النص المفهرس

صفحات 121-140

حديث ثامن لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - قالت : صلى
رسول الله - شرق - وهو شاك(57) - فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم
قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا؛ فلما انصرف، قال : إنما جعل الإمام
ليؤتم به؛ فإذا ركع، فاركعوا؛ وإذا رفع، فارفعوا؛ وإذا صلى جالسا،
فصلوا جلوسا (58).
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث - مستوعبا مهذبا في باب ابن
شهاب عن أنس من هذا الكتاب، وقد روى هشام بن عروة عن أبيه - مرسلا في
رواية مالك، ومسندا في رواية غيره، نسخ هذا المعنى في الصلاة جالا
للصحيح خلف الإمام الجالس العليل، وسيأتي في بابه من هذا الكتاب - إن شاء
الله.
حديث تاسع لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أنها أخبرته
أنها لم تر رسول الله - ش ◌ّ - يصلي صلاة الليل، قاعدا قط حتى
أسن، فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من
ثلاثين أو أربعين آية، ثم ركع(59).
57) من الشكاية - يعني المرض.
58) الموطأ رواية يحيى ص 97 - حديث (302) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
يوسف، وقتيبة واسماعيل، وأبو داود عن القعنبي عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 279.
59) الموطأ رواية يحيى ص 98 - حديث (307) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
یوسف عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 282.
- 12] -

٠
في هذا الحديث ما كان عليه رسول الله - عز ◌ّةٍ - من الصبر على الصلاة
بالليل، وفيه إباحة صلاة النافلة جالسا، وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه؛
وفيه رد على من أبى من أن يكون المصلي يصلي النافلة بعضها جالسا وبعضها
قائما، والذي عليه جمهور الفقهاء فيمن افتتح صلاة النافلة قاعدا - أنه لا بأس أن
يقوم فيها ويقرأ بما أحب على ما في هذا الحديث وشبهه.
واختلفوا فيمن افتتحها قائما ثم قعد، فقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة،
والشافعي : يجوز أن يقعد فيها كما يجوز له أن يفتتحها قاعدا.
وقال الحسن بن حي، وأبو يوسف ومحمد : يصلي قائما ولا يجلس إلا
من ضرورة، لأنه افتتحها قائما. وقال ابن جريج : قلت لعطاء : استفتحت
الصلاة قائما فركعت ركعة وسجدت ثم قمت، أفأجلس إن شئت بغير ركوع ولا
سجود ؟ قال: لا. فأما المريض، فقال ابن القاسم في المريض يصلي مضطجعا
أو قاعدا، ثم يخف عنه المرض فيجد القوة، أنه يقوم فيما بقي من صلاته،
ويبني على ما مضى منها؛ وهو قول الشافعي وزفر، والطبري.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة، ثم صح
أنه يستقبل الصلاة من أولها ولو كان قاعدا : يركع ويسجد ثم صح، بنى في
قول أبي حنيفة، ولم يبن في قول محمد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حال
الإيماء، فإنه يبني.
وروي عن أبي يوسف أنه يستقبل.
وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود - وهو
يستطيع القيام والجلوس - أنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع، فإذا أراد
السجود، جلس فأومأ إلى السجود - وهو قول أبي يوسف، وقياس قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة وسائر أصحابه : يصلي قاعدا.
- 122 -

وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : إذا صلى مضطجعا، تكون رجلاه مما
يلي القبلة مستقبل القبلة.
وقال الثوري والشافعي : يصلي على جنبه - ووجهه إلى القبلة، وقد
ذكرنا كيفية صلاة القاعد في باب إسماعيل بن محمد(60) - والحمد لله.
(61) حديث عاشر لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله
- عَج- قال: مروا أبا بكر فليصل للناس.(62) فقالت عائشة: إن أبا بكر
إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس.
قال : مروا أبا بكر فليصل للناس، فقالت عائشة: فقلت لحفصة :
قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء،
فمر عمر فليصل(63) للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله
- 25 - : إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس،
فقالت : حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيراً.(64)
60) انظرج 1 / 129 _ 137.
61) من هنا تبتدى نسخة خاصة اقتنتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحمل عنوان ((الجزء
العاشر من كتاب التمهيد» ونرمز إليها بحرف (و).
62) التلس : أ، بالناس : و.
63) فلیمل : أ، يصل : و.
64) الموطأ رواية يحيى ص 118 - حديث (412) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
یوسفه وعن اسماعيل كلاهما عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 350.
- 123 -

في هذا الحديث من الفقه أن القوم إذا أجمعوا للصلاة فأحقهم وأولاهم
بالإمامة فيها أفقههم، لأن أبا بكر قدمه رسول الله - جاف - للصلاة بجماعة
أصحابه، ومعلوم أنهم كان فيهم من هو أقرأ منه ولا سيما أبَيْ بن كعب، وهذه
مسألة اختلف فيها السلف. فقال مالك : يؤم القومَ أعلمُهم إذا كانت حاله حسنة
وللسن حق، قيل له : فأكثرهم قرآنا، قال : لا قد يقرأ من لا يكون فيه خير.
وقال الثوري : يؤمهم أقرأهم فإن كانوا سواء، فأعلمهم بالسنة فإن استووا فأسنَّهم.
قال الأوزاعي : يؤمهم افقههم في دين الله. وقال أبو حنيفة : يؤمهم اقرأهم
لكتاب الله وأعلمهم للسنة، فإن استووا في القراءة والعلم بالسنة فأكبرهم سنا
فإن استووا في القراءة والفقه والسن فأوْرعُهم.
قال محمد بن الحسن وغيره : إنما قيل في الحديث أقرؤهم، لأنهم أسلموا
رجالا فتفقهوا فيما علموا من الكتاب والسنة؛ أما اليوم فيتعلمون القرآن - وهم
صبیان لا فقه لهم. وقال اللیٹ : یؤمهم أفضلهم وخيرهم، ثم أقرؤهم، ثم أُسنهم-
إذا استووا. وقال الشافعي يؤمهم أقرؤهم وأفقههم، فإن لم يجتمع ذلك، قدم
أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفي به في صلاته؛ وإن قدم أقرؤهم وعلم ما يلزمه
في الصلاة فحسن. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: رجلان أحدهما أفضل
من صاحبه، والآخر قرأ منه ؟ فقال: حديث أبي مسعود: يؤم القوم أقرأهم،
قال : ألا ترى أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول
الله - ◌َ ◌ّ - منهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد - وكان يؤمهم، لأنه جمع
القرآن؛ وحديث عمرو بن سلمة أفهم للقرآن، فقلت له حديث رسول الله - )
- مروا أبا بكر فليصل بالناس أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبي
- مَ افِ - يؤم القوم اقْرَؤُهم، فقال إنما قوله لأبي بكر يصلي بالناس إنما أراد
الخلافة، وكان لأبي بكر فضل بيّنّ على غيره، وإنما الأمر في الإمامة إلى
القراءة، وأما قصة أبي بكر فإنما أراد به الخلافة.
- 124 -

قال أبو عمر :
-
لما قال رسول الله - صَ لٍّ - مروا أبا بكر يصلي بالناس في مرضه الذي
توفي فيه واستخلفه على الصلاة وهي عظم الدين، وكانت إليه لا يجوز أن
يتقدم إليها أحد بحضرته - ◌َلالٍ ؛ فلما مرض استخلف عليها أبا بكر - والصحابة
متوافرون(65) منهم علي وعمر وعثمان(66) - رضي الله عنهم - استدل المسلمون -
بذلك على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحق بالخلافة بعد، وعلمو ذلك فارتضوا(67)
لدنياهم وإمامتهم وخلافتهم من ارتضاه لهم رسول الله - فلفل - لأجل دينهم
وذلك إمامتهم في صلاتهم، ولم يكن يمنع رسول الله - صَ لّ - من أن يصرح
بخلافة أبي بكر بعده - والله أعلم - إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه،
ولا ينطق إلا بما يوحى إليه فيه؛ قال الله - عز وجل -: ﴿وما ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾(68)، ولم يكن يوحى إليه في الخلافة شيء،
وكان لا يتقدم بين يدي ربه في شيء، وكان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة
بعده، فلما لم ينزل عليه في ذلك وحي - ونعني لم يؤمر بذلك : ولكنه أراهم
موضع الاختيار، وموضع إرادته؛ فعرف المسلمون ذلك منه، فبايعوا أبا بكر
بعده؛ فخير لهم في ذلك، ونفعهم الله به، وبارك لهم فيه؛ فقاتل أهل الردة
حتى أقام الدين كما كان، وعدل في الرعية، وقسم بالسوية، وتسار بسيرة رسول
الله - ے - حتى توفاه الله حميدا - رضي الله عنه.
وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة - بمعنى حديث مالك، قال حماد : وأخبرنا أيوب عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة بمثله. قال ابن أبي مليكة : وأي خلافة أبين من هذا ؟
65) في (و) زيادة : (حاضرون).
66) في (و) زيادة : (وغيرهم).
67) فارتضوا : أ، وارتضوا : و.
68) الآية : 4 - سورة النجم.
- 125-

وقد جاءت عن النبي - فلفل - آثار تدل على أن رسول الله - الرائع - كان
يسره ويعلم أن الخليفة بعده أبو بكر - والله أعلم، منها: قوله - الز -: اقتدوا
باللذين من بعدي أبي بكر وعمر : (69) حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا قبيصة بن عقبة الكوفي،
قال حدثنا سفيان بن سعيد بن عبد الملك بن عمير، عن مولى الربيعي، عن
ربيعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - الز - اقتدوا باللذين من بعدي:
أبي بكر وعمر (70).
وحدثنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا
الطحاوي، قال حدثني المزني، قال حدثني الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن سعد
ابن إبراهيم، عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أن امرأة أتت رسول
الله - وات - فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع، قالت : يا رسول الله إن
رجعت فلم أجدك ؟ قال كأنها تعني الموت، قال فأتي أبا بكر - قال الشافعي :
وفي هذا دليل على خلافة أبي بكر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا سليمان بن داود، قال حدثنا إبراهيم بن
سعد، قال حدثنا أبي، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن امرأة أتت
النبي - عَ ◌ّ - فسألته عن شيء، فقال لها ارجعي، فقالت : يا رسول الله إن
رجعت فلم أجدك - تعني الموت ؟ قال فأتي أبا بكر.
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير،
قال حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي أبو سلمة، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن
أبيه، عن محمد بن جبير، عن أبيه قال أتت النبي عليه السلام امرأة تكلمه في
شيء فأمرها أن ترجع إليه، فقالت إن جئت ولم أجدك ؟ قال فأتي أبا بكر.
69) حدثنا : أ، قال حدثنا - بزيادة (قال) : و.
70) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 2 / 56.
- 126 -

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا أبو
بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد إملاء في الجامع يوم الجمعة سنة تسع
وأربعين وثلاثمائة، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن أبي العوام الرياحي سنة
ست وسبعين ومائتين، قال : أخبرني أبي، قال حدثنا محمد بن يزيد، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن زر، عن عبد الله (71)، قال: كان رجوع الأنصار يوم
سقيفة بني ساعدة لكلام قاله عمر: أنشدكم بالله أتعلمون أن الرسول - ملح -
أمر أبابكر أن يصلي بالناس ؟ قالوا : نعم. قال : فأيكم تطيب نفسه أن يزيله
عن مقام أقامه فيه رسول الله - عَ لَه - ؟ قالوا: كلنا لا تطيب أنفسنا أن نزيله
عن مقام أقامہ فیه رسول الله - ے ۔۔
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
بكر محمد بن أبي العوام، قال : حدثني أبي أحمد بن يزيد أبي العوام، قال :
حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زر، عن
عبد الله بن مسعود، قال : كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام
قاله عمر ابن الخطاب : نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله - لرفعٍ - أمر أبا
بكر أن يصلي بالناس ؟ قالوا : اللهم نعم. قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن
مقام أقامه فيه رسول الله - طفلٍ - ؟ فقالوا كلنا لا تطيب نفسه، نستغفر
الله !(72). وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب : من خليفة رسول الله في كتبه
كلها، وذكر نافع ابن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة - أن رجلا قال لأبي
بكر: يا خليفة الله، فقال أبو بكر: أنا خليفة رسول الله - صَل ئل - وأنا راض
بذلك. وبعث عمر بن عبد العزيز محمد بن الزبير إلى الحسن ميسأله هل
استخلف رسول الله - صَ لّ أبا بكر ؟ فقال : نعم.
71) يعني عبد الله بن مسعود - كما يأتي التصريح بذلك وشيكا.
72) رواه أحمد وأبو يعلى. انظر مجمع الزوائد للهيثمي 5 / 133، وأخرجه الحاكم في المستدرك،
ذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 56.
- 127 -
٠

قال أبو عمر :
إنما قال هذا، استدلالا بنحو ما ذكرنا من الحديث - والله أعلم؛ ولم
يختلف عن عمر أنه لما حضرته الوفاة، قال : إن أستخلف فقد استخلف أبو
بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف رسول الله - مصر اتةٍ -، قال ابن عمر: فلما
ذكر رسول الله - شرائح -، علمت أنه لا يستخلف، وهذا معناه أنه لم يستخلف
نصا ولا تصريحا - والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زبير، قال
حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن
إسحاق، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه،
عن عبد الله بن زمعة بن الأسود، قال قلت لعمر : صل بالناس - وأبو بكر غائب
في مرض رسول الله - مَ ◌ّ -، فلما كبر، سمع رسول الله - وافل صوته فقال:
وأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون - مرتين؛
فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس.
حدثنا خلف بن القاسم، قال : حدثنا ابن المفسر، حدثنا أحمد بن علي
القاضي، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القوارري، حدثنا عبد الله بن داود، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، قال لما طعن عمر - رحمه الله - قالوا له
ألا تستخلف ؟ قال : احتملكم حيا وميتا ؟ حظي منكم الكفاف : لا علي ولا
لي؛ إن أتر ککم فقد ترککم من هو خير مني ومنکم - رسول الله - ﴾، وإن
استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر؛ قال وحدثنا أحمد بن علي،
قال حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا حدثنا حسين بن علي، عن زائدة
ابن قدامة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال لما قبض رسول الله صالح،
قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، قال فأتاهم عمر بن الخطاب فقال يا
معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله - م فز - قال : مروا أبا بكر يؤم
- 128 -

الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه يتقدم أبا بكر ؟ قال : فقالت الأنصار : نعوذ بالله
أن نتقدم أبا بكر.
قال أحمد (بن علي) :(73) وحدثنا أبو خيثمة رهير بن حرب، حدثنا
معاوية ابن عمرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله - مثله، أخبرنا
عبد الله ابن محمد، حدثنا محمد بن بكر بن داسة، حدثنا حسان بن الحسين
الإمام، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد وثابت، عن
الحسن، عن قيس بن عباد، قال: قال لي علي بن أبي طالب إن نبيكم - آر -
حـع نبي الرحمة لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة؛ مرض ليالي وأياما يأتيه بلال فيؤذنه
بالصلاة وهو يرى مكاني فيقول : انت أبا بكر فليصل بالناس؛ فلما قبض رسول
الله - ◌َطع -، نظرت في أمري فإذا الصلاة عظم الإسلام، وقوام الدين؛ فرضينا
لدنيانا من رضيه رسول الله - جائز - لديننا، فبايعنا أبا بكر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
الحسين(74) بن علي الأشناني، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو
بن الحرث، قال : حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي، قال : قال عبد
الرحمان بن القاسم: أخبرني القاسم أن عائشة قالت: سمعت رسول الله - القيم -
يقول : لقد هممت أن أرسل، إلى أبي بكر فأعهد إليه، فإنه رب متمن وقائل أنا
أنا، وسيدفع الله ويأبى ذلك والمومنون. وقد استدل قوم من أهل العلم على
خلافة أبي بكر بقول الله - عز وجل -: ﴿قل للمخلفين من الأعراب
ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون﴾(75) - الآية.
ومعلوم أن الداعي لا ولئك القوم غير النبي - ◌َرائع -، لأن الله قد منع المخلفين
73) قال أحمد : أ، قال أحمد بن علي - بزيادة (بن علي): و.
74) الحسين: أ، الحسن: و، ولم أقف على الوجه الصحيح فيه.
75) الآية : 16 - سورة الفتح.
التمهيدج٢٢
- 129 -

:
من الأعراب من الخروج مع رسول الله - وَّة - بقوله: ﴿قل لن تخرجوا
معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾(76)
الآية. وقد أرادوا الخروج معه إلى بعض ما رجوا فيه الغنيمة، فأنزل الله:
﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها، ذرونا نتبعكم،
يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾(77) يعني قوله: ﴿لن تخرجوا معي أبدا﴾
ولا تبديل لكلمات الله.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿فإن تطيعوا، يوتكم الله أجرا حسنا،
وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما﴾(78) - أوضح
الدلائل على وجوب طاعة أبي بكر وإمامته، وعد الله المخلفين عن رسوله إذا
أطاعوا الذي يدعوهم بعده - بالأجر الحسن، وأوعدهم بالعذاب الأليم إن تولوا
عنه؛ وللعلماء فيّقول الله - عز وجل -: ﴿قل للمخلفين من الأعراب
ستدعون إلى قومأولي بأس شديد تقاتلونهم﴾، قولان لا ثالث لهما،
أحدهما : أنهم قالوا أراد: بقوله إلى قوم أولي بأس شديد - أهل اليمامة مع
مسيلمة، وقال آخرون أراد فارس؛ فإن كان - كما قالوا - أهل اليمامة، فأبو بكر هو
الذي دعاهم إلى قتالهم؛ وإن كانوا فارس، فعمر دعا إلى قتالهم، وعمر إنما
استخلفه أبو بكر فعلى أي الوجهين كان، فالقرآن يقتضي بما وصفنا إمامة أبي
بكر وخلافته. وإن كان أراد فارس، فهو دليل إمامة عمر وخلافته؛ وقد قال من
لا علم له بتأويل القرآن إنهم هوازن وحنين، وهذا ليس بشيء؛ لقول الله: ﴿قل
لن تخرجوا معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا﴾، وقوله: ﴿ذرونا
نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله، قل لن تتبعونا كذلكم قال الله
76) الآية : 83 - سورة التوبة.
77) الآية : 15 - سورة الفتح.
78) الآية: 16 - سورة الفتح، ومرت الإشارة إليها أنفا.
"
- 190-

من قبل﴾(79) - الآية، ومعلوم أن من واسى رسول الله - ثوم - وصحبه أخيرا،
لا يلحق في الفضل بمن واساه وبصره وصحبه أولا: قال الله - عز وجل -: ﴿لا
يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من
الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾(80)، وكان أبو بكر أول الناس عزر رسول
الله - خال - ونصره وآمن به وصدقه وصابر على الأذى فيه، فاستحق بذلك
الفضل العظيم؛ لأن كل ما صنعه غيره بعده قد شاركه فيه، وفاتهم وسبقهم بما
تقدم إليه؛ فلفضله ذلك استحق الإمامة، إذ شأنها أن تكون في الفاضل أبدا ما
وجد إليه السبيل. والآثار في فضائله ليس هذا موضع ذكرها(87)، وإنما ذكرنا
استحقاقه للخلافة بدليل الكتاب والسنة.
وروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمان
ابن يزيد، قال : قال عبد الله بن مسعود: اجعلوا إمامكم خيركم، فإن رسول
الله - مخ لل - جعل إمامنا خيرنا بعده.
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال
حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد
الرحمان (82) بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن
ميزانا دلي من السماء فوزنت أنت فيه وأبو بكر فرجحت بأبي بكر، ثم وزن فيه
أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر بعمر؛ ثم رفع الميزان، فقال رسول الله - ے ۔
نبوة وخلافة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء(83). وأما قول رسول الله - لايت -
79) الآية : 15 من السورة نفسها، ومرت الإشارة إليها كذلك.
80) الآية : 10 - سورة الحديد.
81) انظر في مناقبه صحيح البخاري 2 / 186 - 190، ومجمع الزوائد 9 / 43 _ 60.
82) عبد الرحمان بن بكرة: أ، عبد الرحمان بن أبي بكر و. والصواب ما أثبته (بن أبي بكرة) .
انظر ترجمة عبد الرحمان هذا في تهديب التهذيب 6 / 148
83) أخرجه أحمد والطبراني، انظر مجمع الزوائد 9 / 58 .54
:
- 13] -

العلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى (84)، واحتجاج أهل الزيغ به على أنه
أراد بذلك استخلافه، فقد أجابه عن ذلك أبو إسحاق المروزي - رحمه الله -
بجواب على وجهين مجملين، أحدهما أن هارون كان خليفة موسى في حياته،
ولم يكن علي خليفة رسول الله - صَ لّ - في حياته؛ وإذا جاز أن يتأخر علي
عن خلافة رسول الله - حائل - في حياته على حسبما كان هارون خليفة موسى
في حیاته، جاز أن یتأخر بعد موته زمانا، ویکون غيره مقدما علیه، ویکون
معنى الحديث القصد إلى إثبات الخلافة له كما ثبتت لهارون لا أنه استحق
تعجيلها في الوقت الذي تعجلها هارون من موسى عليه السلام. والوجه الآخر أن
هذا الكلام إنما خرج من النبي - عليه السلام - في تفضيل علي ومعرفة حقه لا
في الإمامة، لأنه ليس كل من وجب حقه وصار مفضلا، استحق الإمامة؛ لأن
هارون مات قبل موسى بزمان فاستخلف(85) موسى بعده يوشع بن نون، فهارون
إنما كان خليفة لموسى في حياته، وقد علم أن عليا لم يكن خليفة النبي - { }
- في حياته، ولم يكن هارون خليفة لموسى بعد موته، فيكون ذلك دليلا على
أن عليا خليفة رسول الله - من - بعد موته.
قال أبو عمر :
كان هذا القول من النبي - عَ ◌ّ - لعلي حين استخلفه على المدينة في
وقت خروجه غازيا غزوة تبوك، وهذا استخلاف منه في حياته، وقد شركه في
مثل هذا الاستخلاف غيره ممن لا يدعي له أحد خلافة - جماعة قد ذكرهم أهل
السنة، وقد ذكرناهم في كتاب الصحابة؛ وليس في استخلافه حين قال له ذلك
القول دليل على أنه خليفة بعد موته - والله أعلم -. وأما قوله - عَيح - من كنت
84) رواه أحمد والبزار - المصدر السابق 9 / 109.
85) واستخلف : أ، فاستخلف : و- وهي أنسب.
- 132 -

مولاه فعلي مولاه(86). فيحتمل التأويل، لأن المولى يحتمل وجوها في اللغة،
أصحها : أنه الولي والناصر؛ وليس في شيء منها ما يدل على أنه استخلفه بعده،
ولا ينكر فضل علي مؤمن، ولا يجهل سابقته وموضعه من رسول الله - صَ لئه
ومن دين الله عالم؛ وقد ثبت عنه - رضي الله عنه - أنه فضل أبا بكر على نفسه
من طرق صحاح؛ وقال: خير الناس بعد رسول الله - فلفل -: أبو بكر، ثم
عمر؛ وحسبك بهذا منه - رضي الله عنه.
وأما قول عائشة إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر
عمر فليصل للناس، فإنها كرهت فيما زعموا أن يتشاءم الناس بأبيها فيقولون: إنه
لم ير إماما إلا في حين مرض رسول الله - صَ ل - وحين موته، فقالت ما
قالت؛ فأنكر رسول الله - ◌َّم - ذلك عليها وعلى حفصة، وقال: إنكن
صواحب يوسف - يريد إنكن فتنة قد فتنتن يوسف وغيره، وصددتنه عن الحق
قديما؛ يريد النساء ويعيبهن بذلك، كلاما خرج على غضب لاعتراضهن له وهن
أمهات المومنين(87) وخير (88) نساء العالمين - رضي الله عنهن؛ وكذلك قول
حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا، خرج على جهة الغضب عليها،
لأنها عرضتها لما كرهه رسول الله - صل اته - منها من القول، فلقيت من رسول الله
- ◌َّ - ما لا يسرها من إنكاره عليها وانتهارها؛ فرجعت تلوم عائشة، إذ كانت
سبب ذلك؛ وهذا كله موجود في طباع بني آدم، وإذا كان ذلك في أولئك،
فغيرهم أحرى بأن يسامح في ذلك وشبهه، وبالله التوفيق.
حدثنا خلف بن القاسم، وسلمة بن سعيد بن سلمة، قالا: حدثنا الحسن بن
رشيق، قال حدثنا العباس بن محمد البصري، قال: حدثنا خشيش بن أصرم(89)،
86) أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني، انظر مجمع الزوائد 9 / 105 - 106.
87) المسلمين : أ، المومنين : و - وهي أنسب.
88) في وزيادة : (وهي خير نساء العالمين) - وهي شبه تكرار مع قوله قبله يلبه (وهي خير نساء
العالمين).
89) أصرم: أ، أخرم: و- وهي تحريف. انظر ترجمة خشيش هذا في تهذيب التهذيب 3 / 142.
- 133 -
.

"غوغل " حدثنا محمد الراواق عنا مطمن"عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر،
(مزم، عائلة أنها مقالبة: والله لما كانت مراجعتي النبي !عظّ الّ إذ قال مروا أبا
ويذكر أن الصافي الناس، إلا كرامية أن يتشاءم الناس بأول رجل يقوم مقام رسول
عالملة والر فيكون ذلك الرجل أبي. وأما قوله إن أبا بكر إذا قام مقامك لم
أيصعب النهائى من البكاء، ففيه دليل على أن البكاء في الصلاة لا يقطعها ولا
يضرها - إذا كان من خوف الله، أو على مصيبة في دين الله. ذكر ابن المبارك
بعثُ المُمن البنز كلمة: تحرق ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن
أذية قها وفيه أويت البلي، وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل (90).
١٠٠
يعني من البكاء.
8): بالق لم
رومان واختلف الفقهاء في الإنين في الصلاة فقال مالك: الأنين لا يقطع
والصلاة للمريض ، وأكرهه الصحيح،، وووى الراز عيه الحكم عن أميالمك: النشيج
مام الأنين فى التفخ لا يقطع الصلاة، وقال ابن القائم، يقطيع ة" وقال الغلوري أكثره
الأثنين الصحيح، وقال الشافعي: إن كان له حروف تسمع وتفهم قطع الصلاة،
وقال أبو حنيفة إن كان من خوف الله لم يقظم، وإن كان مر وجع قطع،
وزوي: أبية يوسفٍ أن صلاته تامة في ذلك كله، لأنها لا يخلو مريض ولا يتبعيف
من الآنين حد رات"
-قال أبو: عمراً
في حديث هذا الباب مع حديث ابن الشخير دليل على أن البكاء لا
يقطع الصلاة، وهذا ما لم يكن كلاما تفهم حروفه، ولم يكن ضعفا وعبثا، وكان
/ من خشية الله أو فيما أباحه الله تعالى وجل، وبه التوفيق.
90' زواه أحمد وأبو داود والنسائي.
- 134 -

حديث حادي عشر لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : أتي
رسول الله - عَ ◌ّ - بصبي، فبال على ثوبه فدعا رسول الله - ◌َ } -
بماء فأتبعه اياه(91).
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث وما للعلماء فيه من المذاهب في
باب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب.
حدثنا أحمد بن القاسم بن عيسى، قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة،
قال : قال حدثنا البغوي، قال حدثنا علي بن الجعد، قال أخبرني المبارك بن
فضالة، عن الحسن بن عبد الله، عن أم سلمة قالت : بول الغلام يصب عليه
الماء، وبول الجارية يغل طعمت أو لم تطعم.
قال أبو عمر :
وهو قول ابن وهب - رحمه الله، وروى حميد عن الحسن أنه قال في بول
الجارية: يغل غلا، وبول الغلام يتبع بالماء؛ وعلى هذا القول تكون الآثار
المرفوعة في هذا الكتاب كلها غير متدافعة ولا متضادة، وقد ذكرنا كثيرا من
آثار هذا الباب ومعانيه في باب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب
91) الموطأ رواية يحيى ص 52 - حديث (132) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
يوسف عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 128.
- 135 -

حديث ثاني عشر لهشام بن عروة
مالك، عن هشام عن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله
- سفرٍ - رأى في جدار القبلة بصاقا أو مخاطا أو نخامة فحكه(92).
قال أبو عمر :
يقال إن البصاق ما خرج من الفم - وفيه لغتان : بصاق وبزاق، والمخاط
ما خرج من الأنف، والنخامة ما خرج من الحلق؛ وليس شيء من ذلك بنجس،
ولكن القبلة يجب أن تنزه عن ذلك، وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث
في باب نافع من هذا الكتاب، والحمد لله.
حديث ثالث عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : كنت
أَرَجِّلُ رأس رسول الله - ◌َّ - وأنا حائض(93).
هكذا روى هذا الحديث أكثر الرواة، ومنهم من يقول فيه - وهو معتكف
وأتا في حجرتي : حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق
السراج، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن
92) الموطأ رواية يحيى ص : 132 حديث (458) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله ابن
يوسف، وعن اسماعيل، ومسلم عن قتيبة بن سعيد، ثلاثتهم عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 395.
93) الموطأ رواية يحيى ص 50 - حديث (130) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله ابن
يوسف، وأبو داود والترمذي، والنسائي عن قتيبة، كلاهما عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 119.
- 136 -

هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ◌ُ ◌ّ - يخرج إلي
رأسه من المسجد - وهو مجاور وأنا في حجرتي فأرجل رأسه وأنا حائض. وقد
مضى القول في معنى العمل في الاعتكاف، وما يجتنبه المعتكف، وما لا بأس
عليه في عمله - مجودا في باب ابن شهاب، وفي هذا الحديث تفسير لقول الله
- عز وجل -: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)، (94) وفيه
بيان أن مباشرة المرأة للرجل ليست كمباشرة الرجل لها، وأن المعنى المراد
بالمباشرة ههنا الجماع وما كان في معناه، وقد تقدم القول في ذلك كله .
والحمد لله.
وفي هذا الحديث دليل على أن الحائض ليست بنجس - وهو أمر مجتمع
عليه، وقد قال - ◌َّ - لعائشة ناوليني الخُمرة، فقالت إني حائض؛ فقال إن
حيضتك ليست بيدك؛ وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ربيعة،
وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله - وجلّ - وهي حائض، تفسير لقول الله - عز
وجل -: ﴿فاعتزِلوا النساء في المحيض﴾، لأن اعتزالهن كان يحتمل أن لا
يقربن في البيوت، ولا يجتمع معهن في مواكلة ولا مشاربة، ويحتمل أن يكون
اعتزال الوطء لا غير، ويحتمل أن يكون مباشرتهن مؤتزرات؛ فبين رسول الله
- عَّ - مراد الله من ذلك على ما قد أوضحناه وذكرنا اختلاف العلماء فيه،
وما جاء في ذلك من الآثار عن النبي عليه السلام في باب ربيعة؛ وقد ذكرنا
كثيرا من حكم طهارة الحائض في باب ابن شهاب عن عروة في حديث
الاعتكاف، وذكرنا في باب نافع الحكم في الوضوء بؤر المرأة وفضل وضوئها
والاغتسال معها في إناء واحد، وهو أمر صحت به الآثار، واتفق عليه فقهاء
الأمصار؛ وفيه دليل على أن رسول الله - لتر - كان ذا شعر، وقد مضى في
باب زيد بن سعد من هذا الكتاب - أنه كان يسدل ناصيته ثم فرق بعد،(95)
94) الآية : 187 - سورة البقرة.
95) ومضى : أ، وقد مضى : ف.
- 197 -

ومضى القول هناك في شعره - ولاتة، وفي هذا الحديث دليل على إباحة
ترجيل الشعر، وقد كره رسول الله - مخ لل - لرجل رآه ثائر شعر الرأس، وأمره
بتسكين شعره وترجيله؛ إلا أنه قد روي عنه عليه السلام - أنه نهى عن الترجل
إلاَّ غِبّاً . .
حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أبو مسلم
الكشي، قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا هشام، عن الحسن، عن عبد الله بن معقل - أن رسول الله - بائع - نهى
عن الترجل إلا غبا(96).
وفي هذا الحديث دليل على إباحة حبس الشعر والجمم والوفرات،
والحلق أيضا مباح، لأن الرسول - ◌َ ◌ّ - حلق رؤوس بني جعفر بن أبي طالب
بعد أن أتاه خبر قتله بثلاثة أيام؛ ولو لم يجز الحلق ما حلقهم؛ والحلق في
الحج نسك، ولو كان مثلة كان كما قال من قال ذلك، ما جاز في الحج ولا
في غيره؛ لأن رسول الله - ◌َّةٍ - نهى عن المثلة. وقد أجمع العلماء في جميع
الآفاق على إباحة حبس الشعر، وعلى إباحة الحلاق، وكفى بهذا حجة، وبالله
التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا عفان بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، عن مهدي بن ميمون، عن
محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، أن النبي
- عَزافتح - أتى آل جعفر بعد ثلاث - يعني من موت جعفر، فقال لا تبكوا على
أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي، قال فجيء بأغيلمة كأنهم أفرخ : محمد،
وعون، وعبد الله؛ فقال ادعوا لي الحلاق، قال فجاء الحلاق فحلق رؤوسھم، ثم
:
96) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
- 188 -

أخذ بيد عبد الله فأثالها فقال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله
في صفقة يمينه، فجاءت أمهم فقال : تخافين عليهم العيلة - وأنا وليهم في
الدنيا والآخرة(97).
حديث رابع عشر لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت : إن
كان رسول الله - جو - ليُقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم(98)
تضحك(99). قد مضى القول في القبلة للصائم في باب زيد بن أسلم عن عطاء
ابن يسار من هذا الكتاب وقد روى هذا الحديث ابن سلمة عن عروة عن عائشة
وسماع أبي سلمة من عائشة صحيح وهو أسن من عروة.
حدثنا خلف بن القاسم، قال : حدثنا عبد الله بن محمد الحمصي القاضي،
قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عروة عن عائشة أن رسول الله - لايت -
کان یقبل وهو صائم.
97) أخرجه أبو داود والنسائي.
انظر ذخائر المواريث 1 / 290.
98) في نسخ الموطأ (فضحكت).
99) الموطأ رواية يحيى ص 198 - حديث (647) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله ابن
سلمة عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 164.
- 139 -

٢٠٠
حديث خامس عشر لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة : أن رسول الله
- مَّ - كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا
عمامة (100).
هذا أثبت حديث يروى في كفن الرسول - برامج - وهو الأصل في كفن
الرجل الميت، وقد روي أن النبي - وَّ - كفن في ثوب حبرة، وقد روي أنه
كفن في ريطتين وبرد نجراني، وهذا غير صحيح، لأن عائشة قالت : أخر عنه
البرد.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال: قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
دواد، قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا
الأوزاعي، قال: حدثنا الزهري عن القسم بن محمد، عن عائشة قالت أدرج
النبي - 24 - في ثوب حبرة ثم أخر عنه (101).
وقد روي من حديث أهل اليمن، عن وهب بن منبه، عن جابر، أن النبي
- ◌َ} - قال إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في برد حبرة(102)، وأما قوله
في هذا الحديث بيض سحولية، فالسحولية، ثياب قطن تصنع باليمن، وقيل :
السحولية، البيض.
قال المسيب بن علس(103) :
في الآل یخفضها ويرفعها .
ربع يلوح كأنه سحل
100) الموطأ رواية يحيى ص 149 - حديث (523) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
سلمة عن مالك به.
- الزرقاني على الموطأ 2/ 164.
٠١٫٠
101) انظر سنن أبي داود 2 / 176.
102) المصدر السابق.
103) يصف الشاعر ظعنا، انظر تاج العروس (سحل) ج 7 / 371.
- 140 -