النص المفهرس

صفحات 1-20

لـ
13
،
لما في الموطأ من المعاني والأتانية
تأليف
الأمم وفي نظر أبي حمرتوسف بن عَبْدُ اللّه
ابن محمّد بن عتبة البرّ النجري القرطبي
(368 - 463 م)
الجزء الثاني والعشرون
تحقيق
سعيد أعْ أعْراب
1410 هـ - 1990م

:

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد الله الذي نزل أحسن الحديث كتابا متشابها
مثاني، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي؛
وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان.
وبعد : فهذا الجزء الثاني والعشرون من كتاب
(التمهيد) لأبي عمر ابن عبد البر نضعه بين يدي القارئ
الكريم - وهو يتضمن شرح ثلاثة وسبعين حديثا من
أحاديث الموطأ - بدءاً بأحاديث سمي مولى أبي بكر
المخزومي، وانتهاء بانتهاء أحاديث هشام بن عروة.
النسخ المخطوطة :
وقد تعاورت على هذا الجزء خمس نسخ :
1 - صورة عن نسخة مخطوطة بأستنبول - وهي
الأصل، ونرمز إليها بحرف (أ).
2 - صورة عن نسخة مخطوطة بالخزانة العامة بالرباط
حرف (ك)، وتنتهي عند بداية أحاديث هشام بن
عروة.

3 - صورة عن نسخة أخرى بنفس الخزانة حرف (ق)،
وتبتدئ بحديث خمسين من أحاديث هشام بن
عروة.
ومر التعريف بالنسخ الثلاث في الأجزاء السالفة.
4 - نسخة خطية اقتنتها وزارة الأوقاف والشؤون
الإسلامية، تبتدئ بالحديث العاشر من أحاديث
هشام بن عروة، وتنتهي عند الحديث الثاني
والعشرين من أحاديث يحيى بن سعيد، كتبت بخط
مشرقي واضح - وهي تكاد تكون صورة طبق
الأصل من نسخة (ق)، ونرمز إليها بحرف (و).
5 - صورة عن نسخة مخطوطة بخزانة جامع ابن
يوسف بمراكش، تبتدئ بحديث ثالث وثلاثين من
أحاديث هشام بن عروة، وتنتهي بانتهاء الكتاب،
وهي أقدم نسخة - فيما نعلم، كتبت بخط مغربي
جيد، انتسخت خصيصا لأبي حفص عمر المرتضى
أحد الملوك الموحدين، وقد أصابت الرطوبة أكثر
أوراقها، وعبثت الأرضة ببعض حواشيها، ونرمز
إليها بحرف (ي).
والله يرعى مولانا أمير المومنين جلالة الملك
الحسن الثاني، ويديم له النصر والتمكين، ويبقيه ذخرا
للإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب، وهو نعم المولى
ونعم النصير.
المحقق
٤٠٠
.
- 6-

سي مولى أبي بكر(3)
٠
(2) هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام
المخزومي، مدني ثقة ثبت(3) لا قول فيه ولا مقال؛ روى عنه جماعة من الأئمة،
ولا يختلفون في عدالته وأمانته؛ إلا أن علي بن المديني قال: قلت ليحيى بن
سعيد : أسمي أثبت عندك أو القعقاع بن حكيم ؟ قال : القعقاع أحب إلي منه.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن سمي، فقال: ثقة،
روى عنه مالك؛ وقتل سمي - رحمه الله - بقديد(4)، وكانت غزوة قديد في
صفر سنة(5) ثلاثين ومائة. أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا إسماعيل بن محمد،
حدثنا إسماعيل بن إسحاق، أخبرنا علي بن المديني، قال : قال سفيان(6) : أتيت
المدينة فسألت عن سمي، قالوا : خرج إلى لغزو، قيل لسفيان: كأن سيا
قتل ؟ قال : زعموا أن الخوارج(7) قتلته.
1) أبي بكر : أ، أبي بكر بن عبد الرحمان - بزيادة (بن عبد الرحمان) : ك.
2) هو : أ، وهو : ك.
3) كلمة (ثبت) ساقطة في ك.
4) قديد - بالتصغير - اسم موضع قرب مكة، انظر معجم البلدان 313/4.
5) مثله في التقريب 333/1، والذي في التاريخ الكبير للبخاري ج 2 - ق 200/2، أنه قتل سنة
.. (131 هـ)، وفي تهذيب التهذيب 239/4 - نقلا عن ابن حبان أن وفاته سنة (135 هـ).
6) يعني ابن عيينة.
7) الذي في تاريخ البخاري الآنف الذكر - أنه قتلته الحرورية.
- 7 -

قال أبو عمر :
المالك عنه ثلاثة عشر حديثا، أحدها مرسل، وفي حديث واحد منها ثلاثة
أحاديث فتصير خمسة عشر حديثا.
حديث أول لشمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي صالح
السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله - لل - قال: بينما رجل
يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئرا (فنزل فيها)(8)
فشرب فخرج؛ فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل :
لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل(9) الذي بلغ مني؛ فنزل البئر فملأ
خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر
له؛ فقالوا : يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : في كل
كبد رطبة أجر(10).
في هذا الحديث دليل على أن الإساءة إلى البهائم والحيوان لا يجوز ولا
يحل، وأن فاعلها يأثم فيها؛ لأن النص إذا ورد بأن في الإحسان إليهن أجرا
وحسنات، قام الدليل بأن في الإساءة إليهن وزرا وذنوبا، والله يعصم من يشاء،
وهذا ما لا شك فيه ولا مدفع له.
8) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ك - وهو الرواية.
(9) في لفظتي (الكلب) و(مثل) - روايتان بالرفع والنصب.
10) الموطأ رواية يحيى ص 665 - والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود كلهم عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 306/4.
- 8 -
٠٠

وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - عزلة - قال: دخلت
امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش
الأرض حتى ماتت فعذبت في ذلك.(11) فهذا يبين لك ما قلنا، وهو أمر لا
تنازع بين العلماء فيه.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب نفقات البهائم المملوكة على
مالكيها(12)، وهذا ما لا خلاف فيه أيضا ولا في القضاء به - والحمد لله.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : حدثنا مهدي
بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد
الله ابن جعفر، قال: أردفني رسول الله - صَ لّ - ذات يوم خلْفَه، فأسر إلي
حديثا لا أخبر به أحدا أبدا؛ وكان رسول الله - مجلة - أحب إليه ما استتر به
في حاجته هدفا(13) أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار،
فإذا جمل قد أتاه فجرجر(14) وذرفت عيناه، فمسح رسول الله - ◌َ الله - سراته
وذفراه فسكن؛ فقال: من صاحب الجمل ؟ فجاء فتى من الأنصار فقال : هو
لي يا رسول الله، فقال: أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله، إنه
شكا إلي أنك تجيعه وتدثبه(15).
11) وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
12) مالكها : أ، مالكيها : ك - ولعلها أنسب.
13) في بعض الروايات : (هدف) - بالرفع.
14) جرجر البعير : صوت عند الضجر.
انظر النهاية لابن الأثير (جرجر).
15) أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، انظر ذخائر المواريث للنابلسي 290/1.
- ٩ ٠

وروي هذا الخبر من حديث يعلى بن صرة عن أبيه عن النبي - عَ لٌ -
بمعنى حديث عبد الله بن جعفر، وفيه : فاستوص به خيرا، قال فقال صاحبه :
لا جرم والله (16) لا أكرم مالا(17) كرامته أبدا(18).
وأما قوله : ذرفت عيناه، فمعناه : قطرت دموعهما قطرا ضعيفا،
والسراة؛ الظهر، والذفرى: ما وراء الأذنين عن يمين النقرة وشمالها، تثنى
الذفران وتجمع الذفارى.
قال ذو الرمة :
والقرط في حرة الذفرى معلقة
تباعد الحبل منه فهو يضطرب(19)
والحائش : حائط النخل والحديقة منه : أخبرنا محمد، حدثنا علي بن
عمر، حدثني محمد بن عبد الله النيسابوري صاحبنا، حدثنا الحسن بن محمد
ابن إسحاق الإسفراني، حدثني خالي أبو عوامة يعقوب بن إسحاق الإسفراني،
حدثنا أبو سعيد أحمد بن بكر؛ وبه حدثنا زيد بن الحباب، عن مالك، عن
الزهري، عن عروة بن الزبير، عن سراقة بن مالك بن جعثم - أنه أتى النبي
- عَّ - في وجعه - فقال: يا رسول الله، أرأيت الضالة ترد على حوض إبلي،
هل لي فيها من أجر إن سقيتها ؟ قال : نعم، في الكبد الحرى أجر.
قال أبو الحسن : هذا غريب عن مالك، وإنما يرويه أصحاب الزهري عن
الزهري، عن عبد الرحمان بن مالك بن جعثم، عن أبيه، عن أخيه، سراقة بن
جعثم(20). كذلك رواه موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهما عن الزهري.
16) كلمة (والله) في رواية أحمد.
17) في رواية أحمد (مالا لي) - بزيادة (لي).
(18) أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي، انظر الزرقاني على المواهب اللدنية 141/5.
19) انظر جمهرة أشعار العرب ص 340.
20) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 452/4.
- 10-

حديث ثان لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر (21)، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة - أن رسول الله - ◌َ ◌ّ- قال: بينما رجل يمشي بطريق إذا
وجد غصن شوك على الطريق فأخذه، فشكر الله له فغفر له؛ وقال :
الشهداء خمسة : المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم،
والشهيد في سبيل الله. وقال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف
الأول - ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما
في التهجير لاستبقوا إليه؛ ولو يعلمون ما في العتمة والصبح،
لأتوهما ولو حبوا (22).
قال أبو عمر :
هذه ثلاثة أحاديث في واحد، كذلك يرويها جماعة من أصحاب مالك،
وكذا هي محفوظة عن أبي هريرة : أحدها حديث الذي نزع غصن الشوك عن
الطريق، والثاني حديث الشهداء، والثالث : قوله : لو يعلم الناس ما في النداء
إلى آخر الحديث، وهذا القسم الثالث سقط ليحيى من باب، وهو عنده في باب
آخر، منها ما كان ينبغي أن يكون في باب العتمة والصبح؛ وقوله: ولو يعلم
الناس ما في النداء إلى قوله : ولو حبوا، فلم يروه عنه ابنه عبيد الله في ذلك
الباب. ورواه ابن وضاح عن يحيى، وهو عند جماعة الرواة للموطأ عن مالك،
لا يختلفون في ذلك - فيما علمت.
21) أبي بكر : أ، أبي بكر بن عبد الرحمان - بزيادة (بن عبد الرحمان): ك.
22) الموطأ رواية يحيى ص 44 - حديث (290) - والحديث أخرجه البخاري عن قتيبة عن مالك
به. انظر الزرقاني على الموطأ 271/1.
1
- ١١ -

وفي هذا الحديث من الفقه : أن نزع الأذى من الطرق من أعمال البر،
وأن أعمال البر تكفر السيئات، وتوجب الغفران والحسنات؛ ولا ينبغي للعاقل
المومن أن يحتقر شيئا من أعمال البر، فربما غفر له بأقلها؛ ألا ترى إلى ما في
هذا الحديث من أن الله شكر له إذ نزع غصن الشوك عن الطريق فغفر له
ذنويه. وقد قال - ﴿﴿ -: الإيمان بضع وسبعون شعبة، إحداها لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان(23). وقال الله - عز
وجل - : ﴿فمن (24) يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾. وقال الحكيم :
ومتى تفعل الكثير من الخبير إذا كنت تاركا لأقلبه ..
حدثنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، قال
حدثنا سعيد بن خمير، وسعيد بن عثمان، قالا : حدثنا أحمد بن عبد الله بن
صالح، قال : حدثنا النضر بن محمد، قال : حدثنا عكرمة بن عمار، قال حدثنا
أبو زميل، عن مالك بن مرثد، عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ◌َّمْ
..: تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة،
وإرشادك الرجل في أرض الضلالة(25) صدقة، وتظرك للرجل الردئ البصر
صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق صدقة، وإفراغك من
· دلوك في دلو أخيك لك (26) صدقة (27)
23) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
: أنظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 185/3.
24) في كلتا النسختين (من يعمل)، والتلاوة (فمن يعمل).
25) الضلالة : أ، الضالة : ك.
26) صدقة لك : أ، لك صدقة : ك - وهي الرواية.
27) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في جامعه، وابن حبان في صحيحه من حديث
أبي ذر ذكره في الجامع الصغير ووضع عليه علامة الضعف (ض).
انظر فيض القدير 226/3 - 227.
- 12-

أخبرنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيوب،
حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يوسف بن سابق، حدثنا أبو
معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عَّم - قال :
حوسب رجل فلم يوجد له من الخير إلا غصن شوك نحاه عن الطريق، فغفر
له . - هكذا رواه أبو معاوية عن هشام بهذا الإسناد، وخالفه فيه غير من أصحاب
هشام.
وأما قوله : الشهداء خمسة، فهكذا جاء في (هذا)(28) الحديث، وقد جاء
في غيره مما قد ذكرناه في باب عبد الله بن جابر بن عتيك من كتابنا هذا
عن النبي - ٣ - أنه قال : الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله .
وهذه زيادة، وقد مضى القول في ذلك كله ومعانيه في ذلك الباب من هذا
الكتاب(29) - والحمد لله.
أخبرني خلف بن القاسم، حدثنا علي بن جعفر بن محمد بن عيسى
البغدادي، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك عن سي،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله - عَلالفتح - قال: الشهداء خمسة:
المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله.
وروى مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك بن الحرث بن
عتيك، أن رسول الله - صلاته - قال: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله:
المطعون، والغرق، وصاحب ذات الجنب، والمبطون، والحرق، والذي يموت
تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع . - يعني كلهم شهيد(30).
28) كلمة (هذا) ساقطة في أ، ثابتة في ك.
29) انظر ج 19 / 202.
30) الموطأ رواية يحيى ص 155 - حديث (554).
- 13 -

وقد تقدم تفسير معاني هذا الباب ممهدا في باب عبد الله بن جابر من
هذا الكتاب،(37) فلا وجه لإعادة ذلك ههنا - والحمد لله.
وفي هذا الحديث أيضًا فضل النداء وهو الأذان، وفضل الصف الأول،
وفضل البكور بالهاجرة إلى الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها؛ ولا أعلم
خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة وإن لم يصل في الصف الأول .
أفضل ممن تأخر ثم تخطى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى
فضل الصف الأول أنه ورد من أجل البكور إليه والتقدم - والله أعلم.
وفيه : فضل شهود العتمة والصبح في جماعة، وقد مضت هذه المعاني
مكررة في غير موضع من كتابنا هذا، فلا معنى لتكريرها بعد ههنا.
وفي هذا الحديث أيضا جواز تسمية العشاء بالعتمة - وهو موضع اختلاف
بين أهل العلم، فمن كره ذلك احتج بأن الله - عز وجل - سماها العشاء بقوله :
((ومن بعد صلاة العشاء))(32)، واحتج أيضا بحديث أبي سلمة عن ابن عمر عن
النبي - صَلاتَّ - أنه قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه، إنما هي
العشاء، وإنمان يسمونها العتمة لأنهم يعتمون بالإبل (33). ومن أجاز تسمية
العشاء(34) بالعتمة، فحجته حديث سمي المذكور في هذا الباب - والله الموفق
للصواب.
وأما قوله- وَ اللّ -: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم
يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، فإنما الاستهام على الصف لا على الأذان،
وعليه رجع الضمير في عليه. وقال ابن حبيب : إنما ذلك في الموضع الذي لا
يؤذن فيه إلا واحد كالمغرب، والجمعة تجمع كثرة المؤذنين.
31) انظر ج 19 / 206 - 209.
32) الآية : 58 - سورة النور.
33) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة. انظر الفتح الكبير 3 / 330.
34) العشاء : أ، صلاة العشاء - بزيادة (صلاة) : ك.
- 14 -

قال أبو عمر :
يحضهم على ذلك، لئلا يزهدوا في الأذان، فتبطل السنة فيه بالتواكل
وقلة الرغبة؛ وقد روى أبو حمزة السكري عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله - الله -: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن؛ اللهم
أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين(35)، قالوا: يا رسول الله: لقد تركتنا بعدك
نتنافس في الأذان، فقال : إن بعدكم قوما سفلتهم مؤذنوهم. وهذا حديث انفرد
به أبو حمزة هذا وليس بالقوي(36) _ وبالله التوفيق.
حديث ثالث لشمي
مالك، عن تنتمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة - أن رسول الله - ◌َلالٍ - قال: إذا قال الإمام
(غير المغضوب عليهم ولا الضالين(37))، فقولوا : آمين، فإنه من
وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (38).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته بهذا الإسناد، وروى ابن
وهب فيه عن مالك إسنادا آخر عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة،
أن رسول الله - هو - قال: إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا
35) أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 3 / 182.
36) لعله يعني بذلك قولة أحمد بن حنبل فيه: ما بحديثه بأى، والا فأكثر الأئمة وثقوه. أنظر
تهذيب التهذيب 9 / 489.
37) الآية : 7 - سورة الفاتحة.
38) الموطأ رواية يحيى ص 68 - حديث (192) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
مسلمة عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 181/1.
- 15 -

5
الضالين﴾، فقولوا : آمين؛ فإنه من وافق قوله من أهل الأرض قول أهل السماء
غفر له ما تقدم من ذنبه.
في هذا الحديث دليل على أن الإمام لا يقول : آمين، وأن المأموم يقولها
دونه؛ وهذا الحديث يفسر عند أصحابنا قوله - ◌َّ اللّه -: إذا أمن الإمام فأمنوا، -
يريد : إذا دعا بقوله: ﴿اهدنا(39) الصراط المستقيم﴾ - إلى آخر السورة،
لأن الداعي يسمى مؤمنا، كما يسمى المؤمن داعيا؛ واستدلوا بقول الله - عز
وجل - لموسى وهارون: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾(40)، وإنما كان هارون
مؤمنا وموسى الداعي - فيما قال أهل العلم بتأويل القرآن.
وقال بعض من يقول بأن الإمام يقول آمين إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ . .
لم يرد رسول الله - عطر - بما جاء عنه في هذا الحديث أن الإمام لا يقول :
آمين، لأنه قد صح عنه قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا (41). وصح عنه أنه كان إذا
قال ﴿ولا الضالين) - قال آمين - ورفع بها صوته، وإنما أراد بما جاء عنه في
حديث سمي هذا أن يعرفهم بالموضع الذي يقولون فيه آمين - وهو إذا قال
الإمام: ﴿ولا الضالين﴾، ليكون قولهما معا ولا يتقدموه بقول آمين - والله
أعلم. واحتجوا بقول بلال : يا رسول الله(42) لا تسبقني بآمين. وقد مضى هذا
الخبر فيما سلف من هذا الكتاب في باب أبي الزناد، وباب ابن شهاب؛ ومضى
39) كلمة (اهدنا) ساقطة في أ، ثابتة في ك.
40) الآية : 89 - سورة يونس.
41) أخرجه الجماعة، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 1 / 303.
42) يا رسول الله : أ، لرسول الله : ك.
- 16-

من القول في معنى هذا الحديث هناك ما فيه كفاية - والحمد لله. وفي هذا
الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر لا بأم القرآن ولا
بغيرها، لأن القراءة بها لو كانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن
يؤمن كل واحد(43) منهم بعد فراغه من قراءته؛ لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن
أن يؤمن عند فراغه منها، ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام،
لم يكادوا يسمعون(44) فراغه من قراءة فاتحة الكتاب، فكيف يؤمرون بالتأمين
عند قول الإمام : ﴿ولا الضالين﴾، ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك؟
هذا ما لا يصح.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة
الكتاب، والقياس أن فاتحة الكتاب وغيرها سواء في هذا الموضع، لأن عليهم -
إذا فرغ إمامهم منها أن يؤمنوا، فوجب عليهم أن لا يشتغلوا بغير الاستماع -
والله أعلم.
وأجمع العلماء على أن مراد الله - عز وجل - من قوله: ﴿وإذا قرئ
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾(45) - يعني في الصلاة، وقد مضى القول في
معني هذا الحديث كله، واختلاف العلماء في تأمين الإمام وحجة كل فريق
منهم من جهة الأثر والنظر في ذلك ممهدا مبسوطا في باب ابن شهاب عن
سعيد وأبي سلمة من هذا الكتاب، فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.
43) رجل: أ، واحد: ك - ولعلها أنسب.
44) لم يكادوا يسمعون : أ، لم يسمعوا : ك.
45) الآية : 204 - سورة الأعراف.
- 17-

حديث رابع لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي صالح
السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ◌َالرّ - قال: من قال سبحان
الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد
البحر (46) .
هذا من أحسن حديث يروى عن النبي - ص ٣ - في فضائل الذكر، والآثار
في هذا الباب كثيرة جدا بمعان متقاربة، وبركاتها وفائدتها العمل بها؛ ورحم
الله الشعبي حيث قال : كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان ومحمد بن إبراهيم بن سعيد، قالا
حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي أبو بكر،
قال حدثنا عاصم بن علي، قال : حدثنا أبو معشر، عن مسلم(47) بن أبي مريم،
عن صالح مولى وجرة، عن أم هانيء بنت أبي طالب قالت : جئت إلى رسول
الله - ◌ُ ◌ّ - فقلت يارسول الله، إني امرأة قد ثقلت، فعلمني شيئاً أقوله وأنا
جالسة؛ - قال : قولي : الله أكبر مائة مرة، فهو خير لك من مائة بدنة متجللة
متقبلة؛ وقولي : سبحان الله مائة مرة، فهو خير لك من مائة فرس مسرجة
ملجمة تحملها في سبيل الله، وقولي الحمد لله مائة مرة فهو خير من مائة
رقبة تعتقها من ولد إسماعيل، وقولي لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبا ولا
يشبهها عمل. (48).
46) الموطأ رواية يحيى ص 140 - حديث (489) - والحديث أخرجه البخاري عن القعنبي ومسلم
عن یحیی، كلاهما عن مالك به.
47) مسلم بن أبي مريم : أ، علي بن ملم بن أبي مريم : ك - والصواب نخة أ.
انظر ترجمة ملم بن أبي مريم هذا في تهذيب التهذيب 10 / 138.
48) أخرجه ابن ماجه، انظر ذخائر المواريث 4 / 283.
- 18 -

حديث خامس لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
أن رسول الله - ◌َز - قال: من قال لا إله إلا الله - وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد، وهو على كل ثني الديوبه في يوم مائة
مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه
مائة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من
ذلك(49).
في هذا الحديث دليل على أن الذكر أفضل الأعمال، ألا ترى أن هذا
الكلام إذا قيل مائة مرة يعدل عشر رقاب إلى ما ذكر فيه من الحسنات ومحو
السيئات، وهذا أمر كثير(50)، فسبحان المتفضل المنعم لا إله إلا هو العليم(51)
الخبير.
ومن هذا الباب على ما قلنا قول أبي الدرداء : ألا أدلكم أو أخبركم بخير
أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء
الذهب والورق، وخير من كثير من الصدقة والصوم، وخير من أن تلقوا عدوكم
فتضربوا أعناقهم، ويضربوا(52) أعناقكم؛ قالوا : بلى، قال : ذكر الله.
وقال معاذ بن جبل : ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله
من ذكر الله، وقالوا ذكر الله خير من حطم السيوف في سبيل الله.
49) الموطأ رواية يحيى ص 140 - حديث (488) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن مالك
به. انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 26.
50) كثير : أ، كبير : ك.
(5) العليم : أ، الحكيم : ك.
52) ويضربون : أ، ويضربوا: ك . وهي أنسب.
- 19 -

وقال سعيد بن المسيب وغيره في قول الله - عز وجل -: ﴿والباقيات
الصالحات﴾(53) هي قول لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر،
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال الله - عز وجل - : ﴿(54) خير عند ربك ثوابا وخير
أملا﴾(55) فحسبك بما في الكتاب والسنة من فضل الذكر - وفقنا الله وحبب
إلينا طاعته، وأعاننا عليها بفضله ورحمته أمين.
وهذا وما كان مثله يوضح لك أن الكلام بالخير من ذكر الله وتلاوة القرآن
وأعمال البر أفضل من الصمت، وكذلك القول بالحق كله، والإصلاح بين الناس
وما كان مثله، وإنما الصمت المحمود الصمت عن الباطل.
ذكر معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في
قوله : ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾(56) - قال : عن الباطل.
وقال قتادة في قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾(57) - قال : لا
يساعدون أهل الباطل على باطلهم ولا يمالئونهم.
وقال مجاهد : إذا أوذوا صفحوا.
وروى محمد بن يزيد بن خنيس، عن سفيان، عن سعيد بن حسان، عن
أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله - لاق -:
كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله(58). قال
53) الآيتان : 462 - سورة الكهف، و76 - سورة مريم.
54) في كلتا النسختين : (هي خير)، والتلاوة بإسقاط (هي).
55) الآية: 76 - سورة مريم. وفي: ك: ﴿خير عند ربك ثوابا وخير مردا﴾. الآية : 46 .
سورة الكهف.
56) الآية : 3 - سورة المومنون.
57) الآية : 72 - سورة الفرقان.
58) أخرجه الترمذي وابن ماجه، انظر ذخائر المواريث 4 / 188.
- 20-