض، هذا هو المعروف عند أهل اللسان؛ قالوا (207) : ولو أراد
الوضع عن المكاتب، لقال: ضعوا عنهم أو فأعينوهم(208) به، بل هو من مال غير
الكتابة؛ ومعروف في نظام(209) القرآن أن يسبق بضمير على غيره كما قال :
﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تَعضلوهن ﴾(210)، والمأمور بترك
العضل: الأولياء لا المطلقون، ومثله قوله: ﴿أولئك مبرؤون مما
يقولون﴾(211)، والمبرؤون غير القائلين، وهذا كثير في القرآن.
205) الآية : 33 - سورة النور.
206) الآيتين : 177 - سورة البقرة، و60 سورة التوبة.
207) قال : أ، قالوا : و. وهي أنسب.
208) فأعينوهم : ١، فأخروهم : و،
209) نظام : أ، نظائر: و.
210) الآية : 232 - سورة البقرة.
211) الآية : 26 - سورة النور.
- 188 -

وقال مالك والشافعي : هو أن يوضع عن المكاتب من آخر
كتابته شيء؛ قال مالك : وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف درهم من
خمسة وثلاثين ألفا، وكان مالك يرى هذا ندبا واستحسانا (212)
ويستحبه، ولا يجبر عليه ولا يوجبه. وكان الشافعي يوجبه ولا
يجد فيه حدا، وكانا جميعا يستحبان أن يوضع عنه من آخر الكتابة
ربعها، وهو قول الثوري وإسحاق بن راهويه في استحباب الوضع
من الكتابة، وكان الشافعي يرى أن يجبر السيد على أن يضع من
آخرها ولا يجد.
وقال قتادة : يوضع عنه عشر الكتابة.
وروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس في قوله - عز وجل - :
﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)، قال : الربع من كتابته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : ليس على السيد أن يضع عن مكاتبه شيئا من
كتابته، وتأويل قول الله - عز وجل - عندهم: ﴿وآتوهم من مال الله الذي
آتاكم﴾، على الندب والحض على الخير لا على الإيجاب.
وممن روي عنه أن الأمر بالإيتاء ندب وحض : بريدة الأسلمي، والحسن
البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري؛ وكان داود بن علي يرى الكتابة
فرضا إذا ابتغاها العبد وعلم فيه الخير؛ وكان يرى الإيتاء أيضا فرضا من غير
حد، ولا يرى وضع آخرها من هذا المعنى.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على إباحة تسجيع الكلام فيما يجوز
وينبغي من القول، وذلك بيان لقوله في تسجيع الأعرابي : إنما هو من إخوان
الكهان؛ وقد مضى هذا المعنى مجودا في باب ابن شهاب من هذا الكتاب،
ومضى اذكر الولاء واختلاف العلماء في أحكامه في باب(213) ربيعة - والحمد الله.
212) استحانا : أ، استحبابا : و.
213) انظر ج 3 / 60 - 86.
- 189 -

حديث رابع وعشرون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : لما قدم
رسول الله - 24 - المدينة، وعك أبو بكر وبلال، قالت : فدخلت
عليهما فقلت : يا أبت (214) كيف تجدك ؟ ويا بلال، كيف تجدك ؟
قالت : فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول :
بواد - وحولي إذخر وجليل
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
وهل أردن يوما مياه مجنة (215)
قالت عائشة: فجئت رسول الله - عَ لّ - فأخبرته، فقال : اللهم
حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في
صاعها ومدها، وانقل حُمّاها واجعلها في الجحفة (216).
وأما قوله : إذخر وجليل، فهما نبتان من الكلأ طيبا الرائحة يكونان
بمكة وأوديتها، لا يكادان يوجدان بغيرها؛ وشامة وطفيل جبلان بمكة، وقيل
أحدهما بجدة، وقيل بوادي فخ.
214) في الموطأ (يا أبت).
215) مجنة - بفتح الميم والجيم وتشديد النون: اسم موضع بمر الظهران على نحو بريد من مكة.
انظر معجم البلدان (مجنة) ج 5 / 58. 59.
216) الموطأ رواية يحيى ص 642 - حديث (1606) - والحديث أخرجه البخاري عن أسماعيل،
وعن عبد الله بن يوسف، وقتيبة، ثلاثتهم عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 4 / 231.
- 190-

لم يختلف رواة الموطأ فيما علمت عن مالك في إسناد هدا الحديث ولا
في متنه، ولم يذكر مالك فيه قول عامر بن فهيرة، وسائر رواة هشام يذكرونه
عنه فيه بهذا الإسناد. وذكره مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، قال : قالت
عائشة : وكانَ عامر بن فهيرة يقول :
قد رأيت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
ورواه ابن عيينة ومحمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة، فجعل الداخل على أبي بكر وبلال وعامر رسول الله - عَ ال - لا عائشة،
وقد تابع مالكا على روايته في ذلك سعيد بن عبد الرحمان التحرومي : أخبرنا
عبد الرحمان بن يحيى، قال حدثنا علي بن محمد، قال حدثنا أحمد بن داود،
قال حدثنا سحنون، قال حدثنا ابن وهب، قال أخبرني سعيد بن عبد الرحمان
عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله - عز لة -
المدينة وعك أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة، قالت : فدخلت عليهم وهم في
بيت، فقلت : يا أبت، كيف تجدك ؟ يا بلال، كيف تجدك ؟ يا عامر كيف
تجدك ؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
ويقول عامر بن فهيرة :
قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
وكان بلال إذا أقلع(217) عنه، يرفع عقيرته فيقول :
ألا ليت شعري - فذكر البيتين.
والحديث إلى آخره كرواية مالك سواء، إلا أنه ذكر فيه قول عامر بن
فهيرة - كما ترى - وجعل الداخل عليهم عائشة.
217) أقلع : أ، رفع : و.
- 191 -

وأما حديث ابن عيينة، فحدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان،
قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : لما دخل رسول الله
- مَّةٍ - المدينة حم أصحابه، قالت : فدخل رسول الله - على أبي بكر يعوده،
فقال : كيف تجدك يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر :
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
قالت : ودخل على عامر بن فهيرة فقال : كيف تجدك ؟ فقال(218) :
وجدت طعم الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كالثور يحمي جلده بروقه(219)
قالت : ودخل على بلال فقال : كيف تجدك ؟ فقال :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بفخ وحولي إذخر وجليل
وربما قال سفيان بواد :
وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
(220)فقال رسول الله -: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك، دعاك لأهل
مكة، وأنا عبدك ورسولك، أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل
مكة؛ اللهم بارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، وبارك لنا في مدينتنا.
قال سفيان: وأراه قال: وفي فرقنا (221)، اللهم حببها إلينا ضعفي ما حببت
إلينا مكة أو أشد وصححها، وانقل وباءها إلى خم (222) أو الجحفة (223).
218) فقال: أ، فقال أيضا : و.
219) الروق - بالفتح : القرن.
220) في مسند الحميدي قال : فقال رسول الله - بزيادة (قال).
221) الفرق : اناء معروف.
222) خم - بضم الخاء : واد.
223) انظر مسند الحميدي ج 1 / 109 - 110 - حديث (223).
- 192 -

هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث أن رسول الله - عمان - هو كان
الداخل على أبي بكر وعلى بلال وعامر بن فهيرة يعودهم، وهو كان المخاطب
لهم، وشك في قول بلال في البيت الذي أنشده بفخ أو بواد.
وروى ابن إسحاق هذا الحديث عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن
عائشة - بمثل رواية ابن عيينة - سواء - في المعنى، إلا أنه قال بفخ من غير
شك، ولم يقل بواد.
قال الفاكهي : وفخ : الوادي الذي بأصل الثنية البيضاء إلى بلدح.
قال أبو عمر :
وهو قرب ذي طوى وإياه عنى الشاعر النميري حيث قال :
به زينب في نسوة خفرات
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت
يلبين للرحمان معتمرات
مرون بفخ رائحات عشية
ونعمان وادي عرفات. وقال آخر :
ماذا بفخ من الإشراق والطيب ومن حوار تقيات رعابيب
وأما قول ابن عيينة : وانقل وباءها إلى خم أو الجحفة شك، فإن خم أيضًا
من الجحفة قريب.
وقال ابن إسحاق في حديثه : وانقل وباءها إلى مهيعة - وهي الجحفة.
وقد روى ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر،
قال: سمعت النبي - صل ◌ّ - يقول: رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الشعر
تفلة، أخرجت من المدينة فأسكنت مهيعة (224)، فأولتها وباء المدينة ينقلها الله
224) مهيعة - بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء : أرض عظيمة بالجحفة.
- 193 -
التمهيدج٢٢

إلى مهيعة (225)، وفي هذا الحديث بيان ما هو متعارف حتى الآن من تنكر
البلدان على من لم يعرف هواها، ولم يغذ بمائها. وفيه عيادة الجلة السادة
لإخوانهم ومواليهم الصالحين، وفي فضل العيادة آثار كثيرة قد وقعت في
مواضعها من هذا الكتاب.
وفيه سؤال العليل عن حاله بكيف تجدك، وكيف أنت ونحو ذلك.
وفيه أن إشارة المريض إلى ذكر ما يجد ليس بشكوى، وإذا جاز استخبار
العليل جاز إخباره عما به ومن رضي فله الأجر والرضى، ومن سخط فله السخط
والبلوى.
وفيه إجازة إنشاد الشعر والتمثل به واستماعه، وإذا كان رسول الله - ما الفتح
- يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا ؟ وما
استنشده رسول الله - مخلل - وأنشد بين يديه أكثر من أن يحصى، ولا ينكر
الشعر الحسن أحد من أولي العلم ولا من أولي النهى. قال آخر(226) :
ماذا بفخ من الإشراق والطيب ومن حوار تقيات رعابيب
وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر
وتمثل به، أو سمعه فرضيه؛ وذلك ما كان حكمة أو مباحا من القول، ولم يكن
فيه فحش ولا خنى، ولا لمسلم أذى؛ فإن كان ذلك فهو والمنشور من الكلام
سواء، لا يحل سماعه ولا قوله.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا ابن الأعرابي، قال حدثنا
الزعفراني، حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن
225) أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 4 / 10.
226) في أ : الراجز، ولعل الصواب ما أثبته.
٤
- 194 -
۔
:

أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - بيع - على المنبر يقول: أصدق أو أشعر
كلمة قالتها العرب قول(227) البيد :
ألا كل شيء ماخلا الله باطل
وروینا من وجوه عن ابن سيرين - وكان من الورع بمنزلة ذهبت مثلا -
أنه أنشد شعرا، فقال له بعض جلسائه : مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر ؟ فقال :
ويلك يا لكع، وهل الشعر، إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي،
فحسْنه حسن، وقبيحه قبيح. قال: وقد كانوا يتذاكرون الشعر، قال :
وسمعت(228) ابن عمر ينشد :
ويكره أن تفارقه الفلوس
یحب الخمر من مال الندامی
حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سعيد بن السكن، حدثنا محمد بن
يوسف، حدثنا البخاري، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال
أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمان أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمان
ابن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله ٹے
قال : إن من الشعر حكمة(229). وقد كان لرسول الله الجائلل شعراء يناضلون عنه
ويردون عنه الأذى، وهم : حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن
رواحة، وفيهم نزلت : ﴿الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾(230)، لأَنه لما
نزلت : ﴿والشعراء يتْبعهم الغاؤون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون،
وأنهم يقولون مالا يفعلون﴾(231) جاءوا الى رسول الله الخير فقالوا: يارسول
227) كلمة : أ، قول : و - وهي أنسب.
228) وسمعت: أ، وسمعوا: و.
229) أخرجه الجماعة، انظر الفتح الكبير 1 / 419.
230) الآية : 227 - سورة الشعراء.
231) الآيات : 224 - 226 - من نفس السورة.
- 195 -

دارارتداً: راة خطابا
الله، قد أنزل الله هذا (في)(232) الشعراء، فنزلت: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وذكروا الله كثيرا﴾ فقال رسول الله يؤهل أنتم هم ﴿وانتصروا
من بعد ما ظلموا﴾(233). قال رسول الله }: أنتم هم. وفي هذا دليل على
أن الشعر لا يضر من آمن وعمل صالحا وقال حقا، وأنه كالكلام المنثور، يؤجر
منهٍ الفوفا علية ما يؤجر منه، ويكره له منه ما يكره منه- والله أعلم.
قال أبو عمر: لها.
وأما قوله لائل لأن يمتلىء جوف أحدكم فيحاً خير من أن يمتلىء
شعرا(234). فأحسن ما قيل في تأويله - والله أعلم -: أنه الحذيّ قد غلب الشعر
عليه فامتلاً ضدره منه دون علم سواء، ولا شيء من الذكر غيره ممن يخوض به
في الباطل، وينك به مشالك لا تحمد له، كالمكثر من الهذرة واللغطء والغينية».
وقبيح القول، ولا يذكر الله كثيرا؛ وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما
قلت منه. ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين، والشعبي، ومن قبال بقولهما من
العلماء: الشعر كلام فحسنه حسن، وقبيحة قبيح - أنه قول صحيح - وبالله
التوفيق.
". وأما قوله في حديث مالك: فرفع بلال عقيرته، فمعناه: رفع بالشعر
صوته كالمُتغنى بها ثرنما، وأكثر ما تقول العرب: رفع عقيرته لمن رفع بالغناء
صوته: أمثلة
m.
وفي هذا الحديث دليل على أن رفع الصوت بإنشاد الشعر مباح، ألا ترى
أن رسول الله پاے، لم ینکر علی بلال رفع عقيرته بالشعر، وکان بلال قد حمله
على ذلك شدة تشوقه إلى وطنه، فجرى في ذلك على عادته؛ فلم ينكر رسول
232) كلمة (في) ساقطة في أ، ثابتة في و- والمعنى يقتضيها.
233) الآية : 227 - من السورة نفسها، ومرت الإشارة إليها آنفا ...
234) أخرجه الجماعة، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 5 / 259.
~ 196-

الله - عٍَّ - (عليه)،(235) وهذا الباب من الغناء قد أجازه العلماء، ووردت الآثار
عن السلف بإجازته، وهو يسمى غناء الركبان، وغناء النصب، والحداء؛ هذه
الأوجه من الغناء لا خلاف في جوازها بين العلماء.
روى ابن وهب عن أسامة، وعبد الله ابني زيد بن أسلم، عن أبيهما: زيد
ابن أُسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال : الغناء من زاد الراكب، أو قال :
زاد المسافر.
أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن
جرير، قال حدثنا اسماعيل بن موسى الفزاري، قال أخبرنا سفيان بن عيينة، عن
هشام بن عروة عن أبيه قال : قال عمر : نعم زاد الراكب الغناء نصبا.
وأخبرنا أحمد، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وهب بن جرير، حدثني
أبي، قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان، عن عبيد(236)
الله بن عبد الله، قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرته - رافعا
عقيرته يتغنى؛ قال وحدثنا ابن بشار، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج،
قال : قال ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز - أن محمد بن نوفل أخبره أنه
رأى أسامة بن زيد واضعا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى النصب.
وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة أن أباه أخبره أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعا عقيرته يتغنى -
قال عبد الله بن عتيبة لا والله ما رأيت رجلا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم.
وقد ذكر أهل الأخبار أن عمر بن الخطاب أتى دار عبد الرحمان بن
عوف فسمعه يتغنى بالركبانية :
وكيف توائي بالمدينة بعدما قضَى وطّرا منها جميل بن معمر
235) كلمة (عليه) ساقطة في النسختين - والمعنى يقتضيها.
236) عبيد الله: أ، عبد الله: و- وهو تحريف ظاهر.
- 197 -
.
٠

هكذا ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار، وذكره المبرد مقلوبا: أن عبد
الرحمان سمع ذلك من عمر، والصواب ما قاله الزبير - والله أعلم.
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير،
حدثني أبو السائب، حدثنا ابن ادريس، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عن
الحداء، والشعر، والغناء؛ قال ابن ادريس يغني غناء الركبان، فقال : لا بأس به
مالم يكن فحشا، وقد كان رسول الله - هو - يحدأ له في السفر. روي ذلك
من حديث ابن مسعود وابن عباس.
وروى شعبة عن ثابت البناني عن أنس قال: كان رسول الله - صَ لّ - في
مسیر ومعهم حاد وسائق.
حدثنا أحمد بن محمد قراءة مني عليه أن أحمد بن الفضل بن العباس
حدثهم، قال حدثنا محمد بن جرير بن یزید، قال حدثنا مجاهد بن موسى، قال
أخبرنا يزيد، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك،
قال : كان البراء جيد الحداء، وكان حادي الرجال؛ وكان الجثمة يحدو
بالنساء؛ فحدا ذات ليلة فأعنقت الإبل، فقال رسول الله - عَلَّم - : ويحك
يانجشة رويدا سوقك بالقوارير، وقد حدا به - ق2 - عبد الله بن رواحة،
وغامرٍ ابن سنان، وجماعة؛ فهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء إذا كان الشعر
سالما من الفحش والخنى.
وأما الغتاء الذي كرهه العلماء، فهذا الغناء بتقطيع حروف الهجاء، وإفساد
وزن الشعر والتمطيط به طلبا للهو والطرب، وخروجا عن مذاهب العرب؛
والدليل على صحة ما ذكرنا : أن الذين أجازوا ما وصفنا من النصب والحداء
هم كرهوا هذا النوع من الغناء، وليس منهم من يأتي شيئا، وهو ينهى عنه.
-198-

روى(237) شعبة، وسفيان، عن الحكم، وحماد، عن ابراهيم، قال: قال عبد
الله بن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب.
وروى ابن وهب عن سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، أنه سمع عبيد
الله بن عبد الله بن عمر يقول القاسم بن محمد: كيف ترى في الغناء ؟ فقال
القاسم : هو باطل، قال : قد عرفت أنه باطل، فكيف ترى فيه ؟ قال القاسم :
أرأيت الباطل أين هو ؟ قال : في النار، قال : فهو ذاك !
وروي من حديث أنس، وحديث عبد الرحمان بن عوف عن
النبي - مَاف - أنه قال: معنى ما أقول لك صوتان ملعونان فاجران، أنهى
عنهما : صوت مزمار، ورنة شيطان عند نغمة ونوح ورنة عند مصيبة، ولطم
وجوه، وشق جيوب، فهذا ما أتى في كراهية الغناء، وقد أتى ما هو أثبت من
هذا من جهة الإسناد في خصوص الرخصة في ذلك في الأعياد والإملاك خاصة.
روى ابن شهاب، وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة - أن أبا بكر
دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان في يوم عيد، أو في أيام منى - ويضربان
بالدف - ورسول الله - مخلل - يسمع ذلك ولا ينهاهما؛ فانتهرهما أبو بكر فقال
رسول الله - ◌َّ - : دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.
وفي كلا الوجهين آثار عن السلف كثيرة تركت ذكرها، لأن مدار الباب
كله على ما أوردنا فيه - والله أسأله العصة والتوفيق.
وقد رويت الرخصة في الألحان التي تعرفها العرب، ورفع العقيرة بها
دون ألحان الأعاجم المكروهة عن جماعة من علماء السلف، لو ذكرناهم لطال
الكتاب بذكرهم، وحسبك منهم بسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين - وهما
ممن يضرب المثل بهما ! ذكر وكيع محمد بن خلف، قال حدثني عبد الله بن
سعد، قال حدثني الحسن بن علي بن منصور، قال أخبرني أبو عتاب، عن
237) روی : أ، وروى : و.
- 199 -

ابراهيم بن محمد بن العباس المطلبي - أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة
مكة، فسمع الأخضر الحدى يتغنى في دار العاصي بن وائل(238) :
تضوع مسكا بطن نعمان ان مشت به زينب في نسوة خفرات
فضرب سعيد برجله - وقال : هذا والله ما يلذ استماعه ! ثم قال :
وليست كأخرى أوسعت جيب درعها وأبدت بنان الكف بالجمرات
وعلت بنان المسك وحفا مرجلا على مثل بدر لاح في ظلمات
وقامت ترائي يوم جمع فأفتنت برؤيتها من راح من عرفات
قال : فكانوا يرون أن هذا الشعر لسعيد بن المسيب.
قال أبو عمر :
يحفظ لسعيد أبيات كثيرة، وتمثل أيضا بأبيات لغيره كثيرة وليس هذا
في شعر النميري، والذي حفظناه من شعر النميري ورويناه ليس فيه هذه
الأبيات، فهي لسعيد - والله أعلم.
والنميري هذا ليس هو من بني نمير، إنما هو ثقفي، وهو محمد بن عبد
الله نسب إلى جده.
وروى قتيبة بن سعيد، عن أبي بكر بن شعيب بن الحجاب المعولي، عن
أبيه قال : كنت عند ابن سيرين، فجاءه إنسان يسأله عن شيء من الشعر قبل
صلاة العصر، فأنشده ابن سيرين :
كأن المدامة والزنجبيل وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها إذا النجم وسط السماء اعتدل
238) في و- زیادة (وهو يقول).
.:
- 200 -