النص المفهرس

صفحات 41-60

وفيه طلب الحجة وطلب الدليل والبحث عن العلم حتى يصح فيه وجه
العمل، ألا ترى أن مروان حين أخبره عبد الرحمان بن الحرث عن عائشة وأم
سلمة بما أخبره به في هذا الحديث، بعث إلى أبي هريرة طالبا الحجة وباحثا
عن موقعها ليعرف من أين قال أبو هريرة ما قاله من ذلك. وفيه اعتراف العالم
بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة، وهكذا أهل الدين والعلم وأولو انصاف واعتراف.
وفيه الحكم الذي من أجله ورد هذا الحديث، وذلك أن الجنب إذا أصابته
جنابة من الليل في رمضان لم يضره أن يصبح جنبا ولم يفسد ذلك صيامه، ولا
قدح في شيء منه؛ وهذا موضع للعلماء فيه اختلاف وتنازع، قد ذكرنا ذلك كله
في باب أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمان بن معمر من هذا الكتاب ولم نر
تکريره ههنا.
حدثنا خلف بن القاسم، قال : حدثنا مؤمل بن يحيى، قال : حدثنا محمد
بن جعفر، قال : حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال
حدثنا شعبة، قال حدثني قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن أبي أمية
أخي أم سلمة، عن أم سلمة - أن النبي - مَ ◌ّ - كان يصبح جنبا ثم يصوم ذلك
اليوم.
وأما الرواية عن أبي هريرة - أنه من أصبح جنبا فقد أفطر ذلك اليوم،
فقد ذكرنا بعضها في باب أبي طوالة أيضا.
وأخبرنا محمد بن أبان، قال حدثنا محمد بن يحيى، وحدثنا خلف بن
سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا
أحمد بن سعيد، قالوا : حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم،
قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد
الرحمان بن الحرث بن هشام، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - :
من أدركه الصبح جنبا فلا صوم له، قال : فانطلقت أنا وأبي؛ فدخلنا على
عائشة وأم سلمة، فسألناهما عن ذلك؛ فأخبرانا أن رسول الله - صلّ - كان
- 41 -

يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم؛ قال: فدخلنا على مروان، فأخبرناه بقولهها
وقول أبي هريرة؛ فقال مروان : عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة
فأخبرتماه، قال : فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد، فقال له أبي : إن الأمير
عزم علينا في أمر لنذكره لك، فقال(97): وما هو؟ قال: فحدثه أبي، قالُ:
فتلون وجه أبي هريرة، ثم قال : هكذا حدثني الفضل بن عباس - وهن أعلم.
قال الزهري : فحول الحديث إلى غيره(98).
قال عبد الرزاق : وأخبرنا ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار أن
يحيى بن جعدة أخبره عن عبد الله بن عمر بن عبد القاري - أنه سمع أبا هريرة
يقول: وزَبْ هذا البيت، ما أنا قلت: من أدركه الصبح جنبا فليفطر، ولكن
محمد قاله(99).
قال ابن جريج : قلت لعطاء أيبيت الرجل جنبا في شهر رمضان حتى
يصبح، يتعمد ذلك ثم يصوم ؟ قال : أما أبو هريرة، فكان ينهى عن ذلك: وأما
عائشة، فكانت تقول : ليس بذلك بأسى: فلما اختلفا على عطاء، قال يتم صوم
يومه ذلك ويبدل يوما(100).
قال أبو عمر :
قد ثبت أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من رسول الله - مُؤم - واختلف عليه
فيمن أخبره بذلك، ففي رواية سي عن أبي بكر بن عبد الرحمان عنه أنه قال :
أخبرنيه مخبر (101) _ ولم يسم أحدا. وفي رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد
97) قال : أ، فقال : ك . وهي أنسب.
98) انظر مصنف عبد الرزاق 4 / 180 - 181 - حديث (7399).
99) في المصنف (ولکن - ص - قال).
100) المصدر السابق 4 / 81 - حديث (8400).
107) ولم : أ، لم : ك.
-12-

الرحمان عن أبي هريرة أنه قال : أخبرني بذلك الفضل بن عباس، (وكذلك
روى جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن
أبي هريرة أنه قال: أخبرني بذلك الفضل بن عباس)(102)، وكذلك رواه يعلى
بن عتبة وعكرمة بن خالد، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان - كلهم
عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة أن قال، حدثنيه الفضل بن عباس؛
ورواه المقبري عن أبي هريرة، قال ابن عباس حدثنيه، ورواه عمر بن أبي بكر
ابن عبد الرحمان عن أبيه عن جده عن عائشة، فساق الخبر وقال : فأخبرت أبا
هريرة فقال: هي أعلم برسول الله - تعٍ - منا، إنما أسامة بن زيد حدثني
بذلك - ذكره النسائي عن جعفر بن مسافر عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي
ذئب(103)، عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمان.
ورواه أبو حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث
ابن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة بهذا الحديث. وفيه قال مروان لعبد
الرحمان: عزمت عليك لما أتيته فحدثته: أعن رسول الله - عام - تروي
هذا ؟ قال : لا إنما حدثني فلان وفلان، فرجعت إلى مروان فأخبرته - ذكره
النسائي عن عمرو بن علي، عن فضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن عبد
الملك ابن أبي بكر، والرواية الأولى عن عبد الملك بن أبي بكر رواها ابن
جريج عنه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر
ابن حماد وإسماعيل بن إسحاق قالا حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى عن أبي
جريج قال حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبيه أنه سمع أبا
102) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ك.
103) ذئب : أ، كريب: ك - وهو تحريف، انظر ترجمة ابن أبي ذئب في تهذيب التهذيب
.303 / 9
-43-

هريرة يقول : من أصبح جنبا فلا يصم، فانطلق أبو بكر (وأبوه عبد الرحمان
فدخلوا على أم سلمة وعائشة، فكلتاهما قالت: كان رسول الله - عز لة - يصبح
جنبا من غير حلم ثم يصوم، فانطلق أبو بكر)(104)وعبد الرحمان حتى أتيا أبا
هريرة فأخبراه قال: هما قالتاه لكما ؟ قالا: نعم، قال: هما أعلم، إنما
حدثنيه أو أنبأنيه الفضل بن عباس (105).
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرني أحمد بن عثمان، ومعاوية بن صالح، قالا حدثنا خالد
ابن مخلد، قال حدثنا يحيى بن عمير، قال سمعت المقبري يقول : كان أبو
هريرة يفتي الناس أنه من يصبح جنبا فلا يصوم ذلك اليوم، فبعثت إليه عائشة
لا تحدث عن رسول الله - صَلّ - بمثل هذا، فأشهد على رسول الله - الله - أنه
كان يصبح جنبا من أهله ثم يصوم، فقال : ابن عباس حدثنيه.
قال أبو عمر :
رجع أبو هريرة عن فتياه هذه(106) إذ بلغه عن عائشة وأم سلمة حديثهما
في ذلك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محفقد بن الجهم، قال حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا عمر(107) بن قيس، عن عطاء
ابن ميناء، عن أبي هريرة - أنه قال : كنت حدثتكم : من أصبح جنبا فقد
أُفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة. فمن أصبح جنبا فلا يفطر.
104) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ك - والمعنى يقتضيه.
105) أخرجه في المصنف مختصرا، انظر ج 4 / 180 - حديث (7399).
(15) فى هذا النسختين (هذا) - وهو تحريف ظاهر.
107) عمر : أ، عمرو: ك - وهو تحديف، انظر ترجمة عمر بن قيس في تهذيب التهذيب 7 / 490.
- 44 -

حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد ويحيى،
قالا حدثنا شعبة، قال سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب - أن أبا هريرة
ترك فتياه بعد ذلك.
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن الجهم، قال
حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن أبا
هريرة رجع عن قوله ذلك قبل موته.
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال حدثني أبي عن
جدي، قال حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله
بن عمر أنه احتلم ليلا في رضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن
يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح؛ قال : فلقيت أبا هريرة حين أصبحت
فاستفتيته، فقال: تفطر فإن رسول الله - ية كان يأمر بالفطر إذا أصبح
الرجل جنبا. قال عبيد الله : فجئت عبد الله بن عمر، فذكرت له الذي أفتاني
أبو هريرة، قال: أقسم بالله لئن أفطرت لأوجعن متينك، فإن بدالك، فصم يوما
آخر.
قال أبو عمر :
لم يختلف فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق في الصائم في رمضان وغيره
يصبح جنبا أنه يصوم ذلك اليوم ويجزيه.
وروي عن بعض التابعين أنهم كانوا يستحبون لمن أصبح جنبا في
رمضان أن يصوم ذلك اليوم ويبدله. ومال إليه الحسن بن صالح بن حي، وهو
- 45 -

قول لا يصح في النظر ولا من جهة الأثر؛ وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء على
وجهه في هذه المسألة ووجوهها في باب أبي طوالة من هذا الكتاب - والحمد
لله.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : من
أدركه(108) الصبح جنبا - وهو متعمد لذلك - أبدل الصيام، ومن أتى(109) ذلك
على غير عمد لم(110) يبدله (111).
وروي عن علي وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وابن
عباس : لا يبدله، وهؤلاء فقهاء الصحابة - وهم القدوة - مع ما صح عن النبي
- * - من رواية عائشة وأم سلمة في ذلك - وبالله التوفيق.
حديث حادي عشر لسمي
مالك، عن سعي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي بكر
ابن عبد الرحمان، عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي - سج ق - أنهما
الغا: إن كان رسول الله - صَلّ - ليصبح جنبا من جماع غير احتلام
ثم يصوم. (112)
108). أدرك الصبح: أ، أدركه الصبح: ك - وهو الرواية - كما في مصنف عبد الرزاق.
109) كذا في النسختين، والذي في المصنف (أتاه) - وهي أنسب.
110) كذا في النسختين، والذي في المصنف (فلا يبد له).
111) انظر المصنف 4 / 182 - حديث (8405).
112) الموطأ رواية يحيى ص 196 - حديث (643) - والحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 160.
-46-

روى هذا الحديث قوم عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة
وأم سلمة، ولا معنى لذكر أبيه فيه، لأنه شهد القصة مع أبيه كلها عند أبي
هريرة، وعند عائشة وأم سلمة، وهذا محفوظ من رواية مي وغيره جماعة
وبالله التوفيق.
حديث ثاني عشر لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي بكر
ابن عبد الرحمان، عن بعض أصحاب رسول الله - ◌َ ◌ّ - أن رسول
الله - شجّ - أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال : تقووا
لعدوكم، وصام رسول الله - ◌َّ - قال أبو بكر: قال الذي حدثني :
لقد رأيت رسول الله - ج - بالعرج(113) يصب الماء على رأسه(114)
من العطش أو من الحر، ثم قيل لرسول الله - ◌ُ لَّم - : إن طائفة من
الناس قد صاموا حين صمت، فلما كان رسول الله - سلطة -
بالكديد(115)، دعا بقدح، فشرب فأفطر الناس (116).
هذا حديث مسند صحيح، ولا فرق بين أن يمي التابع الصاحب الذي
حدثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه، لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون
ثقات أثبات، وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث.
113) العرج - بفتح فكون : قرية على ثلاث مراحل من المدينة، انظر معجم البلدان (عرج)
.98 / 4
114) على رأسه الماء : أ، الماء على رأسه : ك . وهي الرواية.
115) مكان بين عفان وقديد. انظر معجم البلدان : (كديد) 4 / 442.
116) الموطأ رواية يحيى ص 199 - 200 - حديث (655).
- 47 -

وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه عن النبي - ﴾ - من حديث
ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد الخدري؛ وقد ذكرناها في باب حميد الطويل،
ومنها ما ذكرنا في باب ابن شهاب.
وفي هذا الحديث من الفقه الصيام في السفر في رمضان، لأن سفره هذا
عام الفتح كان في رمضان لا خلاف في ذلك، وفي صومه - عَ لَّم - رمضان في
سفره إيطال قول من قال : لا يصوم أحد رمضان في السفر، وجعل الفطر عزمة
من الله لقوله - عز وجل -: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة
من أيام أخر﴾(117) - يقول : إن المسافر لا يصوم في سفره، لأن الله أراد منه
صيام أيام أخر؛ وهذا قول يروى عن عبيدة وسويد بن غفلة؛ وكان أبو مجاز
يقول : لا يسافر أحد في رمضان، فإن سافر ولا بد فليصم.
وفي هذا الحديث وشبهه مما تقدم ذكرنا له في باب ابن شهاب عن عبيد
الله ما يبطل هذا التأويل، وعلى إجازة الصوم في السفر في رمضان وغيره
جماعة فقهاء الأمصار.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر،
حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس - أن رسول الله - طائر -
خرج من المدينة في رمضان حين فتح مكة، فصام حتى أتى عفان (118)، ثم
دعا بماء أو أتي بماء فشرب، فكان ابن عباس يقول : من شاء صام ومن شاء
أفطر.
117) الآية : 184 - سورة البقرة.
118) عفان - بضم أوله وسكون ثانيه : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة.
انظر معجم البلدان (عف) 4 / 121.
- 48 -

وفي هذا الحديث وشبهه بطلان قول من قال : الصائم في السفر كالمفطر
في الحضر، وهو قول شاذ هجره الفقهاء كلهم يروى عن عبد الرحمان بن عوف
- والسنة ترده؛ وقد ذكرنا كثيرا من معاني هذا الحديث في باب حميد، وباب
ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب؛ واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان
أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر، لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية وإنما
يكون مسافرا بالعمل والنهوض في سفره؛ وليست النية في السفر كالنية في
الإقامة؛ لأن المسافر إذا نوى الإقامة، كان مقيما في الحين، لأن الإقامة لاتفتقر
إلى عمل؛ والمقيم إذا نوى أن يسافر، لم يكن مسافرا حتى يأخذ في السفر
ويعمل عمل المسافر ويبرز عن الحضر، فيجوز له حينئذ تقصير الصلاة وأحكام
المسافر؛ ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر في
الحضر حتى يخرج.
واختلف أصحاب مالك في هذا إن أفطر قبل أن يخرج : فذكر ابن
سحنون عن عبد الملك بن الماجشون أنه قال : إن سافر فلا شيء عليه من
الكفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة. قال : وقال أشهب : لا شيء عليه من
الكفارة سافر أو لم يسافر، قال : وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم
يسافر، وهو بمنزلة المرأة تقول : غدا تأتيني(119) حيضتي فتفطر لذلك؛ ثم
رجع إلى قول عبد الملك وقال : ليس مثل المرأة، لأن الرجل يحدث السفر إذا
شاء، والمرأة لا تحدث الحيضة.
وقال ابن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في سبب الحركة، فلا
شيء عليه. وحكي ذلك عن أصبغ وعن ابن الماجشون، فإن عاقه عن السفر
عائق، كان عليه الكفارة؛ وحسبه أن ينجو - إن سافر.
119) تأتيني حيضي : أ، يأتيني حيضي : ك.
- 49 -

وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم، لأنه متأول في
فطره.
واختلف الفقهاء في الذي يصبح في الحضر صائما في رمضان، ثم يسافر
في صبيحة يومه ذلك وينهض في سفره: هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟
فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن لا يفطر ذلك اليوم بحال،
وهو قول الزهري، ويحيي بن سعيد، والأوزاعي، وبه قال أبو ثور.
واختلفوا إن فعل، فكلهم قال يقضي ولا يكفر؛ وروي عن بعض أصحاب
مالك أنه يقضي ويكفر، وهو قول ابن كنانة، والمخزومي، وليس قولهما هذا
بشيء؛ لأن الله قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة، وإنما قولهم لا يفطر
استحبابا لتمام ما عقده؛ فإن أخذ برخصة الله، كان عليه القضاء؛ وأما الكفارة
فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لمْ يوجبه الله.
وروي عن ابن عمر في هذه المسألة أنه يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا
خرج مسافرا، وهو قول الشعبي؛ وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق : قال
أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق : يفطر حين يضع رجله في
الرحل، وهو قول داود.
وقال الحسن البصري : يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج.
قال أبو عمر :
قول الحسن شاذ، ولا ينبغي لأحد أن يفطر، وهو حاضر لا في نظر ولا
في أثر؛ وقد روي عن الحسن خلاف ذلك.
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن يقول : لا يفطر ذلك اليوم
إلا أن يشتد عليه العطش، فإن خاف على نفسه أفطر (120)
وقال إبراهيم : لا يفطر ذلك اليوم.
120) انظر مصنف عبد الرزاق 4 / 270 - حديث (7666).
~ 50-

واختلفوا في الذي يختار الصوم في السفر فيصوم ثم يفطر نهارا من غير
عذر، فكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه
- وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك، فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر، لأنه
لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له؛ وعلى ذلك مذاهب سائر الفقهاء بالحجاز
والعراق أنه لا كفارة عليه.
وروى البويطي عن الشافعي قال : إن صح حديث الكديد لم أر بأسا أن
يفطر المسافر بعد دخوله في الصوم في سفره.
وروى المديني عنه كقول مالك أنه لا يرى الكفارة على من فعل ذلك.
قال أبو عمر :
الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر، لأنه متأول غيز هاتك
لحرمة صومه عند نفسه - وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر، ومن جهة
الأثر أيضا : حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد،
قال حدثنا عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عبد الله بن
يوسف التميمي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قرعة بن
يحيى، عن أبي سعيد الخدري، قال: آذننا(121) رسول الله - وقوعٍ - عام الفتح
بالرحيل لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد؛ فأمرنا
رسول الله - وَاجّ - بالفطر، وأصبح الناس شرجين(122): منهم الصائم، ومنهم
المفطر حتى إذا بلغنا الظهران؛ آذننا (123) بلقاء العدو وأمرنا بالفطر، فأفطرنا
أجمعين.
121) آذننا : أ، آذنا : ك.
122) تثنية شرح : الفريق، أي أصبحوا فريقين.
123) آذننا : أ، أذنا : ك.
- 51-

حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرنا محمد بن حاتم؛ (124) وأخبرنا سويد، أخبرنا عبد الله،
عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس - أن النبي - عَ ◌ّم - خرج في
رمضان فصام حتى أتى قديدا، فأتي بقدح من لبن فشرب فأفطر هو وأصحابه.
وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعب، قال أخبرنا محمد بن قدامة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن
طاوس، عن ابن عباس قال: سافر رسول الله - صَ ◌ّة - في رمضان، فصام حتى
بلغ عسفان؛ ثم دعا بإناء فشرب نهارا يراه الناس، ثم أفطر حتى أتى مكة(125).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد
الأعلى، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - معد لة -
في رمضان إلى حُنّين - والناس مختلفون : فصائم ومفطر؛ فلما استوى على
راحلته، دعا بإناء من ماء؛ قال : فوضعه على راحلته ثم نظر الناس فقال
المفطرون للصوام : أفطروا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
مطلب بن شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثنا الليث، قال
حدثني ابن الهادي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال :
خرج رسول الله عنه - إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع
الغميم، فصاح الناس؛ فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من بعد
العصر، فشرب - والناس ينظرون، فأفطر بعض الناس، وصام بعض؛ فبلغه أن
ناسا صاموا، فقال : أولئك العصاة.
124) وأخبرنا : أ، أخبرنا : ك.
125) انظر سنن النسائي 4 / 184.
- 52 -

فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في
الصوم مختارا له في رمضان. وفيها دليل على أن الفطر أولى - إن شاء الله،
وقد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الأفضل من ذلك في باب حميد الطويل.
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - مَّم - عام الفتح في شهر رمضان
فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر. قال الزهري فكان الفطر آخر الأمرين. (126)
قال: وأخبرنا(127) معمر، عن أيوب، عن نافع قال : كان ابن عمر لا يصوم في
السفر قال : وما رأيته صام في السفر قط إلا يوما واحداًة فإني رأيته أفطر
حين أمسى، فقلت له : أكنت صائما ؟ قال : نعم، كنت أرى أني سأدخل مكة
اليوم فكرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر وذلك في رمضان.
واختلفوا في المسافر يكون مفطرا في سفره ويدخل الحضر في بقية من
يومه ذلك : فقال مالك والشافعي وأصحابهما - وهو قول ابن علية وداود في
المرأة تطهر، والمسافر يقدم - وقد أفطروا في السفر - : أنهما يأكلان ولا
يمسكان. قال مالك والشافعي: ولو قدم مسافر في هذه الحال فوجد امرأته قد
طهرت، جاز له وطؤها؛ قال الشافعي : أحب لهما أن يستترا بالأكل
والجماع(128) - خوف التهمة.
وروى الثوري عن أبي عبيد، عن جابر بن زيد - أنه قدم من سفر في
شهر رمضان، فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها(129) فجامعها.
وروي عن ابن مسعود أنه قال : من أكل أول النهار فليأكل. آخره.
126) انظر مصنف عبد الرزاق 4 / 269 - حديث (7762).
127) وأخبرنا: أ، ورواه : ك.
128) والجماع: أ، وبالجماع : ك.
129) حيضتها : أ، حيضها : ك.
-58-

قال سفيان : هو كصنيع جابر بن زيد، ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافا
لهما.
وقال ابن علية : القول ما قال ابن مسعود : من أكل أول النهار فليأكل
آخره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن في المرأة
تطهر في بعض النهار، والمسافر يقدم وقد أفطر في سفره - أنهما (130) يمسكان
بقية يومهما - وعليهما القضاءه واحتج لهم الطحاوي بأن قال : لم يختلفوا أن من
غُمّ عليه هلال رمضان فأكل، ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم، قال :
فكذلك الحائض والمسافر؛ وفرق ابن شبرمة بين الحائض والمسافر : فقال في
الحائض : تأكل ولا تصوم إذا طهرت بقية يومها، والمسافر إذا قدم ولم يأكل
شيئا يصوم يومه ويقضي.
قال أبو عمر :
قد روى ابن جريج عن عطاء في الذي يصبح مفطرا في أول يوم من
رمضان - يظنه من شعبان فيأكل، ثم يأتيه الخبر الثبت أنه رمضان - أنه يأكل
ويشرب بقية يومه - إن شاء، ولا نعلم (131) أحدا قاله غير عطاء - والله أعلم؛
وقد مضى. القول في كثير من معاني هذا الباب في باب ابن شهاب، عن عبيد
الله من هذا الكتاب - والحمد لله رب التوفيق.
130) يمسكان : أ، ليسكان : ك.
131) نعلم أحدا : أ، يعلم أحداً : ٠ك.
- 54-

حديث ثالث عشر لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان - أنه سمع أبا
بكر بن عبد الرحمان يقول: جاءت امرأة إلى رسول الله - على -
فقالت : إني كنت تجهزت للحج فاعترض لي، فقال لها (132) رسول
الله - ◌َّم - : اعتمري في رمضان، فإن عمرة فيه كحجة (133).
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ (وهو مرسل في ظاهره، إلا
أنه قد صح أن أبا بكر سمعه من تلك المرأة، فصار) (134) مندا بذلك، والحديث
صحيح مشهور من رواية أبي بكر وغيره. وفيه من الفقه تطوع النساء بالحج،
وهذا إذا كانت الطرق مأمونة، وكان مع المرأة ذو محرم، أو كانت في جماعة
نساء يعين بعضهن بعضا، وينبغي أن ينضم الرجل إليهن عند الركوب والنزول.
وفيه أن الأعمال قد يفضل بعضها بعضا في أوقات، وأن الشهور بعضها أفضل
من بعض، (والعمل في بعضها أفضل من بعض)(135)، وأن شهر رمضان مما
يضاعف فيه عمل البر، وذلك دليل على عظيم فضله. وفيه أن الحج أفضل من
العمرة، وذلك - والله أعلم - لما فيه من زيادة المشقة في العمل والإنفاق. وقد
روي عن النبي - عَلَه - عمرة في رمضان تعدل حجة - من وجوه كثيرة: من
حديث علي بن أبي طالب، وأنس، وابن عباس، ووهب بن خنيش، وأبي طليق،
وأم معقل - وهو حديثها؛ وقد قيل: أم سنان (والأشهر أم عقيل)(136) وأحسنها
132) لي : أ، لها : ك - وهي الرواية ..
133) الموطأ رواية يحي ص: 237 - 238 - حديث (772).
134) ما بین القوسین ساقط في أ، ثابت في ے.
135) جملة (والعمل في بعضها أفضل من بعض) - ساقطة في أ، ثابتة في ك . والمعنى يقتضيها.
136) في ك زيادة (والأشهر أم عقيل) - وهو شبه تكرار مع ما يأتي بعد.
- 55-

إسنادا حديث ابن عباس؛ فمن أسانيد هذا الحديث المسند(137) ما رواه عبد
الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن
امرأة من بني أسد بن خزيمة - يقال لها أم معقل، قالت : قلت يا رسول الله،
إني أردت الحج فضل جملي - أو قالت: بعيري، فقال رسول الله - سجق - :
اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة فيه تعدل حجة .. هكذا قال الزهري في اسم
المرأة: أم معقل، وهو المشهور المعروف، (138) وقد تابعه على ذلك جماعة،
وقد ذكرناها في كتاب الصحابة(139)، وذكرنا الاختلاف فيه هناك(140) بما
يغني عن ذكره ههنا.
حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق بن
أحمد، حدثنا سعيد بن عبد الرحمان، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج عن
عطاء قال: سمعت ابن عباس يخبر أن رسول الله - سائق - قال لامرأة من
الأنصار : إذا كان شهر رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة. قال ابن
جريج : وسمعت دواد بن عاصم(141) يحدث هذا الحديث عن أبي بكر بن عبد
الرحمان وقال : اسم المرأة أم سنان.
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد، قال
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، وعبد الجبار السمرقندي، قالا حدثنا محمد
ابن الوزير الواسطي، قال حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم
137) المسند : أ، المسندة : ك _
138) المعروف : أ، والمعروف : ك.
139) أنظر الاستيعاب .4 / 262.
140) بل اقتصر على كنيتها وقال : إنها أم طليق - وانتقده ابن حجر.
انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 270.
141) عصام: أ، عاصم : ك - وهي الصواب، انظر ترجمة داود بن عاصم هذا في تهذيب التهذيب
.190 . 189 / 3
- 56 -

ابن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام - أنه كان رسول
مروان - إلى (142) أم معقل يسألها عن الحديث، فقالت : كان علي حجةً، وكان
أبو معقل - يعني زوجها - قد أعد بكرا له في سبيل الله في بني كعب، فسألته
البَكْرَ، فذكر لي ما صنع فيه؛ قالت : فسألته من (143) صرام النخل، فقال : قوت
أهلي؛ فذكرت ذلك النبي - عَّ - فقال: ادفع إليها البكر فلتحج عليه، فإنه
في سبيل الله؛ قالت: وقد كان حج مع رسول الله - رفعٍ - ماشيا فقال:
يا رسول الله، إني قد كبرت - وعلي حجة، فما يجزي منها ؟ فقال : عمرة في
رمضان تجزيك من حجتك.
(144)وحدثنا عبد الرحمان بن مروان، حدثنا الحسن بن يحيى(145)، حدثنا
ابن الجارود، حدثنا عبد الله بن هشام، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج،
قال أخبرني عطاء، قال: سمعت ابن عباس قال: قال رسول الله - عَّ - لامرأة
من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها : ما منعك أن تحجي معنا العام ؟
قالت : يا نبي الله، إنه كان لنا ناضحان، فركب أبو فلان وابنه - تعني زوجها
وابنها - ناضحا، وترك ناضحا تنضح عليه الماء، فقال النبي - عَل - : فإن(146)
كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة فيه تعدل حجة - أو قال كحجة.
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيوب،
حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يزيد بن زريع،
142) في نسخة أ، بعد رسول مروان إلى - زيادة: (وقال مرة أخرى عن رسول مروان) وهي زيادة
لا معنى لها، ولذا أسقطتها ولم أثبتها في الصلب ....
143) كلمة (من) ساقطة في ك.
144) حدثنا : أ، وحدثنا : ك - وهي أنسب.
145) حي : أ، يحي : ك - وهي الصواب.
146) فإن : أ، فإذا : ك.
- 57 -

حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله - صَلطائر - قال:
عمرة في رمضان تعدل حجة.
قال أبو عمر :
أحسَنُ الناس سياقة لهذا الحديث : محمد بن إسحاق، عن عيسى بن
معقل، عن يوسف بن عبد الله بن سالم، حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال : حدثنا محمد بن عمرة(147) الطائي؛
وحدثنا قاسم بن محمد، قال : حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو
ابن منصور، قال: حدثنا محمد بن سنجر، واللفظ لحديثه - وهو أتم - قالا
حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عيسى بن
معقل بن أم معقل الأسدي - أسد خزيمة، قال حدثني يوسف بن عبد الله بن
سلام، عن جدته أم معقل، قالت: لما حج بنا رسول الله - ◌َ ◌ّ - حجة الوداع،
أمر الناس أن يتهيئوا معه، قالت : ففعلوا؛ قالت : وأصابتنا هذه القرحة الحصبة
أو الجدري؛ قالت : فدخل علينا من ذلك ما شاء الله - أن يدخل، فأصابني مرة
وأصاب أبا معقل؛ فأما أبو معقل، فهلك فيها؛ قالت : وكان لنا جمل تنضح عليه
نخلات، فكان هو الذي يريد أن يحج عليه؛ قالت : فجعله أبو معقل في سبيل
الله، وشغلنا بما أصابنا؛ وخرج رسول الله - ◌َ ◌ّر؛ فلما فرغ من حجته،
جئته(148) حين تماثلت من وجعي؛ فدخلت، فقال: يا أم معقل، ما منعك أن
تخرجي مغنا في وجهنا هذا ؟ قالت: يا نبي الله، لقد تهيأ لنا ذلك، فأصابتنا
هذه القرحة، فهلك فيها أبو معقل، وأصابني فيها(149) مرضي هذا حتى صححت
147) عمر : أ، عمرو : ك - والتصويب من سنن أبي داود.
148) جئت : أ، جئته : ك - وهي أنسب.
149) منها : أ، فيها : ك - وهي أنسب.
- 58 -

منه؛ وكان لنا جمل هو الذي نريد أن نخرج عليه، فأوصى به أبو معقل في
سبيل الله؛ قال: فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبل الله؛ إذا فاتتك هذه
الحجة معنا فاعتمري عمرة في رمضان، فإنها كحجة؛(150) قالت : وكانت
تقول: الحج حجة، والعمرة عمرة؛ وقد قال لي رسول الله - القيم - ذلك، والله
ما أدري(151) أخاصة لي لما فاتني من الحج أم هي للناس عامة(152)؟
قال يوسف : فحدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم - وهو أمير المدينة -
زمن معاوية، فقال : من سمع هذا الحديث معك ؟ قلت : ابنها معقل بن أبي
معقل - وهو رجل صدق، فأرسل إليه فحدثه بمثل ما حدثني؛ قال : فقيل
لمروان إنها حية في دارها، فوالله ما اطمأن إلى حديثنا حتى ركب إليها في
الناس، فدخل عليها(153) فحدثته هذا الحديث.
وحدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن
عمرو، قال حدثنا ابن سنجر، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن إسحاق،
عن يحيى بن عباد، عن الحرث بن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن
هشام، عن أبيه، قال : كنت في الناس مع مروان حين دخل عليها
فسمعناها(154) تحدث بهذا الحديث، قال : فكان أبو بكر لا يعتمر إلا في العشر
الأواخر من رمضان لذلك من حديث أم معقل؛ حدثنا محمد بن خليفة، حدثنا
محمد بن نافع، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا أبو عبيد الله، حدثنا سفيان، عن
محمد بن المنكدر، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال بعثني مروان بن
الحكم إلى رجل من الأنصار أسأله عن العمرة في رمضان، فجئته فحدثني أن
150) في كلتا النسختين : (حج) ۔ والتصویب من سنن أبي داود.
151) ما : أ، لا : ك.
152) انظر سنن أبي داود 1 / 459.
153) إليها : أ، عليها : ك - وهي أتسب.
154) فسمعناهاً: أ، فسمعتها : ك.
- 59 -

رسول الله - ◌َّة - قال له ولامرأته: اعتمرا في شهر رمضان، فإن عمرة فيه
کحجة.
قال أبو عمر :
القول في هذا الحديث قول ابن اسحاق - والله أعلم.
وقد حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد
ابن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا أبو المغيرة، قال حدثنا
الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال حدثني ابن أم
معقل الأسدية، قال : قالت أمي : يا رسول الله، إني أريد الحج وجملي
أعجف، فقال : اعتمري في رمضان، فإن عمرة في رمضان كحجة.
ورواه الأسود بن يزيد عن أم معقل : أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى،
قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال : حدثنا محمد بن محمد بن بدر، قال حدثنا
الحسن ابن حماد، قال حدثنا علي بن عابس، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن
أم معقلَ، قالت : أردت أن أحج فقلت لأبي معقل : أعطني بَكْرَكَ فأحج عليه
أو تمر نخلك، فأبى علي؛ فقال رسول الله - وَّ -: اعتمري في رمضان، فإن
عمرة في رمضان تعدل حجة.
وقد روى أنس عن النبي - ◌َّم - مثل حديث أم معقل هذا :
حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق بن
أحمدم قال حدثنا أحمد بن صالح : قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال حدثنا
إبراهيم بن سويد، عن هلال بن يسار، عن أنس بن مالك، قال : رسول الله
سائق - عمرة في رمضان كحجة.
وقد ذكرنا حكم من اعتمر في رمضان فحل من عمرته في شوال،
وأحكام التمتع ووجوهها في باب ابن شهاب عن محمد بن عبد الله - والحمد
لله.
- 60 -