النص المفهرس

صفحات 241-260

حديث ثان لسهيل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن
رجلا من أسلم قال : ما نمت الليلة، فقال له رسول الله - 24 - :
ولم(13)؟ قال: لدغتني عقرب، فقال رسول الله - عمق2 - إنك لو قلت
حين أمسيت : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق - لم يضرك
- إن شاء الله.(14)
وروى ابن وهب هذا الحديث عن مالك بإسناده - مثله، إلا أنه قال في
آخره : لم يضرك شيءٍ.
قال ابن وهب : وحدثني سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن سهيل بن
أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - شرائحٍ - بنحو ذلك.
قال : وقال سهيل : فوالله لربما قلتها فضربتني، فما يمنعني ذلك من
حضور العشاء.
قال سعيد : وبلغني أنه من قال حين يمسي : سلام على نوح في العالمين
- لم تلدغه عقرب.
وفي هذا الحديث من الفقه أيضا : أن كلام الله عز وجل - غير مخلوق،
وعلى ذلك أهل السنة أجمعون - وهم أهل الحديث والرأي في الأحكام؛ ولو
كان كلام الله أو كلمات الله مخلوقة، ما أمُر رسول الله - ◌ٍَّ - أحدا أن
يستعيذ بمخلوق؛ دليل ذلك قول الله - عز وجل -: ﴿وإنه كان رجال من
الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) .. (15)
(13) ولم : أ، ولم ذلك: ق، والذي في نسخ الموطأ: (من أي شيء).
(14) الموطأ رواية يحيى ص: 678 حديث (1730) - والحديث أخرجه مسلم من وجه آخر، انظر
الزرقاني على الموطأ 341/4.
(15) الآية : 6 سورة الجن.
- 241 -

وفيه إباحة الرقى بكتاب الله، أو ما كان في معناه من ذكر الله؛ وفي
ذلك دليل على إباحة المعالجة والتطبب والرقى، وقد مهدنا هذا المعنى في
باب زيد بن أسلم، وتكرر في مواضع من هذا الكتاب - والحمد لله.
حديث ثالث لسهيل بن أبي صالح
مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي
هريرة، أن رسول الله - عجّ - قال: إذا رأيت الرجل يقول: هلك
الناس، فهو أهلكهم.(16)
هذا معناه عند أهل العلم : أن يقولها الرجل احتقارا للناس وإزراء عليهم،
وإعجابا بنفسه؛ وأما إذا قال ذلك تأسفا وتحزنا وخوفا عليهم لقبح ما يرى من
أعمالهم، فليس ممن عني بهذا الحديث؛ والفرق بين الأمرين : أن يكون في
الوجه الأول راضيا عن نفسه، معجبا بها، حاسدا لمن فوقه، محتقرا لمن دونه؛
ويكون في الوجه الثاني ماقتا لنفسه، موبخا لها، غير راض عنها.
روينا عن أبي الدرداء - رحمه الله - أنه قال: لن يفقه الرجل كل الفقه
حتى يمقت الناس كلهم في ذات الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا.
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير،
حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، حدثنا ضرة بن ربيعة، عن صدقة بن
يزيد، عن صالح بن خالد، قال : إذا أردت أن تعمل من الخير شيئا، فأنزل
الناس منزلة البقر، إلا أنك لا تحقرهم.
(16) الموطأ رواية يحيى ص 697 حديث (1802) - والحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك به. انظر
الزرقاني على الموطأ 400/4.
- 242 -

قال أبو عمر :
معنى هذا - والله أعلم - أي لا تلتمس من أحد فيه شيئا غير الله، وأخلص
عملك له وحده؛ كما أنك لو اطلع عليك البقر وأنت تعمله لم ترج منها عليه
شيئا، فكذلك لا ترجو من الآدميين؛ ثم بين لك المعنى فقال : إلا أنك لا
تحقرهم.
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد
ابن جرير، حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن يحيي بن جعدة، قال: قال رسول الله - بر - في حديث ذكره:
إنما الكبر من غمط الحق وحقر الناس . - هكذا قال : وحقر الناس.
وذكر ابن المبارك عن عبد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال : إذا
لبست ثوبا فظننت أنك في ذلك الثوب أفضل منك في غيره، فبئس الثوب هو
لك.
وقال مسلم بن يسار: كفى بالمرء من الشر أن يرى أنه أفضل من أخيه.
حدیث رابع لسهيل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن
رسول الله - عز - قال : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا
منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير.(17)
لم يختلف الرواة عن مالك في شيء من هذا الحديث، ولا اختلف على
سهيل في ذلك أيضا؛ وقد روى هذا المعنى عن النبي - ق - جماعة من
(17) الموطأ رواية يحيى ص 319 - حديث (1027) - والحديث أخرجه مسلم والترمذي، انظر الزرقاني
على الموطأ 64/3 - 65.
- 243 -

أصحابه، منهم : عبد الرحمان بن سمرة، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم،
وأبو هريرة؛ إلا أنهم اختلف عن جميعهم في هذا الحديث في الكفارة قبل
الحنث، أو الحنث قبل الكفارة؛ فروي عن كل واحد منهم الوجهان جميعا.
واختلف الفقهاء في جواز الكفارة قبل الحنث على ما نذكره في هذا الباب بعد
ذكر ما حضرني من الآثار فيه، وأجمعوا على أن الحنث قبل الكفارة مباح
حسن جائز، وهو عندهم أولى.
حدثنا خلف بن القاسم - رحمه الله - قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن
الورد، قال حدثنا عبيد الله بن محمد العمري؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان،
قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قالا(18) حدثنا إبراهيم
ابن حمزة الزبيري، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن
عمر، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري، عن عبد الرحمان بن سمرة - أن
رسول الله - ◌َّ - قال: يا عبد الرحمان بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن
تعطها عن مسألة لا تعان عليها، وإن تعطها عن غير مسألة تعان عليها؛ وإذا
حلفت على يمين فرأيت (غيرها(19)) خيرا منها، فكفر عن يمينك وائت الذي
هو خير منها. فهذا على مثل ما في حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة -
جواز تقديم الكفارة على الحنث.
وحدثنا خلف بن القاسم، حدثنا الحسين بن جعفر بن إبراهيم الزيات أبو
أحمد، قال حدثنا يوسف بن يزيد، قال حدثنا سعيد بن منصور، قال حدثنا
هشيم، قال أخبرنا يونس ومنصور وحميد، عن الحسن، عن عبد الرحمان بن
سمرة القرشي، قال: قال رسول الله - شجّعٍ -: يا عبد الرحمان بن سمرة، إذا
آليت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير، وكفر عن
(18) قال : أ، قالا : ق - وهي الصواب.
(19) كلمة (غيرها) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
- 244 -

يمينك؛ قال : ولا تسألن الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها أو
وكلت فيها إلى نفسك، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها.
ففي هذا الحديث عن عبد الرحمان بن سمرة : خلاف ما تقدم، وأظن
ذلك - والله أعلم - لأن(20) الحديث الأول من رواية أهل المدينة عن أهل
البصرة، فجاءوا به على مذهبهم في ذلك والحديث الثاني من رواية أهل البصرة
بعضهم عن بعض، فجاءوا به على مذهبهم أيضا. ورواية أهل المدينة في هذا
أثبت وأكثر، وما أظن حديث عثيم هذا إلا وهما، لأن عبيد الله بن عمر أثبت
منه.
وقد روى حماد بن سلمة عن يونس، عن الحسن خلاف ما رواه هشيم عن
يونس، ورواية حماد بن سلمة توافق رواية عبيد الله بن عمر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا حجاج بن منهال، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن
يونس وحميد وثابت وحبيب، عن الحسن، عن عبد الرحمان بن سمرة - أن
النبي - ◌َّ - قال: يا عبد الرحمان بن سمرة، إذا حلفت على يمين فرأيت
غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير.
فهؤلاء كلهم على تقديم الكفارة قبل الحنث، وكذلك رواه قتادة عن
الحسن، عن عبد الرحمان بن سمرة. ذكره أبو داود عن يحيى بن خلف، عن عبد
الأعلى، عن سعيد، عن قتادة. وكذلك رواه سليمان التيمي، عن الحسن، عن
عبد الرحمان بن سمرة؛ حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا مضر، قال حدثنا أمية بن بطام، قال حدثنا المعتمر بن
سليمان، قال : سمعت أبي.
(20) لأن : أَ، أن : ق.
- 245 -

وكذلك رواه قرة بن خالد، عن الحسن، عن عبد الرحمان بن سمرة؛
حدثناه عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا
مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا قرة.
وكذلك رواه حماد بن زيد، عن يونس، وهشام، وسماك بن عطية، عن
الحسن، عن عبد الرحمان بن سمرة؛ حدثناه سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن
سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا محمد
ابن عبيد، حدثنا حماد بن زيد.
ورواه ابن عون، عن الحسن، عن عبد الرحمان بن سمرة، فجعل الحنث
قبل الكفارة.
وأما رواية أبي موسى الأشعري، فأحسن ما فيها وأصحه : تقديم الكفارة
قبل الحنث :
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد، قال حدثنا غيلان بن جرير،
عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، أن النبي - ◌َ ◌ّ - قال: إني والله - إن
شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني
وأتيت الذي هو خير. أو قال : أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.(21)
قال أبو داود : أحاديث أبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة
- كذا روى عن كل واحد منهم في بعض الروايات : الكفارة قبل الحنث، وفي
بعض الروايات : الحنث قبل الكفارة، قال :(22) وسمعت أحمد بن حنبل يقول :
إن شاء كفر بعد الحنث، وإن شاء كفر قبل الحنث.(23)
(21) انظر سنن أبي داود 205/2.
(22) قال : وسمعت : أ، قال أبو داود: وسمعت : ق.
(23) انظر سنن أبي داود 205/2.
- 246 -

قال أبو عمر :
وعلى هذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما - وهو الثابت في حديث
عبد الرحمان بن سمرة، وأبي هريرة، وليس في هذا الباب أعلى منهما؛ ولا
تقدم الكفارة إلا في اليمين بالله خاصة.
وقال مالك وجمهور أصحابه إلاأشهب : من كفر عن غيره بأمره أو بغير
أمره أجزأه.
وقال أشهب : لا يجزيه إذا كفر عنه بغير أمره، لأنه لا نية للكفارة في
تلك الكفارة - واختاره الأبهري؛ لأن الكفارة فرض لا يتأدى إلا بنية إلى أدائه،
وهذا قول الشافعي، وأكثر الفقهاء؛ وقد ذكرنا هذه المسألة في تكفير الرجل عن
غيره في باب ربيعة من هذا الكتاب. (24)
وكان أبو حنيفة وأصحابه : لا يجيزون الكفارة قبل الحنث، لأنها إنما
تجب بالحنث؛ والعجب لهم أنهم لا تجب الزكاة عندهم إلا بتمام مرور الحول،
ويجيزون تقديمها قبل الحول من غير أن يروا في ذلك مثل هذه الآثار،
ويأبون من تقديم الكفارة قبل الحنث مع كثرة الرواية بذلك؛ والحجة في السنة
ومن خالفها محجوج بها - والله المستعان.
وأما الأيمان، فمنها ما يكفر بإجماع؛ ومنها ما لا كفارة فيه بإجماع،
ومنها ما اختلف في الكفارة فيه؛ فأما التي فيها الكفارة بإجماع من علماء
المسلمين، فهي اليمين بالله على المستقبل من الأفعال؛ وهي تنقسم قسمين :
أحدهما أن يحلف بالله ليفعلن ثم لا يفعل، والآخر أن يحلف أن لا يفعل في
المستقبل أيضا ثم يفعل.
وأما التي لا كفارة فيها بإجماع فاللغو، إلا أن العلماء اختلفوا في مراد
الله من لغو اليمين التي لا يؤاخذ الله عباده بها، ولم يوجب الكفارة فيها:
(24) انظر التمهيد ج 65/3 - 66.
- 247 -

فقال قوم : هو أن يحلف الرجل على الماضي في الشيء يظن أكبر ظنه أنه كما
حلف عليه، وأنه صادق في يمينه، ثم ينكشف له بخلاف(25) ذلك؛ هذا قول
روي معناه عن جماعة من السلف :
أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا دحيم، حدثنا
عبد الله بن نافع، قال حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، عن أبي هريرة،
قال : إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو (26) فهو
اللغو، وليس فيه كفارة.
وروى ابن المبارك عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن عكرمة، عن
: ابن عباس - في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾.(27) - قال :
هو الرجل يحلف على الأمر يرى أنه كذلك وليس كذلك.
وجاء عن الحسن، وإبراهيم، وسليمان بن يسار، ومجاهد، وأبي مالك،
وزرارة بن أوفى - مثل ذلك، وإليه ذهب مالك وأصحابه، والأوزاعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه؛ إلا أن مالكا وأصحابه يقولون إن اللغو: أن
يحلف على الشيء الماضي يوقن (28) أنه كما حلف عليه - ولا يشك فيه؛ فإن
شك فيه، فهي عندهم يمين غموس حينئذ لا كفارة فيها، لعظم إثمها كاليمين
الغموس الكاذبة سواء.
وقال آخرون : اللغو : قول الرجل لا والله، وبلى والله - وهو غير معتقد
لليمين ولا مريد لها . - هذا قول عائشة وجماعة من التابعين، وفقهاء المسلمين،
منهم الشافعي.
(25) بخلاف ذلك : أ، بغير ذلك : ق.
(26) ليس هو : أ، ليس هو به بزيادة (به) : ق.
(27) الآيتان : 225 البقرة، 89 سورة المائدة.
(28) يوقن أنه : أ يوقن على أنه : ق.
- 248 -

واختلف عن ابن عباس في ذلك : فروي عنه كقول أبي هريرة، وروي
عنه كقول عائشة، وهو قول عطاء، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعكرمة،
والحسن البصري؛ وقد روي عن ابن عباس في اللغو قول ثالث - إن صح عنه -
قال : لغو اليمين : أن تحلف وأنت غضبان.
وقال مسروق : اللغو من اليمين؛ كل يمين في معصية وليس فيها كفارة.
وقال سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال مثل أن يحلف فيما لا ينبغي
له، أو يحرم شيئا هو له حلال، فلا يواخذه الله بتركه ويؤاخذه إن فعله.
وأما التي اختلف في الكفارة فيها، فهي اليمين الغموس، وهي أن يحلف
الرجل على الشيء الماضي - وهو يعلم أنه كاذب في يمينه يتعمد(29) ذلك؛
فذهب الأكثر من العلماء إلى أن لا كفارة فيها على ما ذكرنا في باب العلاء
من كتابنا هذا. وذهب قوم منهم : الشافعي، والأوزاعي، إلى أن فيها الكفارة.
وقال ابن خواز بنداد - حاكيا عن أصحاب مالك ومذهبه : الأيمان عندنا
ثلاثة : لغو، وغموس لا(30) كفارة فيهما، ويمين معقودة فيما يستقبل، فيها
الاستثناء والكفارة. قال : وصفة اللغو: أن يحلف الرجل على الماضي أو الحال
في الشيء يظن أنه صادق، ثم ينكشف له بخلاف ذلك، فلا كفارة عليه.
قال : والغموس هو أن يعمد للكذب في يمينه على الماضي، قال : ولا
لغو في عتق ولا طلاق، وإنما اللغو في اليمين بالله، وفيها الاستثناء.
قال : وقال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والطبري - بقولنا أن لا كفارة
الغموس.
قالٍ : وقال الأوزاعي، والشافعي - في الغموس الكفارة.
(29) فتعمد : أ، يتعمد: ق - ولعلها أنسب.
(٧٥ ١: أ، ولا : ف.
~ 249 -

وقال : الشافعي : اللغو سبق اللسان باليمين من غير قصد ولا اعتقاد،
وذلك سواء في الماضي والمستقبل.
قال الشافعي : ولو عقد اليمين على شيء يظنه صدقا، فانشكف له خلاف
ذلك فإن عليه الكفارة، وسواء في ذلك الماضي والمستقبل.
قال أبو عمر :
اختلاف السلف في اللغو على أربعة أقاويل : أحدها قول مالك ومن قال
بقوله في الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك على ما
تقدم.
وقال بعضهم : هي اليمين في الغضب.
وقال بعضهم : هي اليمين في المعصية.
وقال بعضهم : هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله - من غير اعتقاد
يمين، وهو قول عائشة وابن عباس في رواية، وإليه ذهب الشافعي.
وقال الثوري في جامعه - وذكره المروزي عنه أيضا - قال سفيان الثوري
: الأيمان أربعة : يمينان تكفران - وهو أن يقول الرجل : والله لا أفعل فيفعل،
أو يقول : والله لأفعلن ثم لا يفعل؛ ويمينان لا تكفران: أن يقول : والله ما
فعلت وقد فعل، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل.
قال المروزي : أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء أنه
على ما قال سفيان؛ وأما اليمينان الأخريان، فقد اختلف أهل العلم فيهما؛ فإن
كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه .
صادقا يرى أنه على ما حلف عليه؛ فلا أثم عليه في قول مالك، وسفيان،
وأصحاب الرأي؛ وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقال الشافعي : لا إثم عليه - وعليه الكفارة. قال المروزي : وليس قول
الشافعي في هذا بالقوي، قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا - وقد
- 250-

فعل كذا متعمدا للكذب، فهو آثم ولا كفارة عليه مي فول عامة العلماء مالك،
وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد. وكان
الشافعي يقول : يكفر؛ قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي.
قال المروزي : أميل إلى قول مالك، وسفيان، وأحمد: قال: وأما يمين
اللغو التي اتفق عامة العلماء على أنها لغو، فهو قول الرجل: لا والله، وبلى
والله - في حديثه -، وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها.
قال أبو عمر :
قد مضى من قوله، وحكايته عن مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمد،
وأبي عبيد، وأبي ثور - في معنى اللغو غير هذا؛ والذي حكاه في الوجهين
جميعا في اللغو صحيح، والذي عليه أكثر العلماء ما ذكر آخرا - وهو قول
عائشة، وابن عباس؛ وقد مضى في اليمين الغموس من كشف مذهب الشافعي
وسائر العلماء في ذلك ما فيه كفاية، وبيان في باب العلاء بن عبد الرحمان
من كتابنا هذا، فلا معنى لتكرير ذلك ههنا - وبالله التوفيق والرشاد لا شريك
له.
ذكر ابن وهب قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب - أن عروة بن الزبير
حدثه أن عائشة زوج النبي - ◌َ ◌ّ - قالت : أيمان اللغو ما كان في المراء
والهزل في المزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب؛ وأيمان الكفارة كل
يمين حلف فيها على وجه من الأمر في غضب أو غيره : ليفعلن أو ليتركن،
فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة. قال ابن شهاب : قال الله :
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الأيمان) . - وسئل عن الأيمان ما توكيدها ؟ فقال : توكيدها: ما حلف عليه
الرجل أن يفعله جادا، ففي تلك الكفارة وما كان من يمين لغو، فإن الله قد
عفا عنها.
- 251 -

وذكر بقي، عن وهب، عن خالد، عن مغيرة، عن إبراهيم : لغو اليمين أن
أقول : لا والله، وبلى والله - صلة الحديث.
قال : وحدثنا هناد، عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن الشعبي. قسم .
لغو قول الرجل : لا والله، وبلى والله يصل بها كلامه، ما لم يكن في .قـ
عليه قلبه؛ وهو قول عكرمة، وأبي صالح، وأبي قلابة، وطائفة. (وكان سعيد بن
جبير يذهب إلى أن اللغو: أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له أن يحلف عليه.
مثل أن يحرم شيئا هو له مالك، فلا يؤاخذه الله بتركه، ولكن يؤاخذ، إن
فعله).(31)
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن
يعقوب بن جهور، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله
ابن كناسة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت : كان أبي لا
يحنث حتى نزلت كفارة اليمين.
واختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف : فقال الشافعي، وأبو ثور :
كفارات اليمين تخرج من رأس مال الميت.
وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث، وكذلك قال مالك إن أوصى بها.
2
٦) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق - والمعنى يقتضيه.
- 252 -

حديث خامس لسهيل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي
هريرة، أن سعد بن عبادة قال لرسول الله - تعالى -: أرأيت إن (32)
وجدت مع امرأتي رجلا، آآمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال(33) :
نعم. (34)
قال أبو عمر :
في هذا الحديث النهي عن قتل من هذه حاله تعظيما للدم، وخوفا من
التطرق إلى إراقة دماء المسلمين بغير ما أمرنا الله به من البينات، أو الإقرار
الذي يقام عليه؛ وسدا لباب الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت في
الشريعة إليه، وأمر فيها بإقامة الحق على الوجوه التي ورد التوقيف بها؛ وقد
مضى في غير موضع من كتابنا هذا ذكرها.
وثبت عن النبي - عَاتٌ - أنه قال: لو أعطي قوم بدعواهم، لادعى أقوام
دماء أقوام وأموالهم.(35)
وروى مالك - رحمه الله - عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب،
أن رجلا من أهل الشام؛ يدعى ابن خيري وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلهما،
فأشكل على معاوية القضاء فيه، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي
(32) لو أني وجدت: أ، إن وجدت : ق - وهي الرواية.
(33) كذا في النسختين، والذي في الموطأ: (قال رسول الله - زائر).
(34) الموطأ رواية يحيى ص 523 - حديث (1413) - والحديث رواه مسلم، انظر الزرقاني على الموطأ
.17/4
(35) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه من حديث ابن عباس. انظر الجامع الصغير بشرح فيض
القدير 334/5.
- 259 -

ابن أبي طالب؛ فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب، فقال له علي بن
أبي طالب : إن هذا لشيء ما هو بأرضي، عزمت عليك لتخبرني؛ فقال أبو
موسى : كتب إلي معاوية بن أبي سفيان أسألك عن ذلك، فقال علي : أنا أبو
الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته.(36) فأدخل مالك في موطئه قول
علي هذا فأخذ حديثه المسند عن سهيل تفسيرا له، وكشفا عن معناه وعملا به؛
ولم يزد على ذلك في بابه، وهو كاف على ما وصفنا، وعلى ذلك جمهور
العلماء.
وزعم أبو بكر البزار أن مالكا انفرد بحديثه عن سهيل في هذا الباب، وأنه
لم يروه غيره، ولا تابعه أحد عليه؛ وأظنه لما رأى حماد بن سلمة قد أرسله
وأسنده مالك، ظن أنه انفرد به ولیس کما ظن البزار.
وقد رواه سليمان بن بلال، عن سهيل - مسندا - عن أبيه، عن أبي هريرة
- کما رواه مالك.
ورواه الدراوردي أيضا عن سهيل بإسناده - نحو رواية سليمان بن بلال :
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا سليمان بن بلال، قال
"حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : قال سعد بن عبادة
لرسول الله - عَ لَّه -: لو وجدت رجلا مع أهلي لم أقتله حتى آتي بأربعة
شهداء؟ قال رسول الله - عَلَّه -: نعم. قال: لا والذي بعثك بالحق إن كنت
لأعاجله بالسيف قبل ذلك! قال رسول الله - صَ لّم -: اسمعوا إلى ما يقول
سيدكم، إنه لغيور ولأنا أغير منه، والله أغير مني.
(36) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 337/8.
- 254 -

(قال أبو عمر :
فهذا سليمان بن بلال قد رواه مسندا - كما رواه مالك؛ ولو لم يروه أحد
غير مالك - كما زعم البزار، ما كان في ذلك شيء؛ لكن أكثر السنن والأحاديث
قد انفرد بها الثقات، وليس ذلك بضائر لها ولا لشيء منها؛ والمعنى الموجود في
في هذا الحديث مجتمع عليه قد نطق به الكتاب المحكم، وقد وردت به السنة
الثابتة، واجتمعت عليه الأمة؛ فأي انفراد في هذا ؟ وليت كل ما انفرد به
المحدثون كان مثل هذا).(37)
وذكر مسلم بن الحجاج، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا عبد
العزيز - يعني الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن سعد بن
عبادة الأنصاري قال : يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا
أيقتله؟ قال رسول الله - مَافع -: لا. قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق.
فقال رسول الله - ◌َجّ - : اسمعوا إلى ما يقول سيدكم.(38)
وذكر مسلم أيضا حديث مالك، وحديث سليمان بن بلال، عن سهيل(39) -
على حسبما ذكرناهما ههنا.
وأما حديث حماد بن سلمة، فأخبرناه خلف بن أحمد، قال حدثنا أحمد
ابن مطرف، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا الحسن بن عبد اللـه
البالسي، قال حدثنا الهيثم بن جميل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن سهيل بن
أبي صالح، عن أبيه، عن سعد بن عبادة - أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو
رأيت رجلا مع امرأتي لأتركه حتى أدعو أربعة من الشهداء ؟ فقال رسول الله
- ◌َّ - : نعم، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب إذا لأعجلته بالسيف! فقال
رسول الله - عَّةٍ -: إن سعدا لغيور، وإني لأغير منه، وإن الله لأغير منا.
(37) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق، وبين النسختين اختلاف.
(38) انظر صحيح مسلم 328/6 - هامش إرشاد السارى.
(39) المرجع السابق.
- 255 -

قال أبو عمر :
يريد - والله أعلم - أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع
غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله، وأن لا يتعدى حدوده، فالله ورسوله أغير:
ولا خلاف - علمته - بين العلماء فيمن قتل رجلا ثم ادعى أنه إنما قتله، لأنه
وجده مع امرأته بين فخذيها ونحو ذلك من وجوه زناه بها. ولم يعلم ما ذكر
عنه إلا بدعواه؛ أنه لا يقبل منه ما ادعاه، وأنه يقتل به إلا أن يأتي بأربعة
شهداء يشهدون أنهم رأوا وطئه لها وإيلاجه فيها. ويكون مع ذلك محصنا مسلما
بالغا أو من يحل دمه بذلك؛ (فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا، وإلا قتل؛
وهذا أمر واضح لو لم يجئ به الخبر، لأوجبه النظر؛ لأن الله حرم دماء
المسلمين تحريما مطلقا، فمن ثبت عليه أنه قتل مسلما فادعى أن المسلم قد
كان يجب قتله، لم يقبل منه رفعه القصاص عن نفسه حتى يتبين ما ذكر؛
وهكذا كل من لزمه حق لادمي، لم يقبل قوله في المخرج منه إلا ببينة تشهد
له بذلك).(40)
. . وفي حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي
في قصة ابن خيري الذي قدمنا بيان ما وصفنا. وقد رواه عن يحيى بن سعيد
كما رواه مالك سواء : - معمر، والثوري، وابن جريج - ذكره عبد الرزاق عنهم.
وذكره عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، قال: سأل رجل النبي - صل الة -
فقال: رجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فقال النبي - مَ له - : لا إلا بالبينة؛
فقال سعد بن عبادة: وأي بينة أبين من السيف ؟ فقال النبي - صلاته - ألا
تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا : لا تلمه يا رسول الله، فإنه رجل غيور؛ والله
ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط فاستطاع أحد منا أن يتزوجها؛
فقال النبي - ◌َّ -: يأبى الله إلا بالبينة.(41)
(40) ما بين القوسين زيادة من ق، وبين النسختين اختلاف.
(41) انظر المصنف 434/9 - حديث (17917).
- 256 -

قال : وأخبرنا معمر عن كثير بن زياد، عن الحسن في الرجل يجد مع
امرأته رجلا؛ قال: قال رسول الله - ◌َ ◌ّ: كفى بالسيف شاء يريد أن يقول
شاهدا - فلم يتم الكلمة. قال : إذا تتابع فيه السكران والغيران. (42) قر أبو عبيد
التتابع قال : التهافت فعل الشيء بغير تثبت.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال : لما نزلت
﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾.(43) - قال
سعد بن عبادة : أي لكع إن تفخذها رجل فذهبت أن أجمع الشهداء، لم أجمعهم
حتى يقضي حاجته؛ فقال رسول الله - علاقة: ألا تسمعون إلى قول سيدكم ..
وذكر معنى حديث ابن شهاب إلى آخره، وقال: فقال النبي - عَز - لا إلا
بالبينة التي ذكر الله.
وقد روى أهل العراق في هذه المسألة عن عمر بن الخطاب أنه أهدر دمه
- ولم يصح، وإنما يصح عن عمر أنه أهدر دم الذي أراد اغتصاب الجارية
الهذلية نفسها، فرمته بحجر ففضت كبده فمات؛ فارتفعوا إلى عمر، فقال : ذلك
قتيل الله، والله لا يودى أبدا . - ذكره معمر عن الزهري، عن القاسم بن محمد،
عن عبيد بن عمير؛ قال الزهري : ثم قضت القضاة بعد بأن يودى. (44)
قال أبو عمر :
ففي هذا جاء عن عمر أنه أهدر دمه، لأنها دفعته عن نفسها، فأتى دفعها
على روحه، لا في الذي وجد مع امرأته رجلا.
وقد روى الثوري عن مغيرة بن النعمان، عن هانئ بن حرام - أن رجلا
وجد مع امرأته رجلا فقتلهما، فكتب عمر بكتاب في العلانية أن أقيدوه، وكتابا
(42) المصدر السابق حديث (17918.
(43) الآية : 6 سورة النور.
(44) المصنف 435/9 - حديث (17979).
- 257 -
التمهيدچ٢١

في السر أن أعطوه الدية. (45) وهذا لا يصح مثله عن عمر - والله أعلم، ولم تكن
في أخلاقه المداهنة في دين الله.
وقد روي هذا الحديث قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن المغيرة بن
الثّعَمَّانَّ، ثمنَّ مالك بن أنس، عن هانئ بن حزام. وهانئ بن حزام أو حرام
مجهول، وحديثه هذا لا حجة فيه لضعفه.
وذكر وكيع عن عاصم، عن الشعبي، قال: كان يچلان أخوان من الأنصار
يقال لأحدهما البعث، فغزا في جيش من جيوش المسلمين؛ قال: فقالت امرأة
أخيّه لأخيه: هل لك في امرأةٍ أخيك معها رجل يحدثها؟ فصعد فأشرف عليه
ـروب
- وهي معها على فراشها وهي تنتف له دجاجة + وهو يقول :.
خلوت بعرسه ليل التمام
وأشعث غره الإسلام مني
أبيتٍ على حينإياها ويمسى على دهماء لإحقيبة الجزام
كهانه مواضيع الربلات (46) منها قيام قد جفعن إلى قسم
ثلا قال بفوثب إليه الرجل فضربه بالسيف حتى قتله ثم القامة فأصبح قتيلا
بالمدينة؛ فقال عمر: أنشد الله رجلا كان عنده من هو أعلم إلا قام بدمد فقام
رجل فأخبره الالقصة؛ فقال: سخقا: وبعدًا: "
قال أبو عمر :
لهمنهذا الجير منقطع وليس فيه شهادة قاطعة على معاينة القتل، ولا إقرار
المقاتل، فلا حجة فيه؛ وقد روى هذا الخبر ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن
عمير(47) فجعله في غير هذه القصة، وأنشد الأبيات :
(45) المصدر نفسه 435/9 - 436 حديث (17921).
(46) الربلات جمع ربلة : أصول الافخاذ.
(47) انظر المصنف 435/9 حديث (17920).
- 258 -

لهوت بعرسه ليل التمام
وأشعث غره الإسلام مني
على حمراء مائلة الحزام
أبيت على ترائبها ويطوي
فئام يرجعون إلى فئام
كأن مواضع الربلات منها
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن مجاهد أنه كان ينكر أن يكون
عمر أهدر دمه إلا بالبينة.
قال ابن جريج : وقال عطاء : لا إلا بالبينة.
وقد جاء عن عمر في رجل وجد رجلا في داره ملفوفا في حصير بعد
العتمة - أنه ضربه مائة جلدة. وأصح ما في هذا ما قاله علي - رضي الله عنه -
إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته . - وهو معنى حديث النبي - ◌َة -
وقوله في ذلك : لا إلا بالبينة. وعلى هذا جمهور الفقهاء؛ وقد قال ابن القاسم
في. هذه المسألة: لو كان المقتول بكرا حده الجلد فقتله، ثم أتى بأربعة شهداء
أنهم رأوا ذلك كالمرود في المكحلة؛ قال ابن القاسم : يستحب في هذا أن
تكون الدية على القاتل في ماله يؤديها إلى أولياء المقتول، وغيره يرى عليه
في ذلك القود، لأنه قتل من لم يجب عليه القتل.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري، قال : إذا قطع رجل يد السارق، أو قتل
الزاني قبل أن يبلغ السلطان؛ فعليه القصاص، وليس على الزاني والسارق غير
ذلك - قد أخذ منهما الذي كان عليهما؛ قال : وإذا قتل المرتد قبل رفعه إلى
السلطان، فليس على قاتله شيء. (48)
وقال معمر عن الزهري فيمن افتات على السلطان في حد عليه العقوبة
ولا یقتل.
(48) انظر المصنف 418/9 - حديث (17850).
:
- 259 -

قال أبو عمر :
قول مالك وأصحابه وأكثر الفقهاء في هذا كقول الزهري، وليس هذا
الباب موضع ذكر هذه المسألة، وقد ذكرنا منها ما فيه - والحمد لله - كفاية
وشفاء، وقد مضى القول في أحكام اللعان ممهدا في باب ابن شهاب، وباب نافع
من هذا الكتاب - والحمد لله.
حديث سادس لسهيل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي
هريرة، أن رسول الله - صَلّ - قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المومن
فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع
الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا؛ فإذا غسل يديه خرجت من
يديه كل خطيئة بطشتهما يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى
يخرج نقيا من الذنوب.(49)
هكذا هو في الموطأ في هذا الحديث : بطشتهما يداه - ليحيى وغيره
جماعة - بتثنية الضمير المتصل بالفعل - وهو ضمير الخطيئة، والخطيئة مفردة .
وليس بالجيد؛ لأن التثنية إنما هي لليدين لا الخطيئة، ويقال إنه في رواية
4
ابن وهب عن مالك كذلك أيضا.
(49) الموطأ رواية يحيى ص 31 حديث (60)، والحديث أخرجه ملم والترمذي، انظر الزرقاني على
الموطأ 69/1.
- 260 -