النص المفهرس

صفحات 121-140

يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا؛ قال: فتّه(60) رسول الله
- 8 - في يده.(67)
روى ابن أبي حازم هذا الحديث عن أبيه فقال فيه : وعن يساره أبو بكر،
ثم ساق معنى حديث مالك سواء؛ وذكر أبي بكر في هذا الحديث عندهم
خطأ، وإنما هو محفوظ في حديث ابن شهاب، وقد مضى القول في معنى هذا
الحديث في باب ابن شهاب عن أنس.
أخبرنا يحيى بن يوسف، قال حدثنا يوسف بن أحمد، قال حدثنا محمد
ابن إبراهيم، قال حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا
إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا علي بن زيد، عن عمر بن أبي حرملة، عن ابن.
عباس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - وَجائحة - على ميمونة،
فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله - 2 - وأنا عن يمينه - وخالد عن
شماله؛ فقال لي : الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالدا ؟ فقلت : ما كنت
لأوثر بسؤرك أحدا. ثم قال رسول الله - مَاخ - من أطعمه الله طعاما، فيلقل:
اللهم بارك لنا فيه - وأطعمنا خيرا منه؛ ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهم بارك
لنا فيه - وزدنا منه (62). وقال رسول الله - غ -: ليس شيء يجزئ مكان
الطعام والشراب غير اللبن. ولا يجوز - عندي - لأحد(63) شرب ماء أو لبن(64)
(60) تله - بفتح التاء وتشديد اللام - بمعنى وضعه.
(61) الموطأ رواية يحيى ص 663 - حديث (1679) - والحديث أخرجه الشيخان : البخاري ومسلم.
انظر الزرقاني على الموطأ 296/4.
(62) أخرجه أبو عيسى الترمذي في كتاب الأشرية مختصرا من حديث أنس، وقال إنه في الباب من
حديث ابن عباس، وسهل بن سعد، وابن عمر، وعبد الله بن بسر، وقال فيه : حديث حسن
صحيح. انظر عارضة الأحوذي على صحيح الترمذي 85/8 . 86.
(63) عندي لاحد : أ، لاحد عندي : ق.
(64) ولبنا : أ، أو لبنا : ق - وهي انسب.
- 121 -

أو غير ذلك من الأشربة الحلال - وحوله من يريد أن يشرب من ذلك معه ممن
به الحاجة إليه، أوليس به حاجة إليه - إذا وسعهم ذلك الشراب - أن يناول من
على يساره ألبتة بحال، فاضلا كان أو مفضولا - حتى يشاور من على يمينه،
فإنه حق له بالسنة الثابتة في هذا الحديث؛ فإن أذن له، فعل؛ وإلا، فهو أحق
بالشراب(65) من الذي على يساره؛ وهذا نص صحيح ثابت، لا يلتفت إلى ما
خالفه من آراء الرجال، وبالله التوفيق وهو المستعان.
والشراب المذكور في هذا الحديث كان لبنا :
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا حفص بن حمزة، قال حدثنا إسماعيل
ابن جعفر، قال أخبرني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال : أتي رسول اللـه
- ◌َ - بقدح من لبن - وغلام عن يمينه، والأشياخ أمامه وعن يساره؛ فشرب
رسول الله - عَّ - ثم قال للغلام: يا غلام، أتأذن لي أن أسقي الأشياخ ؟
قال : ما أحب أن أوثر بفضل شربتك على نفسي أحدا من الناس، فناوله رسول
الله - خ - وترك الأشياخ. والغلام المذكور في هذا الحديث هو ابن عباس،
والأشياخ : خالد بن الوليد، أو منهم خالد بن الوليد :
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح المقرئ، حدثنا أحمد بن
جعفر المنادي، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا محمد بن الصباح البزار،
حدثنا إسماعيل بن زكرياء الخلقاني أبو زياد(66)، عن سفيان، عن علي بن زيد،
عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: أتي النبي ◌َّ بقعب من لبن
فشرب منه - وابن عباس عن يمينه، وخالد بن الوليد عن يساره، فقال : يا ابن
(65) بالشراب : أ، بالشرب : ق.
(66) أبو زيد إسماعيل بن زكرياء بن مرة الخلقاني - بضم الخاء وفتح القاف بعد اللام الساكنة وآخره
نون. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 297/1 - 298.
- 122 -

عباس إن الشربة لك، فإن شئت أن تؤثر بها خالدا ؟ فقلت : ما أنا بمؤثر
بسؤرك علي أحدا.
وقد روى الحميدي هذا الحديث عن سفيان، فخالف في إسناده الخلقاني
- والحميدي أثبت منه :
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم، حدثنا الترمذي، حدثنا الحميدي،
حدثنا سفيان، حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن عمر بن أبي(67) حرملة، عن
ابن عباس، قال: دخلت مع رسول الله حائز على خالتي ميمونة - ومعنا خالد
أبن الوليد - فقالت له ميمونة : ألا نقدم إليك يا رسول الله شيئا أهدته لنا أم
عفيف ؟ قال: بلى، فأتته بضباب(68) مشوية، فلما رآها رسول الله ◌َّ تفل
ثلاث مرات - ولم يأكل منها، وأمرنا أن نأكل؛ ثم أتي رسول الله ◌َفتح بإناء فيه
لبن، فشرب وأنا عن يمينه وخالد عن يساره؛ فقال لي رسول الله وَات: الشربة
لك يا غلام، وإن شئت آثرت بها خالدا ؟ فقلت: ما كنت لأوثر بسؤر رسول
الله ◌َفيِ أحدا، ثم قال: من أطعمه الله طعاما، فليقل، اللهم بارك لنا فيه،
وأبدلنا بما هو خير منه؛ ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا
منه، فإني لا أعلم شيئا يجزي من الطعام والشراب غيره(69). ورواه شعبة، عن
عمر بن أبي حرملة، عن ابن عباس مثله.
وقال أبو داود الطيالسي: كذا قال شعبة وغيره : يقول عمر بن أبي
حرملة.
وفي هذا الحديث من الفقه أن من وجب له شيء من الأشياء، لم يدفع
عنه ولم يتسور عليه فيه إلا بإذنه صغيرا كان أو كبيرا إذا كان ممن يجوز له
(67) كلمة (أبي) ساقطة في أ، التي انفردت بهذا النص، والصواب إثباتها - كما في مصادر ترجمة
عمر بن أبي حرملة.
(68) جمع ضب.
(69) انظر مسند الحميدي ج 225/1 - 226 - حديث (482).
- 123 -

إذنه؛ وليس هذا موضع : كبر كبر، لأن السن إنما يراعى عند استواء المعاني
والحقوق، وكل ذي حق أولى بحقه أبدا. والمناولة على اليمين من الحقوق
الواجبة في آداب المجالسة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على
جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب، لإجماعهم على أن
المطالبة بذلك غير واجبة لأحد - وبالله التوفيق. وقد روي عن النبي رقم :
جلساؤکم شرکاؤکم في الهدية یاسناد فيه لين.
حديث سابع لأبي حازم
مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني - أنه
قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى شاب براق الثنايا(70)، وإذا
الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن قوله؛
فسألت عنه، فقيل : هذا معاذ بن جبل؛ فلما كان الغد، هجرت
فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي؛ قال : فانتظرته حتى
قضى صلاته، ثم جئت من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت له :
والله إني لأحبك في الله؛ فقال: الله، قال: فقلت: آلله، فقال :
آلله، فقلت: آلله؛ قال: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه، وقال :
أبْثير، فإني سمعت رسول الله وهو يقول: قال الله تبارك وتعالى:
(70) يعني أبيض الثغر، وقيل كثير التبم.
- 124 -

وجبت محبتي للمتحابين في، وللمتجالسين في، والمتباذلين(٢٦)
في، والمتزاورين(72) في(73).
قد مضى القول والآثار في المتحابين في الله في باب أبي طوالة (74).
والحمد لله.
وفي هذا الحديث لقاء أبي ادريس الخولاني لمعاذ بن جبل وساعه منه،
وهو إسناد صحيح؛ ولكن لقاء أبي ادريس هذا لمعاذ بن جبل مختلف فيه،
فطائفة تنفيه، وطائفة لا تنكره من أجل هذا الحديث وغيره؛ ومن نفاه احتج
بما رواه معمر، وابن عيينة، عن الزهري قال : سمعت أبا إدريس الخولاني
يقول : أدركت عبادة بن الصامت، وفلانا وفلانا - وفاتني معاذ بن جبل،
فحدثني أصحاب معاذ عن معاذ - وذكر الحديث.
وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي
إدريس الخولاني، قال : أدركت عبادة بن الصامت، ووعيت عنه؛ وأدركت أبا
الدرداء، ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس، ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن
جبل. ولهذا الخبر عن الزهري زعم قوم أن هذا الحديث خطأ، فقال قوم : وهم
فيه مالك، وأسقط من إسناده أبا مسلم الخولاني، وزعموا أن أبا إدريس رواه عن
أبى مسلم عن معاذ.
وقال آخرون : وهم فيه أبو حازم وغلط في قوله عن أبي ادريس
الخولاني أنه لقي معاذ بن جبل.
(71) أي الذین یبذلون نفوسهم في مرضاته - سبحانه.
(72) كذا ثبت في النسختين، ومثله في التجريد، والذي في نسخ الموطأ المطبوعة، تقديم :
(والمتزاورين على والمتباذلين).
(73) الموطأ رواية يحيى ص 680 - حديث (1735).
(74) انظر التمهيد ج 428/17 - 438.
- 125-

قال أبو عمر :
هذا كله تخرص وتظنن لا يغني من الحق شيئا، وقد رواه غير مالك
جماعة عن أبي حازم - كما رواه مالك سواء. وروي أيضا عن أبي إدريس من
وجوه شتى غير طريق أبي حازم أنه لقي معاذ بن جبل وسمع منه، فلا شيء في
هذا على مالك ولا على أبي حازم عند أهل العلم بالحديث والاتساع في علمه؛
وإذا صح عن أبي إدريس أنه لقي معاذ بن جبل، فيحتمل ما حكاه ابن شهاب
عنه من(75) قوله : فاتني معاذ - يريد فوت لزوم وطول مجالسة، أو فاتني في
حديث كذا، أو معنى كذا - والله أعلم. وعلى هذا يتسق تخريج الأخبار عنه
في هذا الباب - والله أعلم.
حدثنا عبد الرحمان بن يحيى، وأحمد بن فتح، قالا حدثنا حمزة بن
محمد، قال حدثنا إسحاق بن ابراهيم بن جابر القطان، قال حدثنا سعيد بن أبي
مريم، قال أخبرنا مالك، قال حدثنا أبو حازم، عن أبي إدريس الخولاني -
فذكر هذا الحديث حرفا بحرف - كما ذكرناه من الموطأ، إلا أنه لم يقل :
شاب وإنما قال فتى براق الثنايا، ثم ساق الحديث إلى آخره وقال : فأخذ
بحبوتي ولم يقل بحبوة ردائي.
قال ابن أبي مريم : وأخبرني ابن أبي حازم، عن أبيه، عن أبي إدريس
بنحوه؛ فهذا ابن أبي حازم قد رواه عن أبي حازم، كما رواه مالك، وحسبك
برؤية مالك مع حفظه وإتقانه وثقته.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا عمرو بن مرزوق، قال أخبرنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن
الوليد بن عبد الرحمان، عن أبي إدريس، قال : كنت في حلقة فيها عشرون
(75) من : أ، في : ق.
- 126-

من أصحاب النبي ◌َفي فيهم رجل أدعج العينين، أغر الثنايا، حدث السن؛ فإذا
اختلفوا في شيء فقال قولا انتهوا إلى قوله، فإذا به معاذ بن جبل.
ففي هذا الحديث لقاء أبي إدريس لمعاذ بن جبل وساعه منه من غير
رواية أبي حازم، وهذا أيضا إسناد صحيح ثابت.
ووجدت في أصل سماع أبي - رحمه الله - بخطه - أن محمد بن أحمد بن
قاسم بن هلال حدثهم، قال : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قال حدثنا نصر
ابن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن
شهر بن حوشب، قال : حدثني عائذ الله بن عبد الله - أنه سمع معاذ بن جبل
يقول : سمعت رسول الله وفي يقول: إن الذين يتحابون(76) لجلال الله في ظل
عرشه يوم لا ظل إلا ظله(77). وعائذ الله هذا هو أبو إدريس الخولاني، لا
خلاف بين أحد من العلماء بهذا الشأن في ذلك.
وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا هارون بن معروف، قال أخبرنا ضرة، عن ابن عطاء،
عن أبيه، عن أبي إدريس الخولاني، قال : دخلت مسجد حمص، فإذا فيه
ثلاثون رجلا أو نحو ذلك في حلقة من أصحاب النبي مفع كلهم يحدث عن
النبي ◌َ، وإذا فيهم رجل وضيء الوجه، أكحل العينين، براق الثنايا؛ وإذا هم
يسندون حديثهم إليه، فإذا هو معاذ بن جبل. فهذا عطاء الخراساني وشهر بن
حوشب، والوليد بن عبد الرحمان الحرشي - يقولون عن أبي إدريس الخولاني :
ما قال أبو حازم عنه من لقائه معاذ بن جبل، وسماعه منه؛ وغير نكير لقاء أبي
إدريس لمعاذ، لأن أبا إدريس الخولاني ولد عام حنين، وولي قضاء دمشق
والشام بعد فضالة بن عبيد - لم يكن بينهما واسطة، وفضالة من الصحابة، ولي
(76) لنجلال : أ، من جلال : ق.
(77) أخرجه الترمذي والطبراني والحاكم بألفاظ مختلفة.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 387/2.
-127 -

القضاء بعد أبي الدرداء، واسم أبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله لا
يختلفون في ذلك؛ وقد ذكرناه في هذا الكتاب في باب ابن شهاب لروايته
عنه حديث الاستجمار بالأحجار، وحديث النهي عن أكل ذي الناب من
السباع.
ذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، قال حدثنا أبو اليمان الحكم
ابن نافع، قال إسماعيل بن عياش، عن الوليد بن أبي السائب، عن مكحول، أنه
كان إذا ذكر أبا إدريس الخولاني، قال : ما رأيت مثله! وكان مولده يوم
حنين. وسئل الوليد بن مسلم هل لقي أبو إدريس الخولاني معاذ بن جبل ؟
فقال : نظن أن أبا إدريس الخولاني لقي معاذا، وأبا عبيدة بن الجراح - وهو
ابن عشر سنين، ثم قال : قال سعيد بن عبد العزيز: ولد أبو ادريس الخولاني
أيام غزوة حنين. قال الوليد : ولقي أبو إدريس أبا ثعلبة، وأبا الدرداء، وشداد
ابن أوس، وعبادة بن الصامت، وغيرهم.
أخبرنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال
سمعت يحيى بن معين، يقول : بلغني أن أبا إدريس الخولاني ولد عام حنين،
وأما معاذ بن جبل، فتوفي في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة في
خلافة عمر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، لا يختلفون في ذلك. وقد
ذكرناه في كتابنا في الصحابة، ونسبناه، وذكرنا أشياء من أخباره هناك(78) .
والحمد لله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد
ابن زهير، قال حدثنا محمد بن إسماعيل العبدي، حدثنا ابن المبارك، عن يونس
ابن يزيد، عن الزهري، عن عبد الرحمان بن كعب، قال : كان معاذ بن جبل
شابا حليما، من أفضل شباب قومه.
(78) انظر الاستيعاب 1402/3.
- 128 -

وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير؛ قال
وحدثنا يحيى بن معين، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن الزهري،
عن عبد الرحمان(79) بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال : كان معاذ
ابن جبل رجلا سمحا، شابا جميلا، من أفضل شباب قومه.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال: وأخبرنا المدائني، قال : معاذ بن جبل أبو عبد الرحمان، كان
أجمل الرجال لم يولد له قط، طوال، حسن الشعر، عظيم العينين، أبيض، جعد،
قطط. وقد روي هذا الحديث عن معاذ بن جبل من طرق شتى من غير رواية
أبي إدريس بمعنى حديث أبي إدريس ومختصر المعنى أيضا :
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا موسى بن عبيدة،
قال : أخبرني عبد الله بن أبي سليمان، عن أبي بحرية، قال: قدمت الشام
فدخلت المسجد، فإذا أنا بنفر جلوس في المسجد شيوخ، فيهم شاب يحدثهم قد
انصتوا له؛ فقلت: ألا تسألون من هؤلاء ؟ قالوا : هؤلاء أصحاب رسول
الله ◌َاعٍ، قلت: من الرجل الشاب الذي يحدثهم ؟ قالوا : (80) هذا معاذ بن
جبل، قال : فرحت إلى الصلاة، فإذا هو قد هجر فقضى صلاته ثم جلس؛
فجلست إليه فقلت : والله إني لأحبك، فأخذ بحبوتي ثم جبذني فقال : آلله -
مرتين أو ما شاء الله، قال: قلت: نعم، قال سمعت رسول الله وسلم قال: قال
الله - عز وجل: ﴿وجبت محبتي أو رحمتي للذين يتحابون في،
ويتباذلون في، ويتجالسون في، ويتحاورون في﴾. فهذا أبو بحرية
(79) عبد الرحمان : أ، عبد الله: ق - والصواب ما في نسخة أ، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
.215 - 214/6
(80) قال: أ، قالوا : ق.
- 129 -
التمهيدج٢١

السكوني(81) قد روى عن معاذ نحو(82) حديث أبي إدريس سواء في المعنى،
وليس في حديثه هذا ذكر مسجد دمشق، ولا مسجد حمص.
وأخبرنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن
أبي أسامة، قال حدثنا روح بن عبادة، قال أخبرني مالك، عن أبي حازم بن
دينار، عن أبي إدريس الخولاني، قال : دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتى براق
الثنايا، وإذا الناس حوله - فذكر الحديث كما في الموطأ سواء، إلا أنه قال في
آخره: سمعت رسول الله ◌َفي يقول: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وجبت
محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتجاورين في،
والمتباذلين في﴾.
وقد روى أبو مسلم الخولاني، عن معاذ بن جبل، مثل ما روى عنه في
هذا الحديث أبو إدريس، وأبو بحرية، إلا أن حديثه مختصر المعني عن معاذ،
وقال في مسجد حمص، - وألفاظ هذا الحديث رواها أبو مسلم عن عبادة،
وجائز أن يكون عبادة، ومعاذ، وغيرهما - أيضا سمعا ذلك من رسول(83) رسول
الله ◌َ. هذا ممكن غير ممتنع، على أن أبا مسلم الخولاني - وان كان فاضلا،
فإنهم يضعفون نقله، وليس ممن يقاس بأبي إدريس الخولاني في فهمه وعلمه.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، وأخبرنا أحمد بن محمد،
قال أخبرنا وهب بن مسرة، قالا أخبرنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قال حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن
عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني، قال : أتيت مسجد أهل حمص،
(81) السكوني : أ، السكري: ق، والصواب ما في نسخة أ، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
.365 - 364/5
(82) نحو : أُ، مثل : ق.
(83) عن : أُ، من : ق.
- 130-

فإذا فيه حلقة فيها كهول من أصحاب رسول الله مَاتٍ، وإذا شاب منهم أكحل
العينين، براق الثنايا، كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى فتى شاب؛
قال :(84) فقلت لجليس لي : من هذا ؟ قال : هذا معاذ بن جبل؛ قال : فجئت
من العشي فلم يحضر، قال: فغدوت من الغد فلم يجئ: فرحت فإذا أنا بالشاب
يصلي إلى سارية؛ قال : فركعت ثم تحولت إليه، قال : فلم؛ فدنوت منه
فقلت: إني لأحبك في الله، قال: فمدني إليه؛ قال: كيف قلت ؟ قال :
قلت: إني لأحبك في الله، قال: سمعت رسول الله ◌َجاح يقول: المتحابون في
الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله.
قال : وحدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق،
عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني؛ قال : خرجت فلقيت عبادة
ابن الصامت، فذكرت له حديث معاذ؛ فقال: سمعت رسول الله ◌َخ يحكي عن
ربه - عز وجل: قال : حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي على
المتزاورين في، وحقت محبتي على المتباذلين في؛ والمتحابون في الله على
منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله. فهذا أبو مسلم الخولاني
يروي عن معاذ، وعبادة - جميعا - هذا الحديث - ان كان واحدا، والحديثين
جميعا عن عبادة . كما ترى؛ وأبو مسلم الخولاني اسمه عبد الله بن ثوب، لا
يختلف في ذلك(85) أهل العلم بالنقل والسير؛ وكان فاضلا، عابدا، جليلا، من
كبار التابعين وخيارهم وجلتهم، له كرامات كثيرة، وأخبار عجيبة مشهورة،
ذكرها ابن أبي خيثمة، وسعيد بن أسد، وغيرهما؛ وكان أبو مسلم الخولاني
مسلما على عهد رسول الله مَةٍ، وقدم المدينة حين استخلف أبو بكر الصديق،
(84) قال : أ، فقال : ق.
(85) ذلك أمل : أ، ذلك أيضا أهل : ق.
~ 19] -

وقد أجرينا ذكره في كتاب الصحابة على شرطن(86). وقد روى عنه أبو
إدريس الخولاني حديثا نذكره في آخر هذا الباب - إن شاء الله.
قال أحمد بن زهير : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أبو مسلم الخولاني
اسمه عبد الله بن ثوب، سمعته من أبي المغيرة؛ قال أحمد بن زهير: وسألت
يحيى بن معين عن أبي مسلم الخولاني، فقال : اسمه عبد الله بن ثوب، شامي
ثقة(87).
قال أبو عمر :
قد روي عن أبي إدريس الخولاني في هذا الحديث مثل رواية أبي مسلم
الخولاني - سواء : عن معاذ، وعن عبادة؛ فأما حديثه عن معاذ، فنحو حديث
أبي مسلم عنه؛ فقد ذكرناه من رواية أسد عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر
ابن حوشب، عن أبي إدريس : عائذ الله بن عبد الله عن معاذ.
وأما حديث أبي إدريس، عن عبادة، فمثل حديث أبي مسلم أيضا؛
فذكره(88) ابن أبي شيبة، قال حدثنا غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن
الوليد بن عبد الرحمان، عن أبي إدريس، قال : حدثت عبادة بن الصامت
فقال : لا أحدث إلا بما(89) سمعت على لسان رسول الله يفرٍ: حقث محبتي
للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، أو المتواصلين - شك شعبة في
المتواصلين والمتزاورين؛ وقد يمكن أن يكون أبو إدريس وأبو مسلم الخولانيان
عرض لكل واحد منهما ما روي في هذا الباب عنهما مع معاذ وعبادة . والله
أعلم بالصحيح في ذلك، ولا يقطع على خبر الآحاد.
(86) نظر الاستيعاب 1757/4.
(87) انظر تهذيب التهذيب 235/12- 236.
(88) فذكره : أ، ذكره : ق.
(89) بما : أ، فيما : ق.
- 132 -

وأما إسناد مالك عن أبي حازم فصحيح، وليس في شيء من الأسانيد عن
أبي إدريس، ولا عن أبي مسلم مثله، ولا ما يلحق به؛ وحديث أبي مسلم
الخولاني إنما يدور على حبيب بن أبي مرزوق - وليس ممن يعارض بمثله
حديث لمالك عن أبي حازم؛ وكذلك حديث يعلى بن عطاء عن الوليد أيضا
ليس بحجة على حديث مالك عن أبي حازم. وقد روى أبو إدريس الخولاني
عن أبي مسلم الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي ◌َافٍ حديث :
تبايعوني - بتمامه. وهو يدخل في رواية النظير عن النظير: حدثناه أحمد بن
فتح، قال حدثنا أبو علي الحسن بن عبد الله بن الخضر، حدثنا محمد بن صالح
الدمشقي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد
العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني،
قال : حدثني الحبيب الأمين، أما هو إلي فحبيب؛ وأما هو عندي فأمين :
عوف بن مالك الأشجعي، قال : كنا عند النبي ◌َف تسعة أو ثمانية، فقال : ألا
تبايعون رسول الله صلاته؛ فبسطنا أيدينا فبا يعناه؛ ثم قال قائل: يارسول الله،
على م نبايعك ؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وتصلوا
الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا؛ وأشد كلمة: ولا تسألوا الناس شيئا، فلقد
كان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه. وهذا
حديث مشهور ليس من هذا الباب، ولكني ذكرته لرواية أبي إدريس له مع
جلالته - عن أبي مسلم؛ فإن من الناس من جعل أبا مسلم الخولاني مجهولا،
وهذا جهل بهذا الشأن، وحسبك برواية أبي إدريس - وهو من أجل تابعي
الشاميين عنه.
وأما حديثه في هذا الباب، فمعروف عن معاذ، وعن عبادة أيضا، وهو عن
معاذ أشهر، وكلاهما محفوظ.
وحدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد بن مسرهد، قال حدثنا حماد بن زيد عن
- 133 -

الجريري عن رجل، قال : قلت لمعاذ بن جبل، إني أحبك في الله، أو أحبك
لله، فقال لي : انظر ما تقول - قالها ثلاث مرات؛ ثم ثم قال: إني سمعت رسول
الله ◌َختم يقول: إن الله يحب الذين يتحابون في الله، ويحب الذين يتقاعدون
فيه، ويحب الذين يتباذلون فيه، ويحب الذين يتزاورون فيه، ويحب الذين
یتجاورون فیه.
قال أبو عمر :
قوله براق الثنايا - أي أبيض الثنايا، وقد مضى في باب أبي طوالة في
المتحابين في الله ما فيه كفاية - والحمد لله.
ولقد أحسن أبو العتاهية - رحمه الله - في قوله :
من لم يكن في الله يمنحك الهوى مزج الهوى بملالة وثقال
حديث ثامن لأبي حازم
مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سعيد بن المسيب، أن
رسول الله ◌َخّ نهى عن بيع الفَرّر(9).
هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد مرسل، لم تختلف الرواة عن
مالك فيه - فيما علمت؛ وقد روى فيه أبو حذافة عن مالك إسنادا منكرا عن
نافع، عن ابن عمر :
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا الحسن بن علي المطرز، حدثنا أحمد بن
الحسن بن هارون الصباحي، حدثنا أبو حذافة، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن
عمر، أن رسول الله ◌َّ نهى عن بيع الغرر.
(90) الموطأ رواية يحيى ص 461 - حديث (1361) - والحديث أخرجه مسلم من طريق عبيد الله
- بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج. انظر الزرقاني على الموطأ 313/3.
- 134 -

قال أبو عمر :
هذا منكر الإسناد(91) لا يصح، والصحيح فيه عن مالك: ما في الموطأ
عن أبي حازم، عن سعيد - مرسلا، وهو حديث يتصل ويستند من حديث أبي
هريرة بنقل الثقات الأثبات :
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا إسحاق
ابن إبراهيم بن يونس، قال حدثنا محمد بن يزيد الثغري، قال حدثنا روح بن
عبادة، قال حدثنا شعبة، عن سيار، عن الشعبي، عن أبي هريرة، أن النبي 104َ
نهى عن بيع الغرر.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا إسحاق
ابن إبراهيم، قال حدثنا عبد الرحمان بن يونس، قال حدثنا ابن أبي حازم، عن
أبيه، عن سهل بن سعد، عن النبي ◌َاقٍ مثله.
قال أبو عمر :
هذا خطأ، ولم يرو هذا الحديث - أبو حازم عن سهل، وإنما رواه عن
شعيد بن المسيب - كما قال مالك، وليس ابن أبي حازم في الحديث ممن
يحتج به فيما خالفه غيره، وهو عندهم لين الحديث، ليس بحافظ؛ وهذا
الحديث محفوظ من حديث أبي هريرة، ومعلوم أن سعيد بن المسيب من كبار
رواة أبي هريرة.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن إدريس، ويحيى بن
سعيد، وأبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، أن النبي ◌َّلُ نهى عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة (92).
(91) هذا منكر الإسناد لا يصح: أ، وهذا حديث منكر لا يصح : ق.
(92) أخرجه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 331/6.
- 135 -

وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوراث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد العزيز
ابن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن أبي الزناد، عن نافع، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَجّ نهى عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة. وقال: أيما رجل اشترى
محفظة فله أن يمسكها ثلاثا، فإن رضيها أمسكها، وان سخطها ردها وصاعا من
تمر(93).
قال أبو عمر :
بيع الغرر يجمع وجوها كثيرة، منها : المجهول كله في الثمن والمثمن إذا
لم يوقف على حقيقة جملته، فبيعه على هذه الحال من بيع الغرر؛ وان وقف
على أكثر ذلك، ويحاصر حتى لا يشكل المراد فيه، (94) فما جهل منه من التافه
اليسير الحقير والنزر في جنب الصفقة إذا كان مما لا يمكن الوصول إلى
معرفة حقيقته، فلا يضر ذلك، وهو متجاوز عنه غير مراعى عند جماعة العلماء.
ومن بيوع الغرر: بيع الآبق، والجمل الشارد، والإبل الصعاب في المرعى؛
وكذلك الرمك والبقر الصغار إذا كان الأغلب من أمرها جهل أسنانها وعدم
تقليبها؛ والحيتان في الآجام، والطائر غير الداجن - إذا لم يكن مملوكا مقبوضا
عليه؛ والقمار كله من بيع الغرر، وبيع الحصاة من القمار؛ ومعنى بيع الحصاة -
عندهم أن تكون جملة ثياب منشورة أو مطوية، فيقول القائل : أي هذه الثياب
وقعت عليها حصاتي هذه فقد وجب فيها البيع بيني وبينك بكذا دون تأمل ولا
رؤية، فهذا أيضا غرر، واسم بيع الغرر اسم جامع لهذه المعاني كلها وما أشبهها،
إلا أن العلماء اختلفوا في الآبق يكون في يد مشتريه : فقال مالك : لا يجوز.
(93) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(94) فيه : أ، منه : ق.
- 136 -

بيع الأبق إلا أن يكون بحيث يقدر على تسليمه، ويعرف البائع والمشتري حاله
في وقت البيع.
وقال الحسن بن حي، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن : لا يجوز بيع
العبد الآبق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز بيع العبد الآبق إلا أن يكون في يد
مشتریه.
وقال عثمان البتي : لا بأس ببيع الآبق والبعير الشارد، وإن هلك فهو من
مال المشتري؛ وإن اختلفا في هلاكه، فعلى المشتري البينة أنه هلك قبل أن
يشتريه، وإلا أعطاه قيمته، وكذلك المبتاع إذا تقدم شراؤه.
قال أبو عمر :
قول عثمان البتي هذا هو مردود بالسنة المذكورة في هذا الحديث،
وقول أبي حنيفة في جواز بيعه إذا علمه المشتري دون البائع ليس بشيء؛
والصحيح ما قاله مالك فيما ذكرنا عنه، وهو مذهب الشافعي وغيره أيضا - إذا
كان على ما وصفنا؛ والبيع الفاسد من بيوع الغرر وغيرها إذا وقع فسخ إن
أدرك قبل القبض وبعده، فإن فات بعد القبض رد إلى قيمته - بالغا ما بلغ يوم
قبضه إلى يوم وقعت صفقته؛ فإن أصيب عند البائع قبل القبض، فمصيبته بكل
حال منه؛ ومن هذا الباب بيع اللبن في الضرع، وبيع المغيب تحت الأرض من
البقول إذا لم تر؛ ومن ذلك بيع الدين على المفلس وعلى الميت، وبيع
المضامين والملاقح، (95) وحبل حبلة؛(96) وقد مضى تفسير ذلك في باب نافع.
(95) أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 307/6.
(96) أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر- المرجع السابق 330/6.
- 137 -
٠
:

ومن ذلك بيع الجنين في بطن أمه، وكل ما لا يدري المبتاع حقيقة ما يحصل
عليه ولا ما يصير إليه؛ وفروع هذا الباب كثيرة جدا، وللعلماء فيها مذاهب،
لو تقصيناها لخرجنا عن تأليفنا ومقصدنا - وبالله التوفيق.
حديث تاسع لأبي حازم
مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال : ساعتان
تفتح لهما أبواب السماء، وقلّ داع ترد عليه دعوته : حضرة النداء
للصلاة، والصف في سبيل الله(97).
هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في الموطأ عند جماعة الرواة، ومثله
لا يقال من جهة الرأي؛ وقد رواه أيوب بن سويد، ومحمد بن خالد (98)،
وإسماعيل بن عمرو، عن مالك - مرفوعا. كتب إلي أبو الفضل أحمد بن أبي
عمران الهروي - إجازة بخطه - قال حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن عاصم
الأصبهاني، قال حدثنا أبو بشر الدولابي، قال حدثنا أبو عمير أحمد بن عبد
العزيز بن سويد البلوي، حدثنا أيوب بن سويد، قال حدثنا مالك، عن أبي
حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله في: ساعتان تفتح فيهما أبواب
السماء، وقلما ترد على داع دعوته : لحضور الصلاة، والصف في سبيل الله(99).
قال : وحدثنا الطبراني، قال حدثنا موسى بن جمهور، قال حدثنا مؤمل
أبن إهاب، قال حدثنا أيوب بن سويد، حدثني مالك، عن أبي حازم، عن سهل
(9) الموطأ رواية يحيى ص 57 - حديث (150) - والحديث رواه الطبراني والحاكم في
المستدرك، والديلمي عن سهل به - مرفوعا. انظر الزرقاني على الموطأ 146/1.
(98) محمد بن خالد: ق، محمد بن مخلد: أ - ولعله تحريف، والصواب ما في نسخة : ق.
انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 142/9 - 143.
(99) أخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد الساعدي 81/4.
- 138 -

ابن سعد، قال: قال رسول الله جلّ: ساعتان لا ترد على داع دعوته فيها:
حين تقام الصلاة، والصف في سبيل الله.
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن زکریاء، حدثنا
محمد بن جعفر الكوفي، حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا أبوب بن سويد،
حدثني مالك - فذكره بإسناده مرفوعا.
وحدثنا خلف، حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق بن عتبة الرازي، وأبو
القاسم علي بن الحسن بن جعفر بن أخي محمد بن جعفر الإمام بدمياط(100)،
قالا حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا محمد بن مخلد الرعيني، حدثنا
مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله وَال: ساعتان
تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد فيهن دعوة : حضور الصلاة، وعند الصف
للقتال.
وقد روي عن النبي مَت أنه قال : لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة من
وجوه حسان :
أخبرنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن السكن، حدثنا يحيى بن محمد بن
ساعد، حدثنا حفص بن عمرو الرقاشي، حدثنا أبو زياد سهل بن زياد الطحان،
عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك، عن النبي ◌ٍّ، قال : إذا نودي بالأذان،
فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء (101).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد
ابن عبد السلام الخشني، حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمان بن مهدي، حدثنا
سفيان عن زيد، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك، قال : لا يرد الدعاء بين
(100) ابن خياط: أ، بدمياط : ق - ولعله الأنسب.
(101) أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أنس.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 449/1.
- 199 -

الأذان والإقامة. وروى يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال : قال رسول
الله ◌َّ عند الاذان تفتح أبواب السماء، وعند الإقامة لا ترد دعوة.
وقال عطاء : عند نزول الغيث، والتقاء الزحفين، والأذان، يستجاب
الدعاء.
وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير،
حدثنا أبو عميرة عبد العزيز بن أحمد بن سويد، حدثنا أيوب بن سويد الرملي،
حدثنا مالك بن أنس، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال : قال
رسول الله : ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقلما ترد على الداعي فيهما
دعوته : حضور الصلاة، والصف في سبيل الله.
وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير،
حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، قال حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك، قال : قال رسول
الله ◌َل: إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة.
وأخبرنا أحمد،(102) حدثنا أحمد، (102) حدثنا محمد بن جرير، حدثنا أبو
هشام الرفاعي، حدثنا ابن عامر، حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس
معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ◌َتع: الدعاء لا يرد
بين الأذان والإقامة، ووقفه ابن مهدي عن سفيان : حدثنا أحمد، حدثنا محمد،
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمان، حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي
إياس، عن أنس بن مالك، قال : لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة. قال :
وحدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان التيمي،
عن قتادة، عن أنس قال: إذا أقيمت الصلاة، فتحت أبواب السماء، واستجيب
الدعاء.
(102) يعني بأحمد الأول أحمد بن محمد، ويأحمد الثاني أحمد بن الفضل، كما مر في السند
السابق.
- 140 -