النص المفهرس

صفحات 161-180

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أُصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حوشب بن عقيل، عن
مهدي الهجري، قال حدثنا عكرمة، قال : كنا عند أبي هريرة في منزله فحدثنا
أن رسول الله جل نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وروى حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: أفطر رسول الله ◌َيُّ بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه.
وفي حديث حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال :
حدثتني أم الفضل أن رسول الله جات أفطر بعرفة، أتته بلبن فشربه.
حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة،
قال : حدثنا داود بن نوح، حدثنا حماد، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن
عباس، أنه أفطر بعرفة وأتي برمان فأكله، وقال : حدثتني أم الفضل - فذكره.
وحديث ابن علية ذكره ابن أبي شيبة عنه، وهذا كله يدل على أن فطر
رسول الله وَال يوم عرفة في حديث أم الفضل كان بعرفة؛ وقد ذهبت طائفة
إلى ترك صومه بعرفة وغير عرفة للدعاء، وقالوا : دعاء يوم عرفة بعرفة وغيرها
دعاء مرجو إجابته؛ وممن ذهب إلى هذا : عبيد بن عمير، ومحمد بن المنكدر؛
وكان ابن عباس يقول لأصحابه: من صحبني من ذكر أو أنثى - فلا يصم يوم
عرفة.
وروى سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، أنه قال : أفطر يوم عرفة
لأتقوى على الدعاء، وهذا ممكن أن يكون بعرفة، لأنه موضع الاجتهاد في
الدعاء مع ما فيه القوم من النصب والتعب بالسفر؛ وأما ما روي في فضل
صومه - وذلك يدل على أنه بغيره - والله أعلم.
فحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا داود بن
- 161 -
التمهيدج٢١

شابور، عن أبي فزعة، عن أبي الخليل، عن أبي حرملة(40)، عن أبي قتادة أن
رسول الله عَ ل قال: صيام يوم عرفة يكفر هذه السنة والتي تليها (41). وهذا
الحديث(42) اختلف في إسناده اختلافا يطول ذكره، وأبو الخليل، وأبو حرملة لا
يحتج بها؛ وطائفة تقول : أبو حرملة، وطائفة تقول حرملة بن إياس الشيباني؛
ولكنه صحيح عن أبي قتادة من وجوه : روى شعبة، عن غيلان بن جرير
المعولي، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، قال سئل رسول
الله يقل عن صوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية. ذكره أبو بكر بن
أبي شيبة(43)، عن شبابة، عن شعبة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شعبة، عن غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة
الأنصاري أن رسول الله ماقلّ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة
الماضية والباقية. وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : يكفر السنة الماضية. وهذا
إسناد حسن صحيح، وهو يعضد ما تقدم.
حدثنا خلف بن سعيد، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد
ابن خالد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سليمان بن أحمد الواسطي، حدثنا
عمر بن عبد الواحد، حدثنا إسحاق بن عبد الله، عن عياض بن عبد الله بن أبي
سرح، عن أبي سعيد الخدري، عن قتادة بن النعمان، قال: سمعت رسول الله اللّه
· يقول : صوم يوم عرفة كفارة سنتين: سنة أمامه، وسنة خلفه.
(40) جملة (عن أبي حرملة) ساقطة في مسند الحميدي حسب النخة التي بين أيدينا.
(41) انظر مند الحميدي 205/1 - حديث (429).
(42) الحديث : أ، حديث : ق.
(43) لعله أخرجه بهذا السند في السند، والذي في المصنف ذكره عن وكيع عن مهدي بن ميمون،
عن غيلان، انظر ج 96/3.
- 162 -

قال أبو عمر :
إسحاق هذا، هو إسحاق بن أبي فروة، وهو ضعيف، والفضائل يتسامح في
أسانيدها.
وذكر الفاكهي قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا المغتمر بن
سليمان، قال : قرأت على فضيل، عن أبي حريز أنه سمع سعيد بن جبير يحدث
أن رجلا سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة، فقال : كنا - ونحن مع رسول
الله ◌ُّ نعدله بصوم سنة؛ وهذا يوضح لك ما ذكرناه، وبذلك يصح استعمال
الروايات كلها عن ابن عمر وغيره في هذا الباب.
وأما حديث عقبة بن عامر في هذا الباب، فحدثناه أحمد بن محمد بن
أحمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا موسى بن
معاوية، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، عن موسى بن
علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن النبي ◌ُ قّ قال : إن يوم عرفة
ويوم النحر وأيام التشريق عندنا - أهل الإسلام - وهي أيام أكل وشرب.
وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا محمد بن
إبراهيم بن حيون، قال حدثنا بشر بن موسى، قال حدثنا عبد الله بن يزيد
المقرئ عن موسى بن علي بن رياح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن
النبي ◌َّ مثله.
قال أبو عمر :
هذا حديث انفرد به موسى بن علي، عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي؛
وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي عليه
من وجوه : يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق : أيام أكل وشرب.
- 163 -

وقد أجمع العلماء على أن يوم عرفة جائز صيامه للمتمتع إذا لم يجد
هديا، وأنه جائز صيامه بغير مكة؛ ومن كره صومه بعرفة، فإنما كرهه - من
أجل الضعف عن الدعاء، والعمل في ذلك الموقف، والنصب لله فيه؛ فإن صيامه
قادرا على الإتيان بما كلف من العمل بعرفة بغير جرج ولا إثم.
وفي حديث موسى بن علي هذا ذكر عرفة (مع بيان) (44) حكمه وذکر
يوم النحر، وقد أجمعوا على أنه لا يحل لأحد صومه - وذكر أيام التشريق، وقد
اختلف العلماء في صيامها للمتمتع وغيره - على ما يأتي ذكره في موضعه من
هذا الكتاب - إن شاء الله.
حديث رابع لأبي النضر
مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة - أنها قالت :
كان رسول الله - فلفل - يصوم حتى نقول : لا يفطر، ويفطر حتى
نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله - موتز - استكمل صيام شهر قط
إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان. (45)
ليس في هذا الحديث معنى يشكل، ولا للعلماء فيه تنازع، وصيام غير
شهر رمضان نافلة وتطوع، والصيام سنة(46) وفعل خير وعمل بر، فمن شاء
استقل ومن شاء استكثر - وبالله توفيقنا.
(44) مابين قوسين بياض في أ، أثبتناه من ق.
(45) الموطأ رواية يحيى ص 210 حديث (687) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم انظر الزرقاني
على الموطأ 197/2.
(46) سنة : أ، جنة : ق.
- 164 -

حديث خامس لأبي النضر
مالك، عن عبد الله بن يزيد، وأبي النضر، عن أبي سلمة، عن
عائشة، أن رسول الله - قر كان يصلي جالسا فيقرأ - وهو جالس،
فإذا بقي من قراءته قدر (ما يكون)(47) ثلاثين آية أو أربعين (آية)،(48)
قام فقراً وهو قائم ثم ركع وسجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل
ذلك.(49)
لا خلاف فيمن افتتح صلاة نافلة قاعدا - أن له أن يقوم فيها، واختلفوا
فيمن افتتحها قائما ثم قعد؛ وقد ذكرنا ذلك في باب هشام بن عروة. وهذا
الحديث في الموطأ لمالك عن عبد الله بن يزيد وأبي(50) النضر - جميعا، عن
أبي سلمة، عن عائشة؛ وقال فيه عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن
عبد الله بن يزيد، عن أبي النضر؛ فسقط له الواو، وإنما هو: وعن أبي النضر.
- هذا(57) مالا خلاف بين الرواة فيه - ولا إشكال، ورواية عبيد الله عن أبيه وهم
واضح لا يعرج عليه؛ ولا يلتفت إليه ولا إلى مثله - والله المستعان.
قال أبو عمر :
ومعنى هذا الحديث في النافلة : ولا يجوز لأحد أن يصلي في الفريضة
جالسا - وهو على القيام قادر، وقد مضى القول في هذا المعنى مكررا في
(47) جملة (ما يكون) ساقطة في أ، ثابتة في ق - وهي الرواية.
(48) كلمة (آية) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والرواية على إثباتها.
(49) الموطأ رواية يحيى ص 99 - حديث (308) - والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
انظر الزرقاني على الموطأ 283/2.
(50) وأبي النضر: أ، وعن أبي النضر: ق.
(51) هنا: أ، وهذا : ق.
- 165-

مواضع من هذا الكتاب؛ وجائز أن يصلي المرء في النافلة جالسا صلاته كلها
وبعض صلاته - إن شاء - على ما في هذا الحديث وغيره، ومن تطوع خيرا فهو
خير له، وهو مخير في النافلة كيف شاء عن قيام وقعود؛ وأما الفريضة، فإنه إذا
ضعف عن إتمامه - قائما قعد وبنى على صلاته - كالعريان يجد ثوبا في
الصلاة فيتستر به، ويبنى ما لم يطل عمله في ذلك، وهذا بيان ليس هذا
موضع استيفاء القول فيه - وبالله التوفيق.
حديث سادس لأبي النضر
مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة - أنها قالت :
كنت أنام بين يدي رسول الله - ◌َ ◌ّ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد
غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما؛ قالت : والبيوت يومئذ
ليس فيها مصابيح.(52)
هذا من أثبت حديث يروى في هذا المعنى(53)، وقد روى القاسم عن
عائشة مثله : حدثناه خلف بن قاسم، قال : حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن،
قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري،
قال حدثنا خالد بن الحرث، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن القاسم، قال : بلغ
عائشة أن أبا هريرة يقول : إن المرأة تقطع الصلاة، فقالت : كان رسول الله
- مٍَّ - يصلي فتقع رجلي بين يديه أو بحذائه فيضربها فأقبضها.
(52) الموطأ رواية يحيى ص 86 - حديث (254) - والحديث رواه البخاري ومسلم، انظر الزرقاني
على الموطأ 241/1 - 242.
(53) المعنى : أُ، الباب : ق.
- 166-

وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر
ابن حماد، قالا حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: سمعت القاسم
ابن محمد يحدث عن عائشة قالت : بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب، لقد رأيت
رسول الله - في - يصلي وأنا معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يسجد غمز
رجلي فضمتهما(54) إلي، ثم يسجد.(55)
وفيه من الفقه وجوه، منها : أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها - ولا
صلاة من مرت بين يديه، وهذا موضع اختلفت فيه الآثار، واختلف فيه العلماء
أيضا؛ فقالت طائفة : يقطع الصلاة على المصلي إذا مر بين يديه الكلب
والحمار والمرأة، وممن قال هذا: أنس بن مالك، وأبو الأحوص، والحسن
البصري؛ وحجة من قال بهذا القول : حديث حميد بن هلال، عن عبد الله بن
الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - وَال - يقطع صلاة الرجل إذا لم
يكن بين يديه قيد آخرة الرحل -: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود؛ فقلت : ما
بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؛ فقال : يا ابن أخي سألت رسول
الله - ◌َ ◌ّ - كما سألتني؛ فقال: الكلب الأسود شيطان.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس - أحسبه عن
النبي ◌َ ◌ّ - قال: إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب
والحمار والمجوسي والمرأة، وتجزئ إذا مر بين يديه على قذفة بحجر.
وروي عن عائشة أنها قالت : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود. وبه قال
أحمد بن حنبل وقال في نفسي من المرأة والحمار شيء، وكان ابن عباس وعطاء
ابن أبي رياح يقولان : يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض.
(54) فضمنهما : أ، فقبضهما : ق - والرواية فضمنهما.
(55) انظر سنن أبي داود 163/1 - 164.
- 167 -

وحجة من قال هذا القول : ما حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة،
قال : حدثنا قتادة، قال : سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس - رفعه
شعبة، قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب. (56)
وقال جمهور العلماء : لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول مالك، والشافعي،
وأبي حنيفة وأصحابهم، والثوري، وأبي ثور، وداود، والطبري؛ وجماعة من
التابعين.
قال أبو عمر :
الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل، غير أن حديث
أبي ذر وغيره في المرأة، والحمار، والكلب منسوخ ومعارض؛ فمما عارضه أو
نسخه عند أكثر العلماء : حديث عائشة المذكور في هذا الباب.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، حدثنا محمد بن عمر بن
علي، حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،
قالت : كان النبي - -: يصلي صلاته من الليل - وأنا معترضة بينه وبين
القبلة كاعتراض الجنازة.
حدثنا محمد بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
إسحاق بن أبي حسان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد، حدثنا
الأوزاعي، قال حدثنا عطاء بن أبي رباح، والزهري، قالا حدثنا عروة بن الزبير،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ستائر - يصلي من الليل - وأنا معترضة فيما
بينه وبين القبلة. فسقط بهذا الحديث أن تكون المرأة تقطع الصلاة، وكيف
تقطع الصلاة بمرورها. وفي هذا الحديث أن اعتراضها في القبلة نفسها لا يضر.
(56) المصدر السابق 161/1 - 164.
- 168 -

وروى شعبة عن سعد(57) بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت : كنت
بين النبي - مَّ - وبين القبلة. قال شعبة: وأحسبها قالت: وأنا حائض : قال
أبو داود : رواه الزهري، وعطاء، وأبو بكر بن حفص، وهشام بن عروة، وعراك
ابن مالك، وأبو الأسود، وتميم بن سلمة، كلهم عن عروة، عن عائشة - ولم
يذكروا فيه : وأنا حائض. (58) قال أبو داود: ورواه أيضا إبراهيم عن الأسود، عن
عائشة، وأبو الضحى عن مسروق، عن عائشة؛ والقاسم، وأبو سلمة، عن عائشة .
ولم يذكروا وأنا حائض : (59)
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا
عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر، قالا حدثنا مسدد، قال حدثنا
يحيى، عن عبيد الله، قال سمعت القاسم يحدث عن عائشة، قالت : بئسما
عدلتموني بالحمار والكلب، لقد رأيت رسول الله - سجق -: يصلي - وأنا
معترضة بين يديه؛ فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضمتهما إلي ثم يسجد.(60)
وأما الحمار، ففي رواية الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال :
جئت على حمار فمررت بين يدي الصفوف . - وهذا الأغلب منه أنه مر بين
يدي رسول الله - عزالتّ - ولم يذكر سترة، ولهذا سبق الحديث ولو من خلف
السترة ما احتج بالحديث من ساقه كذلك - والله أعلم.
هكذا رواه ابن عيينة وغيره عن الزهري وقال فيه عن مالك عن الزهري -
بإسناده : أقبلت راكبا على آتان فمررت بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك
علي أحد. وقد روى الليث عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي،
(57) سعد: أ، سعيد: ق - وهو تحريف، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 463/3 - 465.
(58) انظر سنن أبي داود 163/1.
(59) المصدر السابق.
(60) نفس المصدر.
- 169-

عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتانا رسول الله
- مخفّ - ونحن في بادية - ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه ستر
وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يدبه فما بالا بذلك.
٠
ذكره أبو داود عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده.(61)
- ففي هذا الحديث ما يدل على أن الحمار والكلب لا يقطعان الصلاة، ومن
جهة النظر لا يجب أن يحكم بقطع الصلاة لشيء من الأشياء إلا بما لا تنازع
فيه، وقد تعارضت الآثار في هذا الباب واضطربت، والأصل أن الحكم لا يجب
إلا بیقین.
وقد روى مجالد(62)، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال
رسول الله - ◌َجّ : لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم، إنما هو شيطان.
وقد ذكرنا أخبار هذا الباب، مستوعبة، وذكرنا ما للعلماء في ذلك في
باب ابن شهاب من هذا الكتاب.
وأما قوله في حديثنا في هذا الباب : ورجلاي في قبلته، فإذا سجد
غمزني فقبضت رجلي، وفي حديث القاسم عن عائشة : غمز رجلي فضمتهما
إلي : - ففيه دليل على أن الملامسة لا تنقض الطهارة - ما لم يكن معها اللذة،
وهذا مما نزع به واستدل جماعة من أصحابنا في باب الملامسة.
قرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله بن محمد - أن أباه أخبره قال :
أخبرنا محمد بن عمر بن لبابة، قال : حدثني قاسم بن محمد،(63) قال حدثنا
أبي، قال : قال لي المزني : من أين قال مالك بن أنس إنه من لمس لشهوة
انتقض وضوؤه، ومن لمس لغير شهوة لم ينتقض عليه وضوؤه ؟ فقلت له : قال
(61) المصدر نفسه 165/1.
(62) مجالد : أ، مجاهد: ق - وهو تحريف انظر مجالد هذا في تهذيب التهذيب 39/10 - 41.
(63) في أ، زيادة (قال: وحدثني محمد بن قاسم) - ولا يستقيم ذلك مع ما بعده، ولذا لم تثبته.
- 170 -

الله - عز وجل -: ﴿أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء﴾ (64) - الآية. فكان
واجبا بظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس، فدلت السنة على أن
الوضوء على بعض الملامس دون بعض؛ فقال : وأين السنة ؟ فقلت(65) له :
حديث عائشة: فقدت رسول الله - عزّ - فطلبته، فوضعت يدي على قدميه .
وهو ساجد يقول : أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك
لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قال قاسم : فلما وضعت يدها
على قدمه - وهو ساجد وتمادى في سجوده، كان دليلا على أن الوضوء لا
ينتقض إلا على بعض الملامسين دون بعض. قال المزني : فإني أقول إنه كان
على قدمه حائل شيء كالثوب يسترها أو نحوه. قال قاسم : فقلت له : القدم بلا
حائل حتى يثبت الحائل.
قال أبو عمر :
ما أدري كيف يجوز على مثل المزني - مع جلالته وفقهه وسعة فهمه .
مثل هذا الإدخال والاحتجاج، والأغلب أن النائم مشتمل في ثوبه ملتحف به،
وإذا أمكن ذلك - وهو الأغلب - لم يجب أن يقطع بملامسة فيها مباشرة إلا
بيقين، - ولا يقين في هذا الحديث، لإمكان ستر القدم واحتماله؛ وإذا احتمل،
لم تكن فيه حجة؛ لأن الحجة ما لا تنازع فيه ولا يحتمل تأويل الخصم.
وحديث هذا الباب أولى من الحديث الذي احتج به قاسم، لأن في حديثنا في
هذا الباب : أن رسول الله - هو - كان يغمز رجل عائشة أو رجليها، فهو
الملامس في هذا الحديث - لو ثبت أنه باشرها أو شيئا من جدها بالملامة؛
لأنه قد يحتمل أن يغمزها على الثوب، أو يضرب رجلها بكمه، ونحو هذا
(64) الآيتان: 43 سورة النساء، والآية: 6 سورة المائدة.
(65) فقلت : أ، قلت : ق.
- 171 -

والحديث الذي احتج به قاسم يرويه مالك عن يحيى بن سعيد، عن
محمد بن إبراهيم التيمي، عن عائشة - وهو منقطع من هذا الوجه؛ ولكنه يستند
من طرق صحيحة سنذكرها في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا - إن شاء
الله.
وأما اختلاف العلماء في الملامسة التي تنقض الطهارة وتوجب الوضوء
على من أراد الصلاة، فاختلاف قديم وجدناه عن السلف والخلف، ونحن نورد
منه ومن وجوه أقاويلهم فيها ما فيه كفاية - إن شاء الله.
قال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأكثر أهل العراق، وطائفة
من أهل الحجاز: الملامسة التي ذكر الله - عز وجل - في كتابه في قوله :
﴿أو لمستم النساء﴾، ((أو لامستم)» - على ما قرئ من ذلك كله، هي الجماع
نفسه الموجب للغسل، وأدنى ذلك مس الختان؛ وأما ما كان دون ذلك من القبلة
والجسة وغيرها، فليس من الملامسة ولا ينقض الوضوء، وهو مذهب ابن عباس،
ومسروق، وعطاء، والحسن، وطاوس.
وروي عن علي بن أبي طالب مثل ذلك.
وقال الثوري : من قبل امرأته وهو على وضوء لم أر عليه وضوءا.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد : من قبل امرأته أو باشرها أو لامسها
الشهوة أو لغير شهوة، فلا وضوء عليه إلا أن ينتشر؛ ومن قصد مسها لشهوة ليس
بينهما ثوب فمسها وانتشر، فإن كان هذا، انتقض وضوؤه عند أبي حنيفة وأبي
يوسف. وقال محمد : لا ينتقض وضوؤه إلا أن يخرج منه مذي أو غيره.
وقد قال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته : إن جاء يسألني قلت : يتوضأ،
وإن لم يتوضأ لم أعب عليه. وقال في الرجل يدخل رجليه في ثياب امرأته
فيمس فرجها أو بطنها : لا ينقض ذلك وضوءه.
- 172 -

قال أبو عمر :
كلهم ذهب إلى أن الملمس باليد لا بالرجل، لقول الله - عز وجل -:
﴿فلمسوه بأيديهم﴾.(66) والمباشرة عند مالك بالجسد كاللمس باليد يراعون
فيه اللذة على ما يأتي بعد واضحا - إن شاء الله.
وقال أبو ثور: لا وضوء على من قبل امرأته أو باشرها أو لمسها.
قال أبو عمر :
فيما احتج به من ذهب هذا المذهب : أن قال: الملامسة واللمس
نظيرها في كتاب الله المسيس والمس والمماسة مثل(67) الملامسة. قال الله -
عز وجل -: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾.(68) وقد أجمعوا
على أن رجلا لو تزوج امرأة فمسها بيده، أو قبلها في فعها أو جسدها - ولم
يخل بها ولم يجامعها - أنه لا يجب عليه إلا نصف الصداق، كمن لم يصنع شيئا
من ذلك؛ وأن المس والمسيس عني به - ههنا الجماع، فكذلك اللمس
والملامسة؛ قالوا : وكذلك قال ابن عباس: إن الله - عز وجل - حي كريم
يكني عن الجماع بالمسيس، وبالمباشرة، وباللمس، وبالرفث، ونحو ذلك.
وذكروا ما حدثناه إبراهيم بن شاكر، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن
عثمان، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح،
قال حدثنا أبو صالح الفراء، قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق،
الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : إن
(66) الآية: 7 سورة الأنعام.
(67) مثل: أ، من : ق.
(68) الآية : 237 سورة البقرة، وفي ق: (فإن طلقتم النساء ولم تمسوهن) - والتلاوة على ما أثبتناه
من نسخة أ.
~ 179 -

الله حي كريم يكني، قال : ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا
تقربوهن(69) حتى يطهرن، فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم
الله﴾.(70) فهذا باب من الجماع - وقد كنى. وقال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم
عاكفون في المساجد﴾، وقال: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله
لكم﴾.(71) فهذا باب من الجماع وقد كنى. وقال تبارك وتعالى: ﴿أو
لا مستم النساء﴾، فهذا باب من الجماع وقد كنى.
وحدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
عبيد الله بن عبد الواحد البزار، قال حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الفراء،
قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري - فذكره - إلى آخره.
وحدثناه عبد الوارث أيضا، حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا عبد
الملك بن حبيب المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري - فذكره.
واحتجوا من الأثر المرفوع بما رواه وكيع وغيره عن الأعمش، عن حبيب
ابن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - مُّ - قبل امرأة من نسائه ثم
خرج إلى الصلاة - ولم يتوضأ؛ قال : قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت.
ووكيع عن سفيان، عن أبي رؤوف، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن
النبي - مَّةٍ - قبلها فلم(72) يتوضأ. قالوا : ولا معنى لطعن من طعن على
حديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة - في هذا الباب؛ لأن حبيبا ثقة ولا
يشك أنه أدرك عروة وسمع ممن هو أقدم من عروة؛ فغير مستنكر أن يكون سمع
هذا الحديث من عروة، فإن لم يكن سمعه عنه، فإن أهل العلم لم يزالوا يروون
(69) ثبت في كلتا النسختين : (زلا تقربوا النساء في المحيض) - والتلاوة على ما أثبتناه.
(70) الآية : 187 ـورة البقرة.
(71) نفس الآية.
(72) فلم : أ، ولم : ق.
- 174 -

المرسل من الحديث والمنقطع، ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسل والمرسل
عنه، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم؛ ألا ترى أنهم قد
أجمعوا على الاحتجاج بحديث ابن عباس عن النبي - سجق - وجله مراسيل،
والقول في رواية إبراهيم التيمي عن عائشة مثل ذلك؛ لأنه لم يلق عائشة، وهو
ثقة فيما يرسل ويسند؛ قالوا : وقد روي هذا الخبر عن عائشة من وجوه - وإن
كان بعضها مرسلا - فإن الطرق إذا كثرت قوى بعضها بعضا؛ وذكروا ما روى
شعبة وغيره عن أبي بشر، عن سعيدبن جبير، قال : ذكروا اللمس فقال ناس من
الموالي ليس الجماع، وقال ناس من العرب : اللمس الجماع؛ فأتيت ابن عباس
فقلت : إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس وأخبرته بقولهم، فقال :
مع أي الفريقين كنت ؟ قلت : مع الموالي؛ قال : غلب فريق الموالي إن
اللمس والمباشرة الجماع؛ ولكن الله يكني(73) بما شاء؛ قالوا: والكتاب والسنة
والقياس والنظر، كل ذلك يدل على أن الملامسة المقصود إلى ذكرها في آية
الوضوء، هي الجماع ؛ قالوا : فأما الكتاب، فقول الله - عز وجل -: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) - يريد: وقد أحدثتم قبل ذلك -
﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ - الآية. فأوجب غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء، ثم
قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ . - يريد: الاغتسال بالماء، ثم قال:
﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو
لا مستم النساء﴾ . - يريد الجماع الذي يوجب الجنابة ولم تجدوا ماء
تتوضأون به من الغائط، أو تغتسلون به من الجنابة - كما أمرتكم في أول الآية
- ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾.(74) قالوا: فإنما أوجب في آخر الآية التيمم
على من كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها؛ قالوا : وقول من
(73) يكني : أ، كنى : ق.
(74) الآية : 6 سورة المائدة.
- 175 -

خالفنا إن الله لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية، ذكر الملامسة في آخر
الآية موصولا بذكر الغائط؛ استدلوا بذلك على أنه غير الجنابة، فليس كما قالوا؛
وإنما كان يكون ما قالوا دليلا - لو كان إنما أوجب على الملامس في آخر
الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها، فكان يكون دليلا على أن
اللمس غير الجنابة؛ لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في أول الآية، فلم يكن
لإعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح؛ ولكنه إنما أوجب عليه في
أول الآية الاغتسال بالماء، وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلا من الماء - إذا
كان مسافرا لا يجد الماء - أو مريضا؛ قالوا : فهذا المعنى أصح وأشبه بالتأويل
مما ذهب إليه من خالفنا.
قال أبو عمر :
وقال أكثر أهل الحجاز وبعض أهل العراق : اللمس ما دون الجماع مثل
القبلة، والجسة، والمباشرة باليد، ونحو ذلك مما دون الجماع؛ وهو مذهب مالك
وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق؛ إلا أنهم
اختلفوا في معنى اعتبار اللذة على ما نذكره بعد في هذا الباب - إن شاء الله.
وممن روي عنه أن اللمس ما دون الجماع عمر وابن مسعود وابن عمر، وجماعة
من التابعين بالمدينة، والكوفة، والشام.
وروى مالك عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يقول : قبلة
الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبلها أو جسها بيده، وجب عليه
الوضوء.
ورواه الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن
أبيه،(75) عن عمر، قال : القبلة من اللمم فتوضؤوا منها . - وهذا مندهم خطأ،
وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر.
(75) عن عمر : أ، أن عمر : ق.
- 176 -

وروى الأعمش عن إبراهيم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال :
قال عبد الله ابن مسعود: القبلة من اللمس، ومنها الوضوء، واللمس ما دون
الجماع.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة -
مثله، وعن سعيد بن المسيب مثله.
وحكى ابن وهب عن مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة - في
قبلة الرجل امرأته الوضوء.
وحكى الزعفراني، والربيع، والمزني، عن الشافعي - أنه قال : من لمس
امرأته أو قبلها وجب عليه الوضوء. قال الزعفراني عنه : ولو ثبت حديث معبد
ابن نباتة في القبلة لم أر فيها شيئا ولا في اللمس، فإن معبد بن نباتة يروي
عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة، عن النبي - مَاف - أنه كان يقبل ولا
يتوضأ، ولكن لا أدري كيف معبد بن نباتة هذا ؟ فإن كان ثقة، فالحجة فيما
روي عن النبي - صلّ ۔
قال أبو عمر :
قد استدل أصحابنا على صحة ما ذهبوا إليه في أن الملامسة ما دون
الجماع بأدلة يطول ذكرها، منها أن قالوا : الملامسة لم يرد الله بذكرها في آية
الوضوء الجماع، لأنه أفردها من ذكر الجنابة - بقوله : ﴿وإن كنتم جنبا
فاطهروا﴾، فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنف فقال : ﴿وإن كنتم مرضى أو
على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا
ماء فتيمموا﴾ . - فجاء بالشرط وجوابه، فدل ذلك على أن الملامسة غير قوله
﴿وإن كنتم جنبا﴾، وانتفى(76) بذلك أن تكون الملامسة الجماع، ودخلت
(76) وانتفى : أ، فانتفى : ق.
- 177 -

في باب الحدث الموجب الوضوء والتيمم، لأنه جمعها في الذكر مع الغائط،
وجاء بجواب واحد لذلك الشرط؛ كما جاء في قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة
تماغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين﴾.(77) - فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنف ذكر الجماع بحكم مفرد
قال : ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، فجاء بالشرط وجوابه تاما؛ قالوا : وهذا
هو المفهوم من كلام العرب، قالوا : ولهذا كان ابن مسعود وعمر يذهبان إلى أن
الجنب لا يتيمم، لأنه أفرد بحكم الغسل - ولم يريا الجماع من الملامسة؛ وقد
ذكرنا وجه قولهما وما يرده من السنة في باب عبد الرحمان بن القاسم من
کتابنا هذا - والحمد لله.
وتقدير الآية في مذهب من أنكر أن تكون الملامسة الجماع ممن يرى
التيم للجنب: أن يكون فيها تقديم وتأخير، كأنه قال - عز وجل - : يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو
لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم
وأرجلكم إلى الكعبين؛ وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر
- ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. (لأن
القائلين بهذا التقدير في الآية اختلفوا في تيمم الحاضر الصحيح إذا فقد الماء
وخشي فوات الوقت - على ما ذكرنا في غير هذا الموضع)؛ (78) فدخل في
التيمم الجنب وغيره على هذا الترتيب من التقدير والتأخير.
قالوا : والتقديم والتأخير في كتاب الله كثير لا ينكره عالم.
(77) جملة (وأرجلكم إلى الكعبين) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والمعنى يقتضيها.
(78) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق - وهي زيادة لها أهميتها.
- 178 -

قال أبو عمر :
ثم اختلف القائلون(79) بأن اللمس ما دون الجماع: فقال بعضهم: إنما
اللمس الذي يجب منه الوضوء أن يلمس الرجل المرأة لشهوة، فإن لمسها لغير
شهوة فلا وضوء عليه؛ هذا مذهب مالك وأصحابه، وبه قال أحمد بن جنبل،
وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن النخعي، والشعبي.
ورواه شعبة عن الحكم، وحماد، واحتج إسحاق فقال : أخبرنا محمد بن
بكر، قال أخبرنا ابن جريج، قال أخبرنا عبد الكريم أنه سمع الحسن يقول :
كان النبي - عَ لّ - جالسا في مسجد(80) في الصلاة فقبض على قدم عائشة غير
متلذذ. وضعف حديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، عن النبي
- ◌َّغ - أنه كان يقبلها ولا يتوضأ. وقال: ليس بصحيح، ولا نظن أن حبيبا
لقي عروة، قال : وقد يمكن أن يقبل الرجل امرأته لغير شهوة برا بها وإكراما
لها ورحمة؛ ألا ترى إلى ما جاء عن النبي - عَفل - أنه قدم من سفر فقبل
فاطمة . - وهذا حديث يرويه الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن يزيد
النحوي، عن عكرمة، قال : فالقبلة تكون لشهوة ولغير شهوة.
وروى عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك - في المريض تغمز
امرأته رجليه أو رأسه، لا وضوء فيه إلا أن يلتذا؛ قال: ولا وضوء عليها - وإن
تماسا إلا أن يلتذا، قال : والجسة من فوق الثوب ومن تحته سواء - إن كان
للذة. وقال(81) علي بن زياد عن مالك إن كان الثوب كثيفا فلا شيء عليه،
وإن كان خفيفا فعليه الوضوء؛ وجملة مذهب مالك : أن من التذ من
الملامسين، فعليه الوضوء - المرأة والرجل في ذلك سواء.
(79) القائلون : أ، العلماء : ق.
(80) مسجد : أ، مسجده : ق.
(81) وقال : أ، قال : ق.
- 179 -

وقال عبد الملك بن الماجشون من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ
- التذ أم لم يلتذ.
وقال الشافعي بمصر: إذا أفضى الرجل بيده إلى امرأته أو ببعض جسده لا
حائل بينها وبينه لشهوة ولغير شهوة، وجب عليه الوضوء؛ وكذلك إن لمسته هي
وجب عليها وعليه الوضوء، وسواء في ذلك أي بدنيهما أفضى إلى الآخر - إذا
مست البشرة البشرة إلا الشعر خاصة، فلا وضوء على من مس شعر امرأته لشهوة
كان أو لغير شهوة، والشعر مخالف للبشرة؛ ولو احتاط فتوضأ إذا م شعرها،
كان حسنا؛ ولو مسها بيده أو مسته بيدها من فوق الثوب فالتذا لذلك أم لم
يلتذا، لم يكن عليهما شيء حتى يفضيا إلى البشرة؛ قال : ولا معنى للذة من
فوق الثوب ولا من تحته، ولا معنى للشهوة في القبلة، وإنما المعنى للفعل.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي : فهذا مذهب الشافعي فيمن
وافقه من أصحابه - وهو قول مكحول، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز،
وجماعة. ـ ھکذا حکی المروزي عنهم.
وأما الطبري، فذكر عن الأوزاعي ما تقدم ذكرنا له؛ وكذلك ذكر الطحاوي
أيضا عن الأوزاعي، كما حكى الطبري ان لمس المرأة لا وضوء فيه على حال.
وقال المروزي : قول(82) الشافعي هذا هو أشبه بظاهر الكتاب، لأن الله -
عز وجل قال -: ﴿أو لامستم النساء﴾ . - ولم يقل لشهوة ولا من شهوة؛
قال: وكذلك الذين أوجبوا في ذلك الوضوء من أصحاب النبي - مد فع - لم
يشترطوا الشهوة، قال : وكذلك عامة التابعين: قال : وقد احتج بعض من ذهب
هذا المذهب بأن قال : قد اجتمعت (83) الأمة أن رجلا لو استكره امرأة خمس
ختانه ختانها - وهي لا تلتذ بذلك، أو كانت نائمة فلم تلذ ولم تشته - أن
(82) قول الشافعي : أ، في قول الشافعي : ق.
(83) اجتمعت : أ، أجمعت : ق.
- 180-